النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
الجزء التاسع عشر
فى قوله: ((فعقروا الناقة وعقوا عن أمر ربهم وقالوا با صالح اقتنا بما تعدنا
إن كنت من المرسلين»(١).
ثم حكى - سبحانه - مارد به هؤلاء المتسكبرون على نبيهم فقال - تعالى -
(( قالوا أطيرنا بك وبمن معك ...
وقوله: «أطيرنا، أصله تغيرنا، فأدغمت التاء فى الطاء، وزيدت همزة
الوصل، ليتأتى الابتداء بالكلمة. والتطير: التشاؤم.
قال الآلوسي: وعبر عنه بذلك، لأنهم كافو الإذاخر جو امسافر بن فيمرون
بطائر يزجروفه : فإن مر سانحا- بأن مر من مياهن الشخص إلى مياسره
- تيمنوا، وإن مر بارحا - بأن مر من المياسر إلى المياهنتهاموا .. فذا
نسبوا الخير والشر إلى الطائر والشر إلى الطائر، أستعير لما كان سبباً لهما
من قدر الله - تعالى - وقسمته - عز وجل - أو من عمل العبد الذى هو سبب
الرحمة والنعمة ، (٢).
أى قال المكذبون من قوم صالح فى الرد عليه: أصابنا الشؤم والنحس
بسبب وجودك فينا، وبسبب المؤمنين الذين إستجابوا لدعوتك، حيث
أصبنا بالقحط بعد الرخاء ، وبالضراء بعد السراء.
ولا شك أن قولهم هذا يدل على جهلهم المطبق، وعلى سوء تفكيرهم ،
لأن السراء والضراء من عند الله - تعالى - وحده، ولا صلة لهما بوجود
صالح والذين آمنوا معه بينهم. ولذا رد عليهم صالح - عليه السلام - بقوله
, طائركم عند انه ..
أى: قال لهم موبخاً وزاجرا: ليس الأمر كمازعمتم من أن وجودتا بينكم
هو السبب فيما أصابكم من شر، بلى الحق أن ما يصيبكم من شر وقحط هو من
(١) سورة الأعراف: الآية ٧٧ (٢) تفسير الآلوسى =٤٩ ص ٢١.

٤٤٢
سورة النمل
عند الله، بسبب أعمالكم السيئة، وإصراركم على الكفر، وإستحيا بكم المعصية
على الطاعة ، والعقوبة على المغفرة .
ثم زاد صالح - عليه السلام - الأمر توضيحاً وتبيانا فقال لهم: « بل
أنتم قوم تفتنون ،.
أى قال لهم: ليس ما أصابكم سينا، بل أنتم قوم «تفتنون، أى تختبرون
وتمتحفون بما يقع عليكم من شر، حتى تتوبوا إلى خالقكم، قبل أن ينزل بكم
العذاب الماحق ، إذا ما بقيتم على كفركم .
فأنت ترى أن صالحا- عليه السلام - قد رد على جهااتهم بأسلوب قوى
رصين، بين لهم فيه، أن تشاؤمهم فى غير محله ، وأن حظهم ومستقبلهم.
ومصير م بيد الله - تعالى - وحده، وأن ما أصابهم من بلاء وقحط، إنما هو
لون من إمتحان الله - تعالى - لهم، لكى يتنبهوا ويستجيبوا لدعوة الحق،
قبل أن يفاجئهم الله - تعالى - بالعذاب الذى يهلكهم.
ولكن هذا النصح الحكيم الذى وجهه صالح إلى المكتبين من قومه، لم
بحد أذنا صاغيا منهم، بل قابله زعماؤهم بالتكهر وبالإصرار على التخلص من
صالح - عليه السلام - ومن أمله، وقد حكى القرآن ذلك فى قوله - تعالى -:
,(وكان فى المدينة تسعة رهط، يفسدون فى الأرض ولا يصلحون. قالوا:
تقاسموا بالله، لنبيتنه وأهله، ثم لنقولن لو ليه ما شهد نامهلك وأنا الصادقون)).
والمراد بالمدينة: مدينة قوم صالح - عليه السلام - وهى الحجر - بكسر
الحاء وإسكان الجيم .
قال الجمل: (قوله: «تسعة أشخاص، وبهذا الإعتبار وقع تمييزا التسعة:
لا باعتبار لفظه، وهم الذين سعوا فى عقر الناقة، وباشره منهم ,قدار بن سالف»
وكانوا من أبناء أشراف قوم صالح، والإضافة بيانية. أى: تسعة م رهط .
وفى المصباح: الرهط دون العشرة من الرجال، ليس فيهم أمرأة .. (١).
(١) حاشية الجمل على الجلالين حـ ٣ ص ١٩م.

A
الجزء التاسع عشر
٤٤٣
ووصفهم بأنهم يفدون فى الأرض ولا يصلحون، الإشارة إلى أن
نفوسهم قد تمخضت الفساد والإفساد، ولا مكان فيها الصلاح والإصلاح.
وقوله: ((تقاسموا، فعل أمر حكى بالقول، بمعنى: احلفوا بالله، ويجوز
أن يكون فعلا ماضيا مفسرا لقالوا، فكأنه قيل: ما الذى قالوه ؟ فكان
الجواب : تقاسموا، أى: أقسموا.
وقوله: (( لنبيتنه)، من النيات وهو مباغتة العدو ليلا اقتله. يقال بيت
القوم العدو ، إذا أو قعوا به ليلا.
والمراد بوليه: المطالبون به من أقاربه، وفى ذلك إشارة إلى أن هؤلاء
الظالمين لم يكونوا ليستطيعوا قتل صالح - عليه السلام - علانية، خوفا من
مناصرة أقار به له .
و((جهلك) بفتح الميم وكسر اللام بزنة مرجع - مصدر ميمى، من هلك
الثلاثى، وقرأ بعضهم ((مهلك) بضم الميم وفتح اللام - من أهلك الرباعى،
فهو أيضا مصدر ميمى من أهلك ، ويجوز أن يكونا إسم زمان أو مكان.
والمعنى: وكان فى المدينة التى يسكنها صالح - عليه السلام - وقومه، تسعة
أشخاص ، دأبهم ودينهم ، الإفساد فى الأرض، وعدم الإصلاح فيها، بأى
حال من الأحوال .
وقد تشاهد هؤلاء القسمة. وأكدوا ما تعامدوا عليه بالإيمان المغلظة.
على أن يباغتوا نبيهم وأهله ليلا، فيقتلوهم جميعا، ثم ليقولن بعد جريمتهم.
الشنعاء لأقارب صالح - عليه السلام -: ما حضرنا ملاك أهله وهلاك صالح
معهم، ولا علم عندنا بما حل بهم وبه من قتل، وإنا لصادقون فى كل ما قلناه.
وهكذا المفسدون فى الأرض ، يرتكبون أبشع الجرائم وأشنعها ، ثم
بيورونها بالحيل الساذجة الذميمة ثم بعد ذلك| يحلفون بأغلظ الأيمان أنهم
• يتون من تلك الجرائم.

٤٤٤
سورة النمل
ومن العجيب أن هؤلاء المجرمير الغادرين يقولون فيما بينهم: ((تقاسموا
باقه ، أى : أحلفوا بالله، على أن تنفذوا ما اتفقنا عليه من قتل صالح وأهله
ليلا غيلة وغدرا، فهم ؤكدون إصرارهم على الإجرام بالحلف بالله، مع أن
الله - تعالى - برىء منهم ومن غدرم .
وقولهم: ((ما شهدنا مهلك أهله، ففى منهم لحضور قتلهم، فضلا من مباشرة
قتلهم، و كأنهم أرادوا بهذه الجملة الإتيان بخيلة يبررون بها كذبهم، أى: أننا
قتلناهم فى الظلام ، فم نشاهد أشخاصهم، وإنا الصادقون فى ذلك .
ولكن هذا المكر السىء، والتحايل القبيح قد أبطله الله - تعالى - وجهله
يحيق بهم وبأشباعهم، فقد قال - تعالى - ((ومكروا مكراً، أى بهذا الحلف فيما
بينهم على قتل صالح وأهله غدراء ومكرنامكرا، أى: ودونا لصالح
- عليه السلام - ولمن آمن به، تدبيرا محمودا حكماء وهم لا يشعرون، أى: وهم
لا يشعرون بتدبيرنا الحكيم، حيث أنجينا صالح ومن معه من المؤمنين،
وأهلكنا أعداءه أجمعين.
ثم بين - سبحانه - الآثار التى ترتبت على مكرهم السى.، وعلى تدبيره
المحكم فقال تعالى _:
((فانظر كيف كان عاقبة مكرهم ، أنا دمر ناهم وقومهم أجمعين، أى :
فانظر - أيها العاقل - ونأمل واعتبر فيما آل إليه أمر هؤلاء المفسدين،
لقد دمر ناهم وأبدناهم، وأبدنا معهم جميع الذين كفروا بنبينا صالح - عليه
السلام ـ.
قال بعض العلماء ما ملخصه: (قوله تعالى -: «أنا دمر ناهم وقومهم
أجمعين، قرأه الجمهور بكسر همزة ((إنا (على الاستئناف، وقرأه عاصم وحمزة
والكسائى: (( أنا دمر ناهم) بفتح الهمزة وفى إعراب المصدر المنسبك من
أن وصلتها أوجه منها: أنه بدل من (عاقبة أمرهم، ومنها: أنه خبر مبتدا

٤٤٥
الجزء العشرون
محذوف ، وتقديره: هى أى: عاقبة مكرهم تدميرنا إياهم ، (١).
وقوله - سبحانه - ((فتلك بيوتهم خاوية بما الموا .. )، مقرر ومؤكد لما
قبله من تدمير المفسدين وإهلاكهم .
أى: إن كنت - أيها المخاطب - تريد دليلا على تدميرهم جميعا، فتلك هى
بيوتهم خاوية وساقطة ومتهدمة على عروشها، بسبب ظلمهم وكفرهم ومكرم.
((إن فى ذلك، الذى فعلناه بهم من تدمير وإهلاك، الآية)، بينة، وعبرة
واضحة، « لقوم يعلمون)) أى: يتصفون بالعلم النافع الذى يتبعه العمل
الصالح .
ثم ختم - سبحانه - هذه القصة بتأكيدسنته التى لا تنخلف فقال: ((وأنجينا))
أى: بفضلنا وإحساننا، ((الذين آمنوا، وهم فيينا صالح وأتباعه , وكانوا
يتقون، أى: وكانوا يتقون الله - تعالى - ويخافون عذابه.
وبذلك تكون السورة الكريمة قد ساقت لنا جانبا من قصة صالح مع قومه
هذا الجانب فيه مافيه من عظات وعبر لقوم يعقلون .
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك طرفا من قصة لوط مع قومه، فقال- تعالى -:
((ولوطاً إِذْ قَالَ لِقومِهِ، أَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُم تبصِرُونَ (٥٤)
أَثِيِّكُم لتأْتُونَ الرِّجالَ شَهوةً من دونِ النِّسَاءِ، بَلْ أنْتُم قومٌ
تَجْهُلُونَ (٥٥) فما كانَ جوابَ قومهٍ إلاَّ أنْ قَالُوا أَخرِجُوا آلَّ لُوطٍ
مَنْ قريتِكُم، إِنَّهم أُناسٌ يتطهّرُونَ (٥٦) فأنجيناهُ وأهلَهُ إلاَّ امرَأَتَه
قَدَّرْناها منَ السابرينَ (٥٧) وأمطَرْنا عليهمْ مَطراً فَسَاء مطر
المنذرينَ (٥٨))).
(١) أضواء البيان ج ٦ ص ٤١٢ للشيخ محمد الأمين الشنقيطى.

٤٤٦
سورة النمل
وقصة لوط - عليه السلام - قد ذكرت فى سور متعددة منها: الأعراف،
وهود، والحجر ...
وهنا تتعرض السورة الكريمة ، لإبراز ما كان عليه أولئك القوم من
بفور ، وما هددوا به نبيهم .
قال ابن كثير - رحمه الله: ((ولوط هو ابن عاران بن آزر، وهو ابن أخى
إبراهيم - عليه السلام-، وكان لوط قد آمن مع إبراهيم، وهاجر معه إلى
أرض الشام، فبعثه الله - تعالى - إلى أهل سذوم، وما حولها من القرى ،
يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وينهاهم عما يرتكبونه من المآثم والمحارم
والفواحش التى اخترعوما، دون أن يسبقهم إليها أحد من بنى آدم .. »(١).
وقوله - تعالى -: ((ولوطا .. )) منصوب بفعل مضمر محذوف، والتقدير:
واذكر- أيها العاقل - وقت أن أرسلنا لوطا إلى قومه، فقال لهم على سبيل
الزجر والتوبيخ :
(( أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون)) أى: أتأتون الفاحشة التى لم يسبقكم
إليها أحد، وهى إتيان الذكور دون الإناث، وأتم تبصرون بأعينكم أنها
تتنافى مع الفطرة السوية حتى بالنسبة للحيوان الأمجم ، فأنتم ترون. وتشاهدون
أن الذكر من الحيوان لا يأتى الذكر، وإنما يلقى الأفى ، حيث يتأتى من
طريقها التوالد والتناسل وعمارة الكون .
فقوله - سبحانه -: ((وأنتم تبصرون، جملة حالية المقصود بها زيادة
تبكيتهم وتوبيخهم، لأنهم يشاهدون تنزه الحيوان عنها، كما يعلمون سوء
عاقبتها، وسوء عاقبة الذين خالفوا أنبياءهم من قبلهم.
(١) تفسير ابن كثير ٢٠ ص ٣٠

٤٤٧
الجزء العشرون
وقوله - سبحانه -: « أتنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء.
فأكيد الإنكار السابق، وتوضيح الفاحشة التى كانوا يأتونها.
والإتيان: كناية عن الاستمتاع والجماع، مأخوذ من أتى المرأة إذا جامعها.
أى: أئنكم - أيها الممسوخون فى فطر تكم وطبائعكم - لتصبون شهوتكم
التى ركبها الله - تعالى- فيكم فى الرجال دون النساء اللاتى جعلهن أنه - تعالى-
محل شهوتكم ومتعتكم .
قال الألوسى: ((والجملة الكريمة تثنية لإنكار، وبيان لما يأتونه من الفاحشة
بطريق التصريح بعد الابهام وتحلية الجملة بحر فى التأكيد، للإبذان بأن
مضمونها مما لا يصدق وقوعه أحد، لكمال شفاعته، وإيراد المفعول بعنوان
الرجولية دون الذكورية، لزيادة التقبيح والتوبيخ .. ،(١).
وقوله - تعالى -: ((بل أنتم قوم تجهلون، إضراب عن الإنكار إلى
الإخبار عن الأسباب التى جعلتهم يرتكبون هذه القبائح، وهى أنهم قوم
دينهم الجهل والسفاهة والجون وانطماس البصيرة .
وقد حكى القرآن أن لوطا قد قال لهم فى سورة الأعراف: « بل أنتم
قوم مسرفون )).
وقال لهم فى سورة الشعراء: «بل أنتم قوم عادون))، وقال لهم هنا:
« بل أنتم قوم تجهلون: ومجموع الآيات يدل على أنهم كانوا مصابين بفساد
الفعل، وانحراف الفطرة، وتجاوز كل الحدود التى ترتضيها النفوس الكريمة.
ثم حكى القرآن بعد ذلك جوابهم السىء على نبيهم فقال: « ذا كان
جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم ...
والفاء للتفريع، والاستثناء مفرع من أعم الأشياء.
(١) تفسير الآلوسي ١٩٥ ص ٢١٦

٤٤٨
سورة النمل
أى : هكذا نصح لوط قومه وزجرم . فما كان جوابهم شيئا س الأشياء
سوى قول بعضهم لبعض أخرجوالوطا والمؤمنين معه من قربتكم التى
يساكنونكم فيها.
وفى التعبير بقولهم: ((من قريتكم، إشارة إلى غرورهم وتكريم فكانهم
يعتبرون لوطا وأهله المؤمنين دخلا. عليهم، ولا مكان لهم بين هؤلاء المجرمين
لأن القرية - وهى سدوم - هى قريتهم وحدهم، دون لوط وأهله.
وقوله - تعالى - حكاية عنهم: ((إنهم أناس يتطهرون) تعليل للإخراج،
وبيان لسبيه أى : أخرجوهم من قريتكم لأنهم أناس يتنزهون عن الفعل الذمى
نفعله ، وينفرون من الشهوة التى نشتهها وهى إتيان الرجال ..
وما أعجب العقول عند ما تنتكس، والنفوس عندما ترتكس، إنهاتأبى أن
يبقى معها الأطهار، بل تحرض على طردهم، ليبقى معها الممسوخون والمنحرفون
الذين انحطت طباعهم ، وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم فر أوه حسنا :
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال: ((وقولهم:« إنهم أناس يتطهرون»
سخرية بهم وبتطهرهم من الفواحش ، وافتخارا بما كانوا فيه من القذارة، كما
يقول الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم: أبعدوا عناهذا المتقشف وأريحونا
من هذا المتزهد ،(١).
ثم بين - سبحانه - ما آل إليه أمر الفريقين فقال: «فأنجيناه وأهله
إلا امرأته قدرناها من الغابرين، وأمطرنا عليهم مطراً فساء مطر المنذرين»
والغابر: الباقى. يقال، غير الشىء يغير غيورا، إذا بقى .
أى : فكانت عاقبة تلك المحاورة التى دارت بين لوظ وقومه، أن أنجينا
لوطا وأهله الذين آمنوا معه، ((إلا امرأته، فإننا لم نتجها لخبتها وعدم
(١) تفسير الكشاف ج٣ ص ٠١٢٧

٤٤٩
-
الجزء العشرون
إيمانها ، فبقيت مع القوم الكافرين ، حيث قدرنا عليها ذلك بسبب كفرها
وعمالئتها لقومها،.
(( وأمطرفا، على هؤلاء المجرمين ((مطرأ، عظيما هائلا عجيبا أمره، وهو
حجارة من سجيل دمرتهم تدميرا « فاء مطر المنذرين)) أى: فيقس العذاب
هذابهم.
وهكذا تكون عاقبة كل من آثر الكفر على الإيمان، والرذيلة على الفضيلة.
٥
وبعد هذا الحديث المتنوع عن قصص بعشر الأنبياء، ساق - سبحانه -
ما يدل على وحدانيته، وكمال قدرته ، وسعة فضله على عباده، فقال - تعالى -:
((قُلِ الحمدُ للهِ، وسلامٌ عَلَى عبادِهِ الذينَ اصْعَفى، آللهُ خَيْرٌ
أمّا يُشْرِكُون (٥٩) أمَّنْ خلق السمواتِ والأرضِ، وأَنْزَلَ لَكُمُ من
السماء ماء، فأنبتناَ بهِ حدائقَ ذاتَ يَهجةٍ، ما كانَ لكُم أنْ تُنْتُوا
شجرَهَا، أَإلهٌ مع اللهِ، بَلْ هُ قومٌ يعدِلُونَ (٦٠) أمَّنْ جَعَلَ الأرضَ
قراراً، وجعَلَ خلالها أنهاراً، وجعلَ لها رَوَاسِيَ، وجعلَ بينَ البَحْرِينِ
ماجِزاً، أَإِلهَ مع اللهِ، بل أكثَرمُ لا يَعْلَمون (٦١) أمَّنْ يُجيبُ المضطَرِّ
إِذَا دَعاهُ ، وَيَكْشِفُ السُّوءِ، ويَحْلِكُم خلفاء الأرضِ، أَإِلهٌ مِعَ اللهِ
قليلاً ما تذكَّرُونَ (٦٢) أمَّنْ يهدِيُكُم فى ظلماتِ البَرِّ والبَحرِ، ومَنْ
بِسِلُ الرياحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَىْ رَحَتِهٍ، أَإلهٌ مَعَ اللهِ تعالى اللهُ عمَّ
يُشْرِكُونَ (٦٣) أمَّنْ يبدؤُا الْلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه، ومَن يرِزُقُكُم مِن السَّماء
وَالأَرضِ، أَإِلهٌ مع اللهِ قُلْ هاتُوا بُرْهَانكم إنْ كنتُم صادِقِينَ (٦٤)).
(٢٩ - سورة النمل)

٤٥٠
سورة النمل
قال صاحب البحر المحيط: «لما فرغ - سبحانه - من قصص هذه السورة،
أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - بحمده - تعالى -، والسلام على المصطفين،
وأخذ فى مباينة واجب الوجود وهو الله - تعالى -- ومباينة الأصنام والأديان
التى أشر كوها مع الله وعبدوها، وابتدأ فى هذا التقرير لقريش وغيرهم بالحمدته،
وكأنها صدر خطبة، لما يلقى من البراهين الدالة على الوحدانية والعلم والقدرة.
وقد اقتدى بذلك المسلمون فى تصانيف كتبهم، وخطبهم، ووعظهم ، فافتتحوا
بتحميد الله، والصلاة على رسوله - صلى الله عليه وسلم - وتبعهم المتراسلون
فى أوائل كتب الفتوح والتهانى والحوادث التى لها شأن،. (١).
والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - للناس: ((الحمد لله، - تعالى-وحده،
فهو - سبحانه - صاحب النعم والمنن على عباده، وهو - عز وجل - الذى له
الخلق والأمر وليس لأحد سواه .
وقل - أيضا - ((سلام على عباده الذين اصطفى، أى: أمان وتحية لعباده
الذين اصطفاهم واختارهم - سبحانه - لحمل رسالته وتبليغ دعوته ،
والاستجابة لأمره ونهيه، والطاعة له فى السر والعلن.
والاستفهام فى قوله (( آلله خير أما يشركون، للإنكار والتقريع،
والألف منقلبة عن همزة الاستفهام .
أى: وقل لهم - أيها الرسول الكريم -: آه الذى له الخلق والأمر والذى
أنعم عليكم بالنعم التى لا تحصى، خير، أم الآلهة الباطلة التى لا تنفع ولا تعبر
والتى يعبدها المشركون من دون الله - تعالى -. إن كل من عنده عقل،
لا يشك فى أن المستحق للعبادة والطاعة، هو الله رب العالمين.
ولفظ ((خير)، ليس للتفضيل، وإنما هو من باب التهكم بهم ، إذ لا خير
(١) السير البحر المحيط لأبي حيان = ٧ ص ٠٨٨

٤٠١
الجزء العشرون
فى عبادة الأصنام أصلا. وقد حكى عن العرب أنهم يقولون : السعادة أحب
إليك أم الشقاوة . مع أنه لاخير فى الشقاوة إطلاقا .
قال الألوسى: ((وقوله (( آلله، بالمد لقلب هزة الاستفهام ألفا، والأصل
[أنه ؟، خير أما يشركون، والظاهر أن ((ما)، موصولة، والعائد محذوف
أى: آلله الذى ذكرت شئونه العظيمة خير أم الدى يشر كونه من الأصنام
و ((خير، أفعل تفضيل، ومرجمع الترديد إلى التعريض بتبكيت الكفرة من
جهته - عز وجل - وتسفية آراتهم الركيكه، والتهكم بهم، إذ من البين
أنه ليس فيما أشر كوه به - سبحانه شائبة خير ، حتى يمكن أن يوان بينه
وبين من هو حير محض ... ))(١)
ثم ساق - سبحانه - خمس آيات، وكل آية فيها ما يدل على كمال قدرته
وعلمه، وختم كل آية بقوله: ((أ إله مع الله،؟ فقال - تعالى ــ, أم من خلق
السموات والأرضى٠٠))و(( أم)) هنا منقطعة بمعنى بل الإضرابية، والاستفهام
للإنكار والتوبيخ .
أى: بل قولوا لنا - إن كنتم تعقلون أيها الضالون - من الذى خلق
السموات والأرض، وأوجدهما على هذا النحو البديع، والتركيب الحكم.
((وأنول لكم من السماء ماء)) وهو المطر، الذى لا غنى لكم عنه فى شئون
حاتكم.
((فأنبتنا به حدائق ذات بهجة»، والحدائق: جمع حديقة، وهى فى الأصل
أسم البستان المحاط بالأسوار، من أحدق بالشىء إذا أحاط به ، ثم توسع
فيها فصارت تطلق على كل بستان سواء أ كان مسورا بسور أم لا .
أى: وأنزل - سبحانه - بقدرته من السماء ماء مباركا، فأنبتنا لكم
(١) تفسير الآلوسى = ٣٠ ص٣

-
٤٠٢
سورة النمل
بسبب هذا الماء حدائق وبساتين وجنات ذات منظر حسن، يشرح الصدور،
ويدخل السرور على النفوس .
وقال - سبحانه - ((فأنبتنا ... بصيغة الالتفات من الغيبة إلى التكلم.
لتأكيد أن القادر على هذا الإنبات هو الله - تعالى - وحده، وللإيذان بأن
إنبات هذه الحدائق مع اختلاف ألوانها، وأشجارها، وهومها .. لا يقدر
عليه إلا هو - سبحانه - .
ولذا أتبع - عزوجل- هذه الجملة بقوله: «ما كان لتكم أن تفيتوا أشجارها))
أى: ما كان فى إمكانكم - أماالناس - بحال من الأحوال، أن تنبتوا أشجار
هذه الحدائق ، فضلا عن إيجاد ثمارها، وإخراجها من العدم إلى الوجود.
قال الإمام الرازى: « يقال: ما حكمة الالتفات فى قوله: ((فانبتنا ...
والجواب : أنه لا شبهة فى أن خالق السموات والأرض، ومنزل الماء
من السماء ، ليس إلا الله - تعالى -.
ولكن ربما عرضت الشبهة فى أن منبت الشجرة، هو الإنسان، فإن
الإنسان قد يقول: أنا الذى ألقى البذر فى الأرض، وأسقيها الماء ... وفاعل.
السبب، فاعل للسبب ، فأنا المنبت للشجرة ...
فلما كان هذا الاحتمال قائما . لاجرم أزال - سبحانه - هذا الاحتمال.
لأن الإنسان قد يأتى بالبذر والسقى .. ولا يأتى الزرع على وفق مراد ....
فظهذه النكتة جاء الالتفات ... » (١).
وقوله - تعالى -: ((أإله مع الله، أى: أ إله آخر كان مع الله - تعالى-
هو الذى خلق السموات والأرض، وأنزل من السماء ماء .. كلا، لا شريك
مع الله - تعالى - فىخلقه، وقدر ته،وإيجاده لهذه الكائنات«بل هم قوميعدلون.
(١) تقصير الفخر الرازى = ٦ ص ٤١٤

٤٥٣
الجزء العشرون
أى : بل إن هؤلاء المشركين قوم يعدلون عمدا عن الحق الواضح وهو
التوحيد ، إلى الباطل البين وهو الشرك .
فقوله: ((يعدلون)) مأخوذ من العدول بمعنى الإنحراف عن الحق إلى
الباطل . أو من العدل والمساواة، فيكون المعنى : بل هم قوم - لجهلهم -
پساوون باقه - تعالى - غيره من آلهتهم .
والجملة الكريمة، إنتقال من تبكيتهم بطريق الخطاب ، إلى تويخهم،
وتجهيلهم، وبيان سوء تفكيرهم، وإنطاس بصائرهم.
ثم إنتقلت السورة الكريمة إلى لفت أنظارهم إلى حقائق كونية أخرى
يشاهدونها بأعينهم، ويحسونها بحواسهم. فقال - تعالى -: (( أم من جعل
الأرض قرارا، والفرار : المكان الذى يستقر فيه الإنسان، وبصلح لبناء
حياته عليه .
أى: بل قولوا لنا - أيها المشركون: من الذى جعل هذه الأرض التى
تعيشون عليها، مكانا صالحا لاستقراركم، ولحرثكم، ولتبادل المنافع فيما
بينكم، ومن الذى دحاها وسواها وجعلها بهذه الطريقة البديعة .
ومن الذى ((جعل خلالها، أى: جعل فيما بينها ((أنهارا، تجرى بين
أجزائها ، لتنتفعوا بمياه هذه الأنهار فى شربكم، وفى غير ذلك من شئون
حياتكم. ومن الذى ((جعل لها روامى، أى: جعل لصلاح حالها جبالا
ثوابت ، تحفظها من أن تصطرب بكم .
ومن الذى: ((جعل بين البحرين)) أى: جعل بين البحر العذب والبحر
الملح , حاجزاً، يجعلهما لا يختلطان ولا يمتزجان.
ثم يأتى الاستفهام الإنكارى (( أإله مع الله، ؟ أى: أ إله مع الله - تعالى -
هو الذى فعل ذلك؟ كلا، ليس مع الله - تعالى - آلهة أخر فعل ذلك.
((بل أكثرهم لا يعلمون)) أى: بل أكثر هؤلاء المشركين، لا يعلمون
الأمور علی وجهها الصحيح، جهلهم، وعکونهم على ماورثوه عن آبائهم بدون
تفكير أو قدبر .

٤٥٤
سورة النمل
وعبربأكثرم، لأن هناك قلة منهم تعلم الحق، لكنها تشكره جحودا وعنادا.
ثم تنتقل الصورة- للمرة الثالثة - إلى لفت أنظارهم إلى الحقيقة التى ثم يحسونها
فى خاصة أنفسهم، وفى حنايا قلوبهم فتقول: «أم من يجيب المضطر إذا دعاه
ويكشف السوء،.
والمضطر : إسم مفعول من الاضطرار الذى هو إفتعال من الضرورة.
والمراد به: الإنسان الذى نزلت به شدة من الشدائد، جعلته يرفع أكف
الضراعة إلى الله - تعالى - لكى يكشفها عنه.
أى : وقولوا لنا - أيها المشركون -: من الذى يجيب دعوة الداعى
المكروب، الذى نزلت به المصائب والرزايا؟ ومن الذى يكشف عنه
وعن غيره السوء والبلاء ؟ إنه الله وحده، هو الذى يجيب دعاء من التجأ إليه
وهو وحده - سبحانه - الذى يكشف السوء عن عباده، على حسب ماتقتضيه
إرادته وحكمته .
وقولوا لنا - أيضا -: من الذى يجعلكم خلفاء الأرض، أى: من الذى
يجعلكم بخلف بعضكم بعضا، فرنا بعد قرن، وجيلا بعدجيل , أ إله مع الله،
هو الذى فعل ذلك .
كلا، بل الله وحده - عز وجل - هو الذى يجيب المضطر، وهو الذى
يكشف السوء، وهو الذى يحملكم خلفاء الأرض، لكنكم، فليلا
ما تذكرون، أى: ولكنكم زمانا قليلا هو الذى تتذكرون فيه نعم الله
- تعالى - عليكم، ورحمته بكم .
وختم - سبحانه - هذه الآية بتلك الجملة الحكيمة، لأن الإنسان من شأنه
- إلا من عصم الله - أنه يذكر الله - تعالى- عند الشدائد، وينساء عند الرخاء.
وصدق الله إذ يقول: ((وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه،
وإذا مسه الشر، فذو دعاء عريض».
ثم إنتقلت السورة الكريمة - للمرة الرابعة - إلى لفت أنظارهم إلى نعمه
- سبحانه - عليهم فى أسفارهم فقال-تعالى -: «أم من) + بكم فى ظلمات البر والبحر)»

٤٠٠
الجزء العشرون
أى: وقولوا لنا - أيها المشركون -: من الذى يرشدكم فى أسفاركم إلى
المكان الذى تربدون الذهاب إليه، عندما تلتبس عليكم الطرق، وأنتم بين
ظلمات البحار وأمواجه، أو وأنتم فى مقامات الأرض ونجاجها .
وقولوا لنا: ((من يرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته)، أى: ومن الذى
يرسل لكم الرياح لتكون مبشرات بقرب نزول المطر، الذى هو رحمة من الله
- تعالى - نكم ، بعد أن أصابكم اليأس والقنوط ؟
« أ إله مع الله، هو الذى فعل ذلك، كلا ، فما فعل ذلك أحد سواه.
وقوله - سبحانه -: (( تعالى الله عما يشركون)) تأكيد لوحدانيته وقدرته؛
وتزبه له - تعالى - عن الشرك والشركاء.
أى: تنزه الله وتقدس عن شرك هؤلاء المشركين، فهو الواحد الأحد
فى ذاته ، و فى صفاته، وفى أفعاله .
ثم إنتقلت السورة الكريمة - للمرة الخامسة - إلى لفت أنظارهم إلى نعمة
أخروية ، بعد أن ساقت ما ساقت من النعم الدفيويه، فقال - تعالى -: ((أم من
يبدأ الخلق ثم بعيده)، أى: قولوا لنا - أيها المشر كون - من الذى فى قدرته أن
يوجد الخلق فى الأرحام من نطفة، ثم يحولها إلى علقة، ثم إلى مضغة .. .
ثم يعيد هذه المخلوقات جميعها بعد موتها، إلى الحياة مرة أخرى؟ لاشك أنه
لا يقدر على ذلك أحد سوى انه - تعالى.
ثم قولوا لنا(( ومن يرزقكم من السماء والأرض) بالمظر والنبات والأموال،
وبغير ذلك من ألوان النعم التي لا تحصى ؟
« أإله مع الله، هو الذى فعل ذلك؟ كلا، لم يفعل ذلك سوى الله- تعالى-
وحده ثم لفن الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - الجواب الذى يخرس
ألسنتهم عند المعارضة أو المجادلة فقال: ((قل هاتوابرهانكم إن كنتم صادقين)).
أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - عند معارضتهم لك، أحضر واحجتكم

٤٥٦
سورة النمل
وهاتوا برهانا عقلبا أو نقليا، على أن لله - تعالى - شريكا فى ملكه، إن
كئةٍ صادقين فيما انغمستم فيه من جهل وشرك وكفر به - عز وجل -.
قال الإمام الرازى ما ملخصه: (اعلى أنه - تعالى -لما عدد نعم الدنيا، أتبع
ذلك بنعم الآخرة فقال: « أم من يبدأ الخلق ثم يعيده،، لأن نعم الله بالثواب
لا تتم إلا بالإعادة بعد الابتداء. فإن قبل: كيف قيل لهم: « أم من يبدأ الخلق
ثم يعيده، وهم منكرون الإعادة ؟
فالجواب: أنهم كانوا معترفين بالابتداء، ودلالة الابتداء على الإعادة
دلالة ظاهرة قوية ، فما كان لـكلام مقرونا بالدلالة الظاهرة، ماروا كأنهم
لم يبق لهم عذر فى الإنكار .. ،(!).
وبذلك ترى هذه الآيات الكريمة. قد أقامت أوضح الأدلة وأقواها ،
على وحدانية الله - تعالى-، وعلى كمال قدرته، وشمول علمه، وانفراده
بالخلق والتدبير ...
ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن علم الله - تعالى -
الذى عيبه عن عباده. وعن أقوال المشركين فى شأن البعث والحساب ، وعن
توجيهات الله - تعالى - لنبيه فى الرد عليهم ... فقال - تعالى -:
(( قُلْ لا يُعْلَم مَنْ فِى السَّمواتِ والأرضِالغيْبَ إلَّ اللهَ، وما يشعُرُونَ
أيّانَ يُبَثُونَ (٦٥) بلِ ادَّارَكَ عِلْمهم فى الآخِرَةِ، بَلْ مَ فى شَكّ مِنْها،
بل هُ مِنْها عَمُونَ (٦٦) وقالَ الذينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تراباً وَآبَاؤُنَا أَذًا
لمخرجُونَ (٦٧) لقد وُعِدنا هذَا نحنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قبلُ، إنْ هذَا
إلَّ أساطيرُ الأوَّلين (٦٨) قُلْ سِيرُوا فى الأرضِ فَانْظُرُوا كيفَ كانَّ
(١) تفسير النخر الرازى ج ٦ س ٤١٦.

٤٥٧
الجزء العشرون
عَقبةُ المجرمِينَ (٦٩) ولا تحزَنْ عليهم، ولا تكُنْ فى ضَيْقٍ بِمَا
يمكّرونَ (٧٠) ويقولُونَ مَتَى هذَا الوَعدُ إنْ كُنتُم صادِقِينَ (٧١) قُلْ
فَتَى أنْ يُكُونَ رَدِفَ لِكُم بَعْضُ الذى تستعجِلُونَ (٢٢) وإنَّ رَبَّكَ
لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ولكنَّ أكثرَهُ لا يَشْكُرُونَ (٧٣) وإنَّ رَبَّكَ
ليَعْلَمُ ما تكِنْ صِدُورِمُ وما يُعْلِنُونَ (٧٤) ومَاَ مِنْ غَئِبَةٍ فِى السَّماء
والأرض إلاَّ فى كتابٍ مُبِينٍ (٧٥) )).
ذكر بعض المفسرين أن كفار مكة سألوا النبى - صلى الله عليه وسلم -
عن وقت قيام الساعة، فنزل قوله - تعالى -: ((قل لا يعلم من في السموات
والأرض الغيب إلا أنه ....
والغيب : مصدر غاب يغيب، وكثيرا ما يستعمل بمعنى الغائب، ومعناه:
مالاتدركه الحواس ، ولا يعلم ببداهة العقل .
و((من، اسم موصول فى محل رفع على أنه فاعل («يعط) و((الغيب، مفعوله
فيكون المعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لكل من سألك عن موعد قيام
الساعة : لا يعلم أحد من المخلوقات الكائنة فى السموات والأرض ، الغيب
إلا انه - تعالى - وحده، فإنه هو الذى يعلمه .
ويجوز أن يكون لفظ (( من)) فى محل نصب على المفعولية و, الغيب))
بدل منه، ولفظ الجلالة (( انته)) فاعل , يعلم، فيكون المعنى: قل لا يعلم
الأشياء التى تحدث فى السموات والأرض الغائبة عنا، إلا أنه - تعالى -.
قال القرطبى: ((وفى صحيح مسلم عن عائشة، أن رسول الله - صلى الله
وعليه وسلم - قال: ((من زعم أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - يعلم ما فى غد،
-فقد أعظم على الله الفرية، (!)
(١) تفسير القرطبى = ١٣ ص ٠١٢٦

٤٥٨
سورةالنمل
وقوله - سبحانه -: ((وما يشعرون أيان يبعثون، تأكيد لانفراد اله
- تعالى - بعلم الغيوب، ولفظ «أبان) ظرف زمان متضمن معف متى.
أى: وما يشعر هؤلاء الكافرون الذين سألوا عن وقت قيام الساعة،
ولا غيرهم ، متى يكون بعثهم من قبورهم للحساب، إذ علم وقت قيام الساعة
لا يعلمه إلا الله وحده.
فالجملة الكريمة ، فى عنهم العلم بموعد قيام الساعة فى أدق صورة وأخفاها،
فهم لا يشعرون ولا يحسون بقيام الساعة،" إلى تأفيهم فته قتبهتهم، فلا يستليكون
ردها، ولا هم ينظرون ، (١).
ثم بين - سبحانه - حقيقة أمرهم فى الآخرة بصورة أكثر تفصيلا. فقال:
• بل إدراك علمهم فى الآخرة ... »
وقوله - تعالى -: ( ادارك .. ، قرأه الجمهور - بكر اللام وتشديد
الدال وبعدها ألف - وأصله تدارك، بزنة تفاعل.
وللعلماء فى تفسير هذه الآية أقوال أشهرها: أن التدارك بمعنى الاضمحلال
والفناء، وأصله التتابع والتلاحنى . يقال: تدارك بنو فلان، إذا تتابعوا
فى الهلاك، و«فى، بمعنى الباء.
أى: بل تتابع علم هؤلاء المشركين بشئون البعث حتى اضمحل وفنى ،
ولم يبق لهم علم بشىء ما سيكون فيها قطعا مع توافر أسبابه ومباديه من الدلائل.
والمقصود: أن أسباب علمهم بأحوال الآخرة مع توافرها، قد تساقطت.
من اعتبارهم لكفرهم بها، فأجرى ذلك مجرى تتابعها فى الانقطاع .
ومنهم من يرى أن التدارك هنا التكامل، فيكون المعنى: بل تكامل
(١) سورة الأنبياء . الآية ٤٠

٤٥٩
الجزء العشرون
علمهم بشئون الآخرة، حين يعانون ما عدهم فيها من عذاب، بعدأن كانوا
يشكرون البعث والحساب فى الدنيا ...
قال الآلوسي ما ملخصه: «قوله: « بل ادارك علمهم فى الآخرة، إضراب
عما تقدم على وجه بفيد تأكيده وتقريره ... والمعنى: بل تتابع علمهم فى
شأن الآخرة ، التى ماذكر من البعث حال من أحوالها، حتى انقطع وفى،
ولم يبق لهم علم بشىء مما سيكون فيها قطعا، مع توفر أسبابه، فهو ترق من
وصفهم بجهل فاحش إلى وصفهم بجهل أخش ... وجوز أن يكون (ادارك))
بمعنى استحكم وتكامل ... (١)
ويبدو لنا أن الآية الكريمة تتسع للقولين، على معنى أن المشركين اضمحل
علمهم بالآخرة لكفرهم بها فى الدنيا ، فإذا ما بعثوا يوم القيامة وشاهدوا
العذاب، أيقنوا بحقيقتها، وتكامل علمهم واستحكم بأن ما كانوا ينكرونه
فى الدنيا . قد صار حقيقة لاشك فيها، ولامفرهم من عذابها ..
ومن الآيات التى توضح هذا المعنى قوله - تعالى -: «لقد كنت فى غفلة
من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد، أى: علمك بما كنت
تشكره فى الدنيا قد صار فى نهاية القوة والوضوح .
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «بل أدرك علمهم فى الآخرة » - بسكون
اللام من بل، وهمزة قطع مفتوحة مع سكون الدال فى (( أدرك ، فهو
بزنة أفعل .
أى: بل كمل علمهم فى الآخرة، وذلك بعد أن شاهدوا أهوالها ، ورأوها
بأعتهم، وقد كانوا مكذبين بها فى الدنيا .
وقوله - سبحانه -: (( بل هم فى شك منها. بل هم منها عمون» بيان لأحوالهم.
فی الدنيا .
(١) تفسير الآلوسى = ١٠ ص ١٣

٤٦٠
سورة النمل
أى : أن هؤلاء المشركين كانوا فى الدنيا يشكون فى الآخرة ، بل كانوا
فى عمى عنها ، بحيث لا يفتحون بصائرهم أو أبصارهم ، عما قال لهم الرسول
- صلى الله عليه وسلم - بشأنها.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد انتقلت فى تصوير كفر هؤلاء المشركين
بالآخرة، من حالة شفيعة إلى حالة أخرى أشد منها فى الصناعة والجحود .
قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت: هذه الاضرابات الثلاثة ما معناها؟
قلت : ماهى إلا تنزيل لأحوالهم . وصفهم أولا بأنهم لا يشعرون وقت
البعث، ثم لا يعلمون بأن القيامة كائنة ، ثم إنهم يخبطون فى شك ومرية ،
فلا يزيلونه مع أى الإزالة مستطاعة ... ثم بما هو أسوأ حالا وهو العمى،
وأن يكون مثل البهيمة قد عكف همه على بطنه وفرجه، لا يخطر بباله حقا
ولا باطلا ، ولا يفكر فى عاقبة،(١).
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك أقوالهم الباطلة، التى جعلتهم فى عمى عن
الآخرة فقال :
(( وقال الذين كفروا أنذا كنا ترابا وآباؤنا". المخرجون)).
أى: وقال الذين كفروا على سبيل الإنكار للبحث والحساب: أنذا متنا
وصرنا مثل التراب ، وصار آباؤنا كذلك مثل التراب، أنبعث وتخرج إلى
الحياة مرة أخرى بعد أن صرنا جميعا عظاما تخرة وأجسادا بالية؟
يقولون هذا، وينسون لجهلهم والطماس بصائرهم أن انه - تعالى-
أوجدهم بقدرته ولم يكونوا شيئا مذكورا .
والاستفهام الإنكار والنفى، والعامل فى ((إذا)) محذوف، دل عليه
(((مخرجون)) وقوله:(( وآباؤنا، معطوف على إسم كان. أى: أنبعث وتخرج
نحن وآباؤنا إذا كنا كذمك ؟
(١) تفسير الكشاف حـ ٢ ص ٣٨