النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦١ الجزء العشرون إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم .... (1) وقوله -سبحانه -: «واتخذوامن دون الله آلهة ليكونوا لهم عزاء كلا سیکفرون بعبادتهم ویکونون عليهم ضدا ، (٢) ثم وجه - سبحانه - إليهم توبيخا آخر فقال: ((وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون)). أى: وقيل لهؤلاء الكافرين على سبيل الفضيحة والتقريع: اطلبوامن شركائكم الذين توهمتم فيهم النفع والضر أن يشفعوا لكم ، أو أن ينقذوكم بما أنتم فيه من عذاب ، فطلبوا منهم ذلك لشدة حيرنهم وذلتهم «فلم يستجيبوا لهم ، ولم يلتفتوا إليهم. (( ورأوا العذاب، أى: ورأى الشر كاء والمشر كون العذاب ماثلا أمام أعينهم . و«لو، فى قوله: ((لوأنهم كانوا يهتدون)، شرطية، وجوابها محذوف، والتقدير: لو أنهم كانوا فى الدنيا مهتدين إلى طريق الحق ، لما أصابهم هذا العذاب المهين . وبحوز أن تكون لتهنی فلا تحتاج إلى جواب، ویکون المعنى ، وراوا العذاب، فتمنوا أن لو كانوا ممن هداهم الله - تعالى - إلى الصراط المستقيم فى الدنيا . ثم وجه - سبحانه - إليهم نداء آخر لا يقل عن سابقه فى فضيحتهم و"قر يعهم، فقال - تعالى -: «ويوم يناديهم فيقول: ماذا أجبتم المرسلين. (١) سورة إبراهيم الآية ٠٢٢ (٢) سورة مريم الآية ٨١، ٠٨٢ (٣٦ - سورة القصص) ٥٦٢ سورة القصص أى: واذكر - أيها العاقل - حال هؤلاء الكافرين يوم يناديهم المنادى من قبل الله - عز وجل - فيقول لهم: ما الذى أجبتم به رسلكم عند ما أمروكم بإخلاص العبادة لله - تعالى - ونهوكم عن الإشراك والكفر؟ فالمقصود من السؤال الأول : توبيخهم على إشراكهم ، والمقصود من السؤال الثانى، توبيخهم على تكذيبهم الرسلهم، ولذا وقفوا من هذه الأسئلة موقف الحائر المذهول المكروب، كما قال - تعالى -: ((فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون)). أى : خفيت عليهم الحجج التى يجيبون بها على هذه الأسئلة ، وصاروا لفرط دهشتهم وذهولهم عاجزين عن أن يسأل بعضهم بعضا عن الإجابة. وعدى (( فعميت)) يعلى، لتضمنه معنى الخفاء، قال" - سبحانه - دفعميت عليهم الأنباء)، ولم يقل: فعمواعن الأنباء، للمبالغة فى بيان ذهوهم وضمتهم المطبق فى ذلك اليوم العسير، حتى لكأنما الأنباء والأخبار عمياء لا تصل إليهم، ولا نعرف شيئا عنهم . ١ والتعبير بقوله - سبحانه-، فهم لا يتساءلون)) يشعر بزيادة حيرتهم وفرط دهشتهم، فهم جميعا قدصاروا فى حالة من الإبلاس والحيرة، جعلتهم يتساوون فى العجز والجهل . وكعادة القرآن الكريم فى الجمع بين حال الكافرين وحال المؤمنين، أتبع الحديث عن الكافرين، بالحديث عن المؤمنين فقال: ((فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى، هذا التائب المؤمن المواظب على الأعمال الصالحة (( أن يكون من المفلحين، أى : من الفائزين بالمطلوب . قال ابن كثير: ((وعسى)) من الله - عز وجل - موجبة، فإن هذا واقع بفضل الله ومنه - أى وعطائه - لا محالة ، (١) (١) تفسير ابن كثير ٦٠ ص٠٢٦١ ٥٦٣ الجزء العشرون ثم بين - سبحانه - أن مرد الأمور جميعها إليه، وأنه هو صاحب الخلق والأمر فقال: « وربك يخلق ما يشاء ويختار .... أى: وربك - أيها الرسول الكريم - يخلق ما يشاء أن يخلقه، ويختار من يختار من عباده لحمل رسالته، ولتبليغ دعوته، « لا يسأل عما بفعل وهم يسألون» . و((ما)، فى قوله - تعالى - («ما كان لهم الخيرة)) نافية والخيرة من التخير وهى بمعنى الاختيار، والجملة مؤكدة لما قبلها من أنه - سبحانه - يخلق ما يشاء ويختار . أى : وربك وحده يخلق ما يشاء خلقه ويختار ما يشاء اختياره لشئون عباده، وماصح وما استقام لهؤلاء المشركين أن يختاروا شيئا لم يختره الله - تعالى - أو لم يرده، إذكل شىء فى هذا الوجود خاضع لإرادةه وحده - عز وجل -، ولا يملك أحد كائنا من كان أن يقترح عليه شيئا، ولا أن أن يزيد أو ينقص فى خلقه شيئا ... وليس لهؤلاء المشركين أن يختاروا للنبوة أو لغيرها أحد لم يختره الله - تعالى - لذلك , ,فالله - عز وجل - أعلم حيث يحمل رسالته). قال القرطبى ما ملخصه: (( قوله: (( ما كان لهم الخيرة، أى: ليس يرسل من اختاروه م . وقيل: يجوز أن تكون(( ما، فى موضع نصب يختار، ويكون المعنى، ويختار الذى كان لهم فيه الخيرة . والصحيح الأول، لإطباقهم الوقف على قوله ((ويختار))، و((ما، نفى عام جميع الأشياء، أى يكون العبد اليها فىسوى اكتسابه بقدرةالله -عز وجل -. وقال الثعلبى: و«ما، نفى، أى: ليس لهم الاختيار على أنه. وهذا أصوب. ٠٦٤ . سورة القصص كقوله - تعالى: ((وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرم .. »(١). وقوله - تعالى -: ( سبحان الله وتعالى عما يشركون، تنزيه له - عز وجل - عن الشرك والشر كاء. أى تنزه الله - تعالى - وتقدس بذاته وصفاته عن إشراك المشركين ، وهلاك الضالين . ثم بين - سبحانه - أن علمه شامل لكل شىء فقال: «وربك يعلم ما تسكن صدورهم وما يعلنون)) . أى: وربك - أيها الرسول الكريم - يعلم علماتاما ما تخفيه صدور هؤلاء المشركين من أسرار، وما تعلنه من أقوال، وسيحاسبهم على كل ذلك حسابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .. ((وهو الله - سبحانه (لا إله إلا هو يستحق العبادة والخضوع, له اححد فى الأولى ، أى: فى الدنيا، وله الحمد - أيضا -(فى الآخرة، وله، وحده (( الحكم» النافذ: وإلا، وحده ,ترجعون، للحساب لا إلى غيره. ثم أمر - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يذكر الناس بمظاهر قدرته - سبحانه - فى هذا الكون. وأن يوقظ مشاعرهم للتأمل فى ظاهر تين. كوفيتين، هما الليل والنهار ، فإن التدبر فيما اشتملنا عليه من تنظيم دقيق، من شأنه أن يبعث على الإيمان بقدرة موجدهما، وهو الله عز وجل. قال- تعالى -: ( قلْ أَرْأَ يُمْ إِنْ جعل اللهُ عليكُم الليلَ سَرْمداً إلى يومِ القيامة ، (١) تفسير القرطبى = ١٣ ص ١٥٠ ٥٦٥ الجزء المشرون مَنْ إِلهٌ غيرُ اللهِ يأتيكُم بضِياءِ أفلاً أسمعُونَ (٧١) قل أَرأَ يَّ إِن جعلَ اللهُ عليكُم النهارَ سرمداً إلى يوم القيامةِ، مِنْ إلهٌ غيرُ اللهِ يأنيكُم بَلِيلٍ تَسْكُنُّون فيهِ أفْلاَ تَبْصِرُونَ (٧٢) ومِنْ رَحْتِهِ جعلَ لِكُمْ اليلَّ والنهارَ لتسْكُنُوا فيه، ولتبتُقُوا منْ فضِهِ ولعلكُمْ تَشكُرونَ (٧٣) ويومَ ينَذِيهِمْ فيقولُ أينَ شركائى الذِينَ كَثُم تَزْعُمُونَ (٧٤) ونزَعَنَا مِنْ كَلِّ أمةٍ شَهِيداً فتُلَنَا ماتُوا برهَا نُكُم، فعلِمُوا أنّالحقّ ◌ُه، وضْلَّ عنهم ما كانُوا يفترُونَ (٧٥))). والسرمد: الدائم الذى لا ينقطع، والمراد به هنا: دوام الزمان من ليل أو خار. والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - للناس ليعتبروا ويتعظواإلى مظاهر قدرتنا ورحمتنا، أخبرونى ماذا كان يحصل لكم إن جعل الله - تعالى - عليكم الزمان ليلا دائما إلى يوم القيامة، « من إله غير الله)) - تعالى - ,بانيكم بضياء، قبصرون عن طريقه عجائب هذا الكون، وتقضون فيه حوائجكم ((أفلا تسمعون) ما أرشدناكم إليه، سماع تدبر وتفهم واعتبار يهديكم إلى طاعة الله - تعالى - وشكره على نعمه. ثم قال لهم : أخبرونى بعد ذلك، لو جعل الله - تعالى - عليكم الزمان ضياء دائما إلى يوم القيامة ((من إله غير الله)) - تعالى - ((يأتيكم بليل تسكنون فيه. أى: تستريحون فيه من عناء العمل والكد والتعب بالنهار«أفلا تبصرون)) أى: أفلا تبصرون هذه الدلائل الساطعة الدالة على قدرة الله - تعالى - ورافته بكم. ٠٦٦ مدورة القصص إن دوام الزمان على هيئة واحدة من ليل أو نهار، يؤدى إلى اختلال الحياة» وعدم توفر أسباب المعيشة السليمة لكم، بل ربما أدى إلى هلاككم. إن المشاهد من أحوال الناس، أنهم مع وجود الليل لساعات محدودة، يعتاقون لطلوع الفجر، لقضاء مصالحهم، ومع وجود النهار لساعات محدودة - أيضا - يتطلعون إلى حلول الليل، ليستريحوا فيه من عناء العمل. وختم - سبحانه - الآية الأولى بقوله: ((أفلا يسمعون)، لأن حاسة السمع - فيما لو كان الليل سرمدا- هى أكثر الحواس استعمالا فى تلك الحالة المفترضة، ونختم الآية الثانية بقوله: ((أفلا تبصرون))، لأن حاسة النصر - فيمالو كان النهار سرمدا - من أكثر الحواس استعمالا فى هذه الحالة. قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت: هلا قيل : بنهار تتصرفون فيه ، كما قیل (( بليل تسكنون فيه ،؟ قلت: ذكر الضياء - وهو ضوء الشمس - لأن المنافع التى تتعلق به متكاثرة، ليس التصرف فى المعاش وحده، والظلام ليس بتلك المنزلة))(١). وقوله - سبحانه -: ((ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ، ولتبتغوا من فضله، ولعلكم تشكرون، بيان لمظاهر فضل الله - تعالى- على الناس، حيث جعل الليل والنهار على تلك الحالة التى يعيشون فيها. أى: ومن رحمته بكم - أيها الناس - أنه - سبحانه - لم يجعل زمان الليل مرعداً، ولازمان النهار نهارا،بل جعلهما متعاقبين ، وجعل لكل واحد منهما زمانا محددا مناسبا لمصالحكم ومنافعكم ، فالليل تسكنون فيه وتريحون فيه أبدافتكم، والنهار تنتشرون فيه لطلب الرزق من الله تعالى. وقد فعل - سبحانه - ذلك لمصلحتكم، كى تشكروه على نعمه، وتخلصوا له العبادة والطاعة . (١) تفسير الكثاف = ٣ ص ٤٢٨ ٥٦٧ الجزء العشرون وبعد هذا الحديث عن مشاهد الكون، عادت السورة -للمرة الثالثة - إلى الحديث عن أحوال المجرمين يوم القيامة، فقال - تعالى -: "ويوم يناديهم فيقول أين شركائى الذين كنتم نزعمون :. أى: كن متذكرا - ابها العاقل - لتعتبر وتتعظ، حال المجرمين يوم القيامة، يوم يناديهم الله - تعالى- على سبيل التقريع والتأنيب فيقول لهم: أين شركانى الذين كنتم فى دنياكم تزعمون أنهم شركائى فى العبادة والطاعة إنهم لا وجود لهم إلا فى عقولكم الجاهلة، وأفكاركم الباطلة ، وتقاليدكم السقيمة . قال - تعالى -: ((ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة، وتركتم ما خولناكم وراء ظهور كم، وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعم أنهم فيكم شركاء، لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون ، (١) ثم سجل - سبحانه- على هؤلاء المجرمين إنجرامهم عن طريق شهادة وحلهم عليهم، فقال: ((ونزعنا من كل أمة شهيدا .. )). أى: أخرجنا بسرعة من كل أمة من الأمم شهيدا يشهد عليهم، والمراد به الرسول الذى أرسله - صبخائه - إلى تلك الأمة المشهود عليها., فقلنا هاتوا برهانكم)، أى: فقلنا لهؤلاء المشركين - بعد أن شهد عليهم أنبياؤهم بأنهم قد بلغوهم رسالة الله - قلنا لهم: هانوا برهانكم وأدلتكم على صحة ما كنتم عليه من شرك وكفر فى الدنيا والأمر هنا للتعجيز والإفصاح . ولذا عقب - سبحانه - عليه بقوله: ((فعلوا أن الحق قه)، أى: فعجزوا عن الإتيان بالبرهانى، وعلموا أن العبادة الحق إنما هى لله - تعالى- وحده. (( وضل عنهم ما كانوا يفترون، أى: وغاب عنهم ما كانوا يفترونه فى حياتهم، من أن معبوداتهم الباطلة ستشفع لهم يوم القيامة. وبعد هذا البيان المتنوع عن دعاوى المشركين والرد عليها. وعن أحوالهم يوم القيامة، وعن أحوالى المؤمنين الصادقين ... بعدكل ذلك، خميسبها نهر (١) سورة الأنعام الآية ٩٤، ٠٦٨ سورة القصص قصة موسى - عليه السلام - التى جاء الحديث عنها فى كثير من آيات هذه السورة - ختمها بقصة قارون الذى كان من قوم موسى - عليه السلام - ، فقال - تعالى - : ((إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قومٍمِوسى فبنَى عليهم، وآتيناهُ من الكُنُوزِ ما إنَّ مفاتحَهَ لتُوءِ بالعُصبَةِ أُولى القوةِ ، إذْ قالَ لهُ قوْمُه لا تفرَحُ إنّ الله لا يحبُ الفَرِحِين (٧٦) وانْتَغِ فيما آتاكَ اللهُ الدارَ الآخرةَ ، ولا تَنْسَ نصِيِبكَ مِنَ الدُّنيا، وأحْسِنِ كما أحْسَن الله إليكَ، ولا تَبْغِ الفسادَ فى الأرضِ إن الله لا يحبُّ المفسدينَ (٧٧) قالَ إنَّما أوتيتُه عَلَى علم عندِى، أُوَلَمْ يعَمْ أَنَّ اللهَ قد أهلَكَ من قبلهِ من القُرُونِ من هُوَ أشدُّ مِنْهُ قوةً وأكثرّ ◌َجْهَا، ولا يسألُ منْ ذُنُوبِهِمْ المجرمُونَ (٧٨) تخرجَ عَلَى قومهٍ فى زِينَتَهِ ، قال الذينَ يريدُونَ الحياةَ الدّنياً: يا ليتَ لَنَا مثلَ ما أُوََِّ قَارُون، إنَّه ◌َذُ و حظّ عظيمٍ (٧٩) وقالَ الذينَ أُوتُوا العَلَّ ويلكُم، توابُ الله خير" لمنْ آمَن وعمِلَ صالِحًا، ولا يلقَّاهَا إلّ الصابِرُون (٨٠) فَخَفْنَاَ به وبدارِهِ الأرضَ فما كانَ لهُ مِنْ فئةٍ ينصرُونَه من دونِ اللهِ وما كانَ من المنتصِرِينَ (٨١) وأصبحَ الذينَ تَنَّوْا مكانةُ بالأمْسِ يقولُونَ ويكأنّ الله يبسطُ الرِّزْق لِمَنْ يشاء مِن عبادهٍ ويقدِرْ، لولاً أنْ مَنَّ الله عَلَيْاَ لُسَفَ بِنَاَ، ويكأنَّه لا يُفْلِحٌ الكافِرُونَ (٨٢) تلكَ الدَّارُ الآخرةُ نجعَلُهَاَ للذين لا يرِيدُونَ عُلُوًّا فى الأرضِ ولا فساداً، والعاقبةُ للمتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جاء بالحسنةِ فَلَهُ غَيْرٌ ٥٦٩ الجزء العشرون منها، ومَنْ جاء بالسيئَةِ فلاَ يُحْزَى الذينَ عَمِلوا السيئاتِ إلا ما كانُوا يعمَلُون (٨٤))). قال القرطبى:(قوله - تعالى -: ((إن قارون كان من قوم موسى ... )): لما قال - تعالى -: «وما أوتيتم من شى. فمتاع الحياة الدنيا وزينتها، بين أن قارون أو تيها وأغتر بها، ولم تعصمه من عذاب الله، كما لم تعصم فرعون واسم - أيها المشركون - بأكثر عددا ومالا من قارون وفرعون، فلم ينفع فرعون جزرده وأمواله، ولم ينفع قارون قرابة من موسى ولا كنوزه. قال النخمى وقتادة وغيرهما: كان قارون ابن عم موسى ... وقيل كان إر خالته ... ،(١) وقوله (( فبغى عليهم)) من البغى وهو مجاوزة الحد فى كل شىء. يقال: بغى فلان على غيره بغيا، إذا ظلمه واعتدى عليه. وأصله من بغى الجرح ، إذا ترمى إليه الفساد . والمعنى : إن قارون كان من قوم موسى، أى: من بنى إسرائيل الذين أرسل إليهم موسى ، كما أرسل إلى فرعون وقومه . ((فبغى عليهم، أى: فتطاول عليهم، وتجاوز الحدود فى ظلمهم وفى الاعتداء عليهم. ولم يحدد القرآن كيفية بغيه أو الأشياء التى بغى عليهم فيها ، الإشارة إلى أن بغيه قد شمل كل مامن شأنه أن يسمى بغيا من أقوال أو أفعال . وقوله - تعالى -: «وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة، بيان لما أعطى الله - تعالى - لقارون من نعم. (١) تفسير القرطبى :٣ ص٣١٠ ٥٧٠ سورة القصص ولكنوز: جمع كير وهو المال الكثير المدخر، ومما، موصوله، وهى المفعول الثانى لآ تينا. وصلتها(( إن)، وما فى جزها. وقوله: (( مفاتحه) جمع مفتح بكسر الميم وفتح التاء ـ وهو الآلة التى يفتح بها. أو جمع مفتح المسم والتماء - بمعنى الخزائن التى تجمع فيها الأموال. وهو - أى لفظ مفاتحه - اسم إن، والخبر: ((لتقوه بالعصية أولى القوة). وقوله (( لتنوء)) أى لتعجز أو لتثقل. يقال: ناء فلان يحمل هذاالشىء، إذا أنقله حمله وأنعبه: والباء فى قوله: «بالعضبة، للتعدية والقصبة: الجماعة من الناس من غير تعيين بعدد معين، سموا بذلك لأنهم يتعصب بعضهم لبعض ومنهم من خصها فى العرف، بالعشرة إلى الأربعين. والمعنى: وآتينا قارون - بقدرتنا وفضلنا - من الأموال الكثيرة، ما يثقل حمل مفاتح خزائنها، المصبة من الرجال الأقوياء ، بحيث تجعلهم شبه عاجزين عن حملها قال صاحب الکشاف: , وقد بو اغ فى ذكر ذلك - أى فى كثرة أمواله ـ بلفظ: الكنوز، والمفاتح، والنوء، والعصبة، وأولى القوة))(١). والمراد بالفرح فى قوله -سبحانه -: ((إذا قال له قومه لا تفرح)): البطر والأشر والتفاخر على الناس، والاستخفاف بهم، واستغفال نعم الله - تعالى - فى السيئات والمعاصى . وجملة: (( إن الله لا يحب الفرحين، تعليل النهى عن الفرح المذموم. (١) تفسير الكشاف ٣٠ س ٦٣٠ ٥٧١ الجزء العشرون أى: لقد أعطى الله - تعالى - قارون نعما عظيمة، فلم يشكر الله عليها، بل طغى وبغى، فقال له العقلاء من قومه: لا تفرح بهذا المال الذى بين يديك فرح البطر الفخور، المستعمل لنعم الله فى الفسوق والمعاصى ، فإن الله - تعالى - لا يحب من كان كذلك. ثم قالوا له - أيضا - على سبيل النصح والإرشاد: «وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، أى: واطلب فيما أعطاك الله - تعالى - من أموال عظيمة، ثواب الدار الآخرة ، عن طريق إنفاق جزء من مالك فى وجوه الخير، كالإحسان إلى الفقراء والمحتاجين . (( ولا تنس نصيبك من الدنيا، أى: اجعل مالك زادا لآخر تك، لا تترك التنعم بنعم الله فى دنياك، فإن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا ، ولضيفك عليك حقا ، فأعط كل ذى حق حقه . (« وأحسن كما أحسن الله إليك، أى: وأحسن إلى عباد الله بأن تترك البغى عليهم، وتعطيهم حقوقهم، مثل ما أحسن الله إليك بنعم كثيرة)). ((ولا تبغ الفساد فى الأرض، أى: ولا تصلب الفساد فى الأرض عن طريق البغى والظلم « إن الله لا يحب المفسدين، كما أنه - سبحانه - لا يحب الفرحين المختالين . وهكذا ساق العقلاء من قوم قارون النصائح الحكيمة له، والتى من شأن من أتبعها أن ينال السعادة فى دنهاه وأخراه . ولكن قارون قابل هذه النصائح، بالغرور وبالإصرار على الفساد والجحود فقال - كما حكى القرآن عنه -: (( إنما أوتيته على علم عندى)). أى: قال قارون فى الرد على ناصحيه: إن هذا المال الكثير الذى نحت يدى، إنما أوتيته بسبب علمى وجدى واجتهادى ... فكيف تطلبون منى أن ٠٧٢ سورة القصص أتصرف بمقتضى نصاتحكم؟ لا لن أتبع تلك النصائح التى وجهتموها إلى، فإن هذا المال مالى ولا شأن لكم بتصرفى فيه، كما أنه لا شأن لكم بتصرفاتى الخاصة ، ولا بسلوكى فى حياتى التى أملكها . وهذا القول يدل على أن قارون، كان قد بلغ الذروة فى الغرور والطغيان وجحود النعمة . ولذا جاءه التهديد المصحوب بالسخرية منه ومن كنوزه، فى قوله - تعالى -: «أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا. )). والمقصود بهذا الاستفهام التعجيب من حاله ، والتأنيب له على جهله وغروره . أى: أبلغ الغرور والجهل بقارون أنه يزعم أن هذا المال الذى بين يديه جمعه بمعرفته واجتهاده، مع أنه يعلم - حق العلم عن طريق التوراة وغيرها . أن الله - تعالى - قد أهلك من قبله، من أهل القرون السابقة عليه من هو أشد منه فى القوة، وأكثر منه فى جمع المال واكتنازه . فالمقصود بالجملة الكريمة تهديده وتوبيخه على غروره وبطره. وقوله - سبحانه - :((ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون)) جملة حالية. أى: والحال أنه لا يسأل عن ذنوبهم المجرمون سؤال استعتاب واستعلام، لأن الله - تعالى - لا يخفى عليه شيء، وإنما يسألون - كماجاء فى قوله - تعالى -,فوربك لغألتهم أجمعين، - -ؤال توبيخ وإفضاح. فالمراد بالنفى فى قوله - سبحانه - ((ولايسأل .... سؤال الاستعلام والاستعتاب، والمراد بالإثبات فى قوله: ((فلنسأان)). أو فى قوله: (فوربك لنسألنهم .. )) . -ؤال التقريع والتوبيخ. ٠٧٣ الجزء العشرون أو نقول: إن فى يوم القيامة مواقف، فالمجرمون قد يسألون فى موقف، ولا يسألون فى موقف آخر، وبذلك يمكن الجمع بين الآيات التى تنفى السؤال والآيات التى نقبته . ثم حكى القرآن بعد ذلك مظهرا آخر من مظاهر غرور قارون وبطره فقال: ويخرج على قومه فى زينته، والجملة الكريمة معطوفة على قوله قبل ذلك ((قال إنما أوتيته على علم عندى ، وما بينهما اعتراض. والزينة: اسم لما يتزين به الإنسان من حلى أو ثياب أو ما يشبههما . أى: قال ما قال قارون على سبيل الفخر والخيلاء، ولم يكتف بهذا القول بل خرج على قومه فى زينة عظيمة ، وأبهة خمة ، فيها ما فيها من ألوان الرياش والخدم .. وقد ذكر بعض المفسرين روايات متعددة ، فى زينته التى خرج فيها ، رأينا أن نضرب عنها صفحا لضعفها ، ويكفى أن نعلم أنها زينة خمة ، لأنه لم يرد نص فى تفاصيلها . وأمام هذه الزينة الفخمة التى خرج فيها قارون ، انقسم الناس إلى فريقين فريق استهوته هذه الزينة، وتمنى أن يكون له مثلها، وقد عبر القرآن عن هذا الفريق بقوله: ((قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوز قارون إنه لذو حظ عظيم)). أى : خرج قارون على قومه فى زينته ، فما كان من الذين يريدون الحياة الدنيا وزخارفها من قومه ، إلا أن قالوا على سبيل التمنى والانبهار ... يا ليت لنا مثل ما أوتى قارون من مال وزينة ورباش، إنه لذوحظ عظيم ، ونصاب ضخم ، من متاع الدنيا وزينتها . هكذا قال الذين يريدون الحياة الدنيا ، وهم الفريق الأول من قوم قارون. أما الفريق الثانى المتمثل فى أصحاب الإيمان القوى، والعلم النافع ، ٥٧٤ سورة القصص فقد قابلوا أصحاب هذا القول بالزجر والتعنيف، وقد حكى القرآن ذلك عنهم فقال: (( وقال الذين أوتوا العلم ويلكم، و أب اللّه خير لمن آمن في عمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون». وكلمة (ويلكم، أصلها الدعاء بالهلاك، وهى منصوبة بمقدر. أى: ألزمكم الله الويل . ثم استعملت فى الزجر والتعنيف والحض على ترك ماهو قبيح ، وهذا الاستعمال هو المراد هنا . أى : وقال الذين أوتوا العلم النافع من قوم قارون ، لمن يريدون الحياة الدنيا : كفوا عن قولكم هذا، واز كوا الرغبة فى أن تكونوا مثله، فإن « ثواب الله، فى الآخرة ((خير) مما تمنيتموه، وهذا الثواب إنما هو ((لمن آمن وعمل صالحا ، فلا تتمنوا عرض الدنيا الزائل. وهذه المثوبة العظمى التى أعدها الله - تعالى - لمن آمن وعمل صالحا (( لا يلقاها)، أى: لا يظفر بها، ولا يوفق للعمل لها(( إلا الصابرون)) على طاعة الله - تعالى -. على ترك المعاصى والشهوات. قال صاحب الكشاف:((والراجع فى ((ولا يلقاها)) الكلمة التي تكلم به! العلماء، أو الثواب، لأنه فى معنى المثوبة أو الجنة، أو السيرة والطريقة وهى الإيمان والعمل الصالح» (١). ثم جاءت بعد ذلك العقوبة لقارون، بعد أن تجاوز الحدود فى البغى والفخر والإفساد فى الأرض. وقد حكى - سبحانه - هذه العقوبة فى قوله: ((تحفنا به وبداره الأرض .. )). وقوله - تعالى - ((نفسفنا) من الخسف وهو النزول فى الأرض، يقال: (١) تفسير الكشاف =٣ م ٤٣٢ ٠٧٥ الجزء العشرون خسف المكان خفا - من باب ضرب - إذا غارفى الأرض. ويقال: خسف القمر، إذا ذهب ضوؤه، وخسف الله بفلان الأرض، إذا غيبه فيها . قال ابن كثير: «لما ذكر الله - تعالى- اختيال قارون فى زينته، وعخره على قومه وبغيه عليهم ، عقب ذلك بأنه خف به وبداره الأرض ، كما ثبت فى الصحيح - عند البخارى من حديث الزهرى عن سالم - أن أباء حدثه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: بينا رجل يجر إزاره إذ خف به، فهو يتجلجل فى الأرض إلى يوم القيامة، (١). أى: تمادى قارون فى بغيه، ولم يستمع انصح النا صحين، فغيبناء فى الأرض هو وداره، وأذهبناهما فيها إذهابا تاما. ((فما كان له من مئة ينصرونه من دون الله)) أي: فما كان لقارون من جماعة أو عصبة تنتصره من عذاب الله ، بأن تدفعه عنه ، أو ترحمه منه . (((وما كان)) قارون ((من المنتصرين)) بل كان من الأذلين الذين تلقوا عقوبة الله - تعالى - باستلام وخضوع وخضوع، دون أن يستطيع هو أو قومه رد عقوبة الله - تعالى -. ثم ـ بين - سبحانه - ما قاله الذين كانوا يتمنون أن يكونوا مثل قارون فقال - تعالى -: ((وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ,ويكان الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر، لولا أن من الله علينا لخسف بنا، ويكأنه لا يفلح الكافرون،٠ ولفظ «وى) اسم فعل بمعنى أعجب، ويكون - أيضا - للتحسر والتندم، وكان الرجل من العرب إذا أرادأن يظهر ندمه وحسر ته على أمرفائت يقول: وى. وقد يدخل هذا اللفظ على حرف( كأن المحددة - كمافى الآية -وعلى المخففة (١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٢٦٦ ٥٧٦ سورة القصص قال الجمل ما ملخصه قوله: «وبكان الله ... ، فى هذا اللفظ مذاهب: أحدها: أن «وى)، كلمة ترأسها، وهى اسم فعل معناها أعجب، أى: أنا ، ((والمكاف، للتعليل, ((وأن) وما فى حيزها مجرورة بها، أى: أعجب لأ الله - تعالى - يبسط الرزق لمن يشاء وتقدر، .. ، وقياس هذا القول أن يوقف على ((وى)، وحدها، وقد فعل ذلك الكسائى. الثانى: أن كأن هنا للقشبيه، إلا أنه ذهب معناه وصارت الخبر واليقين، وهذا - أيضا - يناسبه الوقف على «وى)). الثالث: أو ((ويك، كلمة برأسها، والكاف حرف خطاب، و((أن)، معمولة المحذوف. أى: اعلم أن الله يبسط ... وهذا يناسب الوقف على « ويك، وقد فعله أبو عمرو. الرابع: أن أصل الكلمة ويلك، خذفت اللام وهذا يناسب الوقف على الکاف - أيضا - كما فعل أبو عمرو . ٠ ٫موقــ ر. ١٠ الخامس: أن ((ويكأن، كلها كلمة مستقلة بسيطة ومعناها: ألم تر ... ولم يرسم فى القرآن إلا « ويكأن، و((ويكأنه، متصلة فى الموضعين ... ووصل هذه الكلمة عند القراءة لا خلاف بينهم فيه ... والمعنى: وبعد أن خسف الله - تعالى - الأرض بقارون ومعه داره، أصبح الذين تمنوا أن يكون مثله ((بالأمس، أى: منذ زمان قريب، عندما خرج عليهم فى زيفته، أصبحوا يقولون بعد أن رأوا هلا كه: «ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، أى: صاروا يقولون ما أعجب قدرة الله - تعالى- فى إعطائه الرزق لمن يشاء من عباده وفى منعه عمن يشاء منهم، وما أحكمها فى تصريف الأمور ، وما أشدغفلتنا عند ما تمنينا أن نكون مثل قارون، وما أكثر ندمنا على ذلك . . الجزء العشرون لولا أن الله - تعالى -، قد من علينا - بفضله وكرمه - لخف بنا الأرض كما خسفها بقارون وبداره . ((ويكأنه لا يفلح الكافرون)، أى: ما أعظم حكمة الله - تعالى - فى إهلاكه القوم الكافرين، وفى زمهاله لهم ثم يأخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر. ثم ختم - سبحانه - قصة قارون ببيان سنة من سننه التى لا تتخلف فقال: (( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا فى الأرض ولا فساد !.. ». واسم الإشارة ((تلك)، مبتدأ، والدار الآخرة صفة له ، ونجعلها ... خبره، وجاءت الإشارة بهذه الصيغة المفيدة للبعد، الإشعار بعظم هذه الدار وعلو شأنها . أى: تلك الدار الآخرة وما فيها من جنات ونعيم، ونجعلها خالصة لعبادنا الذين لا يريدون بأقوالهم ولا بأفعالهم«علوا فى الأرض، أى: نطاولا وتعاليا فيها ((ولا فسادا، أى: ظلما أو بغيا أو عدوانا على أحد. (((والعاقبة، الطيبة الحسنة، إنما هى ((للمتقين)) الذين صافوا أنفسهم عن كل سوء وقبيح . ((من جاء، فى دنياه ((بالحسنة))، أى: بالأعمالى الحسنة ((فله، فى مقابلها عندنا بفضلنا وإحساننا ((خير منها، أى: فله عندنا خير ما جاء به من حسنات، بأن نضاعفها له، ونثيبه عليها ثوابا عظيما لا يعلم مقداره أحد . ((ومن جاء، بالأعمال ((السيئة، فلا يجزى الذين عملوا، الأعمال ( السيئات إلا ما كانوا يعملون)، أى: فلا يجزون إلا الجزاء الذى يناسب أعمالهم فى القبح والسوء . وهكذا يسوق لنا القرآن فى قصصه العبر والعظات، لقوم يتذكرون. فن قصة قارون نرى أن كفرأن النعم يؤدى إلى زوالها، وأن الغرور ( ٣٧ - سورة القصص) ٠٧٨ سورة القصص والبغى والتفاخر كل ذلك يؤدى إلى الهلاك ، وأن خير الناس من يبتغ فيما آتاه الله من نعم ثواب الآخرة، دون أن يهمل نصيبه من الدنيا، وأن العاقل هو من يستجيب لنصح الناصحين ، وأن الناس فى كل زمان ومكان، منهم الذين يريدون زينة الحياة الدنيا، ومنهم الأخبار الأبرار الذين يفضلون ثواب الآخرة، على متع الحياة الدنيا، وأن العاقبة الحسنة قد جعلها -سبحانه - لعباده المتقين ، وأنه - سبحانه - بجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. ٥ ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بإشارة النبى - صلى الله عليه وسلم-، وبقتبيت قلبه، وبأمره بالمضى فى تبليغ رسالة ربه بدون خوف أو وجل .. فقال - تعالى -: ((إنَّ الذى فرَض عليكَ القرآنَ لَرَادُكَ إِلى معادٍ، قل ربى أعلمُ مَن جَاء بالهدَى، ومَنْ هُوَ فى ضلالِ مُبين (٨٥) وما كنتَ ترجُو أنْ ◌ُلقى إليكَ الكتابُ إلا رحمةً من رَبَّكَ فلا تكو ◌ّنَّ ظهيراً الكافرِينَ (٨٦) ولاَ يَصدُّنَّكَ عنْ آياتِ الهِ بعدَ إذْ أُنزِلتْ إليكَ، وادعُ إِلَى رَبِّكَ، ولا تكونَنَّ مِنَ المشركينَ (٨٧) ولا تدع مع اللهِ إلهاً آخرَ لا إلهَ إلاَ هُوَ، كلُّ شَىءٍ مالِكٌ إلا وَجْهُهُ، لِهِ الحَكُمُ وإليه تُرجَعُونَ (٨٨) )). قال القرطبى: ((قوله - تعالى -: ( إن الذى فرض عليك القرآن الرادك إلى معاد ٠٠، ختم - سبحانه -السورة ببشارة فبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - برده إلى مكة قاهر الأعدائه. وقيل: هو بشارة له بالجنة . والأول أكثر. وهو قول جابر بن عبد الله، وإن عباس ، ومجاهد. وغيرهم. ٥٧٩ الجزء العشرون قال الفتى: معاد الرجل بلده، لأنه ينصرف عنه ثم يعود إليه .... وقيل إلى معاد. أى: إلى الموت ... )) (١) قال الآلومى: ((وقد يقال: أطلق - سبحانه - المعاد على مكة، لأن العرب كانت تعود إليها فى كل سنة، لممكان البيت فيها، وهذا وعد منه - عز وجل- لنبيه - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة أنه - عليه الصلاة والسلام- يهاجر منها ثم يعود إليها. وروى عن غير واحد أن الآية نزلت بالحجفة بعد أن خرج - صلى الله عليه وسلم - من مكة مها جرا واشتاق إليها. ووجه ارتباطها بما تقدمها : تضمنها الوعد بالعاقبة الحسنى فى الدنيا ، كما تضمن ما قبلها الوعد بالعاقبة الحسنى فى الآخرة.(٢). والمعنى: (( إن الذى فرض عليك القرآن» - أيها الرسول الكريم-، بأن أنزله إليك، وكلفك بحفظه وتلاوته على الناس، والعمل بأوامره ونواهيه. (( لرادك إلى معاد، أى: لرادك إلى المكان الذي أنت فيه وهو مكة، بعد أن تها جر منه . تعود إليه ظاهرا منتصرا، بعد أن خرجت منه وأنت مطارد من أعداءك . تعود إليه وممك الآلاف من أتباعك، بعد أن خرجت منه وليس معك سوی ماحبك أبى بكر الصديق - رضى الله عنه .. وقد حقق القه - تعالى - هذا الوعد لنبيه - صلى الله عليه وسلم -، فقد عاد الرسول إلى مكه ومعه أصحابه المؤمنون، بعد سنوات قليلة من هجرتهم منها. قال صاحب الكشاف:« ووجه تفكيره - أى لفظ المعاد - أنها كانت فى ذلك اليوم معادا له شأن، ومرجعا له اعتداد، لغلبة رسول الله - صلى الله (١) تفسير القرطبى ج ١٣ ص ٢٣١ (٢) تفسير الآلوسى =٢٠ ص ١٢٨ ٥٨٠ سورة القصص عليه وسلم - عليها، وقهره لأهلها، لظهور عز الإسلام وأهله , وذل الشرك وحزبه ... ،(١) ثم أرشد - سبحانه - نبيه إلى ما يرد به على دعاوى المشركين فقال: ((قل ربى أعلم من جاء بالهدى. ومن هو فى ضلال مبين)). أى: قل - أيها الرسول الكريم - لمن خالفك و كذبك، ربى وحده هو الأعلم بالمهتدى وبالضال منى ومنكم، وسيجازى كل فريق بما يستحقه، وستعلمون - أيها المشر كون - لمن عقبى الدار. ثم ذكره - سبحانه - بنعمة اختصاصه بالنبوة وحمل الرسالة فقال: ( وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك .. )). أى: وما كنت - أيها الرسول الكريم - قبل وحينا إليك بالرسالة، تتوقع أو نظن أننا سنكلفك بها، لكننا كلفناك بها وشرفناك بحملها رحمة منا بالناس فأنت الرحمة المهداة والنعمة المسداه إليها، لإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. وما دام الأمر كذلك، فأكثر من شكر الله - تعالى- وامض فى طريقك ولا (( تمكونن ظهيرا)، أى: معينا ونصيراً , للكافرين)). ((ولا يصدئك، صاد (( عن)) تبليغ ((آيات الله)) - تعالى-، وعن العمل بها (( بعد إذ أنزلت إليك ، من ربك : ((وادع)) الناس جميعا (( إلى ، دين ((ربك) وإلى طريقه ((ولا تسكو نز من المشركين ، الذين أشركوا مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة والطاعة. ((ولا تدع مع الله)) - تعالى -((إلها آخر، أى: واحذر أن تعبد مع الله - تعالى - إلها آخر، فإن الحال والشأن والحق أنه «لا إله، مستحق للعبادة ((إلا هو ، وحده عز وجل. (١) تفسير الكشاف ج٣ ص ٤٢٦