النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
الجزء العشرون
الكتاب الناطق بالحق ، يقلى على مسامعهم صباح مساء ، ويهديهم إلى ما فيه
سعادتهم، أو تدبروه وآمنوا به ، واتبعوا أوامره ونواهيه؟
والتعبير بقوله - سبحانه -: ((يتلى عليهم))، يشير إلى أن هذه
التلاوة متجددة عليهم، وغير منقطعة عنهم، وكان فى إمكانهم أن ينتفعوا
بها لو كانوا يعقلون،.
واذا ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: «إن في ذلك لرحمةوذ كري
لقوم يؤمنون ).
أى: إن فى ذلك الكتاب الذى أنزلناه عليك - أيها الرسول الكريم-،
والذى قتلوه عليهم صباح مساء، لرحمة عظيمة، وذكرى نافعة ، لقوم
يؤمنون بالحق، ويفتحون عقولهم الرشد، لا التعنت والجحود والعناد.
ثم أرشده - سبحانه - إلى جواب آخر يرد به عليهم فقال :

٦٢
سورة العنكبوت
قُلْ كَفَ بِالِّبَيْنِ.
وَبَيْنَكُمْ شَهِدًا يَعْلَمُ مَا ◌ِ السَّمَنُوَّتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
بِالْبَطِلِ وَ كَفَرُواْبِلَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُ ونَ (﴾ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ.
ج
بِالْعَذَابِ، وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمَّى لَآءَ هُمُ الْعَذَّابُ وَيَأْتِنَّهُمْ بَغْتَةً
وَهُمْلاَ يَشْعُرُونَ ﴿ يَسْتَعِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهََّ لَمُحِيطَةٌ.
بِالْكَفِرِينَ ﴿ يَوْمَ يَغْتَشُهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتٍ
أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (َ يَعِبَادِىَ الَّذِينَءَامَنُواْ
إِنَّ أَرْضِ وَسِعَةٌ فَلَى فَاعْبُدُونِ (٤٦ كُلُّ نَفْسِ ذَابِقَةُ الْمَوْتِّ ثُمْ
إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ لُنُبَوَِّنَّهُمْ
مِنَ الْجَنَّةِ غُرَّ تَجْرِى مِنْ تَحْهَا الْأَنْهُ ◌َِدِينَ فِهَاَ نِعْمَ أَبُ
الْغَمِلِينَ (٨ّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِهِمْ يَتَوُّونَ (3) وَكَأَيِّنْ مِنْ
دْآَبٍَّلََّحِلُ رِزْقَهَا الله ◌ُهَا وَ إِذَا كُّ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِمُ
أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاهلين: يكفينى كفاية
قامة أن ي ون الله - تعالى - وحده، هو الشهيد بينى وبينكم على أنى.
صادق فيما ألمغه عنه ، وعلى أن هذا القرآن من عنده

٦٣
الجزء الحادى والشرون
وهو - سبحانه - «يعلم مافى السموات والأرض، علما لا يعزب عنه
شىء، وسيجازينى بما أستحقه من ثواب، وسيجازيكم بما تستحقونه من مقاب.
(((والذين آمنوا بالباطل، وأعرضوا عن الحق ((وكفروا بالله- تعالى-
مع وضوح الأدلة على أنه - سبحانه - هو المستحق للعبادة والطاعة.
الذين فعلوا ذلك: ((أولئك هم الخاسرون، خسارة ليس بعدها خارة)).
حيث آثروا الغى على الرشد، واستحبوا العمى على الهدى ، وسيكون أمرهم
فرطا فى الدنيا والآخرة .
وقوله - عز وجل -: (ويستعجلونك بالعذاب .. ، بيان للون آخر
من ألوان انطماس بصيرة هؤلاء الكافرين، ومن سفاهاتهم وجهالاتهم.
« أى : أن هؤلاء المشركين لم يكتفو ابتكذيبك - أيها الرسول الكريم -بل
أضافوا إلى ذلك ، التطاول عليك، لسوء أدبهم، وعدم فهمهم لو ظيفتك.
بدليل أنهم يطلبون منك أن تنزل عليهم العذاب بعجلة وبدون إبطاء، على سبيل
التحدى لك، كما قالوا فى موطن آخر: «اللهم إن كان هذا هو الحق من
عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو اتقنا بعذاب أليم، .
ثم يبين أنه - تعالى - حكمته فى تأخير عذابه عنهم إلى حين فيقول:
( ولولا أجل مسمى لجام العذاب .. ))
أى: يستعجلك المشركون يا محمد فى نزول العذاب بهم، والحق أنه لولا
أجل مسمى، ووقت معين، حدده الله - تعالى - فى علمه لنزول العذاب
بهم، لجاءهم العذاب فى الوقت الذى طلبوه، بدون إبطاء أو تأخير.
ومع ذلك فقل لهم - أيها الرسول الكريم - إن هذا العذاب آت لا ريب
فيه فى الوقت الذى يماؤه الى - تعالى -، وإن هذا العذاب المدمر المهلك:
( ليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون)).
أى : ليحلق عليهم فجأة وبدون مقدمات، والحال أنهم لا يشعرون به، بل
يأتيهم بغتة فيبهتهم ، ويستأمل شأفتهم.

٩٤
محردة العنكبوت
ثم كرر - سبحانه - أقوالهم على سبيل التعجيب من حالهم، والقسلمية
الرسول - صلى اله عليه وسلم - عما لقيه منهم، فقال: «يستعجلونك
بالعذاب وإن جهنم محيطة بالكافرين » .
أى: يستعجلونك - أيها الرسول الكريم - بالعذاب، الذى لا يطلبه
أحد فى ذهنه مثقال ذرة من عقل، والحال أن ما استعجلوه سينزل بهم
لا محالة، وستحيط بهم جهنم من كل جالب .
ثم بين - سبحانه - كيفية إحاطة جهنم بهم فقال: («يوم بنظام العذاب ...
أى: ستحيط بهم جهنم من كل جانب، يوم يحمل بهم العذاب .من
فوقهم ومن تحت أرجلهم، أى : من جميع جهاتهم .
(( ويقول)) - سبحانه - لهم، على سبيل التقريع والتأنيب ((ذوقوا
ماكنتم تعملون، أى: تذوقوا العذاب المهين الذى كنتم تستعجلوه فى الدنيا
والذى أحاط بكم من كل جانب بسبب أعمالكم القبيحة، وأقوالكم الباطلة.
.
•
وبعد أن بين -سبحانه - سوء عاقبة المكذبين، الذين استعجلوا العذاب
لجهلهم وعنادهم، أتبع ذلك بتوجيه نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه بالثبات على
الحق، فقال - تعالى - يا عبادي الذين آمنوا: إن أرضى واسعة .. ))
قال الإمام ابن كثير: قوله - تعالى -: ((باعبادى الذبن آمنوا إن أرض
واسعة ... )): هذا أمر من الله - تعالى - لعباده المؤمنين، بالحجرة من
البلد الذى لا يقدرون فيه على الدين، إلى أرض الله الواسعة، حيث يمكن
إقامة الدين ، بأن يوحدوا الله ويعبدوه كما أمرهم ..
روى الإمام أحمد عن أبى يحيى مولى الزبير بن العوام قال: قال رسول أنه
- -: البلاد بلاد الله، والعباه عباد الله، فحينما أصبحت خيرا (أفم)).
ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها، خرجوا مها جرين إلى
أرض الحبشة، ليأمنوا على دينهم هناك .. ثم بعد ذلك، هاجر الرسول

٢٥
الجزء الحادى والشرون
-- صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إلى المدينة المنورة .. ))(١).
وفى نداثهم بقوله: (( ياعبادى)، وفى وصفهم بالإيمان، تكريم وتشريف
لهم، حيث أضافهم - سبحانه - إلى ذاته ، ونعتهم بالنعت المحبب
إلى قلوبهم .
وقوله: ((إن أرضى واسعة «تحريض لهم على الهجرة من الأرض التى
لا يتمكنون فيها من إقامة شعائر دينهم، فكأنه - سبحانه - يقول لهم : ليس
هناك ما يجبركم على الإقامة فى تلك الأرض التى لاقدرة لكم فيها على إظهار
دينكم ، بل اخرجوا منها فإن أرضى واسعة، ومن خرج من أجل كلمة الله،
رزقه الله - تعالى - من حيث لا يحتسب.
ومن المفسرين الذين أجادوا فى شرح هذا المعنى، صاحب الكشاف
- رحمه الله - فقد قال: ومعنى الآية: أن المؤمن إذا لم يتسهل له العبادة فى بلد
هو فيه، ولم يتمش له أمر دينه كما يحب، فليهاجر عنه إلى بلد يقدر أنه فيه
أسلم قلبا، وأصبح دينا، وأكثر عبادة ..
ولعمرى إن البقاع تتفاوت فى ذلك التفاوت الكثير، ولقدجربناوجرب
أولونا، فلم نجد فيما درنا وداروا: أعوض على قهر النفس، وعصيان الشهوة،
وأجمع القلب المتلفت، وأضم للهم المنتشر، وأحد على القناعة ، وأطرد
الشيطان، وأبعد عن الفتن .. من سكنى حرم الله، وجوار بيت اله، فلله
الحمد على ماسهل من ذلك وقرب .. )، (٢).
(١) تفسير ابن كثير - ٦ ص ٠٢٩٩
(٢) تفسير الكشاف +٣ ص ٠٤٦١
(٥٢ - العنكبوت)

٦٦
سورة النكبوت
والفاء فى قوله - تعالى - ((فإياى فاعبدون، بمعنى الشرط، ..
وإياى منصوب بفعل مضمر، قد أستغنى عنه بما يشبه. أى: فاعبدوا إياه.
تعبدون .
والمعنى: إن ضاق بكم مكان، فإياى فاعبدوا، لأن أرضى واسعة،
وأنه تضيق بكم .
ثم رغبهم بأسلوب آخر فى الهجرة من الأرض الظالم أهلها، بأن بين لهم.
بأن الموت سيدر كهم فى كل مكان؛ فقال - تعالى -: «كل نفس ذائقة
الموت ، ثم إلينا ترجعون)).
أى: كل نفس سواء أكانت فى وطنها الذى عاشت فيه أم فى غيره،
ذائقة لهمرارة الموت، ومتجرعة لكأسه، ثم إلينا بعد ذلك ترجعون جميعا
لتحاسبكم على أعمالكم.
ثم بين - سبحانه - ما أعده المؤمنين الصادقين من جزاء طيب فقال:
((والذين آمنوا وعملوا الصالحات، لنبوتنهم من الجنة فراً .....
أى: والذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات، لتنزلنهم من الجنة غرفا
حالية فخمة، هذه الغرف من صفاتها أنها «تجرى من تحتها الأنهار،
زيادة فى إكرام أصحابها، وفضلا عن ذلك فقد جعلناهم (( خالدين فيها.
خلودا أبديا .
والمخصوص بالمدح فى قوله: (( فعم أجر العاملين)) محذوف. أى: )
فعم أجر العاملين ، أجر هؤلاء الذين آمنوا وعملو الصالحات.
وقوله: (( الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون، صفة لهؤلاء العاملين.

٦٧
الجزء الحادى والعشرون
أي: من مناقبهم الجليلة أنهم يصبرون على طاعة الله، وعلى كل مايحسن
معه الصبر، وأنهم يفوضون أمورهم إلى خالقهم لا إلى غيره.
ثم رغمهم - سبحانه - فى الهجرة لإعلاء كلمة الله بأسلوب ثالث، حيث بين
لهم أن هجرتهم أن تضيع شيئاً من رزقهم الذى كتبه أنه لهم، فقال - سبحانه -:
((وكلين من دابة لا تجمل رزقها، الله يرزقها وإيا كم وهو السميع العليم)).
روى أن بعض الذين أسلموا بمكة عندما أمرهم النبى - صلى الله عليه
وسلم - بالهجرة إلى المدينة قالوا: كيف نهاجر إلى بلدة ليس لنا فيها معيشة
فنزلت هذه الآية .
وكلمة « كأين)). مركبة من كاف التشبيه وأى الاستفهامية المنونة، ثم مجر
معنى جزأيها وصارت كامة واحدة بمعنى كم الخبر ية الدالةعلى التکثیر. و یکنیبها
عن عدد"مبهم فتفتقر إلى "تمييز بعدها. وهى مبتدأ. و((من دابة))
تمبيرلها .
وجملة: ((لا تحمل رزقها، صفة لها، وجمله («الله يرزقها ، هى الخبر.
والدابة : اسم لكل نفس قدب على وجه الأرض سواء أكانت من
العقلاء أم من غير العقلاء.
أى: وكثير من الدواب التى خلقها الله - تعالى - بقدرته، لا تستطيع
تحصيل رزقها، ولا تعرف كيف توفره لنفسها، لضعفها أو حجزها ..
ومع هذا الله - تعالى - برحمته وفضله يرزقها ولا يتركها تموت جوعا،
وبرزقكم أنتم - أيضاً -، لأنه لا يوجد مخلوق - ٠هما اجتهد ودأب-
يستطيع أن يخلق رزقه .

٦٨
سورة العنكبوت
(وهو)) - سبحانه - ((السميع) لكل شىء ((العلم)) بما تسرون
وما تعلنون .
وقدم - سبحانه - رزق الدابة التى لا تستطيع تحصيله ، على رزقهم
فقال: ((الله يرزقها وإيا كم)) لينفى من قلوب الناس القلق على الرزق،
وليشعرهم بأن الأسباب ليست هى كل شىء، فإن واهب الأسباب، لا يترك
أحدا بدون رزق، ولإزالة ما قد يخطر فى النفوس من أن الهجرة من أجل
إعلاء كلمة الله قد تنقص الرزق ..
وهكذا يسوق - سبحانه - من المرغبات فى الهجرة فى سبيله، ما يقنع
النفوس؛ ويهدى القلوب، ويجعل المؤمنين يقبلون على تلبية فدانه، وهم
آمنون مطمئنون على أرواحهم، وعلى أرزاقهم، وعلى حاضرهم ومستقبلهم
فسبحان من هذا كلامه .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان ما عليه المشركون من
تناقض فى أفكارهم وفى تصوراتهم ، وببيان حال هذه الحياة الدنيا وببيان
جانب من النعم التى أنعم بها على أهل مكة ، وبيان ما أعده للمجاهدين فى
سبيله من ثواب ، فقال - تعالى -:

=
الوادى والعشرون
وَلَيْنِ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضَ وَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
ج
فَيَقُولُنَّ اللّهُ فَّى يُؤْفَكُونَ (﴾ اله ◌َيْسُطُ الْرِزْقَ لِمَنْ يَشُّمِنْ عِبَادِه
وَيَقْدِرُلَهُ ◌ٍ إِنَّ اللّهَ ◌ِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾ وَبِنْ سَأَلْتَهُمْ مِّنْ نَزَّلَ
مِنَ الَّمَاءِ مَآءَ فَأَحْيَابِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ قُلٍ
الْحَمْدُ لِِّ بَلْ أَكْثُ هُمْ لَ يَعْقِلُونَ () وَمَا هَذِهِ الْخَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّ
◌َهُوْ وَلِعِبٌ وَ إِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لِىَ الْخَيْوَانُ لَوْكَانُوا يَعْلُنَ (٦)
فَإِذَا رَكُواْفِ الْقُلْكِ دَعُواْلّهَ خْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَّا تَُّهُمْ إِلَى
اَلْبِ إِذَاهُمْ يُشْرِكُونَ (٥ لِيَكْفُرُ واْبَِآءَالََُّمْ وَلِيَهْتَعُواْ فَسَوْفٍ
يُعْلَمُونَ () أَوَلَمْ يَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَمَّاءَامِنَّ وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْيٍِّ
أَفَالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ ﴾ وَمَنْ أَظْلم ◌ِنْ أَفْتَرَهُ
عَلَى اللهِ كَذِبًّاأَوْ كَذَّبَ بِالْحَنِّلَمَّا جَاءَهُ ◌ٍ أَلَيْسَ فِ جَهَنَّمَ مَنْوَى
لِلْكَّفِ ينَ ﴾ وَالَّذِينَ جَهَدُ واْفِينَهْدِنَّهُمْ سُكَثًا وَ إِنَّالَّهَلَمَعّ
الْمُحْسِينَ ﴾
وقوله - سبحانه -: ((وائز سألتهم من خلق السموات والأرض،
وسخر الشمس والقمر، ليقوأن الله.، بيان لما كان عليه مشركو العرب
من اعتراف بأن المستقل يخلق هذا الكون مو إف - تعالى -.

٢٠
سورة الحنكـ
أى: ولت سألت - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين، من الذى
أوجد هذه السموات وهذه الأرض، ومن الذى ذلل وسخر لمنفعتكم الشمس
والقمر، ليقولن بدون تردد: الله - تعالى - هو الذى فعل ذلك بقدرته.
وقوله - سبحانه -: ((فأنى يؤفكون، تعجب من تناقضهم فى أفعالهم،
ومن انحراف فى تفكيرهم، ومن تركهم العمل بموجب ماتقتضيه أقوالهم.
أى: إذا كنتم معتر فين بأن الله وحده هو الخالق السموات والأرض
والمسخر الشمس والقمر، فلماذا أشركتم معه فى العبادة آلهة أخرى؟ ولماذا
الصرفون عن الأقرار بوحدانيته - عز وجل - ؟
ثم بين - سبحانه - أن الأرزاق جميعها بيده، بوسعها لمن يشاء ويضيقها
على من يشاء فقال: ((الله يبسط الرزق إلى يشاء من عباده ويقدر له .. ))
والضمير فى قوله: ((له)) يعود على ((من)) على حد قولك: عندى درهم
ونصفه . أى : ونصف درهم آخر .
أى: الله - تعالى - وحده هو الذى يوسع الرزق لمن يشاء أن يوسعه
عليه من عباده، وهو وحده الذى بهيق الرزق على من يشاء أن يضيقه عليه
من عباده . - سبحانه - لا يسأل عما يفعل، وأفعاله كلها خاضعة لمدينته
وحكمته، وكل شىء عنده بمقدار .
ويجوز أن يكون المعنى: الله - تعالى - وحده هو الذى بقدرته أن
يوسع الرزق لمن يشاء من عباده تارة، وأن يضيقه عليهم قارة أخرى .
فعلى المعنى الأول: يكون البسط فى الرزق لأشخاص؛ والتضييق على
آخرين، وعلى المعنى الثانى يكون البسط والتضيق للأشخاص أنفسهم
ولكن فى أوقات مختلفة.

١٠
الهدوء الحادى والعشرون
والله - تعالى- قادر على كل هذه الأحوال، لأنه - سبحانه-لا يعجز.شىء.
(((إن الله بكل شىء عليم، فيعلم ما فيه صلاح عباده وما فيه فسادهم، ويعلم
من يستحق أن يبسط له في رزقه ، ومن يستحق التضييق عليه فى رزقه .
ثم أكد - سبحانه - للمرة الثانية اعتراف هؤلاء المشركين بقدرة الله
- تعالى - فقال: ((ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء، أى: ماء كثيرا
, فأحيا به الأرض من بعد موتها، أى: فجعل الأرض بسبب نزول الماء
عليها تصبح خضراء بالنيات بعد أن كانت جد باء قاحلة .
لئن سألتهم من فعل ذلك ,ليقولن الله، هو الذى فعل ذلك.
((قل الحمدقه)) أى: قل - أيها الرسول الكريم - على سبيل الثناء على
الله - تعالى -: الحمد فه الذى أظهر حجته، جعلهم ينطقون بأنك على الحق
المبين، ويعترفون بأن إشراكهم إنما هو من باب العناد والجحوه.
وقوله - سبحانه -: « بل أكثرهم لا يعقلون)) إضراب عماهم عليه من
إنحراف وتناقض، إلى بيان حقيقة حالهم، وتسليه الرسول - صلى الله
عليه وسلم - عما يعتريه بسببهم من حزن .
أى: بل أكثرهم لا يعقلون شيئا ما يجب أن يكون عليه العقلاء من
فهم سلم للأمور، ومن العمل بمقتضى ما تنطق به الألسنة.
وفى التعبير بأكثرهم، إنصاف لقلة منهم عقلت الحق فانبعته، وآمنت به
وصدقته ، ثم بين - سبحانه - هوان هذه الحياة الدنيا ، بالنسبة الدار
الآخرة فقال: ((وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب، وإن الدار الآخرة لهي
الحيوان لو كانوا يعلمون)).
واللهو: إعتفال الإنسان بمالا يعنيه ولا يهمه. أو هو الاستمتاع
ملذات الدنيا .

٧٢
سورة المنكبوت
واللعب: العبث. وهو فعل لا يقصد به مقصد صحيح.
أى : أن هذه الحياء الدنيا ، وما فيها من حطام، تشبه فى سرعة إنقضائها.
وزوال متعها، الأشياء التى يلهوبها الأطفال، يجتمعون عليها وقتا، ثم
ينفضون عنها .
أما الدار الآخرة، فهى دار الحياة الدائمه الباقية، التى لا يعقبها ،وت،.
ولا يعتريها فناء ولا انقضاء .
وافظ ((الحيوان)) مصدر حى. سمى به ذو الحياة، والمراد به هنا:
نفس الحياة الحقة .
وقوله: ((لو كانوا يعدون، أى: لو كانوا يعلمون حق العلم، لما آ ثروا
متع الدنيا الفانية على خيرات الآخرة الباقية .
ثم بين - سبحانه - حالهم عندما يحيط بهم البلاء فقال - تعالى - : «فإذا
ركبوا الفلك دعوا الله مخلصين له الدين .. ».
أى: أن من صفات هؤلاء الجاحدين، أنهم إذا ركبوا السفن، وجرت ..
بهم بريح طيبة وفرحوا بها، ثم جاءتهم بعد ذلك ريح عاصف ، وظنوا أن
الغرق قد اقترب منهم، تضرعوا إلى الله - تعالى - مخلصين له العبادة.
والدعاء .
(فلما نجاهم إلى البر» بفضله وكرمه، وأنقذهم من الغرق المحقق.
((إذا هم يشر كون، مع الله - تعالى - غيره فى العبادة والطاعة.
وقد فعلوا ذلك:« ليكفرو بما آتيناهم، من نعم، وبما منحناهم من
فضل ورحمة .

الجوء الحادى والعشرون
((وليتمتعوا)) بمتع هذه الحياة وزينتها إلى حين ((فسوف بعدون، عما
قريب عاقبة هذا الكفران أنعم الله ، وهذا التمتع بزينة الحياة الدنيا دون
أن يعملوا شيئا ينفعهم فى أخراهم .
قال الألوسى: قوله: ((ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا،: الظاهر أن اللام
فى الموضعين لام كى، أى: يشركون ليكونوا كافرين بماآتيناهم من نعمة
النجاة بسبب شركهم، وليتمتعوا باجتماعهم على عبادة الأصنام، فالشرك
سبب لهذا الكفران. وأدخلت لام كى على مسببه؛ لجعله كالغرض لهم منه،
فهى لام العاقبة فى الحقيقة .
وقيل : اللام فيهما لام الأمر، والأمر بالكفران والتمتع، مجاز فى
التخلية والخفلان والتهديد، كما تقول عند الغضب على من يخالفك:« افعل
ما شئت)) (١).
ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة الحرم الآمن ، الذى يعيشون فى جواره
مطمئنين، فقال: « أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس
من حوهم».
أى: أجهل هؤلاء قيمه النعمة التى هم فيها,ولم يدر كواو يشاهدوا
أفا جعلنا بلادهم مكة حرما آمنا، يأمنون فيه على أموالهم وأنفسهم وأعراضهم
والحال أن الناس من حولهم يقتل بعضهم بعضا، ويعتدى بعضهم على بعض
بسرعة وشدة . والتخطف : الأخذ بسرعة .
قال صاحب الكشاف: كانت العرب حول مكة يغزو بعضهم بعضاً».
(١) تفسير الآلومى = ٢١ ص ١٣.
-

٧٤
سورة العنكبوت
ويتغاورون، ويتناهبون، وأهل مكة قارون فيها آمنون لا يغار عليهم مع
قلتهم وكثرة العرب، فذكرهم الله بهذه النعمة الخاصة عليهم)) (١).
والاستفهام فى قوله - تعالى -: ((أفبالباطل يؤمنون! وبنعمة الله
يكفرون » للتعجب من حالهم، والتوبيخ لهم على هذا الجحود والكفر لنعم
الله - تعالى - .
أى: أفبعد هذه النعمة الجليلة يؤمنون بالأصنام وبنعمة الله التى تستدعى
إستجابتهم الحق يكفرون.
فالآ ية الكريمة قد إشتمات على مالا يقادر قدره، من تعجب وتوبيخ وتقريع
وقوله - تعالى -: ((ومن أظلم من أفترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما
جاءه)). أى: لا أحد أشد ظلما ممن افترى على الله كذبا، بأن زعم بأن له
- تعالى - شريكا، أو كذب بالحق الذى جاء به الرسول - صلى الله عليه
وسلم - بأن أعرض عنه، وأبى أن يستمع إليه.
والإستفهام فى قوله - تعالى -: ((أليس فى جهنم مثوى الكافرين) التقرير
والمثوى المكان الذى يشوى فيه الشخص، ويقيم به، ويستقر فيه.
أى: أليس فى جهنم مأوى ومكانا يستقر فيه هؤلاء الكافرون لنعم اله
- تعالى -؟ بلى إن فيها مكانا لاستقرارهم، وبشر المكان، فإنها -ا.ع
مستقرا ومقاما .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله - تعالى -. «والذين جاهدوا
فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين)).
أى= هذا الذى ذكر فاه سابقا من سوء مصير، هو للمشركين الذين يؤمنون
بالباطل ويتر كون الحق، أما الذين بذلوا جهدهم فى سبيل إعلاء ديننا، وقدموا
(١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٠:٤٦٤

٢٥
جزء الحادى والشروق
أنفسهم وأموالهم فى سبيل رضاتنا وطاعتنا، وأخلصوا لنا العبادة والطاعة ،
فإننا لن نتخلى عنهم ؛ بل سنهديهم إلى الطريق المستقيم؛ وتجعل العاقبة الطيبة
لهم؛ فقد أقتضت رحمتنا وحكمتنا أن نكون مع المحسنين فى أقوالهم وفى
أفعالهم، وقلك سنتنا التى لا تتخلف ولا تتبدل .
وبعد فهذا تفسير لسورة ((العنكبوت)) نسأل الله - تعالى - أن يجعله
خالصا لوجهه، ونافعالعباد، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
د. محمد سيد طنطاوى
الأستاذ بجامعة الأزهر
القاهرة: مدينة نصر. ظهر الأحد ١٤٠٥/٥/١٩ ھ
١٩٨٥/٣/٦ م

٧٦
فهرس إجمالى لـ -..
رقم الآية
الآية المفسرة
رقم الصفحة
المقدمه والتمهيد
آلم. أحسب الناس أن يتركوا ..
١
ووصينا الإنسان بوالديه ..
1
١٦
ومن الناس من يقول آمنا بات ..
١٠
١٦
ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه ..
١٤
٢٢
٢٦
وإن تكدبوا فقد كذب أمم ..
١٨
٢٤
٣١
فما كان جواب قومه ..
٢٨
٢٧
ولوطا إذ قال لقومه ..
٣٦
وإلى مدين أخاهم شعيبا ..
٤٣
مثل الذين اتخذوا من دون الله ..
٤١
٤٨
٤٨
خلق الله السموات والأرض ..
٤٤
٤٨
ولا تجادلوا أهل الكتاب ..
٤٦
وقالوا لولا أنزل عليه آيات ..
٥٠
باعبادى الذين آمنوا إن أرضى ..
٥٩
:٢٠
ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ..
٦١
٥٦
٦٢

التفسير الوسيط.
للقرآن الكريم
تفسير
سُورَة الَّرُومِ
الدكتور
محمد سيد طنطاوى
مفتى الديار المصرية
الطبعة الثانية
١٤٠٨ ٥ ١٩٨٨ م

"رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"

بس المفر الرحيم.
مقدمة وتمهيد
١ - -ورة الروم هى السورة الثلاثون فى ترتيب المصحف أماترتيبها
فىإ النزول فهى السورة الثانية والثمانون، وقد كان نزولها بعد سورة
الإنشقاق .
٢ - وقد افتتحت بالحديث عن قصة معينة، وهى قصة الحروب التى
داوت بين الفرس والروم، والتى انتهت فى أول الأمر بانتصار الفرس،
ثم كان النصر بعد ذلك الروم .
قال - تعالى -: ((ألم. غلبت الروم فى أدنى الأرض وهم من بعد غليهم
سيغلبون. فى بضع سنين، لله الأمر من قبل ومن بعد ، ويومنذ يفرحٍ
المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم)).
٣- ثم وبعن السورة الكريمة الكافرين، لعدم تفكرهم فى أحوال
أنفسهم، وفى أحوال السابقين الذين كانوا أشدمنهم قوة وأكثر جمعا،
وقوعدتهم بسوء المصير بسبب أنطماس بصائرهم، وإعراضهم عن دعوة
الحق ، ووعدت المؤمنين محسن الجزاء.
قال - تعالى -: «ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون؛ فأما الذين آمنوا
وعملوا الصالحات فهم فى روضة يحبرون. وأما الذين كفروا وكذبوا
ثآياتنا ولقاء الآخرة، فأولئك فى المذاب محضرون ..
٤ - ثم ساقت السورة الكريمة بمدة للداثنى عشر دليلاعلى وحدانية الله
- تعالى - وقدرته، وقد بدئت هذه الأدلة بقوله - تعالى -: ((ومن آياته أن

- ٨٠ -
خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنشرون ، ومن آياته أن خلق لكم من
أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ، وجعل بينكممودة ورحمة ، إن فىذلك؟ پات
لقوم يتفكرون، ومن آباقة خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم
وألوافكم، إن فى ذلك لآيات العالمي، ومن آياته منامكم بالليل والنهار
وابتغاؤ كم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ٠٠٠،
٥ - وبعد أن أقام - سبحانه -هذه الأدله المتعددة على وحدانيته وقدر ته
أقبح ذلك بأن أمر الناس باتباع الدين الحق، وبالإنابة إليه - تعالى - فقال:
«فأقم وجهك الدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله
ذلك الدين القيم ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. منيبين إليه وافقوه
وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين)).
٦ - ثم بين - سبحانه - أحوال الناس فى السراء والضراء، ودعاهم إلى
التعاطف والفراحم، ونفرثم من تعاطى الربا، فقال - تعالى -: فآت ذا القربى
حقه والمسكين وابن السبيل ، ذلك خير الذين يريدون وجه الله، وأولئك هم
المفلحون . وما آقيتم من ربا لیربو فى أموال الناس فلا يربو عند الله، وما
آتيتم من زكاة تريدون وجه اله، فأولئك هم المضعفون .. ٠،
٧ - ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ألوانا من نعمه على عباده، وبين الآثار
السيئة التى تقرتب على جحود هذه النعم، ودعا الناس المرة الثانية إلى اتباع
الدين القيم، الذى لا يقبل الله - تعالى - دينا سواء، فقال - تعالى -: فأقم وجهك
الدین القیم من قبل أن یاتی یوم لامر دمن اقه يومئذ يصدعون ، من كفر
فعليه كفره، ومن عمل صالحا فلا نفسهم يمهدون)).
٨ - ثم عادت السورة الكريمة إلى الحديث عن نعمة اته فى الرياح وفى
إرسال الرسل، وأمر كل عاقل أن يتأمل فى آثار هذه النعم، ليرداه إيمانا على
إيمانه، فقال - تعالى - «انظر إلى آثار رحمه الله كيف يحبى الأرض بعد
موتها، إن ذلك لمحيى الموتى، وهو على كل شيء قدير ٠٠ ..