النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
الجزء العشرون
ثم يتبعون قولهم هذا، يقول أشد منه فى الإنكار والتهكم فيقولون: «لقد
وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل، إن هذا إلا أساطير الأولين ،
والأساطير: جمع أسطورة، كأحاديث وأحدوثة، وأكاذيب وأكذوبة.
ومرادهم بها: الخرافات والتخيلات التى لا حقيقة لها .
أى: ((لقد وعدنا هذا الإخراج والإعادة إلى الحياة (( نحن وآباؤنا من
قبل، أى: من قبل أن يخبرنا محمد - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فنحن
وآباؤنا ما زلنا نسمع من القصاص أن هناك بعثا وحسابا، ولكن لا نرى
لذلك حقيقة ولا وقوعا ...
وما هذا الذى نسمعه من محمد - صلى الله عليه وسلم - فى شأن الآخرة
إلا أكاذيب الأولين ، وخرافاتهم التى لا مكان لها فى عقولنا.
وهكذا يؤكدون إنكارهم الآخرة، بشتى ألوان المؤكدات، المصحوبة
بالتهكم والاستحقاق .
وهنا يلفت القرآن أنظارهم إلى مصارع المكدبين من قبلهم ، ويأمر النسى
- صلى الله عليه وسلم - أن يحذرهم من سوء مصير هذا الإنكار والاستهزاء،
فيقول: ((قل سيروا فى الأرض فانظر واكيف كان عاقبة المجرمين)).
أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين: سيروا فى الأرض
لتروا بأعينكم مصارع المكذبين بما جاءهم به الرسل من قبلكم ، ولتعتبروا
بما أصابهم بسبب إجرامهم، وإنكارهم للبعث والحساب يوم القيامة .
فالآية الكريمة توجههم إلى ما من شأنه أن يفتح مغاليق قلوبهم المتحجرة،
وأن يزيل عن نفوسهم قسونها وعنادها .
وبعد هذا التوجيه الحكم تأخذ السورة الكريمة فى تسلية الرسول
- صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من حزن بسبب كفرهم فتقول: (ولا تحزن
عليهم، ولا تكن فى ضيق مما يمكرون، والحزن: اكتئاب نفسى يحدث
للإنسان من أجل وقوع ما يكرهه.

٤٦٢
سورة النمل
والمقصود بالنهى عن الحزن: النهى عن لوازمه، كالإكثار من محاولة
تجديد شأن المصائب، وتعظيم أمرها، وبذلك تتجدد الآلام، ويصعب نسيانها.
والمكر: التدبير المحكم، أو صرف الغير عما يريده بحيلة، لقصد
إيقاع الأذى به .
أى: ولا محزن - أيها الرسول الكريم - على هؤلاء المشركين، بسبب
إصرارهم على الكفر والجحود، ولا يضيق صدرك، ويمتلى. هما وغما بسبب
مكرم . فإن الله - تعالى - عاصمك منهم، وناصرك عليهم.
ثم تعود السورة إلى سرد أباطيلهم فتقول:((ويقولون متى هذا الوعد إن
كنتم صادقين، أى: ويقول هؤلاء المشركون للرسول - صلى الله عليه وسلم -
ولأصحابه: متى يحصل هذا الوعد الذى توعدتمونا به ،وهو أن عذاباسيصيبنا
إذا لم نؤمن بما أنتم مؤمنون به .
إن كنتم صادقين فى وعدكم لنا بهذا العذاب، فأنزلوه بنا، فنحن قد طال
إنتظارنا له. وهكذا الأشرار يتعجلون مصيرهم الأليم، ويبحثون عن حتفهم
بظلفهم ، وذلك لإيغالهم فى الفرور والعناد .
ولذا جاء الرد عليهم ، يحمل فى طياته العذاب الشديد، والتهكم المرير ،
فيقول - تعالى - آمرا رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالرد عليهم: (قل عسى
أن يكون ردف لكم بعض الذى تستعجلون» .
والرديف - كما يقول صاحب المصباح -«الذى تحمله خلفك على ظهر
الذابة ... ومنه ردف المرأة، وهو عجزها، والجمع أرداف ... وترادف
القوم: إذا تتابعوا، وكل شىء تبع شيئا ردفه،(١) .
أى: قل لهم- أيها الرسول الكريم - لا تتعجلوا العذاب، فعسى ما تستعجلونه
(١) المصباح المنير ج١ ص ٠٣٠٦

٤٦٣
الجزء العشرون
من عذاب، بعضه قد لحقكم ونزل بكم، وبعضه فى طريقه إليكم، وأنتم
لا تشعرون بذلك، لشدة غفلتكم ، وقبلد مشاعركم .
والتعبير بقوله: (( ردف لكم، يشعر بأن العذاب ليس بعيدا عنهم، وإنما
هو قريب منهم، كقرب الراكب فوق الدابة من هو ردفه -أى خلفه - عليها.
ولقد لحقهم شىء من هذا العذاب الذى تمجلوه فى مكة، عندما أصيبوا
بالقحط والجدب ، ولحقهم شىء منه بعد ذلك فى بدر ، عندما قتل المسلمون
أكثر زعمائهم، كأبى جهل ، وغيره .. ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.
قم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على الناس، فقال: ( وإن ربك
لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشعرون)).
أى: وإن ربك - أيها الرسول الكريم - لذو فضل عظيم، وإنعام كبير
على الناس . ومن مظاهر ذلكٍ: أنه لم يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم وعصيانهم،
ولكن أكثر هؤلاء الناس لا يشكرونه - سبحانه - على فضله وإفعامه.
والتعبير (( بأكثر)) للإشعار بأن هناك قلة مؤمنة من الناس، ملازمة.
أشكر الله - تعالى - فى السراء والضراء، والعسر واليسر .
ثم بين - سبحانه - شمول علمه لكل شىء فقال: ((وإن ربك ، - أيهنا
الرسول الكريم - ((ليعلم، علما قاماء ما تمكن صدورهم، أى: ما تخفيه
وتستره صدورهم من أسرار، ويعلم - أيضا - ,ما يعلنون، أى: ما يظهرونه
من أقوال وأفعال .
((وما من غائبة فى السماء والأرض، أى: وما من شىء غائب عن علم
الخلق سواء أكان فى السماء أو فى الأرض .
(((إلا)، وهو عندنا (( فى كتاب مبين)) أى: إلا وهو عندنا فى كتاب
واضح لمن يطالعه بإذن ربه، وهذا الكتاب المبين هو اللوح المحفوظ الذى
سجل - سبحانه - فيه أحوال خلقه .

٤٦٤
سورة النمل
ومادام الأمر كذلك، فلاتحزن - أيها الرسول الكريم - لما عليه هؤلاء
المشركون من جحود وعناد ، بل فوض إلينا أمرهم ، فأنت عليك البلاغ ،
ونحن علينا الحساب .
ثم مدحت السورة الكريمة القرآن الكريم، وساقت المزيد من التسلية
للنبى - صلى الله عليه وسلم - فقال - تعالى -:
((إنَّ هذَا القرآنَ يقصُّ عَلَى بنى إِسْرَائيلَ أ كثَر الذى مُ فيهِ
يُخْتلِفُونَ (٧٦) وإنَّهُ لهِدّى ورَحمةٌ للمؤمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى
بينَهم بحكمهِ وهُوَ العزيزُ العَليمُ (٧٨) فتوكَّلْ عَلَى اللهِ، إنّكَ عَلَى
الْحَقِّ الُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لا نُسِْعُ المَوْلَى ولا تُسْعُ الصمّ الدَّعاءِ إذَا
وَلَّوْامُدِيِرِينَ (٨٠) وما أَنتَ بهادِى المُثْى عن مثَّلَالَتْهم ، إنْ نُسعٌ
إِلَّ مَنْ يُؤْمِنُ بَآيَاتِنَ فَهُم مُسْلِمُونَ (٨١)).
قال الإمام الرازى: « اعلم أنه -سبحانه - لما نهم الكلام فى إثبات المبدأ
والمعاد . ذكر بعد ذلك مايتعلق بالنبوة، ولما كانت الدلالة الكبرى فى إثبات
نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - هو القرآن، لا جرم بين الله - تعالى -
أولا كونه معجزة .. ،(١)
أى: إن هذا القرآن من معجزاته الدالة على أنه من عند الله - تعالى -،
أنه يقص على بنى إسرائيل، الذين هم حملة التوراة والإنجيل، أكثر الأشياء
التى اختلفوا فيها ، ويبين لهم وجه الحق والصواب فيما اختلفوا فيه.
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٩ ص ٤٢٠

٤٦٥
الجزء العشرون
ومن بين ما اختلف فيه بنو إسرائيل: اختلافهم فى شأن عيسى - عليه
السلام -، فاليهود كفروا به، وقالوا على أمه ما قالوا من الكذب والبهتان،
والنصارى قالوافيه إنه الله، أو هو ابن الله، فجاء القرآن ليبين لهم القول الحق
فى شأن عيسى - عليه السلام - فقال: من بين ما قال -: «إنما المسيح عيسى
ابن مريم رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ... ،(١)
وقال - سبحانه -: ((يقص على بنى إسرائيل اكثر الذى هم فيه يختلفون))
للإشارة إلى أن القرآن ترك أشياء اختلفوا فيهادون أن يحكيها، لأنه لا يتعلق
بذكرها غرض هام يستدعى الحديث عنها، ولأن فى عدم ذكرها سترالهم،
عما وقعوا فيه من أخطاء ...
وقوله - تعالى -: ((وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين)) صفة أخرى من صفات
القرآن الكريم الدالة على أنه من عند الله - تعالى -.
أى: وإن هذا القرآن لمن صفاته - أيضا - أننا جعلناه هداية للمؤمنين
إلى الصراط المستقيم، ورحمة لهم ينالون بسبيها العفو والمغفرة من الله.
وخص هدايته ورحمته بالمؤمنين ، لأنهم هم الذين آمنوا به، وصدقوا
بما فيه، وعملوا بأوامره، واجتنبوا نواهيه، وطبقوا على أنفسهم أحكامه،
وآدابه . وتشريعاته ...
ثم بين - سبحانه - أن مرد القضاء بين المختلفين إليه وحده فقال:
((إن ربك يقضى بينهم بحكمه .. ،.
أى: إن ربك-أيها الرسول الكريم- يقضى بين بنى إسرائيل الذين اختلفوا
فيما بينهم اختلافا كبيرا، بحكمه العادل، كما يقضى بين غيرم، فيجازى الذين
أساؤا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
(١) سورة النساء الآية ١٧١
(٣٠ - سورة النمل)

٤٦٦
سورة النمل
(((وهو)) - سبحانه - ((العزيز، الذى لا يغالب ((العلم) بكل شىء فى هذا
الوجود، والفاء فى قوله - تعالى -: «فتوكل على الله ... ، التفريع. أى:
ما دمت قد عرفت ذلك - أيها الرسول الكريم - ففوض أمرك إلى العزيز
العليم وحده ، وتوكل عليه دون سواه، وبلغ رسالته دون أن تخشى أحدا
إلا إياه .
وجملة « إنك على الحق المبين، تعليل للتوكل على الله وحده.
أى: توكل على الله - تعالى - وحده، لأنك - أيها الرسول الكريم.
على الحق الواضح البين ، الذى لا تحوم حوله شبهة من باطل .
وقوله - تعالى -: ((إنك لا تسمع الموتى، ولا تسمع الصم الدعاء إذا
ولوا مديرين ٠٠٠، تعليل آخر لوجوب التوكل على الله - تعالى -.
وقد شبه - سبحانه - أولئك المشركين ، بالأموات الذين فقدوا الحياة،
وبالصم الذين فقدوا السمع، وبالعمى الذين فقدوا البصر، وذلك لأنهم لم
ينتفعوا بهذه الحواس ، فصاروا كالفاقدين لها.
أی: دم - أيها الرسول الكريم - على تو کلك على الله - تعالى - وحده،
وإنك لا تستطيع أن تسمع هؤلاء المشركين، ما يردهم عن شركهم ، لأنهم
كالموتى الذين لاحس لهم ولا عقل، ولأنهم كالصم الذين فقدوا نعمة السمع.
وقوله: «إذا ولوا مدبرين، لتتميم القشبيه، وتأكيد نفى السماع. أى:
إذا أعرضوا عن الحق إعراضا فاما، وأدبروا عن الاستماع إليك.
قال الجمل :«فإن قلت: ما معنى قوله ((مديرين)) والأصم لا يسمع سواء
أقبل أو أدبر؟
قلت: هو تأكيد ومبالغة الأصم. وقيل إن الأصم إذا كان حاضرا
قد يسمع رفع الصوت، أو يفهم بالإشارة، فإذا الى لم يسمع ولم يفهم .

٤٦٧
الجزء العشرون
ومعنى الآية: إنهم لفرط إعراضهم عما يدعون إليه كالميت ، الذى
لا سبيل إلى إسماعه، وكالأصم الذى لا يسمع ولا يفهم)، (١).
وقوله - سبحانه -: ((وما أنت بهادى العمى عن ضلالتهم .. ، أى:
وما أنت - أيها الرسول الكريم - بقادر على أن تصرف العمى عن طريق
الضلال الذى انغموا فيه، لأن الهداية إلى طريق الحق، مردها إلى الله
- تعالى - وحده .
ثم بين - سبحانه - فى مقابل ذلك، من هم أهل السماع والبصر فقال:
(((إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون).
أى: أنت - أيها الرسول الكريم - ماتستطيع أن نسمع إسماءا مجديا
نافعا، إلا لمن يؤمن بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا، لأن هؤلاء م
المطيعون لأمرنا ، المسدون وجوههم لنا .
وبذلك زى الآيات الكريمة قد ساقت الكثير من وسائل التسلية للرسول
- صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من المشركين، كما ساقت ما يدل على أن هذا
القرآن من عند الله - تعالى-، وعلى أنه - سبحانه- هو الحكم العدل بين عباده.
ثم أخذت السورة الكريمة تسوق فى أواخرها، بعض أشراط الساعة
وعلاماتها، وأهوالها، لكى تعتبر النفوس، وتخشع لله - تعالى -، فقال
- عز وجل - :
(وإذَا وقع القولُ عليهِمْ أُخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَةً من الأرضِ، تكلّمُهُمْ
أنَّ الناسَ كانوا بآياتنا لا يوقِنُون (٨٢) ويومَ تحتُرُ مِنْ كلِّ أمةٍ فَوجاً
ممَّنْ يَكَذِّبَ بَآيَاتِنَ فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حتى إذا جاءوا قَالَ أكذَّبُم
(١) سامية الجمل على الجلالين ج ٣ ص ٣٢٦

٤.٦٨
سورة النمل
بِآيَاتِى ولم تَحِيطُوا بها مِلْماَ، أَمْ ماذَا كُنتُمْ تَعْتَلُونَ (٨٤) ووقَعَ القولُ
عليهِمِ بما ظلّمُوا فُهُم لا ينطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أنَّا جَعَلْنَاَ الليلَ ليسْكُتُوا
فيهِ والنهارَ مُبْصِراً، إنّ فى ذلكَ لآياتٍ لِقَومٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦) ويَوْمَ
ينفعُ فى الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فى السَّواتِ ومَنْ فى الأرضِ إِلاَّ مَنْ
شاء اللهُ، وكُلِّ أَقَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) وترَى الجبالَ تحسَبُهَا جَامِدةً
وهى تمرُّ مَرّ السَّحابِ صُنْعِ اللهِ الذى أثْنَ كلَّ شَىْءٍ، إِنَّهُ غِيرٌ
يمَ تَفْعُلُونَ (٨٨))) .
قال الإمام ابن كثير: هذه الدابة تخرج فى آخر الزمان عند فساد الناس،
وتركهم أوامر الله، وتبديلهم الدين الحق، يخرج الله لهم دابة من الأرض،.
قیل : من مکا ، و قيل من غيرها .
ثم ذكر - رحمه الله - جملة من الأحاديث فى هذا المعنى منها: مارواه
مسلم عن حذيفة بن أسيد الغفارى قال: أشرف علينا رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - من غرفته، ونحن نتذاكر أمر الساعة فقال: لا تقوم الساعة
حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان ، والدابة ،
وخروج يأجوج ومأجوج ، ونزول عيسى بن مريم ، والدجال ، وثلاثة.
خسوف: خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب،
وفار تخرج من قعر عدن، فسوق- أو تحشر - الناس، تبيت معهم حيث بانوا
وتقیل معهم حيث قالوا»(١).
والدابة: اسم لكل حيوان ذى روح، سواء أ كان ذكرا أم أنثى، عاقلا
(١) راجع تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٢٢٠

٤٦٩
الجزء العشرون
أم غير عاقل ، من الدبيب وهو فى الأصل: المشى الخفيف، وإختصت
فى العرف بذوات القوائم الأربع .
والمراد بوقوع القول عليهم: قرب قيام الساعة ، وإنتهاء الوقت الذى
يقبل فيه الإيمان من الكافر ، أو الذى تنفع فيه التوبة.
والمعنى: وإذا دنا وقت قيام الساعة. وإنتهى الوقت الذى ينفع فيه
الإيمان أو التوبة ... أخرجنا للناس بقدرتنا وإرادتنا (دابة من الأرض
تكلمهم ، فيفهمون كلامهم، ويعرفون أن موعد قيام الساعة قد اقترب.
و(( أن الناس، أى: للكافرين , كانوا بآياتناء الدالة على وحدانيتنا وقدر تنا
((لا يوقنون)) بها ، ولا يصدقون أن هناك بعثا وحسابا.
فخروج الدابة علامة من علامات الساعة الكبرى، مخرجها الله-عز وجل-
ليعلم الناس قرب إنهاء الدنيا وأن الحساب العادل للمؤمنين والكافرين ، آت
لاشك فيه، وأن التوبة لن تقبل فى هذا الوقت، لأنها جاءت فى غير وقتها
المناسب.
وقد ذكر بعض المفسرين أوصافا كثيرة، منها أن طولها ستون ذراعا
وأن رأسها رأس ثور، وأذنها أذن فيل، وصدرها صدر أسد. الخ .
ونحن نؤمن بأن هناك دابة تخرج فى آخر الزمان، وأنها تكلم الناس
بكيفية يعلمها الله - عز وجل - أماما يتعلق بالمكان الذى تخرج منه هذه
الدابة، وبالهيئة التى تكون عليها من حيث الطول والقصر فنكل ذلك إلى
علمه - سبحانه - حيث لم يرد حديث صحيح يعتمد عليه فى بيان ذلك .
وقوله - سبحانه -: « ويوم تحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنافهم
يوزعون، بيان إجمالى لحال المكذبين بالساعة عند قيامها ، بعد يان
بعض أشراطها .

٤٧٠
سورة النمل
والظرف متعلق بمحذوف. والحشر: الجمع. قالوا والمراد بهذا الحشر:
حشر الكافرين إلى النار ، بعد حشر الخلائق جميعها ، والفصل بينهم .
والفوج: يطلق فى الأصل على الجماعة التى تسير بسرعة ، ثم توسع فيه
فصار يطلق على كل جماعة، وإن لم يكن معها مرور أو إسراع.
وقوله: (( يوزعون، من الوزع، بمعنى المكف والمنع، يقال: وزعه عن
الشىء، إذا كفه عنه ، ومنعه من غشيانه ، والوازع فى الحرب ، هو الموكل
يتنظيم الصفوف ، ومنع الاضطراب فيها .
والمعنى: واذكر - أيها العاقل لتعتبر وتتعظ ـ يوم ( نحشر من كل أمة))
من الأمم (( فوجا)).
أى : جماعة من الذين كانوا يكذبون فى الدنيا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا
وقدرتنا (( فهم يوزعون)) أى: فهم يقفون بين أيدينا، داخرين صاغرين،
بحيث لا يتقدم أحد منهم على أحد، وإنما يتحر كون ويساقون إلى حيث
يراد منهم، ويتجمعون جميعا لبلقوا مصيرهم المحتوم .
وأفرد - سبحانه - هؤلاء المكذبين بالذكر .- مع الحشر يشمل الناس
جميعاً - لإبراز الحال السيئة التى يكونون عليها عندما يجمعون للحساب دون
أن يشد منهم أحد، ودون أن تتحرك أولهم حتى يجتمع معه آخرهم ..
ثم بين - سبحانه - أحوالهم بعد ذلك فقال: «حتى إذا جاءوا، أى: حتى
إذا ما وصلوا إلى موقف الحساب ((قال، الله - تعالى - لهم على سبيل التأنيب
والتوبيخ , أكذبتم بآياتى) الدالة على وحدانيتى وعلى أن الآخرة حق، وأن
الحساب حق وجملة ((ولم تحيطوا بها علماء حالية، لزيادة التشنيع عليهم.
والتجهيل لهم .
أى: أكذبتم بآياتى الدالة على أن البعث حق، دون أن تتفكروا فيها،
ودون أن يكون عندكم أى علم أو دليل على صحة هذا التكذيب .

٤٧١
الجزء العشرون
ثم أضاف - سبحانه - إلى هذا التوبيخ لهم، توبيخا أشد وأعظم، فقال:
, أم ماذا كنتم تعملون)).
أى: إذا لم تكونوا قد كدبم باً! تى، فقولوا لنا ماذا كنتم تعملون ،
فإننا لا يخفى علينا شىء منها. ولا نعاقبكم إلا عليها.
ولا شك أن هذا التساؤل المقصود منه تأنيبهم وتقريمهم ، والاستهزاء
بهم، لأنه من المعروف أهم كذبوا بآيات لقه، وأنهم قد قضوا حياتهم فى
الكفر والضلال، ولذا وقفوا واجمين لا يحيرون جوابا، فكانت النتيجة كما
قال - تعالى - بعد ذلك: ((ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون، أى:
وحل العذاب عليهم بسبب ظلمهم وجحودهم ، فاستقبلوه باستسلام وذلة ،
دون أن يستطيعوا النطق بكلمة تنفعهم ، أو بحجة يدافعون بها
عن أنفسهم ..
فالمقصود بوقوع القول عليهم : إقامة الحجة عليهم ، ونزول العذاب بهم
واستحقاقهم له بسبب ظلمهم وكفرهم .
ويعد هذا التوبيخ لهم وهم فى ساحة الحشر ، انتقلت السورة إلى توبيخهم
على فعلتهم حين كانوا فى الدنيا ، فتقول: « ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا
فيه . والنهار مبصرا،.
أى: أبلنت الغفلة والجهالة به ؤلاء المكذبين - أنهم يعيشون فى هذا الكون
ليأكلوا ويشربوا ويتمتعوا، دون أن يعتبروا أو يتفكروا.
لقد أوجدنا لهم ليلا يسكنون فيه، وأوجدنا لهم نهارا يبتغون فيه أرزاقهم
وجعلنا الليل والنهار بهذا المقدار، لتتيسر لهم أسباب الحياة والراحة، فكيف
لم يهتدوا إلى أن لهذا الكون خالقا حكميما قادرا؟
((إن فى ذلك، الذى جعلناه، لهم، من وجود الليل والنهار بهذه الطريقة
((لآيات)) بينات واضحات على وحدانيتنا وقدرتنا (( لقوم يؤمنون)) بأن اله
- تعالى - هو الخالق لكل شىء، وهو الإله الحق لا إله سواه.

٤٧٢
سورة النمل
وذلك، لأن من تأمل فى تعاقب الليل والنهار بتلك الصورة البديعة
المطردة، وفى اختلافهما طولا وقصرا، وظلمة وضياء ... أيقن بان
لهذا الكون إلها واحداً قادرا على إعادة الحياة إلى الأموات ، ليحاسبهم
على أعمالهم.
قال الألوسى:((وقوله: (( والنهار مبصرا، أى: ليبصروا بما فيه من
الإضاءة، طرق التقلب فى أمور معاشهم، فبولغ حيث جعل الإبصار الذى
هو حال الناس حالا له، ووصفا من أوصافه التى جعل عليها بحيث لم ينفك
عنها، ولم يسلك فى الليل هذا المسلك. لما أن تأثير ظلام الليل فى السكون،
ليس بمثابة تأثير ضوء النهار فى الإبصار، (١).
وقوله - سبحانه -: ((ويوم ينفخ فى الصور ففزع من فى السموات ومن
فى الأرض إلا من شاء الله ... ، معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك
((ويوم نحشر من كل أمة فوجا، والصور: القرن الذى ينفخ فيه نفخة،
الصدق والبعث ، وذلك يكون عند النفخة الثانية ، والنافخ : إسرافيل
- عليه السلام - .
قال القرطبى ما ملخصه: (والصحيح فى الصور أنه قرن من نور ، ينفخ
فيه إسرافيل ..
والصحيح - أيضا - فى النفخ فى الصور أنهما نفختان، وأن نفخة الفرع
إنما تكون راجعة إلى نفخة الصعق لأن الأمرين لازمان لهما ... والمراد
- هذا النفخة الثانية . أى: يحيون فزعين، يقولون: من بعثنا من مرقدنا،
ويعاينون من الأمر ما يهولهم ويفزعهم))(٢).
والمعنى واذكر - أيها العاقل- يوم ينفخ إسرافيل فى الصور، بإذن اله
- تعالى - وأمره ((ففزع من فى السموات ومن في الأرض، أى: خافوا
(١) تفسير الآلوسى = ٢٠ س ٢٩
(٢) تفسير القرطبى ج ١٣ ص ٠٢٤٠

٤٧٣
الجزء العشرون
وانزعجوا، وأصابهم الرعب ، لشدة ما يسمعون، وهول ما يشاهدون، فى
هذا اليوم الشديد.
وقوله: (( إلا من شاء الله، استثناء ممن يصيبهم الفزع.
أى : ونفخ فى الصور ففزع من فى السموات ومن فى الأرض إلا من
شاء الله - تعالى - لهم عدم الفزع والخوف.
والمراد بهؤلاء الذين لا يفزعون، قيل: الأنبياء، وقيل: الشهداء،
وقيل : الملائكة .
ولعل الأنسب أن يكون المراد ما يعم هؤلاء السعداء وغيرهم، ممن
رضى الله عنهم ورضوا عنه، لأنه لم يرد نص صحيح يحددهم.
وقوله - سبحانه -: («وكل أقوه داخرين، أى: وكل واحد من هؤلاء
الفزعين المبعوثين عند النفخة، أوتوا إلى موقف الحشر، للوقوف بين يدى الله
- تعالى -(,داخرين، أى: صاغرين أذلاء.
يقال: دخر فلان - كمنع وفرح - دخرا ودخورا. إذا صغر وذل.
وقوله - تعالى - ,وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب .. »
معطوف على قوله - سبحانه - قبل ذلك : · ينفخ فى الصور)).
أى: فى هذا اليوم الهائل الشديد، يفزع من فى السموات ومن فى الأرض إلا
من شاء الله، وترى الجبال الراسيات الشامخات، (تحسبها جامدة، أى ثابتة فى
أما كنها ، والحال أنها نمر فى الجو مر السحاب، الذى تسيره الرياح سيراحثيثا.
وهكذا تصور الآيات الكريمة أهوال ذلك اليوم هذا التصوير البديع المعجز
المؤثر، فالناس جميعاً - إلا من شاء الله - فزعين وجلين، والجبال كذلك
كأنها قد أصابها ما أصاب الناس، حتى لكأنهما - وهى تسرع الخطاب -.
السحاب فى خفته ومروقه وتتاثره، ثم يعقب - سبحانه - على كل ذلك
بقوله « صنع الله الذى أتقن كل شىء)).

٤٧٤
سورة النمل
ولفظ «صنع، يجوز أن يكون منصوبا على الإغراء. أى: انظروا
صنع الله - تعالى - الذى أتقن كل شىء، فقد أحسن - سبحانه - ماخلقه
واحکه، وجعله فى أدق صورة، وأكمل هيئه، وصدق الله - تعالى - إذيقول
((وخلق كل شىء فقدره تقديراً)).
قال صاحب فتح القدير: ((وإنتصاب ((منع)) على المصدرية. أى: صنع
ألقه ذلك صنعا. وقيل هو مصدر· ؤكد لقوله: (( يوم ينفخ فى الصور) وقيل
منصوب على الإغراء )،(١).
وجملة: (( إنه خبير بما تفعلون)) تعليل لما قبله. أى: صنع الله ماخلقه
على هذا الإحكام المجيب، والإتقان البديع، لأنه - سبحانه - خبير بما
تفعلونه ومطلع على ما تخفونه وما تعلنونه .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بيان جراء من أحسن، وبيان
جزاء من أساء ، وبيان منهج الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى دعوته
فقال - تعالى - :
((مَنْ جاء بالحسنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ منها، ومُ من فَزّعِ يومَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩)
ومَنْ جاء بالسيِّئَةِ فِكُبَّتْ وَجُوهُهُمُ فى النارِ، هَلْ تُجْزَوْنَ إلاَّ ما كنتُم
تَْعَلُونَ (٩٠) إِنَّمَا أُمِرتُ أنْ أَعْبُدَ ربِّ هَذِهِ البَلْدَةِ التى حَرَّمَها ولهُ
كلُّ شَىءٍ، وأُمِرتُ أنْ أكُونَ مِن المسلِينَ (٩١) وأنْ أنْلُوَ الْقُرآنَ
فَمَنْ اهْتَدَى فإنَّما يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ، ومَنْ خَلَّ فَقُلْ إنَّا أَنَا مِنَ
المُنذِرِينَ (٩٢) وقُلِ الحمدُ هُو سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَعرِفَونَها ، وما ربكَ
بِغَفِلٍ عِمَّ تَشْمَلُونَ (٩٣))).
(١) تفسير فتح القدير ج ٤ ص ١٥٥ للشوكانى.

٤٧٥
الجزء العشرون
وقوله - سبحانه -: (( من جاء بالحسنة فله خير منها، بيان وتفصيل لمظاهر
على الله - تعالى - لكل ما يفعله الناس، الذى أشير إليه قبل ذلك بقوله: « فإنه
خبير بما تفعلون )) .
والمراد بالحسنة: كل ما يقوله أو يفعله المسلم من قول طيب ، ومن عمل
صالح، فيشمل النطق بالشهادتين ، وأداء ما كلف الله الإنسان بأدائه من
فرائض وواجبات ، وإجتناب السيئات والشبهات.
أى: من جاء بالفعلة الحسنة ، فله من الله - تعالى - ما هو خير منها عن
ثواب وعطاء حسن، كما قال - تعالى - فى آية أخرى: ((من جاء بالحسنة فله
عشر أمثالها ء.
فالمراد بما هو خير منها : الثواب الذى يمنحه الله - تعالى - لمن أتى بها.
وقوله - تعالى -: ((وهم من فزع يومئذ آمنون)) تقرير لما قبله ، وبشارة
للمؤمنين الذين جاءوا بالحسنات ، بالأمان والاطمئنان.
أى : وهم من الفزع المكائن للناس فى يوم البعث والحساب ، آمنون
مطمئنون، كما قال - سبحانه -: « لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة
هذا يومكم الذى كنتم توعدون)، وكما قال - تعالى - (أفمن يلقى فى النار خير
أم من يأتى آمنا يوم القيامة».
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من يأتى بالسيئات فقال: «ومن جاء بالسيئة
فکیت وجوههم فى النار، .
قال ابن كثير : ((قال ابن مسعود: وأبو هريرة، وابن عباس، وأنس
ابن مالك وعطاء ، وسعيد بن جبير، وغيرهم: ((ومن جاء بالسيئة)) أى الشرك.
ولعل مما يؤيد أن المراد بالسيئة هنا: الشرك. قوله - تعالى -: «فكبت
وجوههم فى الغار، لأن هذا الجزاء الشديد، يتناسب مع رذيلة الشرك.
- والعياذ باله ..

٤٧٦
سورة النمل
أى: ومن جاء بالفعلة الشنيعة فى السوء، وهى الإشراك باقه ,فكبت
وجوههم فى النار، أى: فألقوا بسبب شركهم فى النار على وجوههم
منكوسين.
يقال : کب فلان فلانا على وجهه، وأ کبه، إذا نكسه وقلبه على وجهه.
وفى كبهم على وجوههم فى النار ، زيادة فى إهانتهم وإذلالهم لأن الوجه
هو مجمع المحاسن، ومحل المواجهة للغير .
والاستفهام فى قوله - تعالى - ((هل تجزون إلا ماكنتم تعملون)) لزيادة
توبيخهم وتقريمهم والجملة بإضمار قول محذوف .
.
أى: والذين جاءوا بالأفعال السيئة فى دنياهم ، يكبون على وجوههم فى
النار يوم القيامة ، ويقال لهم على سبيل الزجر والتأنيب: ما حل بكم من
عذاب هو بسبب أعمالكم وشرككم.
وكون المراد بالسيئة هنا الشرك ، لا يمنع من أن الذى يرتكب
السيئات من المسلمين، يعاقب عليها ما لم يتب منها . فاقه - تعالى - يقول :
« ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب. من يعمل سوءا بجز به، ولا يجد له
من دون الله وليا ولا نصيرا)،(١) .
ثم يأمر الله - تعالى - نبيه أن يعلن الناس منهجه فى دعوته فيقول: ، إنما
أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذى حرمها. وله كل شىء .. »
والمراد بالبلدة الذی حرمها: مكه المكرمة التى عظم الله - تعالی ۔ حرمتها.
تجمعلها حراما آمنا، لا يسفك فيها دم، ولا يصاد فيها صيد ، ولا يعضد فيها
شجر. وقوله: (الذى حرمها، صفة للرب.
وخصت مكة بالذكر: تشريفا لها، ففيها البيت الحرام الذى هو أول
بيت وضع فى الأرض .
(١) سورة النساء الآية ١٢٣

٤٧٧
الجزء العشرون
أى: قل - أيها الرسول الكريم - الناس: إن الله - تعالى - أمرنى أن
أخلص لله - سبحانه - عبادتى، فهو رب البلد الحرام مكة، ورب كل شىء.
وله جميع ما فى هذا النكون خلقا، وملكا ، وتصرفا.
(((وأمرت أن أكون من المسلمين. وأن أقلو القرآن، أى: أو أمرنى
كذلك أن أكون من الثابتين على دينه، المنقادين لأمره، المسلمين له وجوههم
وأمرنى - أيضاً - أن أتلو القرآن على مسامعكم، لأنه هو معجزتى الدالة على
مدقی .
((فمن اهتدى)) إلى الحل الذى جئته به، وبينته له , فإنما يهتدى لنفسه))
أى: فإن منافع هدايته تعود إلى نفسه .
(((ومن ضل)) عن طريق الحق، وأعرض عن دعوتى، «فقل إنما أنا من
المنذرين».
أى: ومن ضل عن الهدى بعد أن نصحته وأرشدقه، فقد أمرنى ربى أن
أقول له: إنما أنا من المنذرين للضالين بسوء العاقبة، ولست عليهم بحفيظ،
أو بمكره إياهم على الإيمان .
ثم ختمت السورة الكريمة بهذا التوجيه الكريم، الرسول - صلى الله عليه
وسلم - فقال - تعالى -: ((وقل الحمد لله)».
أى: وقل - أيها الرسول الكريم - للناس: الثناء كله، والفضل كله، الله
-تعالى - وحده. وهو - سبحانه - «سيريكم آياته، الدالة على وحدانيته وقدرته
((فتعرفونها، أى: فتعرفون صدقها.
وصدق الله - عز وجل - ففى كل يوم، بل فى كل ساعة، يرى عباده
بعض آياته الدالة على وحدانيته وقدرته، فى أنفسهم ، وفى آفاق هذا الكون
وما أحكم قوله - تعالى -: ((سنريهم آياتنا في الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين
لهم أنه الحق ..

٤٧٨
سورة النمل
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الجملة التى تحمل طابع التهديد
والوعيد لمن غالف أمره، فقال - تعالى -: ((وماربك بغافل عما تعملون)).
أى: وماربك - أيها الرسول الكريم - بغافل عما يعمله الناس،
وما يقولونه لك ، وما يتهمونك به، فسر فى طريقك، وبلغ ما أمرك- سبحانه-
بقبليغه، فإن العاقبة لك ولأتباعك المؤمنين، أما الكافرون والمنافقون فنحن
الذى سنتولى حسابهم ...
وبعد: فهذا تفسير لسورة ((النمل، نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا
لوجه ، ونافما أعباده.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟
د. محمد سيد طنطاوى
القاهرة - مدينة نصر
مساء الخميس ١٤٠٥/٦/١٥هـ
الموافق ٧ / ١٩٨٥/٣ م

فهرس إجمالى لتفسير ((سورة النمل))
رقم الآية
الآية المفسرة
المقدمة والتمهيد
طس، ذلك آيات القرآن ...
١
٧
إذ قال موسى لأهله إلى آنست نار ...
وتفقد الطير فقال مالى لا أرى المدهد ...
قال مننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين ...
فلما جاء سلمان، قال أغدونى بمال ...
ولقد آتينا داود وسلمان علما ...
١٥
٢٠
٢٧
٣٦
قال يأيها الملأ أيكم بأتينى بمرعها ...
٣٨
٤١
٤٥
قال ذكروا لها عرشها ...
ولقد أرسلنا إلى نمود أخاهم صالحا ...
ولوطا إذا قال لقومه ...
٥٤
قل الحمد له وسلام على عباده الذين اصطفى ...
قل لا يعلم من فى السموات والأرض الغيب إلاالله ...
إن هذا القرآن يقص على بنى إسرائيل ...
٨٢
٨٩
٥٩
٦٥
٧٦
وإذا وقع القول عليها، أخرجنا لهم دابة من الأرض ...
من جاء بالحسنة فى خير منها ...
رقم الصفحة
٣٨٩
٣٩٣
٢٩٨
٤٠٩
٤١٥
٤٢٠
٤٢٤
٤٢٦
٤٢٩
٤٣٨
٥٤٠
٥٤٩
٥٥٦
٥٦٤
٤٦٧
٥٧٤