النص المفهرس
صفحات 41-60
٤,١
المرء الدشرون
-
سيره ذرها، على مقدر سعة خطوه، فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق عن
ذلك، وضعف وعد عنقه، فضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع .. وإنما
ضاق ذرعه بهم ، لما رأى من جمالهم، وما يعلمه من فسوق قومه ... (١).
أى: وحين جاءت الملائكة إلى لوط - عليه السلام - ورآهم، ساءه وأحزنه
مجينهم، لأنه كان لا يعرفهم، ويعرف ان قومه قوم سو .. فخشى أن يعتدى
قومه عليهم . وهو لا يستطيع الدفاع عن هؤلاء الضيوف.
.والتعبير بقوله -سبحانه -... وناق بهم ذرعا): تعبير بليغ، وتصوير
جديع لتفاد حياته، واغتمام نفسه. وعجزه عن وجود مخرج المكروه الذى
حل به. و((ذرعا، تمبيز محول عن الفاعل. أى: ضاق بأمرهم ذرعه.
ولاحظ الملائكة- عليهم السلام - على لوط قلقه وخوفه، فقالوا له على
سبيل التبشير وإدخال الطمأنينة على نفسه، يالوط: ((لا تخف ولا تحزن))
أى لا تخف علينا من قومك، ولا تحزن لمجيئنا إليك بتلك الصورة المفاجئة.
ثم أفصجوا له عن مهمتهم فقالوا: «إنامنجوك وأهلك إلا امرأتك
.كانت من الغابرين)).
"أى: إنا منجوك وأهلك المؤمنين من العذاب الذى منزله بقومك،
إلا امرأتك فسيدركها العذاب مع قومك، وستهلك مع المالكين بسبب
تواطئها معهم، ورضاها بأفعالهم القبيحة.
ثم أخبروه بالكيفية التى سينزل بها العذاب على قومه فقالوا: ((إنامنزلون.
على أهل هذه القرية رجزأ من السماء بما كانوا يفسقون)).
(١) تفسير القرطبى = ٩ ص ٤
٤٢٠
سورة العنكبوت
والرجز : العذاب الذى يزعج الممذب به ويجعله فى حالة اضطراب وملع
-يقال : ارتجز فلان ، إذا اضطرب وانزعج .
أى: إنا منزلون بأمر الله - تعالى -وإرادته، على أهل هذه القرية -وهى
قرية سدوم التى كان يسكنها قوم لوط - ((رجزا من السماء، أى: عذا باشديدا
كانا من السماء، بحيث لا يملكون دفعه أو النجاة منه، بسبب فسوقهم عن
أمر ربهم، وخروجهم عن طاعته .
ثم بين - سبحانه - أن حكمته قد اقتضت. أن يجعل آثار هؤلاء الظالمين
باقية بعدهم، لتكون عبرة وعظة لغيرهم فقال: ( ولقد تركنا منها آية بينة
لقوم يعقلون،.
أى: ولقد تركنا من هذه القرية بعد تدميرها، علامة بينة، وآية
واضحة . تدل على هلاك أهلها ، حتى تكون عبرة لقوم يستعملون عقولهم
فى التدبر والتفكر .
قال ابن كثير: وذلك أن جبريل - عليه السلام - اقتلع قراهم من قرار
الأرض، ثم رفعها إلى عنان السماء ، ثم قلبها عليهم ، وأرسل الله عليهم حجارة
من سجيل منضود، مسومة عند ربك وماهى من الظالمين بيعيد، وجعل مكانها.
بحيرة خبيثة منتنة، وجعلهم عبرة إلى يوم التناد، وهم من أشد الناس عذابا
يوم المعاد، ولهذا قال: (ولقد تركنا منها آية بيئة لقوم يعقلون. كما قال:
وإنمكم لتمرون عليهم مصبحين. وبالليل أهلا تعقلون)) (١).
(١) تفسير ابن كثير + ٦ ص ٠٢٨٧
!
٤٣
لجوء المشرون
ثم ساق - سبحانه - جانبا من قصة شعيب وهود وصالح - عليهم السلام-
مع أقوامهم، وكيف أن هؤلاء الأقوام قد كانت عاقبتهم خسرا، بسبب
تكفيبهم لأنبيائهم ، فقال - تعالى - :
وَإِلَى مَدْيَّنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ
◌ُقَوْمِ أَعْبُدُواْاللّهُ وَأَرْ جُواْ أَلْيَوْمَ الْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ
مُقِدِينَ ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى دَارِهِمْ
◌ُشِينَ ﴿ وَ عَدًا وَهُدَا وَقَد تَّبَيِّنَ لَكُ مِنْ مَّسَئِكِمْ وَزَبَّنَ لَمُمُ
١٤٠٠/1
الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ (٨)
١٠٢ُقَرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَمَنَّ وَلَقَدْ جَاءَهُ مُوسَىع ◌ِلْبَيِّتَتِ فَاسْتَكْبَرُواْ
◌ُ فِي الْأَرْضِ وَمَ كَانُواْ سَبِقِينَ () فَكُلُّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ، فَنْهُ مَّنْ
أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِيًا وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمُ مَّنْ خَسَفْنَا
إُِّ الْأَرْضُ وَمِنْهُ مِّنْ أَغْرَقْنَ وَمَا كَانَ الله ◌ِظْلِهُمْ وَلَكِنْ كَانُواْ
أَنْفُسَهُمْ يُظْلُونَ ﴾
وقوله - سبحانه -: «وإلى مدين أخاهم شعيبا .. )، ممعطوف على مقدر
محفوف، أدلالة ما قبله عليه. ومدين: اسم القبيلة التى تنسب إلى مدين بن إبراهيم
- عليه السلام-وكانوا يسكنون فى المصلقة التى تصمى معان بين حدود الحجاز والشام
وقد أرسل له - تعالى - إليهم عميبا - عليه السلام - ليأمرهم بعبادة اله
٤٤
سورة العنكبوت
- تعالى - وحده، ولینهاهم عن الر ذائل التى كانت منتشرة فيهم، والتى من.
أبرزها التطفيف فى المكيال والميدان .
والمعنى: وكما أرسلنا نوحا إلى قومه، وإبراهيم إلى قومه، أرسلنا إلى
أهل مدين، رسولنا شعببا - عليه السلام -.
,فقال يا قوم اعبدوا الله، أى: فقال لهم ناصحاً ومرشداً، الكلمة التى لالها
كل فيى لأمته: يا قوم اعبدوا الله - تعالى- وحده، واتر كواما أنتم عليه من شرك.
وقال لهم - أيضاً -: ((وأرجو اليوم الآخر. ولاتعوا فى الأرض مفسدين
أى: اعبدوا الله وحده، وارجو النجاة من أهوال يوم القيامة، بأن تعدوام
بالإيمان والعمل الصالح، ولا تعثوافى الأرض مفسدين فإن الإفسادفى الأرض.
ليس من شأن العقلاء، وإنماهو من شأن الجهلاء الجاحدين لنعم الله - تعالى -.
يقال: عشى فلان. فى الأرض يعبر ويشى - كقال وتعب -، إذا ارتكب
أشد أنواع الفساد فيها.
فأنت ترى أن شعیبا - عليه السلام - وهو خطیب الأنبياء - کما جاءفى
الحديث الشريف -، قد أمر قومه بإخلاص العبادة بته، وهالعمل الصلاح الذى
ينفعهم فى أخرايم، ونهام عن الإفساد فى الأرض، فماذا كان موقفهم منه؟
كان موقفهم منه: التكذيب والإعراض، كما قال - سبحانه -:
((فكذبوه)، أى: فيما أمرهم به، وفمانهاهم عنه.
«فأخذتهم الرجفة ، أُی : فأهلكهم الله - تعالى - بسبب تکذیبھم لنبهم،
بالرجفة، وهى الزلزلة الشديدة. يقال: وجفت الأرض، إذا اضطربت
اضطراباً شديداً .
ولا تعارض هنا بين قوله - تعالى -: «فأخذتهم الرجفة، وبين قوله
- سبحانه - فى سورة هود: (فأخذتهم الصيحة، لأنه يجوز أن لقه- تسلل-
جعل لإملاكهم سببين: الأول: أن جبريل - عليه السلام - صاح بهم.
٤٥
الجزء المشزون
صيحة شديدة أذهلتهم، ثم رجفت بهم الأرض فأهلكتهم، وبعضهم قال
إن الرجفة والصيحة بمعنى واحد .
وقوله - تعالى -: ((فأصبحوا فى دارهم جائمين» بيان Tu ل إليه
أمرهم بعد هلاكهم .
والمراد بدارهم : مساكنهم التی یسکونها ، أو قریتهم التی یمیشون بها
وقوله: (( جائمين)) من الجموم، وهو الناس والطيور بمنزلة البروك الإبل.
پقال : ثم الطائر يحثم جثما وجثوما فهو جائم- من باب ضرب-، إذا
وقع على صدره ولزم.مكانه فلم يبرحه .
أنى: فأصبحوا فى مساكنهم ها مدين ميتين لا تحس لهم حركة،
ولا تسمع هم رکزا .
ثم أشار - سبحانه - بعد ذلك إلى مصارع عاد وثمود فقال: ((وعادا
ونمود وقد تبين لكم من مساكنهم ، وزين لهم الشيطان أعمالهم، فمدهم
عن السبيل، وكانوا مستبصترين)).
وعاد: هم قوم فود - عليه السلام -، وكانوا يسكنون بالأحقاف
فى جنوب الجزيرة العربية ، بالقرب من حضرموت .
وتمود: هم قوم صالح - عليه السلام - ، وكانت مساكنهم بشمال
الجزيرة العربية، وما زالت مساكنهم تعرف حتى الآن بقرى صالح:
أى: وأهلكنا عاد وثمود بسبب كفرهم وعنادهم، كما أهلكنا غيرهم،
والحال أنه قد تبين لكم ـ يا أهل منة - وظهر لكم بعض مساكنهم،
وأنتم تمرون عليهم فى رحلتى الشتاء والصيف ..
فقوله - سبحانه -: ((وقد تبين لكم من مساكنهم، المقصود منه غرس
العبرة والعظة فى نفوس مشركي مكة، عن طريق المشاهدة الآثار المهلكين،
فإن مما يحمل العقلاء على الاعتبار مشاهدة آثار التمزيق والتدمير بعد القوة والتمكين.
٤٦
سورة العنكبوت
«وزين لهم الشيطان أعمالهم، السيئة. بسبب وسوسته وة-ويط وفصدهم
عن السبيل، الحق، وعن الطريق المستقيم:
((وكانوا، أى: عادا وثمود ((مستبصرين)، أى: وكانت لهم عقول
؛ ستطيعون التمييز بها بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، ولكنهم لم يستعملوها
فما خلقت له، وإنما استحبوا العمى على الهدى وآثروا الغى على الرشد،
أخذهم الله - تعالى - أخذ عزيز مقتدر .
وقوله - تعالى - : ((مستبصرين، من الاستبصار، بمعنى التمكن من
تعقل الأمور ، وإدراك خيرها من شرما، وحقها من باطلها .
ثم أشار - سبحانه - إلى ماحل بقارون وفرعون وهامان فقال: ((وقارون
وفرعون وهامان، أى: وأهلكنا - أيضاً - كارون، وهود الذى كان من
قوم موسى فبغى عليهم، كما أملكنا فرعون الذى قال لقومه: «أنا ربكم الأعلى»
وهامان الذى كان وزيراً لفرعون وعونا له فى الكفر والظلم والطغيان .
قال الآلوسي: وتقديم قارون، لأن المقصود تسلية النبى (4).
فيما لقى من قومه لحصدهم له ، وقارون كان من قوم موسى - عليه
السلام - وقد لقى منه «القى، أو لأن حال قارون أدفق محال عاد وثمود،
فإنه كان من أبصر الناس وأعلمهم بالتوراة ، ولكنه لم يفده الاستبصار
شيئا، كما لم يقدم كونهم مستبصرين شينا .. ، (١).
ثم بين - سبحانه - ما جاءهم بنه موسى - عليه السلام - وموقفهم منه فقال:
, ولقد جاءهم موسى بالبينات)) أى: جاءهم جميعا بالمعجزات الواضحات الدالة
علی مدقه .
(((فاستمروا فى الأرض)) أى: فاستكبر قارون وفرعون وهامان فى
الأرض، وأبوا أن يؤمنوا بموسى، بل وصفوه يا السحر وبما هو برى ء منه
(١) تفسير الآلوسى = ٢٠ ص ١٥٨
٤٧
الجزء المشرون
(وما كانوا سابقين، أى: وما كافرا بسبب استكبارهم وغرورهم هذا،
هاربين أو ناجين من قضائنا فيهم، ومن إهلاكنا لهم.
فقوله: ((سابقين)) من السبق، بمعنى التقدم على الغير، يقال فلان
سبق طالبه ، إذا تقدم عليه دون أن يستطيع هذا الطالب إدراكه .
والمراد أن قارون وفرعون وهامان، لم يستطيعوا - رغم قونهم وغناهم.
أن يفلتوا من عقابنا، بل أدركهم عذابنا إدرا كا قاما فأبادهم وقضى عليهم.
ثم ختم - سبحانه - الحديث عن هؤلاء المكذبين، ببيان سنة من
سننه التى لا تتخلف، فقال: ((فكلا أخذنا بذنبه ... )).
أى: فكلا من هؤلاء المذكورين كقوم نوح وإبراهيم ولوط وشعيب.
وهود وصالخ ، وكفارون وفرعون وهامان وأمثالهم: كلا من هؤلاء
الظالمين أخذناه وأهلكناء بسبب ذقو به التى أصر عليها دون أن يرجع عنها.
,فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا)) أى: فمن هؤلاء الكافرين من أملكناه،
بأن أرسلنا عليه ربحاً شديدة رمته بالحصاة فأهلكته.
قال القرطبى: قوله: «فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا، يعنى قوم لوط،
والحاصب ريح بأتى بالحصباء، وهى الحصى الصغار، وتستعمل فى كل عذاب)، (١).
((ومنهم من أخذته الصيحة، كما حدث لقوم صالح وقوم شعيب
- عليهما السلام - .
((ومنهم من خسفنا به الأرض)) وهو قارون،
(((ومنهم من أغرقنا، كما فعلنا مع قوم نوح ومع فرعون وقومه)).
((وما كان الله ليظلمهم،أى: وما كان الله - تعالى - مریداً لظلمهم، لأنه
- سبحانه - اقتضت رحمته وحكمته، أن لا يعذب أحداً بدون ذنب ارتكبه.
(١) تفسير القرطبى = ١٣ ص ٣٤٤
٤٨
سورة العنكبوت
((ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)، أى: ماظلم الله - تعالى - هؤلاء
المهلكين ، ولكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم، وعرضوها للدمار، بسبب
إصرارهم على كفرهم، وإتباعهم للهوى والشيطان .
وبذلك نرى الآيات قد قصت على الناس مصارع الغابرين ، الذين كذبوا
الرسل، وحاربوا دعوة الحق ، ليكون فى هذا القصص عبرة المعتبرين ،
وذكرى المتذكرين .
٠
ثم ضرب الله مثلا، لمن يتخذ آلهة من هونه، وتوعد من يفعل ذلك
بأشد أنواع العذاب، فقال - تعالى -:
مَثَلُ الَّذِينَ أْخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاَءَ
كَثَلِ الْعَنَكُونِ أَحَدِّتْ بَيْئًا وَإِنَّأَوْ مَنَ الْبُتِ لَيْتُ الْعَنَبُنِ:
لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (﴾ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَايَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ، مِنْ شَىَّْ
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَِكِيمُ ﴾ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَصْرُهَ لِلنَّاسِ وَمَِّ
يَعْقِلُهَا إِلَّ الْعَلُونَ (®) خَلَقَ اللهُ السَّمَنَوْتِ وَالْأَرْضَ بِآلْحَقِّ
إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً لِلُؤْمِنِينَ (١٤) آثَلُ مَ أُوِىَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ
وَأَقِ الصَّلَوَةَ إِنَّ الصَّلَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكِّ وَلَذِكْرُ اللهِ
أَكْبُوَالَهُ يَعْلُمَاتَصْنَعُونَ (٣) وَلَا تُجَدِلُواْ أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّ بِأَِّ
هِىَ أَحْسَنُ إِلّ الَّذِينَ ظَلَبُواْ مِنْهُمْ وَقُولُوَاْءَ امَنَّ بِالَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْنَا
وَأَنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَ إِلَهُنَا وَإِلَّهُكُمْ وَِدٌ وَحْنُ لَهُوَ مُسْلُونَ (﴾
١٩
الجزء العشرون
والمثل والمثلُ: النظير والشبيه، ثم أطلق المثل على القول السائر
المعروف، لمائة مضربه - وهو الذى يضرب فيه -، لمورده - وهو الذى
ورد فيه أوك -، ولا يكون إلا فيما فيه غرابة، ثم أستعير الصفة أو الحال
أو القصة، إذا كان لها شأن عجيب، وفيها غرابة. وعلى هذا المعنى يحمل
المثل هنا .
وإنما تضرب الأمثال لإيضاح المعنى الحفى، وتقريب الشىء المعقول من
الشىء المحسوس، وعرض الغائب فى صورة الحاضر، فيكون المعنى الذى
ضرب له المخل، أوقع فى القلوب، وأثبت فى النفوس .
والعنكبوت: دويبة معروفة، تنسج لنفسها فى الهواء بيتا رقيقا ضعيفا،
لا يغنى عنها شيئا وتطلق هذه الكلمة على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث،
.. والغالب فى استعمالها التأنيث، والواو والتاء زائدقان، كما فى لفظ طاغوت.
والمعنى: حال هؤلاء المشركين الذين اتخذوا من دون الله - تعالى-أصنافا
يعبدونها، ويرجون نفعها وشفاعتها .. كحال العنكبوت فى اتخاذها بيتا
ضعيفا مهلهلا، لا ينفعها لا فى الحر ولا فى القر، ولا يدفع عنها شيئا من
الأذى .
فالمقصود من المثل تجهيل المشركين وتقريعهم ، حيث عبدوا من دون
أقه - تعالى - آلهة، هى فى ضعفها ووهنها تشبه بيت العنكبوت، وأنهم
لو كانوا من قوى العلم لما عبدوا تلك الآلهة .
قال صاحب الكشاف: الغرض تشبيه ما اتخذوه منكلا ومعتمدا فى دينهم
وقولوه من دون الله، بما هو مثل عند الناس فى الوهن وضعف القوة.
وهو نسج العنكبوت، ألا ترى إلى مقطع القشبيه، وهو قوله: « وإنأُوهن
(م٤ - العنكبوت)
البيوت لبيت العنكبوت» .
٥٠
سورة العنكبوت
فإن قلت: ما معنى قوله:((لو كانوا يعلمون)، وكل أحد يعلم وهن.
بيت العنكبوت ؟
قلت : معناه، لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم، وأن أمر دينهم بالغ هذه ..
الغاية من الوهن .. )،(١).
وقال الآلوسي: قوله: «لو كانوا يعلمون)، أى: لوكانوا يعدون شيئامن.
الأشياء، أعدموا أن هذا مثلهم، أو أن أمر دينهم بالخ هذه الغاية من الوهن.
و((لو، شرطية، وجوابها محذوف، وجوز بعضهم كونها للتمنى فلا جواب
لها، وهو غير ظاهر،(٢).
ثم بين - سبحانه - أن عله شامل لكل شىء، وأنه سيجازى هؤلاء
المشركين بما يستحقونه من عقاب فقال: « إن الله يعلم ما يدعون من دونه
من شىء، وهو العزيز الحكيم)).
و((ماء موصولة، وهى مفعول يعلم، والعائد محذوف)، و((من شىء) بيان لما.
أى. إن الله - تعالى - يعلم علما قاما الذى يعبده هؤلاء المشركون من
دونه، سواء أكان ما يعبدوته من الجن أم من الإنس أم من الجمادات، أم من
غير ذلك، ((هو) سبحانه ((العزيز)) أى: الغالب على كل شىء ((الحكيم))
فى أقواله وأفعاله .
((وتلك الأمثال، التى سقناهافى كتابنا العزيز، والتى من بينها المثال السابق
((تضر بها للناس، على سبيل الارشاد والتنبيه والتوضيح.
(( وما يعقلها إلا العالمون، أى: وما يعقل هذه الأمثال، ويفهم محتها
وحسنها وفائدتها، إلا الراسخون في العلم، المتدبرون فى خلق الله - تعالى-،
الفافمون لما يتلى عليهم .
(١) تفسير الكثاف = ٣ ص ٤٥٤
(٢) تفسير الآلومى = ٢٠ ص ١٦٢
٠١
الجزء العشرون
ثم ذكر - سبحانه - ما يدل على «ظيم قدرته، وأمر نبيه (صلى
الله عليه وسلم ) بالإكثار من تلاوة القرآن الكريم ، ومن الصلاة ،
فقال - تعالى -: ((خلق الله السموات والأرض بالحق)).
أى: خلق الله - تعالى - السموات والأرض بالحق الذى لا باطل
معه .
وبالحكمة التى لا يشوبها عبث أو لهر، حتى يكون هذا الخلق منفقا
مع مصالح عبادنا ومنافعهم.
ومن مظاهر ذلك، أنك لا ترى - أيها العاقل - فى خلق الرحمن
من تفاوت أو تصادم ، أو اضطراب .
واسم الإشارة فى قوله - تعالى -: ((إن في ذلك لآبة المؤمنين.
يعود إلى خلق السموات والأرض، وما اشتملتا عليه من بدائع وعجائب.
أى: إن فى ذلك الفى خلقناه بقدرتنا، من حماوات مرتفعة بغير عمد،
ومن أرض مفروشة بنظام يديع، ومن عجائب لا يحصيها العدفى هذا الكون
إن فى كل ذلك لآية بينة، وعلامة واضحة، على قدرة الله - عز وجل -.
وخص المؤمنين بالذكر، لأنهم هم المتدبرون فى هذه الآيات والدلائل
وهم المنتفعون بها فى التعرف على وحدانية الله وقدرته ، وعلى حسن
عبادته وطاعته .
والمقهود بالتلاوة فى قوله - تعالى -: ((اقل ما أوحى إليك من
الكتاب،: القراءة المصحوبة بضبط الألفاظ ، وبتفهم المعانى، والخطاب
الرسول ( صلى الله عليه وسلم) ويشمل كل من آمن به.
أى: اقرأ - أيها الرسول الكريم - ما أوحينا إليك من آيات هذا
٥٢
سورة العنكبوت
القرآن قراءة قدبر واعتبار والعاظ، ودوام على ذلك، ومر أتباعك أن
يقتدوا بك فى المواظبة على هذه القراءة الصحيحة النافعة.
((وأقم الصلاة)) أى: وراظب على إقامة الصلاة فى أوتانها بخدوع
وإخلاص واطمئنان ، وعلى المؤمنين أن يقتدوا بك فى ذلك.
وقوله: ((إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، تعليل للأمر
بالمحافظة على إقامة الصلاة بخشوع وإخلاص.
أى: داوم - أيها الرسول الكريم - على إقامة الصلاة بالطريقة التى
يحبها الله - تعالى -، فإن من شأن الصلاة التى يؤديها المسلم فى أوقاتها
مجموع وإخلاص، أن تنهى مؤدبها عن ارتكاب الفحشاء - وهى كل ماقبح
قوله وخه - ، وعن المنكر - وهو كل ما تنكره الشرائع والعقول
السليمة - .
قالى الجمل: ((ومعنى نبيها عنهما، أنها سبب الانتهاء عنهما، لأنها
منا جاء ته - تعالى - ، فلا بد أن تكون مع إقبال تام على طاعته وإعراض
کلی عن معاصيه .
قال ابن مسعود: فى الصلاة منتهى ومزدجر عن معاص ات، فمن لم
تأمره صلاته بالمعروف، ولم تنهه عن المنكر، لم يزده من اله إلا بعدا.
وروى عن أنس - رضى الله عنه - أن فتى من الأنصار، كان يصلى مع
النبى ( صلى الله عليه وسلم) ثم يأتى الفواحش فذكر النبى (صلى الله عليه
وسلم) فقال: إن صلاته ستنهاء، فلم يلبث أن تاب وحسن حاله، (١).
(١) حاشية الجمل على الجلالين = ٣ ص ٣٧٧
:
الجزء العشرون
والخلاصة، أن من شأن الصلاة المصحوبة بالإخلاص والخشوع وبإتمام
سنتها وآدابها، أن تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، فإن وجدت إنسانا
يؤدى الصلاة، ولكنه مع ذلك يرتكب بعض المعاصى، فأقول لك: إن
الذنب ليس ذنب الصلاة، وإنما الذنب ذنب هذا المرتكب المعاصى،
لأنه لم يؤد الصلاة أداء مصحوبا بالخشوع والإخلاص.
وإنما أداها دون أن يتأثر بها قلبه .. ولعلها تنهاء فى يوم من الأيام ببركة
مداومته عليها، كماجاء فى الحديث الشريف: «إن الصلاة ستنهاه)).
وقوله - سبحانه -: ((ولذكر الله أكبر، أى: ولذكر الله - تعالى -
بجميع أنواعه من تسبيح وتحميد وتكبير وغير ذلك من ألوان العبادة،
والذكر، أفضل وأكبر من كل شىء آخر؛ لأن هذا الذكر لله - تعالى -
فى كل الأحوال، دليل على صدق الإيمان، وحسن الصلة بالله - تعالى -.
قال الألوسى ما ملخصه: قوله - تعالى -: ((ولذكر الله أكبر»، قال
ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر .. أى: ولذكر الله - تعالى -
إيا كم، أكبر من ذكر كم إياه - سبحانه -.
وروى عن جماعة من السلف أن المعنى: ولذ كر العبد لله - تعالى -.
أكبر من سائر الأعمال .
أخرجه الإمام أحمد عن معاذ بن جبل قال : ماعمل ابن آدم عملا أنجى
له من عذاب الله يوم القيامة، من ذكر انه - تعالى -
وقيل المراد بذكر الله الصلاة، كما فى قوله - تعالى -: «ظهرا إلى
ذكر انه، أى: إلى الصلاة، فيكون المعنى: والصلاة أكبر من سائر
الطاعات وإنما عبر عنها به، الإيذان بأن ما فيها من ذكر الله - تعالى -
٥٤
مورة المتكبوب
هو العمدة فى كونها مفضلة على الحسنات ، ناهية عن السيئات، (١).
ويبدو لنا أن المراد بذكر اله - تعالى - هنا، ما يشمل كل قول
طيب وكل فعل صالح، يأتيه المسلم بإخلاص وخشوع ، وعلى رأس هذه
الأقوال والأفعال: التسبيح والتحميد والتكبير والتهليلى، والصلاة وما اشتمات
عليه من أقوال وأفعال ..
وأن المسلم متى أكثر من ذكر الله - تعالى - كان ثوابه - سبحانه - له،
و ثناؤه عليه ، أ کبر وأعظم من كل قول ومن كل فعل .
وقوله - سبحانه -: ((والله يعلم ما تصنعون)) تذييل قصد به
الترغيب فى إخلاص العبادة لله، والتحذير من الرياء فيها.
أى: داوموا - أيها المؤمنون - على تلاوة القرآن الكريم، بتدبر واعتبار،
وأقيموا الصلاة فى أوقاتها بخشوع وخضوع، وأكثروا من ذكر الله - تعالى-
فى كل أحوالكم ، فإن الله - تعالى - يعلم ما تفعلونه وما تصنعونه من خير
أو شر، وسيجازى - سبحانه - الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين
أحسنوا بالحسنى ..
ثم أمر الله - تعالى - رسوله والمؤمنين، أن يجادلوا أهل الكتاب بالتى
هى أحسنى، ماداموالم يرتكبوا ظلماء
(١) تفسير الآلرس = ٢٠ ص ١٩٠
١٥
الجزء الحادى والعشرون
والمجادلة: المخاصمة . يقال جادل فلان فلانا إذا خاصمه ، وحرص
كل واحد منهما على أن يغلب صاحبه بقوة حجته .
أى: ولا تجادلوا - أيها المؤمنون - غيرك من أهل الكتاب، وم اليهود
والنصارى، إلا بالطريقة التى هى أحسن، بأن ترشدوهم إلى طريق الحق
بأسلوب لين كريم، كما قال - تعالى - فى آية أخرى: « أدع إلى سبيل ربك
بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتى هى أحسن ... (١).
فقال تعالى : ولاتجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن .. )
ثم أقام - سبحانه - الأدلة على أن هذا القرآن من عنده وحده، فقال :
وُكُّلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ قَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبُ:
◌ُؤْمِنُونَ بِهِ، وَمِنْ هَكُلَاء مَنْ يُؤْمِنُ بِّ، وَمَا يَحْمَدُ ◌َِايِنَا إِلّ
الْكَفِرُونَ (® وَمَا كُنْتَ تَتْلُواْ مِنْ قَبْلِهِ، مِنْ كِتَلٍ وَلَا تَخُلُهُمَّ
يِّمِنِكٌ إِذَا لَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (® بَلْ هُوَءَايَتُ بَيِنَتُ قِ
صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلَّ وَمَا يَجْمَدُ بِعَايَقِنَا إِلَّ الَّلُونَ (*) وَقَلُواْ
كُوْلَا أَنْزِلَ عَلَيْهِ ،َ أَيْتٌ مِّن رَّبِهِ، قُلّ ◌َِّا الْآَيَتُ عِنْدَ الهِ وَ إِنَّمَا"
أَنَاْ تَذِيرٌ مُبِينٌ (بْ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَلْنَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَيْهِمْ
إِنَّ فِ ذَلِكَ كَرَحْمَةً وَذِ كَرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3)
(٥) أول الجزء الحادى والعشرين .
(١) سورة النحل الآية ١٢٥
٥٦
سورة العنكبوت
وقوله: ((إلا الذين ظلموامنهم)، استثناء من الذين يجادلون بالتى هى أحسن.
أى: فاقدوم وأرشدوهم إلى الحق بالتى هى أحسن، إلا الذين ظلموامنهم
بأن أساءوا إليكم، ولم يستعملوا الأدب فى جدالهم، فقابلوم بما يليق
بحالهم من الإغلاظ والتأديب .
وعلى هذا التفسير يكون المقصود بالآية الكريمة . دعوة المؤمنين إلى.
استعمال الطريقة الحسنى فى مجادلتهم لأهل الكتاب عموما، ما عدا الظالمين منهم
فعلی المؤمنین أن یعاملوم بالأسلوب المناسب لر دعهم وزجرم وتأديبهم
وقيل : المراد بأهل الكتاب هنا: المؤمنون منهم ، والمراد بالذين ظلوا:
. من بقى على الكفر منهم .
فيكون المعنى: ولا تجادلوا - أيها المؤمنون - من آمن من أهل الكتاب
إلا بالتى هى أحسن، إلا الذين بقوا على كفرهم فعاملوهم بما يليق بحالهم
من التأديب والإغلاظ عليهم .
ويبدو لنا أن التفسير الأول هو الأرجح والأظهر، لأن الآية مسوقة
لتعليم المؤمنين كيف يجادلون من بقى على دينه من أهل الكتاب، ومادام الأمر
كذلك فليس المسلمون فى حاجة إلى إرشادهم إلى كيفية مجادلته، ولأن قوله
- تعالى - بعد ذلك: ((وقولوا آمنا بالذى أنزل إلينا وأنزل إليكم .. ».
يرجح أفى المراد بأهل الكتاب هنا من بقى على دينه منهم.
أى: جادلوهم بالطريقة الحسنى ماداموا لم يظلموكم، وقولوالهم على
سليل التعليم والإرشاد . آمنا بالذى أنزل إلينا، وهو القرآن، وآمنا بالذى.
أنزل إليكم من التوراة والإنجيل.
قال الشوكانى: أى آمنا بأنهما منزلان من عند اله، وأنهما شريعة ثابتة إلى قيام.
الشريعة الإسلامية، والبعثة المحمدية ولا يدخل فى ذلك ما حر فوه وبدلوه (١).
(١) تفسير فتح القدير ج ٩ ص ٢٠٠.
.
٥٧
الجزء الحادى والعشرون
((وإلهنا وإلهكم واحد، لاشريك له لا فى ذاته ولا فىصفاته«ونحن، جميعا
معاشر المؤمنين ((له مسلمون)) أى: مطيعون وعابدون له وحدة، ولا تتخذ
أربابا من دونه - عز وجل - .
قال القرطبى ما ماخصه: اختلف العلماء فى قوله - تعالى -: (ولا تجادلوا
أهل الكتاب .. )، فقال مجاهد: هى محكمة، فيجوز مجادلة أهل الكتاب
بالتى هى أحسن، على معنى الدعاء لهم إلى الله - عز وجل -، والتنبيه على
ححجه وآياته .. وقوله: « إلا الذين ظلموا منهم، أى ظلموكم ..
وقيل: هذه الآية منسوخة بآية القتال وهى قوله: «قاتلوا الذين
لا يؤمنون بالله .. ،.
وقول مجاهد : حسن ، لأن أحكام الله -عز وجل - لا يقال فيها إنها
منسوخة إلا بخبر يقطع العذر، أو حجة من معقول٠٠، (١).
ثم بين - سبحانه - موقف الناس من هذا الكتاب الذى أنزله على نبيه
- صلى الله عليه وسلم - فقال: ((وكذلك أنزلنا إليك الكتاب، فالذين آتيناهم
الكتاب يؤمنون ب٩ ٠،٠٠
والكاف بمعنى مثل. واسم الإشارة يعود إلى المصدر المفهوم من أنزلنا
أى= ومثل ذلك الانزال المعجز البديع، أفر أنا إليك الكتاب - أيها الرسول
الكريم - ليكون هداية الناس، فالذين آتيناهم الكتاب الشامل التوراة والانجيل
وعقلوه وفتحوا قلوبهم الحق، يؤمنون بهذا الكتاب الذى نزل عليك، وهو القرآن
فالمراد بالذين أوتوا الكتاب: المؤمنون منهم كعبد الله بن سلام وأمثاله.
والمراد بالكتاب جننه. والضمير فى ((به، يعود إلى القرآن الكريم الذى أنزله
الف على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم - وخص هؤلاء المؤمنين منهم .إيتاء
الكتاب، على سبيل المدح لهم لأنهم انتفعوا بما أواوه من على عملوا بمقتضاه».
(١) تفسير القرطبى : ١٣ ص ٢٥٠
سورة العنكبوت
أما غيرهم من بقى على كفره، فلكونه لم ينتفع بما فى الكتاب من هدايات،
فكانه لم يره أملا.
وقوله: ((ومن هؤلاء من يؤمن به، أى: ومن هؤلاء العرب الذين أرسات
إليهم - أيها الرسول الكريم - من يؤمن بهذا القرآن الذى أنزلناه إليك.
و ((من)، التبعيض؛ لأنهم لم يؤمنوا جميعاً، وإنما آمن منهم من هداه
الله - تعالى - إلى الصراط المستقيم.
((وما يجحد بآياتنا، الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا، وعلى صدقك فيما
تبلغه عنا، إلا الكافرون، أى : إلا الموغلون فى الكفر، المصرون عليه
إصرارا تاما .
والجحود: إنكار الحق مع معرفة أنه حق .
وعبر من الكتاب بالآيات . للإشعار بأنها فى غاية الظهور والدلالة على
كونها من عند الله - تعالى -، وأنه ما يكذب بها إلا من غطى الحق
بالباطل عن تعمد وإصرار.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد بينت أن من الناس من قابل هذا القرآن
بالتصديق والإذعان ، ومنهم من قابله بالجحود والنكران.
ثم ساق - سبحانه - أبلغ الأدلة وأوضحها على أن هذا القرآن من
عنده - تعالى -، فقال: ((وما كنت قتلو من قبله من كتاب، ولا تخطه
بيمينك، إذا لا ارتاب المبطلون».
أى : أنت - أيها الرسول الكريم - ما كنت فى يوم من الأيام قبل
أن تنزل عليك هذا القرآن - تاليا لكتاب من الكتب، ولا عارفا الكتابة،
ولوكنت ممن يعرف القراءة والكتابة، لارتاب المبطلون فى شأنك، ولقالوا
إنك نقل هذا القرآن بخطك من كتب السابقين.
و(«من» فى قوله ((من كتاب، لتأكيد نفى كونه (رَشيء) قارئا لأى
كتاب من الكتب قبل نزول القرآن عليه .
٠٩
الجزء العشرون
وقوله: «ولا تخطه بيمينك، لتأكيد نفى كونه (*) يعرف الكتابة أو الخط.
قال الإمام ابن كثير: وهكذا صفته (َّةٍ) فى الكتب المتقدمة، كما
قال - تعالى -: (الذين يتبعون الرسول التى الأمى، الذى يجدونه مكتوبا
عندهم فى التوراة والإنجيل .. ، وهكذا كان - صلوات الله وسلامه عليه -
إلى يوم القيامة، لا يحسن الكتابة ، ولا يخط سطرا ولا حرفا بيده، بل كان
إن كتاب يكتبون بين يديه الوحى والرسائل إلى الأقاليم ... (١).
والمراد بالمبطلين، كل من شك فى كون هذا القرآن من عندالله
- تعالى - ، سواء أكان من مشركى مكه أم من غيرهم .
وسماهم - سبحانه - مبطلين؛ لأن ارتيابهم ظاهر بطلانه وبجانبته للحق؛
لأن الرسول (فَّةٍ) قد لبث فيهم قبل النبوة أربعين سنة ، يعرفون
حسبه ونسبه، ويعلمون حق العلم أنه أى لا يعرف الكتابة والقراءة.
ثم بين - سبحانه - حقيقة هذا الكتاب المعجز فقال: ((بل هو آيات
بينات في صدور الذين أوتوا العلم .. ،١.
أى: هذا الكتاب ليس أساطير الأولين اكتقبها الرسول ({$) كازعم
المبطلوفى - ، بل هو آيات بينات واضجاح راسخات. فى صدور المؤمنين
به، الذين حفظوه وتدبووه وعملوا بتوجيهاته وإرشاداته، وعملوا بما فيه
من حكم وأحكام وعقائد وآداب.
ووصف الله - تعالى - المؤمنين. هذا القرآن بالعلم على سبيل المدح
لهم، والإعلاء من شأنهم، حيث استطاعوا عن طريق ما وهبهم - سبحانه -
من علم نافع، أن يوقنوا بأن هذا من عند الله، ولو كان من عند غير الله ،
لوجدوا فيه اختلافا كثيرا.
وقوة - سبحانه -: ((وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون، تذييل
المقصود به ذم الذين تجاوزوا كل حق وصدق فى أحكامهم وتصرفاتهم .
أى: وما يجحدبآ باتنا مع وضوحها وسطوعها، ويفكر كونها من عنداته
(١) تفسير ابن كثير =٦ ص ٢٩٥
٦٠
سورة العنكبوت
- تعالى، إلا الظالمون المتجاوزون لكل ماهو حق ، ولكل ماهو صدق.
ثم قصت علينا السورة الكريمة بعددلك طرفا من أقوال المشركين الفاسدة
وأمرت الرسول (صَّةٍ) أن يرد عليهم بمايزهق باطلهم. كما قصم علينالوناً من
ألوان جهالاتهم، حيث استعجلوا العذاب الذى لا يستعجله عاقل، فقال - تعالى -:
وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه .. )
ومرادهم بالآيات فى قوله - تعالى -: ((وقالوا لولا أنزل عليه آيات
من ربه، الآيات الكونية، كعصا موسى، وناقة صالح، ولولا حرف
تحضيض بمعنى هلا .
أى: وقال المبطلون للنبى (ب) على سبيل التعنت والعناد، هلا
جئتنا يا محمد بمعجزات حسية كالتى جاء بها بعض الأنبياء من قبلك، لكى
نؤمن بك ونقيمك ؟
وقوله: ((قلى إنما الآيات عند الله، وإنما أنا نذير مبين، إرشاد من.
الله - تعالى - لنيه (حَرِ}) إلى ما يرد به عليهم.
أى: قل - أيها الرسول الكريم - فى ردك على هؤلاء الجاهلين،
إنما الآيات التى تريدونها عند الله - تعالى - وحده، ينزلها حسب
إرادته، وحكمته، أما أنا فإن وظيفتى الإقدار الواضح بسوء مصير من
أعرض عن دعونى، وليس من وظيفتى أن أقترح على الله - تعالى - شيئا.
وقوله - سبحانه -: ((أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يعلى
عليهم .. ، كلام مستأنف من جهته - تعالى - لتوبيخهم على جمالاتهم.
والاستفهام للإنكار والواو العطف على مقدر .
والمعنى: أقالواما قالوا من باطل وجهل، ولم يكفهم أنا أفر لنا عليك هذا