النص المفهرس

صفحات 1-20

التفسير الوسيط.
القرآن الكريم
٠,٠٠
مهسیر
سُورَةِ الْعَنْكُيُوتُّ
الدكتور
ب محمد سيد طنطاوى
مفتى الديار المصرية
الطبعة الثانية
١٤٠٨ هـ ١٩٨٨ م
١

"رَبَنَا تَقَبَّلْ مِنَا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمْيُعُ الْعَلِيمُ"
٢
1

بسْم ◌َدِمن الرحمسيم.
مقدمة وتمهيد
١ - سورة العنكبوت هى السورة التاسعة والعشرون فى ترتيب المصحف
وكان نزولها بعد سورة الروم، أى: أنهامن أواخر السور المكية فى النزول،
إذ أن ترقببها فى النزول الثالثة والثمانون من بين السور المكية ، ولم ينزل بعدها
قبل الهجرة سوى سورة المطففين (١) وعدد آياتها تسع وستون آية.
٢ - وجمهور العلماء على أنها مكية، ومنهم من يرى أن فيها آيات مدنية.
قال الألوسى: عن ابن عباس أنها مكية وذهب إلى ذلك - أيضا- الحسن
وجابر وعكرمة. وعن بعضهم أنها آخر ما نزل بمكة ... وقال يحيى بن سلام:
هى مكية، إلا من أولها إلى قوله - تعالى -: ( وليعلمن الله الذين آمنو وليعلمن
المنافقين .. (٢).
والذى تطمئن إليه النفس أن سورة العنكبوت كلها مكية ، وليس هناك
روايات يعتمد عليها فى كون بعض آياتها مدنية .
٣ - وقد افتتحت سورة العنكبوت ببعض الحروف المقطعة « ألم))،
ثم تحدثت عن تكاليف الإيمان، وأنه يستلزم الإمتحان والاختبار، ليميزاله
الخبيث من الطيب، وعن العاقبة الحسنة التى أعدها - سبحانه - لعباده
المؤمنين الصادقين، قال - تعالى -: ((والذين آمنوا وعملوا الصالحات
لتدخلنهم فى الصالحين».
(١) راجع كتاب الاتقان في علوم القرآن السيوطى ج ١ ص ٢٧.
(٢) تفسير الآلومى = ٢٠ م ١٣٢.

- ٦ -
٤ - ثم حكت جانبا من أقوال المشركين، ومن دعاواهم الكاذبة، وردته
عليهم بما يبطل أقوالهم، وبما يزيد المؤمنين إيمانا على إيمانهم ...
قال - تعالى -: وقال الذين كفروا الذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل
خطايا كم ومام بحاملين من خطاياهم من شىء إنهم لكاذبون. وليحملن أثقالهم
وأثقالا مع أثقالهم، وليسألن يوم القيامة عما كانوا يغترون)).
٥ - ثم إنتقلت السورة الكريمة بعد ذلك، إلى الحديث عن قصص
بعض الأنبياء مع أقوامهم، فأشارت إلى قصة نوح مع قومه، ثم ذكرت
بشىء من التفصيل جانبا من قصة إبراهيم مع قومه، ومن قصة لوط مع قومه
وأنبعت ذلك بإشارات مركزة تتعلق بقصة شعيب وهود وصالح وموسى
مع أقوامهم .. .
ثم ختتمت هذه القصص ببيان العاقبة السيئة التى صار إليها المكذبون
ارسلهم، فقال - تعالى - : «فکلا خذنا بذنبه ، فمنهممنے أرسلناعلیهحاصبا،
ومنهم من أخذته الصيحة ، ومنهم من خسفنا به الأرض ، ومنهم من أغرقنا
وما كان الله ليظلمهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)).
٦ - ثم ضربت السورة الكريمة مثلا لحال الذين أشركوا مع الله - تعالى-
آلهة أخرى فى العبادة ، فصبهت ماهم عليه من كفر وشرك - فى ضعفه وهوانه
وهلهلته - ببيت العنكبوت، وأمرت النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه،
أن يزدادوا ثباتا على ثباتهم، وأن يستعينوا على ذلك, بتلاوة القرآن الكريم،
وبإقامة الصلاة، وبالإكثار من ذكر الله - تعالى -.
قال - سبحانه -: «ائلى ما أوحى إليك من الكتاب وأقم الصلاة، إن
الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، واذكر الله أكبر، والله يعلم ماتصنعون)).
٧ - ثم أمرت السورة الكريمة المؤمنين بأن يحادلوا أهل الكتاب بالتى
هي أحسن، إلا الذين ظلموا منهم، وأرشدتهم إلى ما يقولونه لهم، ومد حت

- ٧ -
* *يستحق المدح منهم، وذمت من يستحق الذم، وأقامت الأدلة الماطمة
على أن هذا القرآن من عند اله - تعالى -.
قال - سبحانه -: ((وكذلك أنزلنا إليك الكتاب ، الذين آتيناهم الكتاب
يؤمنون به، ومن هؤلاء من يؤمن به، وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون.
وما كنت قتلومن قبله من كتاب ، ولا مخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون. بل هو
آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون)).
٨ - ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين، حضهم فيه على الهجرة من
أرض الكفر إلى دار الإيمان، ورغبهم فى ذلك بوسائل منها : إخبارهم بأن
الآجال بيد الله - تعالى - وحده، وكذلك الأرزاق بيده وحده، وأن من
استجاب لما أمره الله - تعالى - به، أعطاه - سبحانه - الكثير من خيره وفضله.
قال - تعالى -: ((يا عبادي الذين آمنوا إن أرضى واسعة فإياى فاعبدون،
كل نفس ذائقة الموت، ثم إلينا ترجعون .. ».
٩ - ثم ساق - سبحانه - فى أواخر السورة، ألوانا من تناقضات المشركين
حيث إنهم إذا سألهم سائل عمن خلق السموات والأرض ... قالوا: الله
- تعالى - هو الذى خلقهما، ومع ذلك فهم يشركون معه فى العبادة آلهة أخرى،
وإذا أحاط بهم الموج وتم فى السفن ... دعوا الله مخلصينله الدين , فلما
فجاهم إلى البر إذا هم يشر كون،، وهم يعيشون فى حرم آ من الناس يتخطفون
من حولهم .. ومع ذلك فهم بالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون.
هذا شأنهم، أما المؤمنون الصادقون فقد وعدهم الله - تعالى - بما يقر
أعينهم فقال فى ختام السورة: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله
لمع المحسنين)».
١٠ - وهكذا نرى هذه السورة الكريمة، وقد حدثقنا -من بين ما حدثتنا -
عن الإيمان وتكاليفه، وعن سنن الله فى خلقه، وعن قصص بعض الأنبياء

- ٨ -
مع أقوامهم، وعن هوان الشرك والشركاء وعما يعين المؤمن على طاعة الله ».
وعن علاقة المؤمنين بغهرم ، وعن البراهين الساطعة الناطقة بأن هذا القرآن
من عند الله، وعن أن المؤمن لا يليق به أن يقيم فى مكان لا يستطيع فيه أن
يؤدى شعائر دينه، وعن سوء عاقبة الأشرار، وحسن عاقبة الأخيار ..
نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا من عباده الأخيار .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟
القاهرة : مدينة نصر
المؤلف
١٦ من رجب سنة ١٤٠٥هـ
د. محمد سيد طنطاوى
١٩٨٥/٣/٦ م

٩
الجزء المشرون
التفسير
9
١١
بِسْـ
الّمَ هُ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُوَاْ ءَ امَنَّا وَهُمْ لَا
يُفْتَنُونَ ﴾ وَلَقَّدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اله الَّذِينَ
صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ
السَّعَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُونَ (٣) مَنْ كَانَ يَرْجُو ◌ْلِفَاءٌ
اللهِفَنَّ أَجَلَ الَهِلاَنَّ وَهُوَ الَِّيعُ الْعَلِيمُ ﴾ وَمَنْ جَهَدَ فَّا
يُحَهِدُ لِنَفْسِةٌ إِنَّ اللّهَ لَغَنِىُّ عَنِ الْعَلِنَ * وَالَّذِينَءَامَنُوا
وَعَمِلُواْ الصَّلِجَتِ لَنُكَفَِّنَّ ◌َنْهُمْ سَِئَاتِمْ وَلَنَجْزِيَهُمْ أَحْسَنَّ
الَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٣)
سورة العنكبوت من السور التى افتتحت ببعض حروف النهجى, ألم))،
ويبلغ عدد السور التى افتتحت بحروف التهجى، تسعا وعشرين سورة.
وقد سبق أن قلنا : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب، أن هذه الحروف
المقطعة قد وردت فى افتتاح بعض السور، على سبيل الإيقاظ والتنبيه، الذين
تداهم القرآن الكريم، فكان ال - تعالى - يقول ! ولتك المعارضين فى أن
القرآن من عند الله: حاكم القرآن ترونه مؤ لفامن كلام هو من جنس ما تؤلفون

١٠
سورة العنكبوت
منه كلامكم، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى
تنظمون منها حروفكم، فإن كنتم فى شك من كونه منزلا من عند الله،
فواتوا مثله، وأدعوا من شتتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك ..
والاستفهام فى قوله - سبحانه -: «أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا
آمناوهم لا يفتنون، للإفكار و((حسب)) من الحسبان بمعنى الظن. وقوله:
(((يفتنون)) من الفتن، بمعنى الاختبار والامتحان.
يقال: فتنت الذهب بالنار، أى : أدخلته فيها لتعلم الجيد منه من
الخبيث .
وجملة (« أن يتركوا)) صدت مسد مفعولى حسب، وجملة ((أن يقولوا،
فى موضع نصب، على معنى: لأن يقولوا، وهى متعلقة بقوله: «يتركوا))
وجملة ((وهم لا يفتنون، فى موضع الحال من ضمير ((يتركوا)).
والمعنى: أظن الناس أن يتركوا بدون إمتحان، واختبار، وابتلاء،
وبدون نزول المصائب بهم، لأنهم نطقوا بكلمة الإيمان /؟إن ظنهم هذاظن
باطل، ووهم فاسد، لأن الإيمان ليس كلمة تقال باللسان فقط، بل هو عقيدة
تكلف صاحبها الكثير من ألوان الإبتلاء والاختبار ، عن طريق التعرض لفقد
الأموال والأنفس والثمرات ، حتى يتميز قوى الإيمان من ضعيفه.
قال القرطبى: والمراد بالناس قوم من المؤمنين كانوا بمكة ، وكان
الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام، كسلمة بن هشام،
وعياش ابن ربيعة، والوليد بن الوليد ... فكانت صدورهم تضيق بذلك،
وربما استنكروا أن يمكن الله الكفار من المؤمنين . قال مجاهد وغيره:
فنزلت هذه الآية مسلية ومعلمة أن هذه هى سيرة الله فى عباده، اختبار
للمؤمنين وفتنة .

١١
أخر. العشرون
قال ابن عطية: وهذه الآية وإن كانت نزلت بهذا السبب أو مافى
معناه من الأقوال، فهى باقية فى أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، موجود
حكمها بقية الدهر ... )،(١).
وقوله - سبحانه -: ((ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين
صدقوا وليعلمن الكاذبين ، مؤكد لما قبله من أن ظن الناس أن يتركوا
بدون ابتلاء، لقولهم آمنا، هذا الظن فى غير محله، لأن سنة الله قد اقتضت
أن يدفع الناس بعضهم ببعض ، وأن يجعل الكافرين يتصارعون مع
المؤمنين ، إلا أن العاقبة فى النهاية للمؤمنين .
والمقصود بقوله - تعالى -: ((فليعلمن ... )، إظهار علمه - سبحانه -،
أو المجازاة على الأعمال .
أى: ولقد فتنا الذين من قبل هؤلاء المؤمنين من أصحابك - أيها الرسول
الكريم -،« فليعلمن الله الذين صدقوا .. )، أى: فليظهرن الله - تعالى - فى
عالم الواقع حال الذين صدقوا فى إيمانهم ، من حال الكاذبين منهم ، حتى
ينكشف للناس ما هو غائب عن علمهم .
أو المعنى: ولقد فتنا الذين من قبلهم من المؤمنين السابقين. ٢أتباع
فوح وهود وصالح وغيرهم، فليجزين الذين صدقوا فى إيمانهم، يستحقون
من ثواب، وليجزين الكاذبين بما يستحقون من عقاب، واترقب المجازاة
على العلم، أق السبب مقام المسبب .
قال الإمام ابن جرير: قوله: ((فليعلمن الله الذين صدقوا .. ، أى:
فليعلمن الله الذين صدقوا منهم فى قولهم آمنا . وليعلمن الكاذ بید متهم فى
(١) تفسير القرطبى ج ١٣ ص ٣٦٤.

١٢
سورة العنكبوت
قولهم ذلك ، والله عالم بذلك منهم ، قبل الاختبار، وفى حال الاختبار ،
وبعد الاختبار، ولكن معنى ذلك: وليظهرن الله صدق الصادق منهم فى
قوله آمنا بالله، من كذب الكاذب منهم ...
وذكر أن هذه الآية نزلت فى قوم من المسلمين، هذبهم المشر كون،
ففتن بعضهم، وصبر بعضهم على أذاهم، حتى أقاهم اله بفرج من عنده)، (١)
وفى معنى هاتين الآيتين وردت آيات كثيرة منها قوله - تعالى -: دأم
حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين، (٢) ،
وقوله - سبحانه -: ((ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين
وقبلو أخباركم)،(٣) .
وقد ساق الإمام القرطبى عند تفسيره لهاتين الآيتين - من سورة
العنكبوت - عددا من الأحاديث النبوية، منها قوله: ورى البخارى عن
خباب بن الأرث قالوا: شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو
متوسد بردة له فى ظل الكعبة، فقلنا له : ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعولنا؟
فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها،
فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد.
لحمه وعظمه، فما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسيرـ
الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه،
ولكنكم تستعجلون)) (٤).
(١) تفسير ابن جرير = ٢٠ ص ٠٨٣
(٢) سورة التوبة . الآية ١٦
(٤) تفسير القرطبى ج ١٣ ص ٢٢٤.
(٣) سورة محمد. الآ ية ٠٣١

١٢
المرء المشروف
والخلاصة، أن المقصود من الآيتين تنبيه الناس فى كل زمان ومكان ،
إلى أن ظن بعض الناس بأن الإيمان يتعارض مع الابتلاء بالبأساء والضراء
علن خاطئ.، وإلى أن هذا الابتلاء سنة ماضية فى السابقين وفى اللاحقين إلى
يوم القيامة .
ثُ بين - سبحانه - أن عقابه المرتكبين السيئات واقع بهم، وأنهم إذا
ظنوا خلاف ذلك، فظنهم من باب الظنون السيئه القبيحة، فقال -تعالى -:
((أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا، ساء ما يحكمون)).
و((أم، هنا منقطعة بمعنى بل، والاستفهام للإنكاروالتوبيخ. وقوله:
((أن يسبقونا)) سادمد مفعول حسب. وأصل السبق: الفوت والتقدم على
الغير. والمراد به هنا: التعجيز والمعنى: بل أحسب الذين يعملون الأعمال
السيئات كالكفر والمعاصى، « أن يسبقونا، أى: أن يعجزونا فلا نقدر
على عقابهم، أو أن فى إمكانهم أن يهربوا من حسابنا لهم؟
إن كانوا يظنون ذلك فقد: ((ساء ما يحكمون، أى: بتس الظن ظنهم
هذا، وبش الحكم حكمهم على الأمور .
فساء بمعنى بئس، وما، موصولة و«يحكمون، صلتها، والعائد
محذوف ، والمخصوص بالذم محذوف . أى : بنس حكما بحكمونه
حكمهم ذلك.
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدخل السرور والاطمئنان على قلوب
عباده المؤمنين الصادقين فقال - تعالى -: ((من كان يرجو لقاء الله، فإن
أجل اله لآت، وهو السميع العليم ..
أى: من كان من الناس ير جو لقاء الله - تعالى - يوم القيامة لقاء يسر.
وبرضيه، ويطمعه فى ثوابه وعطائه، فليثبت على إيمانه، وليواظب على
(العمل الصالح، ، فإن أجل انه لات).

١٤
سورة العنكبوت
أى: فإن الأجل الذى حدده الله - تعالى - لموت كل نفس والبعث
والحساب، لآت لا محالة فى وقته الذى حدده - سبحانه -، وهو السميع))
لأقوال خلقه «العليم) بما يخفونه وما يعلنونه:
فالرجاء فى لقاء الله، بمعنى الطمع فى ثوابه، ومنهم من فره بمعنى
الخوف من حسابه - سبحانه - .
قال صاحب الكشاف : لقاء الله: مثل الوصول إلى العاقبة، من تلقى ملاك
الموت، والبعث، والحساب، والجزاء، مثلت تلك الحال محال عبد قدم على
سيده بعد عهد طويل، وقد أطلع مولاه على ما كان يأتى ويذر، فإما أن يلقاه
يبشر وترحيب، لما رضى من أفعاله، أو بضد ذلك لما سخطه منها .. وقيل:
((برجو)) يخاف، كمافى قول الشاعر:
إذا لسمته الدبر لم يرج لسعها .. )) (١) أى: إذا لسمته النحل لم يخف لسعها.
وعلى كلا التفسيرين الرجاء، فإن الآية الكريمة تبشر المؤمنين بما يدخل
المرور على نفوسهم، وتعدهم بأنهم متى ثبتوا على إيمانهم ، وأحسنوا
أعمالهم، فإن ثوابهم سيظفرون به كاملا غير منقوص، بفضل الله وإحسانه.
وقوله - سبحانه -: ((ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه، معطوف على
ما قبله، ومؤ كد مضمونه .
أی : ومن جاهد فى طاعة الله ، وفى سبيل إملاء كلمته، ونصرة دينه،
فإنما يعود ثواب جهاد، ونفعه لنفسه لا اغيره.
((إن الله)) - تعالى -ـ ((لغنى عن العالمين) جميعا، لأنه - سبحانه-لا تنفعه.
-
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٠٤٠٣

١٥
الجزء المشرون
طاعة مطيع ، كما لا تضره معصية عاصى ، وإنما لنفسه يعود ثواب المطيع ،
وعليها يرجع عقاب المسى ..
ثم وضح - سبحانه - ما أعده المؤمنين الصادقين من ثواب جويل فقال:
والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم .. ، أى: لفسترن
عنهم سيئاتهم، ولنزيلها - بفضلنا وإحسافنا - من صحائف أعمالهم.
ثم بعد ذلك .ولنجزينهم أحسن الذى، كانوا يعملون)، أى: ولنجزينهم
بأحسن الجزاء على أعمالهم الصالحة التى كانوا يعملونها فى الدنيا ، بأن نعطيهم.
على الحسنة عشر أمثالها .
قال الجمل ماملخصه: قوله: ((والذين آمنواوعملوا الصالحات .. ،يجوز.
أن يكون مرفوعا بالابتداء ، والخبر جملة القسم المحذوفة، وجوابها أى :
ولله لتكفون . ويجوز أن يكون منصوبا بفعل مضمر على الاشتغال. أى:
ونخلص الذين آمنوا من سيئاتهم .
وقال « بأحسن) لأنه - سبحانه - إذا جازاهم بالأحسن، جازاهم
بما هو دونه، فهو من التنبيه على الأدنى بالأعلى، (١)
(١) حاشية الجمل على الملالين ج ٣ ص ٢٦٨

١٦
سورةالعنكبوت
ثم بين - سبحانه - أن طاعة الله - تعالى- يجب أنى تقدم على كل
طاعة ، فقال :
وَوَصَّيْنَا ◌ْلْإِنْسَنَ بِوَلَيْهِ حُسْنَاً وَإِن
جَاّلِتُشْرِكَ بِ مَالَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعُهُمَاً إِلَىَّ مَرْ جِعُكٌ
فَأَنَبِّئُكُ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلُواْالصَّالِحَاتِ
لَنْدَّ ◌ِلَّهُمْ فِ الصَّالِحِينَ ﴾ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ ءَامَنَّا بِلهِ
فَإِذَا أُوِذِىَ فِى الَِّ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَيْنِ جَاءَ نَصْرُ
مِنْ رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كَأَ مَعَكُرْ أَوَ لَيْسَ اللهُبِأَعْلَمَ بِمَافِ صُدُورِ
اَلْعَلَمِينَ (*) وَلَيَعْلَنَّ ◌َلَهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَتْفِقِينَ (2)
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَِّعُواْ سَبِلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَكُمْ
. وَمَاهُم ◌ِحَمِلِينَ مِنْ خَطَئُهُم مِّنْ شَيْءٍ إِنَهُمْ لَكَذِبُونَ ()
وَيَحْمِلُنَّ أَنْقَالَهُمْ وَأَتْقَلًا مَّعَ أَتْقَالِمْ وَلَيُسْعَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا
كَانَواْ يَفْتَرُونَ
وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول الآية الأولى رواياتمنها ما أخرجه
الترمذى، من أنها نزلت فى سعد بن أبى وقاص، وذلك أنه حين أسلم، قالت له
أمه حمنة بنت أبى سفيان: ياسعد بلغنز أنك صبات، فوات لا يظلفى سقف

١٧
الجزء العشرون
يت، وإن الطعام والشراب على حرام، حتى تكفر بمحمد ( صلى الله عليه
وسلم ... بنجاء سعد إلى النى (صلى الله عليه وسلم) فشكى إليه ما قالته أمه.
فترات هذه الآية. فجاء سعد إليها فقال لها: يا أماه لو كانت لك مائة.
نفس، خرجت نفسا نفسا ما تركت دينى. فكلى إن شئت، وإن شئت
. فلا تأ كلى . فلما يجست منه أكلت وشربت.)، (١).
وقوله: ((حسناء منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف. أى: ووصينا
الإنسان بوالديه إيصاء حسنا، وعبر بالمصدر المبالغة فى وجوب الإحان
إليهما ، بأن يكون بارا بهما، وعطونا عليهما، وسخيا معهما.
وقوله - سبحانه -: ((وإن جاهدك.، معطوف على ما قبله بإضار
القول، أى: ووصينا الإنسان بوالديه حسنا، وقلنا له (( إن جاهداك))
أى : إن حملاك وأمراك «لتشرك بى، فى العبادة أو الطاعة ,ما ليس لك به
علم فلا تطعهما ، فى ذلك ، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق:
وقوله - سبحانه - : (( ماليس لك به علم، بيان "واقع ، فهذا الفيد
"لامفهوم له، لأنه ليس هناك من إله فى هذا الكون، سوى الله - عز وجل-
وقوله - تعالى -: ((إلى مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون، تذييل
المقصود به التحذير من معصيته - سبحانه - .
أى: إلى مرجعكم جميعا - أيها الناس - يوم القيامة، فأحاسبكم على
أعمالكم حسابا دقيقا، وأجازى الذين أساءوا بما عملوا، وأجازى الذين
أحسنوا بالحسنى.
(١) راجع تفسير القرطبى ج ١٣ ص ٢٢٨
(م ٢ - العنكبوت)

١٨
سورة العنكبوت
« والذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات لندخلتهم، بفضلنا
وإحساننا ((فى الصالحين، أى، فى زمرة الأقوام ((الصالحين، الذين
رضينا عنهم ، ورضوا عنا.
ثم يرسم القرآن الكريم بعد ذلك صورة واضحة لأصحاب القلوب
المريضة، والنفوس الضعيفة، ويمكى جانبا من أقوالهم الفاسدة، ودعاواهم
الكاذبة .
وقوله - سبحانه: ((ومن الناس من بقول آمنا بالله ... » بيان حال
قوم ضعف إيمانهم، واضطرب يقينهم ، بعد بيان حال المؤمنين الصادقين
فى قوله: ((والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم فى الصالحين)).
قال القرطبى: قوله - تعالى -: ((ومن الناس من يقول آمنا باقه .. »
قال مجاهد : نزلت فى ناس من المنافقين بمكة، كانوا يؤمنون ، فإذا أوذرا
رجعوا إلى الشرك، وقال عكرمة: كان قوم قد أسلموا فأكرههم المشر كون
على الخروج معهم إلى بدر ، فقتل بعضهم ، (١).
والمعنى: ((ومن الناس من يقول)) بلسانه دون أن يواطئ. هذا القول
قلبه «آمنا بالله ،.
وقوله (( فإذا أوذى فى الله جعل فتنة الناس كعذاب الله) بيان لحال هذا
البعض من الناس عند ما ننزل بهم المصائب والنكبات .
أى: فإذا أوذى هذا البعض - بعد قوله آمنا بالله - من أجل هذا القول
(١) تفسير القرطبى = ١٣ ص ٣٣٠

١٩
الجزء العشرون
ومن أجل تركه الدين الباطل، ودخوله فى الدين الحق ((جعل فتنة الناس»
له أى جعل عذابهم له، وإيذائهم إياه، كعذاب الله)) أى بمنزلة عذاب الله فى
الشدة والألم، فيقرقب على ذلك أن يتزلزل إيمانه ، ويضعف يقينه بل ربما
رجع إلى الكفر بعد الإيمان .
وفى جعل هذا البعض، فتنة الناس، كعذاب الله، دليل واضح على
ضعف إيمانه، وفساد تفكيره، لأن عذاب الناس له دافع، أما عذاب الله
فلا دافع له، ولأن عذاب الناس يقرتب عليه ثواب عظيم ، أما عذاب الله
فهو بسبب غضب الله - سبحانه - على من عصاه، ولأن عذاب الناس
معروف أمده ونهابته أما عذاب الله فلا يعرف أحد مداه ونهايته .
ثم بين- سبحانه - حال هذا الفريق، إذا ما من الله - تعالى- على المؤمنين
الصادقين، بنصر، فقال: ((ولئن جاء نصر مزربك، ليقولن إنا كنا معكم))
والضمير فى قوله: (( ليقولن، بضم اللام - يعود إلى (من)) فى قوله:
(من يقول، باعتباره معناها، كما أن أفراد الضمائر العائدة إليها باعتبار لفظها.
أى: هكذا حال ضعاف الإيمان ، عند الشدائد يساوون عذاب الناس
بعذاب الله، ولا يثبتون على إيمانهم. أما إذا جاءكم النصر - أيها الرسول
الكريم - فإن هؤلاء الضعاف فى إيمانهم، يقولون بكل ثقة وتأكيد: إنا كنا
معكم مشايمين ومؤيدين ، ونحن إنما أكرهنا على ما قلنا، وما دام الأمر
كذلك فأشركوننا معكم فيما ترتب على النصر من مغائم وخيرات.
وقوله - سبحانه -: (( أو ليس الله بأعلم بما فى صدور العالمين، رد
عليهم فى دعواهم الإيمان، وفى قولهم المؤمنين: إنا كنا معكم ، والاستفهام
لإنكار ما زعموه، ولتقرير علم الله - تعالى - العامل السر والعلانية.
أى: إن الله - تعالى - عالم بما فى صهرر العالمين جميعا من خير وشر»
وإيمان وكفر، وإن هؤلاء الذين يقولون آمنا، ليس الله - تعالى - فى حاجة

٢٠
سورة العنكبوت
إلى قولهم، فهو - سبحانه - يعلم السر وأخفى: ((وليعلمن الله، - تعالى-علم)
تاما ((الذين آمنوا)) به حق الايمان ((وليعلمن)) حال المنافقين، علم) لا يخفى
عليه شىء من ح كانهم وسكناتهم، وسيجازيهم بما يستحقون من عقاب،
وأكد - سبحانه - علمه بلام القسم وبنون التوكيد، للرد على دعاوى
ضعاف الإيمان بأقوى أسلوب، وأبلغه، حتى يقلموا من نفاقهم، ويتبعوا
المؤمنين الصادقين فى ثباتهم .
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك مازعمه أئمة الكفر من دعاوى باطلة ورد
عليها فقال: ((وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم
أى : وقال الذين كفرواللذين آمنوا على سبيل التضليل والاغراء: إقبعوا
سبيلنا أى طريقنا الذى وجدنا عليه آباءنا، وهو عبادة الأصنام، ولنحمل
عنكم خطاياكم يوم القيامة، إن كان هناك بعث وحساب .
واللام فى قوله: «ولنحمل، لام الأمر، كأنهم آمرين أنفهم بذلك،
ليغزوا المؤمنين باتباعهم.
أى: اطمئنوا إلى أننا لن نتخلى عنكم، ولن تنقض مهودنا معكم فى حمل
خطايا كم لو انبعتمونا أو هو أمر فى تأويل الشرط والجزاء، أى: أن
تتبعوا سبيلنا تحمل خطاياكم.
وقد رد الله - تعالى - زعمهم هذا بقوله: ((وماهم بحاملين من خطا ياهم
من شىء أنهم لكاذبون)، أى: وما هؤلاء الكافرين بحاملين لشىء من خطايا
غيرهم التى زعموا حملها يوم القيامة ، وإنهم لكاذبون فى كل أقوالهم.
و((من، الأولى بيانية"، والثانية لنفى حمل أى خطايا مهما صغرت،
وقد جاء التكذيب لهم بهذا الأسلوب المؤكد ، حتى مارس ألسنتهم ويمحو
كل أثر من أقوالهم من الأذهان .