النص المفهرس

صفحات 501-520

٠٠١
الجزء العشرون
٣٠١ قال الجمل: «وامرأة فرعون هى: آسيا بنت مزاحم، وكانت من خيار
النساء، ومن بنات الأنبياء، وكانت أما للمساكين ترحمهم وتتصدق عليهم، (١)
ويكفى فى مدحها قوله - تعالى -: ((وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة
فرعون إذ قالت : رب ابن لى عندك بيتا فى الجنة وتجنى من فرعون وعمله ،
ونجنى من القوم الظالمين ،(٢)
أى: وقالت امرأة فرعون بعد أن أخرج موسى من التابوت ، ورأته
بين أيدى فرعون وآله: «قرة عين لى ولك، أى: هذا الطفل هو قرة عين
فى ولك، أى: هو محل السرور والفرح لعين ولعينك يا فرعون.
فالجملة الكريمة كناية عن السرور به، «إذ لفظ)) (( قرة)» مأخوذ من
القرار بمعنى الاستقرار، وذلك لأن العين إذا رأت ما تحبه، إستقر نظرها
حلية، وإنشغلت به عن غيره .
ثم أضافت إلى ذلك قولها. لا تقتلوه، والخطاب لفرعون وجنده.
ثم علات النهى عن قتله بقولها: ((عى أن ينفعنا، فى مستقبل حياتنا،
فنجنی من ورائه خيرا .
« أو نتخذه ولدا، لنا، فإن هيئته وصورته تدل على النحابة والجمال واليمن
وهكذا شاءت إرادة الله - تعالى -، أن نجعل امرأة فرعون، سببا فى
إنقاذ موسى من القتل ، وفى أن يعيش فى بيتفرعون ، ليكون له فى المستقبل
عدوا وحزنا ،
وقوله - تعالى -: ((وهم لا يشعرون)) جملة حالية، أى: فعلوا ما فعلوا
والحال أنهم لا يشعرون أن هلا کهم سيكون على يديه،
(١) سامية الجمل على الجلالين = ٣ ص ٠٣٣٧
(٢) سورة التحريم آية ١).

٠٠٢
سورة القصص
وأصل الربط: الشد والتقوية للشىء ، ومنه قولهم : فلان رابط الجأش،
أى: قوَى القلب.
وقوله - تعالى ،ـ(( لتكون من المؤمنين، علة لتثبيت قلبها وتقويته، فهو
منطق بقوله: ((ربطنا)).
أى: ربطنا على قلبها لتكون من المصدقين بوعد الله - تعالى -، وأنه
سیرد إليها ابنها ، كى تقر عينها ولا تحزن .
ثم بين - سبحانه - ما فعلته أم موسى بعد ذلك فقال: ((وقالت لأختنه
قصيه .. ، أى لم تسكت أم موسى بعد أن علمت بالتقاط آل فرعون له، بل
قالت لأخت موسى (( قصيه)، أى: تتبعى أثره وخبره وما آل إليه أمره.
يقال: قص فلان أثر فلان فهو يقصه، إذا تقبعه، ومنه القصص للأخبار
المتقبعة .
والغاء فى قوله - سبحانه -: «فيصرت به عن جنب ... هى الفصيحة.
والجنب : الجانب .
أى: فقصت أخت موسى أثره، فأبصرته عن جانب منها، وكأنها لا تريد
أن تطلع أحدا على أنها تبحث عن أخيها ، وتتبع أثره، والجار والمجر ور حال
من الفاعل ، أى: أبصرت به مستخفية كائنة عن جنب.
قال الآلوسي: ((عن جنب، أى عن بعد، وقيل عن شوق إليه ...
وقال الکرمانی: ((جنب، صفة لموصوف محذوف، أى عن مكان جنب بعيد
وكأنه من الأضداد، فإنه يكون بمعنى القريب - أيضا - كالجار الجنب.
وقيل عن جانب .. وقيل: النظر عن جنب، أن تنظر الشىء كأنك لا تريده(١).
والتعبير بقوله - تعالى - ((فبصرت به عن جنب، يشعر بأن أخت موسى
أبصرت أخاها إبصار فيه مخادعة لآل فرعون ، حتى لا تجعلهم يشعرون
بأنها تبحث عنه.
(١) تفسير الآلوسى = ٢٠ ص ٥٠

٠٠٣
الجزء العشرون
والظاهر أن هذه ابجملة من كلام أنه - تعالى -، وليست حكاية لما قالته
أمرأة فرعون .
ثم صورت السورة السكريمة تصويراً بديعا مؤثراً، ما كانت عليه أم
موسى من لهفة وقلق، بعد أن فارقها إبنها، فقال -تعالى -: ((وأصبح فؤاد أم
موسى فارغا ... ، أى: وبعد أن ألفت أم موسى به فى اليم، والتقطه آل
فرعون ، وعلمت بذلك أصبح قلبها وفؤادها خاليا من التفكير فى أى شىء فى
هذه الحياة، إلا فى شىء واحد وهو مصير إبنها موسى - عليه السلام ..
وفى هذا التعبير مافيه من الدقة فى تصوير حالتها النفسية ، حتى لكأنها
صارت فاقدة لكل شىء فى قلبها سوى أمر إبنها وفلذة كبدها .
٠٠
قال ابن كثير:((قوله - تعالى -: ((وأصبح فؤاد أم موسى فارغا ، من كل
شىء من أمور الدنيا إلا من موسى. قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة ،
وسعيد بن جبير، والحسن البصرى، وقتادة ... وغيرم)،(١).
و((إن) فى قوله - تعالى -: ((إن كادت لتبدى به، هى المخففة منت
الثقيلة وإسمها ضمير الشأن، وتبدى بمعنى تظهر، من بدأ الشىء يبدوا وبداء
إذا ظهر ظهورا واضما .
والضمير فى «به، يعود إلى موسى - عليه السلام -.
أی: وصار فؤاد أم موسى فارغا من كل شىء سوى التفكير فى مصيره،
وإنها كادت لتصرح للناس بأن الذى التقطه آل فرعون، هو إبنها، وذلك
لشدة دهشتها وخوفها عليه من فرعون وجنده .
وجواب الشرط فى قوله - تعالى -: «لولا أن ربطنا على قلبها، محذوف
دو عليه ماقبله .
أى: لولا أن ربطنا على قلبها بقدرتنا وإرادتنا. بأن ثبتناه وقويناه،
لأظهرت الناس أن الذى التقطه آل فرعون هو إبنها .
(١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٢٣

٥٠٤
سورة القصص
ويشهد لذلك قوله - تعالى -،وهم لا يشعرون)) أى: وم-أى آل فرعون-
لا يشعرون أنها أخته تبحث عنه وتتبع أخباره.
ثم بین - سبحانه-مظهرا من مظاهر حكمته وقدر ته و تدبيره لأمر موسی
كى يعود إلى أمه، فقال - تعالى -: ((وحرمنا عليه المراضع من قبل ....
والمراد بالتحريم هنا: المنع، والمراضع: جمع موضع - بضم الميموكسر
الضاد . وهى المرأة التى ترضع.
أى: ومنعنا موسى بقدرتنا وحكمتنا من أن يرضع من المرضعات. وكان
ذلك من قبل أن تعلم بخبره أمه وأخته .
قال ابن كثير: قوله - تعالى -: ((وحرمنا عليه المراضع من قبل)) أى:
محرما قدريا، وذلك لكرامة الله له , صانه عن أن يرتضع غير ثدى أمه،
ولأنه - سبحانه - جعل ذلك سببا إلى رجوعه إلى أمه، لترضعه وهى آمنة بعد
أن كانت خائفة .... (١).
وقوله - سبحانه -: ((فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكمومله
فاصدون» حكاية لماقالته أخت موسى لفرعون وحاشيته، والاستفهام للتخصيص.
أى: وبعد أن بصرت أخت موسى به عن جنب، ورأت رفضه للمراضع،
وبحثهم عمن يرضعه، قالت لهم: ألا أدلكم (( على أهل بيت يكفلونه لكم))
أى: يقومون بتربيته وإرضاعه من أجل راحتكم وراحته، («وحمله ناصحون،
أى: وهم لا يمنعونه ما ينفعه فى تربيته وغذائه ، ولا يقصرون فيما يعودعليه
بالخير والعافية .
وقوله - سبحانه -: ((فرددناه إلى أمه كى تقرعينها ولا تحزن .. ، معطوف
(١) تفسير ابن كثير ج٦ ص ٢٢٣

٥٠٥
الجزء العشرون
على كلام محذوف، والتقدير: فسمعوا منها ماقالت، ودلتهم على أمه، فرددنا.
إليها، كى يطمئن قلبها وتقر عينها برجوع ولدها إليها، ولا تحزن لفراقه.
((ولتعلم أن وعد الله - تعالى - حق، أى: أن وعده - سبحانه - لا خلف
فيه، بل هو كائن لا محالة .
( ولكن أكثرهم لا يعلمون، أى: ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذه
الحقيقة حق العلم ، ولذا يستعجلون الأمور، دون أن يفطنوا إلى حكمته
- سبحانه - فى تدبير أمر خلقه .
وبذلك نرى هذه الآيات قب صاغت لنا بأبلغ أسلوب ، جانبا من حياة
موسى - عليه السلام -، ومن رعاية الله - تعالى - له، وهو مازال فى سن
الرضاعة .
٠٠٠
ثم قص علينا - سبحانه - جانبا من حياة موسى -عليه السلام - بعد أن
بلغ أشده واستوى ، فقال - تعالى -:
((وَلَّا بِلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى، آتيناهُ حُكْمًا وحِماً، وكذلكَ نَجْزِى
المحسنينَ (١٤) ودخَلَ المدِينةَ عَلَى حينٍ فَقْلَةٍ من أَهلِهاَ فوجدَ فيها
رَجَلَيْنٍ بِقْتَّتِلاَنِ، هذا من شِيعَتَهِ وهذَا من عدُوُّه، فَاستغَتَهُ الذى
من شيعتَةٍ عَلَى الدى من عَدُوُه، فوكزَهُ موسَى فقضَى عليهٍ، قالَ هذَا
من عَمَلِ الشّيطانِ، إنَّه عَدُوٌّ مُضِلٌّ مبينٌ (١٥) قالَ ربِّ إنِّى ظلمتُ
نَفْسِى فَاغْفِرْ لِ فَتَغَرّ لهُ، إنَّهُ هُوَ النَفُور الرحيمُ (١٦) قالَ ربِّ
بما أنعمتَ عَلَىَّ فَلَنْ أكونَ ظهيراً للمُجرِمينَ (١٧) فأصبح فى المدينة
فَ خَائِقاً يَتَرقبُ فَإِذَا الذِى استَنْصِرَهُ بالْأمْسِ يَسْتَصرِخُه، قالَ لهُ موسَى

٥٠٦
سورة القصص
إِنَّكَ لَغْوِىٌّ مُبِين (١٨) فلمَّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشِ بِالَّذِىِ هوَ عدوً لهما
قالَ يَامُوسَى أَثْرِيدُ أنْ تَقْتُلَى كَا فَتَلَتَ نَفْساً بالأمْسِ، إِنْ تُرِيدُ إِلاَأَنْ
تكونَ جِبَّاراً فى الأرضِ، وما تريدُ أنْ تَكُونَ مِنَّ الْمُصَلِينَ (١٩)
وجاء رَجُلٌ مِنْ أَنصَى المدِينةِ يِسْعَى قالَ ياموسَى إنّ الملاْ بِأَعِرُونَ بِكَ.
لِيقَتُلُوكَ، فاخرُج إنى لكَ من النّاصِحِينَ (٢٠) فخرجَ منهاَ خاتماً
يَتَرقِبُ قَالَ رَبٌ تَجْنِي مِنَ القومِ الَّالمِينَ (٢١))).
:
وقوله - سبحانه -: ((ولما بلغ أشده واستوى ... بيان لجانب من
النعم التى أنعم الله - تعالى - بها على موسى فى تلك المرحلة من حياته.
و(( لما ، ظرف بمعنى حين. والأشد: قوة الإنسان، واشتعال حرارة
من الشدة بمعنى القوة والارتفاع . يقال: شد النهار إذا ارتفع . وهو مفرد
جاء بصيغة الجمع ولا واحد له من لفظه .
وقوله: (( واستوى)) من الاستواء بمعنى الاكتمال وبلوغ الغاية والنهاية.
أى: وحين بلغ موسى - عليه السلام - منتهى شدته وقوته، وا کتمال
عقله، قالوا : وهى السن التى كان فيها بين الثلاثين والأربعين .
((٦ تيناه، بفضلنا وقدر تناء حكما، أى: حكمة. وهى الإصابة فى القول.
۔
والفعل ، وقيل : النبوة.
((وعلماء أى: فقها فى الدين، وفهما سليما للأمور، وإدراكا قويما لشئون
الحياة .
وقوله - سبحانه -: «وكذلك يجزى المحسنين، بيان لسنة من سنته
- تعالى - التى لاتتخلف .
أى: ومثل هذا الجزاء الحسن ، والعطاء الكريم، الذى أكرمنا به موسى.

٠٠٧
الجزء العشرون
وأمه نعطى ونجازى المحسنين. الذين يحسنون أداء ما كلفهم الله - تعالى- به.
. فكل من أحسن فى أقواله وأعماله، أحسن الله - تعالى - جزاءه، وأعطاه
الکثیر منآلائه.
ثم حكى - سبحانه - بعض الأحداث التى تعرض لهاموسى -عليه السلام-
فى تلك الحقبة من عمره فقال: ((ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها ....
والمراد بالمدينة: مصر. وقيل: ضاحية من ضو أحيها، كعين شمس، أومنف
وجملة , على حين غفلة من أهلها، حال من الفاعل. أى: دخلها مستخفيا
قيل : والسبب فى دخوله على هذه الحالة ، أنه بدت منه مجاهرة لفرعون
وقومه بما يكرهون، فخافهم وخافوه، فاختفى وغاب، فدخلها متفكرا، (١).
أى: وفى يوم من الأيام، وبعدأن بلغ موسى سن القوة والرشد، دخل
المدينة التى يسكنها فرعون وقومه، «على حين غفلة من أهلها، أى: دخلها
مستخفيافى وقت كان أهلها غافلين عما يجرى فى مدينتهم من أحداث، بسبب
راحتهم فى بيوتهم فى وقت القيلولة ، أو ما يشبه ذلك .
((فوجد)، موسى ((فيها، أى فى المدينة ((رجلين يقتتلان، أى: يتخاصمان
ویتنازعان فی أمر من الأمور .
« هذا من شيعته)، أى: أحد الرجلين كان من طائفته وقبيلته.أى: من
بنى إسرائيل: ((وهذا من عدوه، أى: والرجل الثانى كان من أعدائه وهم القبط
الذين كانوا يسيمون بنى إسرائيل سوء العذاب .
((فاستغائه الذى من شيعته على الذى من عدوه، أى: فطلب الرجل
الإسرائيلى من موسى ، أن ينصره على الرجل القبطى .
(١) راجع تفسير الآلوسى =٢٠ ص٥٢

٠٠٨
سورة القصص
والاستغاثة: طالب الغوث والنصرة، ولتضمنه معنى النصيرة عدى بعلى.
(«فوكزه موسى فقضى عليه، والفاء هنا نصيحة. والوكز: الضرب
مجميع الكف .
قال القرطبى:( والوكز واللكز واللهز بمعنى واحد، وهو الضرب
بجميع الكف .. .(١).
أى: فاستجاب موسى لمن استنصر به ، فوكز القبطى، أى: فضربه بيده
مضمومة أصابعها فى صدره، ((فقضى عليه ، أى: فقتله. وهو لا يريد قتله،
وإنما كان يريد دفعه ومنعه من ظلم الرجل الإسرائيلى.
والتعبير بقوله - تعالى -: ((فوكزه موسى فقضى عليه) يشير إلى أن
موسى - عليه السلام - كان على جانب عظيم من قوة البدن ، كما يشير -أيضا -
إلى ما كان عليه من مروءة عالية، حملته على الانتصار للمظلوم بدون تقاعس
أو زدد .
ولكن موسى - عليه السلام - بعد أن رأى القبطى جثة هامدة، استرجع
وقدم، وقال: ((هذا من عمل الشيطان، أى: قال موسى: هذا الذى فعلته
وهو قتل القبطى ، من عمل الشيطان ومن وسوسته. ومن تريينه ..
(( إنه، أى: الشيطان ((عدو، للإنسان ((فضل))له عن طريق الحق (مبين))
أى: ظاهر العداوة والإضلال.
ثم أضاف إلى هذا الندم والاسترجاع ، ندما واستغفارا آخر فقال:
«رب إني ظلمت نفسى فاغفر لى، فغفر له .. ».
أى: قال موسى - عليه السلام - بعد قتله القبطى بدون قصد - مكررا.
الندم والاستغفار: يارب إنى ظلمت نفسى، بتلك الضربة التى ترتب عليها
(١) تفسير القرطبى = ٣ ص ٢٦٠

٠٠٩
الجزء العشرون
الموت، فأغفر لى ذنبى، ((فغفر، الله - تعالى -، « له، ذنبه، «إنه))
- سبحانه - «هو الغفور الرحيم، ثم أكد موسى - عليه السلام - للمرة الثالثة،
قوبته إلى ربه، وشكره إياه على نعمه، فقال: «رب بما أنعمت على فلن
أكون ظهيرا للمجرمين».
والظهير: المعين لغيره والناصرله. يقال: ظاهر فلان إذا أعانه . ويطلق
على الواحد والجمع. ومنه قوله - تعالى -: «والملائكة بعد ذلك ظهير)).
قال صاحب الكشاف: ((قوله، بما أنعمت على يجوز أن يكون قمما
جوابه محذوف، تقديره: أقسم بإنعامك على بالمغفرة لأتوبن ((فلن أكون
ظهيراً للمجرمين، وأن يكون استعطانا، كأنه قال : رب أعصمنى بحق
ما أفعمت على من المغفرة فلن أكون - إن عصمتنى - ظهيرا للمجرمين.
وأراد بمظاهرة الجمر: مين إما صحبة فرعون. وانتظامه فى جملته، وتكثيره
سو اده، حیث کان یر کب بر کو به ، کالولد مع الوالد ، وكان يسمى ابن .
فرعون. " وإما مظاهرة من أدت مظاهرته إلى الجرم والإثم، كظاهرة
الإسرائيلى المؤدية إلى القتل الذى لم يحل له ... ، (١).
وهذه الضراعة المتكررة إلى الله - تعالى - من موسى - عليه السلام -،
تدل على نقاء روحه، وشدة صلته بربه، وخوفه منه، ومراقبته له - سبحانه -،
فإن من شأن الأخيار فى كل زمان ومكان ، أنهم لا يعينون الظالمين، ولا يقفون
إلى جانبهم ...
قال القرطبى: ((ويروى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من
مشى مع مظلوم ليعينه على مظلمته ، ثبت الله قدميه على الصراط يوم القيامة ،
يوم تزل الأقدام ، ومن مشى مع ظالم ليعينه على ظلمه ، أزل الله قدميه على
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٣٩٨

٥١٠
سورة القصص
الصراط يوم تدحض فيه الأقدام،(١).
ثم بين - سبحانه - ما كان من أمر موسى بعد هذه الحادثة فقال: «فأصبح
فى المدينة خائفا يترقب ... »
أى: واستمر موسى - عليه السلام - بعد قتله القبطى، يساوره القلق،
فأصبح يسير فى طرقات المدينة التى حدث فيها القتل ، (( خائفا، من وقوع
مكروه به «يترقب)» ما سيسفر عندهذا القتل من اتهامات وعقوبات ومساءلات.
والتعبير بقوله « خائفا يترقب)، يشعر بشدة القلق النفسى الذى أصاب
موسى - عليه السلام - فى أعقاب هذا الحادث، كما يشعر - أيضا - بأنه - عليه
السلام - لم يكن فى هذا الوقت على صلة بفرعون وحاشيته، لأنه لو كان على
صلة بهم، ربما دافعوا عنه ، أوخففوا المسألة عليه.
、
((وإذا)، فى قوله - تعالى -: ((فإذا الذى استنصره بالأمس يستصرخه .. »
فجائيــة .
ويستصرخه: أى: يستغيث به، مأخوذ من الصراخ وهو رفع الصوت،
لأن من عادة المستغيث بغيره أن يرفع صوته طالبا النجدة والعون .
أى: وبينما موسى على هذه الحالة من الخوف والترقب، فإذا بالشخص
الإسرائيلى الذى نصره موسى بالأمس، يستغيث به مرة أخرى من، قبعلى آخر
ويطلب منه أن يعينه عليه .
وهنا قال موسى - عليه السلام - لذلك الإسرائيلى المشاكس: (( إِنك
لغوى مبین ».
والغوى: فعيل من أغوى يغوى، وهو بمعنى مغو، كالوجميع والأليم بمعنى:
الموجع والمؤلم. والمراد به هنا: الجاهل أو الخائب أو الضال عن الصواب.
(١) تفسير القرطبى = ١٢ ص ٢١٣

٠١١
الجزء العشرون
أى: قال له موسى بحدة وغضب: إنك لضال بين الضلال ولجاهل واضح
الجهالة ، لأنك تسببت فى قتله لرجل بالأمس، وتريد أن تحملنى اليوم على أن
أفعل ما فعلته بالأمس ، ولأنك لجهلك تنازع من لاقدرةلك على منازعته
أو مخاصمته .
ومع أن موسى - عليه السلام - قد قال الإسرائيلى (( إنك لغوى مبين))
إلا أن همته العالية، وكراهيته للظلم، وطبيعته التى تأبى التخلى عن المظلومين
كل ذلك دفعه إلى إعداد نفسه لتأديب القبطى، ويحكى القرآن ذلك فيقول:
(( فلما أن أراد أن يبطش بالذى هو عدو لهما .. )).
والبطش: هو الأخذ بقوة وسطوة. يقال: بعاشٍ فلان، إذا ضربه
بعنف وقسوة .
أى: فين هيأ موسى - عليه السلام - نفسه للعطش بالقبطى الذى هوعدو
لموسى والإسرائيلى، حيث لم يكن على دينهما.
((قال ياموسى أتريد أن تقتلنى كما قتلت نفسا بالأمس، إن تريد إلا أن
تكون جبارا فى الأرض، وما تريد أن تكون من المصلحين».
ويرى بعض المفسرين، أن القائل لموسى هذا القول، هو الإسرائيلى،
الذى طلب من موسى النصرة والعون ، وسبب قوله هذا : أنه توم أن موسى
يريد أن يبطش به دون القبطى، عندما قال له: ((إنك لغوى مبين)).
فیکون المعنی: قال الإسرائیلی لمومی پخوف وفزع : یاموسى أُترید
أن تقتلنى كما قتلت نفسا - هى نفس القبطى - بالأمس، وما تريد بفعلك هذا
إلا أن تكون ((جبارا فى الأرض، أى: ظالما قتالا للناس فى الأرض،
((وما تريد أن تكون من المصلحين)) الذين يصلحون، بين الناس، فتدفع
التخاصم بالتى هى أحسن.
ويرى بعضهم أن القائل لموسى هذا القول هو القبطى، لأنه فهم من قول

٥١٢
سورة القصص
مومى الإسرائيلى((إنك لغوى مبين، أنه - أى: موسى - هو الذى قتل
القبطى بالأمس .
وقد رجح الإمام الرازى هذا الوجه الثانى فقال: ((والظاهر هذا الوجه،
لأنه - تعالى - قال: (( فلما أن أراد أن يبطش بالذى هو عدولهما قال باموسى))
فهذ القول إذن منه - أى من القبطى - لا من غيره. وأيضا قوله: ((إن تريد
إلا أن تكون جبارا فى الأرض ، لا يليق إلا بأن يكون قولا من كافر - وهو
القبطى - .. )،(١)
وما رجحه الإمام الرازى هو الذى نميل إليه، وإن كان أكثر المفسرين
قدر جحوا الرأى الأول ، وسبب ميلنا إلى الرأى الثانى ، أن السورة الكريمة
قد حكمت ما كان عليه فرعون وملؤها من علو وظلم واضطهاد لبنى إسرائيل،
ومن شأن الظالمين أنهم يستكثرون الدفاع عن المظلومين ، بل وبتهمون من
يدافع عنهم بأنه جبار فى الأرض ، لذا نرى أن القائل هذا القول لموسى،
هو القبطى، وليس الإسرائيلى - والله أعلم بمراده ..
وقوله - سبحانه -: ((وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى ... ،معطوف
على كلام محذوف يرشد إليه السياق .
والتقدير: وانتشر خبر قتل موسى القبطى بالمدينة، فأخذفرعون وقومه
فى البحث عنه لينتقموا منه .. وجاء رجل- قبل هو مؤمن منآل فرعون- من
أقصى المدينة، أى: من أطرافها وأبعد مكان فيها (( يسعى، أى: يسير سيرا
سريعا نحو موسى، فلما وصل إليه قال له: ((ياموسى إن الملأ، وم زعما.
قوم فرعون .
(((يأتمرون بك ليقتلوك)، أى: يتشاورون فى أمرك ليقتلوك، أو يأمر
بعضهم بعضا بقتلك، وسمى القشاور بين الناس انتمارا، لأن كلا من المتشاورين

٠١٣
الجزء العشرون
يأمر الآخر، ويأتمر بأمره. ومنه قوله - تعالى -: «وأتمروا بينكم بمعروف)»
أى : وتشاوروا بينكم بمعروف .
وقوله: ((فاخرج إنى لك من الناصحين ، أى: قال الرجل لموسى: مادام
الأمر كذلك ياموسى فاخرج من هذه المدينة ، ولا تعرض نفسك للخطر،
إنى لك من الناصحين بذلك، قبل أن يظفروا بك ليقتلوك.
واستجاب موسى لنصح هذا الرجل , خرج منها)) أى: من المدينة،
حالة كونه (( خائفا)) من الظالمين ((يترقب)) التعرض له منهم، ويعد نفسه
للتخفى عن أنظارم .
وجعل يتضرع إلى ربه قائلا: ((رب نجنى)) بقدرتك وفضلك ,من القوم
للظالمين ، بأن تخلصى من كيدهم، وتحول بينهم وبينى ، فأنا ما قصدت بما
فعلت ، إلا دفع ظلمهم وبغيهم ..
وإلى هنا تكون السورة الكريمة ، قد قصت علينا هذا الجانب من حياة
موسى، بعد أن بلغ أشده واستوى، وبعد أن دفع بهمته الوثابة ظلم الظالمين،
وخرج من مدينتهم خائفاً يترقب، ملتمسا من خالقه - عز وجل - النجاة
من مكرم.
ثم حكت لنا السورة الكريمة بعد ذلك ، ما كان منه عند ما توجه إلى جهة
عدين، وما حصل له فى تلك الجهة من أحداث، فقال - تعالى -:
(((ولمَّا توجَّهَ بلقاء مَدْينَ قالَ عَسَى رَبِى أنْ يَهْدِينِى سَواء
السبيلِ (٢٢) ولما وردَ ماء مَدْينَ وجد عليهِ أُمةَ من النَّاسِ يَسْقونَ،
ووجَد من دُونِهِم امرأَتَيْن تَّذُودَانِ، قالَ مَا خَطِبُّكُمَاَ، قالّاَ لاَ نَسْقِى
(٣٣ - سورة القصص)

٠١٤
سورة القصص
حَتَّى يصدِرَ الرَّاءِ وأَبوناً شيخٌ كبيرٌ (٢٣) فسقَى لهما ثُمَّ تولَّى إِلَّى
الظَّلُ، فقالَ ربِّى إِنّى لما أنْزَلتَ إلىَّ مِنْ خَيْرٍ فقيرٌ (٢٤) فَجَاءَتْهُ
إحدَاهِما تَشِى عَلَى استحياءِ قالَتْ: إِنَّ أَبِى يَدْهُوك ليجزِيكَ أَجْرَ
ما سقيتَ لنا، فلما جاءهُ وقصَّ عليهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ، نجوتَ
من القَوْم الظالمِينِ (٢٥) قالتْ إحداهما يا أبتِ استأجرْهُ إنَّ خيرَ مّن
اسْتَأْجَرتَ القوىُّ الْأَمِينُ (٢٦) قالَ إِنِّى أريدُ أنْ أُنْكِتَكَ إحدَى}
ابْنَىْ هَاتين عَلَى أَنْ تَاجُرْبِىِ مانِى حِجَج، فإِنْ أَنْمَنْتَ مُشْراً فِنْ عندِكَ
وما أُريدُ أنْ أَشُقَّ عليكَ سَتَجِدْنِى إنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)
قالَ ذلِكَ بَيْنِ وَبَيْنَكَ، أَيَّا الْأَجلَيْنِ قَضَيْتُ فلا عُدْوَانَ عَلَىَّ، وَاللهُ
عَلَى مَا تَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨))) .
ولفظ ((تلقاء)) فى قوله - تعالى -: ((ولما توجه تلقاء مدين) منصوب
على الظرفية المكانية، وهو فى الأصل اسم مصدر. يقال: دارى تلقاء دار
فلان ، إذا كانت محاذية لها .
و((مدين)) اسم لقبيلة شعيب - عليه السلام - أو اقريته التى كان يسكن
فيها، سميت بذلك نسبة إلى مدين بن إبراهيم - عليه السلام - .
وإنما توجه إليها موسى - عليه السلام -، لأنها لم تكن داخلة تحت
سلطان فرعون وملئه .
أى: وبعد أن خرج موسى من مصر خائفا يترقب، صرف وجهه إلى
جهة قرية مدين التى على أطراف الشام جنوبا، والحجاز شمالا .
صرف وجهه إليها مستسلما لأمر ربه، متوسلا إليه بقوله: «عسى ربي
أن يهدينى سواء السبيل)).

٠١٥
الجزء العشرون
أى : قال على سبيل الرجاء فى فضل الله - تعالى - وكرمه: عسى رى الذى
خلقتى بقدرته، وتولافى برعايته وتربيته، أن يهدينى ويرشدنى إلى أحسن
الطرق التى تؤدى بى إلى النجاة من القوم الظالمين .
فالمراد بسواء السبيل: الطريق المستقيم السهل المؤدى إلى النجاة ، من
إضافة الصفة إلى الموصوف. أى: عسى أن يهدينى ربى إلى الطريق الوسط
الواضح
وأجاب الله - تعالى - دعاءه، ووصل موسى بعد رحلة شاقة مضنية إلى
أرض مدين ، ويقص علينا القرآن ما حدث له بعد وصوله إليها فيقول :
«ولما ورد ماء مدين، وجد عليه أمة من الناس يسقون، ووجد من دونهم
امر أتين تذودان .. ».
قال القرطبى: ووروده الماء : معناه بلغه لأنه دخل فيه . ولفظة الورود
قد تكون بمعنى الدخول فى المورود، وقد تكون بمعنى الاطلاع عليه والبلوغ
إليه وإن لم يدخل. فورود موسى هذا الماء كان بالوصول إليه .. ))(١)
وقوله - تعالى -: ((تذودان)) من الذود بمعنى الطرد والدفع والحبس .
يقال: ذاد فلان إبله عن الحوض ، ذودا وذيادا إذا حبسها ومنعها من
الوصول إليه .
والمعنى وحين وصل موسى - عليه السلام - إلى الماء الذى تستقى منه قبيلة
مدين ((وجد أمة)، أى: جماعة كثيرة ((من الناس يسقون)) أى . يسقون
إبلهم وغنمهم، ودوابهم المختلفة ..
(( ووجد من دونهم، أى: ووجد بالقرب منهم، أو فى جهة غير جهتهم.
(((امرأتين تذودان، أى: امر أتين تطردان و تمنعان أغنامهما أو مواشيهما
(١) تفسير القرطبى ج١٣ ص ٢٦٧

٠١٦
سورة القصص
عن الماء، حتى ينتهى الناس من السقى، ثم بعد ذلك هما تسقيان دوابهما،
لأنهما لا قدرة لهما على مزاحمة الرجال .
وهنا قال لهما موسى - صاحب الهمة العالية، والمروءة السامية، والنفس
الوقابة نحو نصرة المحتاج - قال لهما بما يشبه التعجب: ((ما خطبكما،؟ أى:
ما شأنكما؟ وما الدافع لكما إلى منع غنمكما من الشرب من هذا الماء، مع
أن الناس يسقون منه ؟
وهنا قالتا له على سبيل الإعتذار وبيان سبب منعهما لمواشيهما عن
الشرب: (( لا نسقى حتى يصدر الرعاء، وأبونا شيخ كبير».
ويصدر: من أصدر، والصدر عن الشىء : الرجوع عنه، وهو ضد
الورود. يقال: صدر فلان من الشىء، إذ رجع عنه .
قال الشوكانى: «قرأ الجمهور ((يصدر، بضم الياء وكسر الدال-مضارع
أصدر المتعدى بالهمزة. وقرأ ابن عامر وأبو عمرو ((يصدر)) بفتح الياءوضم
الدال - من صدر يصدر اللازم، فالمفعول على القراءة الأولى محذوف. أى:
يرجعون مواشيهم .. ) (١) و(«الرعاء، جمع الراعى، مأخوذمن الرعى بمعنى الحفظ.
أى: قالتا لموسى - عليه السلام -: إن من عادتنا أن لا نسقى مواشينا
حتى بصرف الرعاء دوابهم عن الماء، ويصبح الماء خاليا لنا، لأننا لا قدرة لنا
على المزاحمة، وليس عندنا رجل يقوم بهذه المهمة ، وأبونا شيخ كبير فى
المن لا يقدر - أيضا - على القيام بمهمة الرعى والمزاحمة على السقى.
وبعد أن سمع موسى منهما هذه الإجابة، سارع إلى معاونتهما - شأن
أصحاب النفوس الكبيرة، والفطرة السليمة، وقد عبر القرآن عن هذه
المسارعة بقوله: فسقى لهماء.
(١) فتح القدير = ٤ ص١٦٦

٠١٧
الجزء العشرون
أى: فسقى لهما مواشيهما سريعاً، من أجل أن يريحهما ويكفيهما عناء
الإنتظار وفى هذا التعبير إشارة إلى قوته، حيث إنه إستطاع وهو فردغريب
بين أمة من الناس بسقون - أن يزاحم تلك الكثرة من الناس، وأن يسقى
[ للرأتين الضعيفتين غنمهما، دون أن يصرفه شىء عن ذلك.
رحم الله صاحب الكشاف، فقد أجاد عند عرضه لهذه المعانى، فقال
ما ملخصه: ((قوله: فسقى لهما)) أى: فسقى غنمهما لأجلهما. وروى أن
الرعاة كانوا يضعون على رأس البر حجرا لا يقله إلا سبعة رجال .. فأقله
وحده .
وإنما فعل ذلك، رغبة فى المعروف وإغاثة الملهوف. والمعنى: أنه وصل
إلى ذلك الماء، وقد إزدحمت عليه أمة من الناس، متكاثفة العدد، ورأى
الضعيفتين من ورائهم، مع غنمهما مترقبتين لفراغهم، فما أخطأت همته فى
دين الله تلك الفرصة ، مع ما كان به من النصب والجوع، ولكنه رحمهما
فأغائهما ، بقوة قلبه ، وبقوة ساعده .
فإن قلت: لم ترك المفعول غير مذكور فى قوله: ((بسقون)، و((تذودان))
قلت: لأن الغرض هو الفعل لا المفعول . ألا ترى أنه إنما رحمهما لأنهما
كانتا على الذياد وهم على السقي، ولم يرحمهما لأن مذودهما غنم ومسقيهم إبل
مثلا ...
فإن قلت: كيف طابق جوابهما سؤاله؟ قلت: سألهما عن سبب الذود
فقالتا: السبب فى ذلك أننا امر أنان ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مزاحمة
الريال ، فلا بدلنا من تأخير السقى إلى أن يفرغوا، وما لنا رجل يقوم
بذلك، وأبونا شيخ كبير، فقد أضعفه الكبر، فلا يصلح للقيام به ، فهما
قد أبدنا إليه عذرهما فى أو ايهما السقى بأنفسهما.
فإن قلت: كيف ساغ لنى الله الذى هو شعيب - عليه السلام - أن

٠١٨
سورة القصص
يرضى لابنته بقى الماشية؟ قلت: الأمر فى نفسه ليس بمحظور، فالدين
لا يأباه، وأما المروءة فالناس مختلفون فى ذلك ، والعادات متباينة فيه.
وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم . ومذهب أهل البدو غير مذهب
أهل الحضر، خصوصا إذا كانت الحالة حالة ضرورة .. )، (١).
وقوله - تعالى -: ( ثم تولى إلى الفال، فقال: رب إنى لما أنزات إلى من
خير فقير ، بيان لما فعله موسى وقاله بعد أن سقى المر أتين غنمهما.
أى: فسقى موسى للرأتين غنمهما، ثم أعرض عنهما متجها إلى الظل الذى
كان قريبا منه فى ذلك المكان ، قيل كان ظل شجرة ، وقيل لل جدار .
((فقال، على سبيل التضرع إلى ربه: يا ربى: إنى فقير ومحتاج إلى أى
خير ينزل منك على، سواء أكان هذا الخير طعاما أم غيره.
قال الآلوسى ما ملخصه: ((وقوله: ((فقال رب إنى لما أنزلت إلى)، أى:
لأى شىء تنزله مر خزائن كرمك إلى «من خير، جل أو قل , فقير، أى
محتاج، وهو خبر إن، وعذى باللام لتضمنه معنى الاحتياج، و((ما)
فكرة موصوفة، والجملة بعدها صفتها، والرابط محذوف ، ومن خير بيان لها
والتنوين فيه للشيوع ، والمكلام تعريض لما يطعمه ، بسبب ما قاله من شدة
الجوع ...
يدل لذلك ما أخرجه ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -: لما سقى موسى للجاريتين، ثم تولى إلى الظل، فقال: رب
إنى لما أنزلت إلى من خير فقير، وإنه يومئذ فقير إلى كف من تمر)(٢).
واستجاب الله - تعالى - لموسى دعاءه. وأرسل إليه الفرج سريعا،
بدل لذلك قوله - تعالى - بعد هذا الدعاء من موسى: «نجاءته إحداهما
تمشى على إستحياء قالت إن أبى يدعوك ليجزيك أجر ماسقيت لنا.)).
(١) تفسير الكشاف = ٣ ص ٠٤٠٢
.(٢) تفسير الآلوسى = ٢٠س ٦٤

٥٥٩
الجزء العشرون
وفى الكلام حذف يفهم من السباق، وقد أشار اليه ابن كثير بقوله: ((لما
رجعت المرأتان سراعا بالغنم إلى أبيهما، أنكر حالهما ومجيتهما بريما،
فسألهما عن خبرهما، فقصتا عليه ما فعل موسى - عليه السلام -. فبعث
إحداهما اليه لتدعوه إلى أبيها، كما قال - تعالى -: ((لجاءته إحداهما تمشى على
إستحياه)) أى: مشى الحرائر، كما روى عن عمر بن الخطاب أنه قال: كانت
مستترة بكم درعها - أى: قميصها .
ثم قال ابن كثير: وقد إختلف المفسرون فى هذا الرجل من هوإ؟ على
أقوال: أحدها أنه شعيب النبى - عليه السلام - الذى أرسله الله إلى أهل
مدين ، وهذا هو المشهور عند كثيرين وقد قاله الحسن البصرى وغير واحد
ورواه ابن أبى حاتم .
وقد روى الطبرانى عن مسلمة بن سعد العنزى أنه وفد على رسول الله صلى
الله عليه وسلم - فقال له: مرحبا بقوم شعيب، وأختان موسى.
وقال آخرون: بل كان ابن أخى شعيب. وقيل: رجل مؤمن من
آل شعيب .
ثم قال - رحمه الله - ثم من المقوى لكونه ليس بشعيب، أنه لو كان إياه
لأوشك أن ينص على إسمه فى القرآن هاهنا. وماجاء فى بعض الأحاديث من
التصريح بذكره فى قصة موسى لم يصح إسناده،(١).
والمعنى: ولم يطل إنتظار موسى للخير الذى التمسه من خالقه- عزوجل-
فقد جاءته إحدى المرأتين اللتين قى لهما، حالة كونها ((تمشى على إستحياء))
أى: على تحشم وعفاف شأن النساء الفضليات .
(قالت، بعبارة بليغة موجزة: ((إن أبى يدعوك)) للحضور اليه ,ليجزيك
أجر ما سقيت لنا ، أى : ليكافئك على سقيك لنا غنمنا.
واستجاب موسى لدعوة أبيها، وذهب إليها للقائه ((فلما جاءه)) أى: فلما
(١) تفسير ابن كثير ? ٦ س ٢٣٨

٥٢٠
سورة القصص
وصل موسى إلى بيت الشيخ الكبير، وقص عليه القصص، أى: وقص عليه
ما جرى له يبل ذلك «من قتله القبطى)) ومن هروبه إلى أرض مدين ..
فالقصص هنا مصدر بمعنى اسم المفعول. أى : المقصوص.
((قال) أى: الشيخ الكبير لموسى ((لاتخف نجوت من القوم الظالمين))
أى: لا تخف ياموسى من فرعون وقومه، فقد أنجاك الله - تعالى - منهم ومن
كل ظالم ...
وهذا القول من الشيخ الكبير لموسى، صادف مكانه ،وطابق مقتضاه.
فقد كان موسى - عليه السلام - أحوج ما يكون فى ذلك الوقت 'إلى [نعمة
الأمان والاطمئنان، بعد أن خرج من مصر خائفا يترقب.
ثم يحكى القرآن بعد ذلك، ما أشارت به إحدى الفتاتين على أبيها : فقال
- تعالى -: «قالت إحداهما، وأملها التى جاءت إلى موسى على استحياء لتقول
له: (( إن أبى يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا،.
((يا أبت استأجره)) أى: قالت لأبيها بوضوح واستقامة قصد - شأن
المرأة السليمة الفطرة، الفقية العرض ، القوية الشخصية - يا أبت استأجر
هذا الرجل الغريب، ليكفينا تعب الرعى، ومشقة العمل خارج البيت ...
ثم علات طلبها بقولها: « إن خير من استأجرت القوى الأمين، أى:
استأجره ليرعى غنمنا، فإنه جدير بهذه المهمة، لقوته وأمانته، ومن جمع
فى سلوكه وخلقه بين القوة والأمانة، كان أهلا لكل خير «ومحلا لثقة
الناس به على أموالهم وأعراضهم ...
قال ابن كثير: ((قال عمر، وابن عباس، وشريح القاضى، وأبو مالك،
وقتادة ... وغير واحد: لما قالت: «إن خير من استأجرت القوى
الأمين)) قال لها أبوها: وما علمك بذلك؟ قالت : إنة رفع الصخرة التى