النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
الجزء التاسع عشر
وهذا هو اللائق بشأن النبى الكريم سليمان، الذى أتاه الله - تعالى - النبوة
والملك والحكمة .
قال القرطبى «وقوله: ((سننظر، من النظر الذى هو التأمل والتصفح.
((أصدقت أم كنت من الكاذبين، أى: فى مقالتك. و((كنت)، بمعنى أنت.
وقال: ((سننظر أصدقت)) ولم يقل سننظر فى أمرك، لأن الهدهد لما صرح
بفخر العلم فى قوله: ((أحطت بما لم تحط به،، صرح له سليمان بقوله: سننظر
أمدقت أم كذبت، فكان ذلك كفاء لما قاله،(١).
وقوله - تعالى -: «اذهب بكتابى هذا فألقه إليهم، ثم تول عنهم،
انظر ماذا يرجعون )» بيان لما أمر به سليمان - عليه السلام - الهدهد، بعد
أن قال له : سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين .
أى: خذ - أيها الهدهد - كتابى هذا. فاذهب به إلى هؤلاء القوم من أهل
سبأ، (( ثم تول عنهم)) أى: ثم انصرف عنهم إلى مكان قريب منهم ((فانظر
ماذا يرجعون)) أى : فتأمل ماذا يقول بعضهم لبعض، وبماذا يراجعبعضهم
بعضا ، ثم أخبر نى بذلك .
قال ابن كثير: ((وذلك أن سليمان - عليه السلام- كتب كتابا إلى بلقيس
وقومها، وأعطاء لذلك الهدهد حمله ... وذهب به إلى بلادهم، فجاء إلى قصر
بلقيس . إلى الخلوة التى كانت تختلى فيها بنفسها، فألقاه إليها من كوة هنالك
بين يديها، ثم تولى ناحية أدبا، فتحيرت ما رأت، وهالها ذلك، ثم عمدت إلى
الكتاب فأخذته، ففتحت ختمه وقرأته .. )،(٢).
وقال صاحب الكشاف:«فان قلت: لم قال: فألقه إليهم. على لفظ الجمع؟
قلت: لأنه قال:« وجدتها وقومها يسجدون للشمس، فقال: فألقه إلى الذين
(١) تفسير القرطبى : ١٣ ص ١٨٩
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٦ س ١٩٨

٤٢٢
سورة الذل
هذا دينهم ، اهتماما منه بأمر الدين ، واشتفالا به عن غيره . وبنى الخطاب
فى الكتاب على لفظ الجمع لذلك ،(1).
ثم بين - سبحانه - ما فعلته ملكة سبأ، بعد أن جاءها كتاب سليمان
- عليه السلام-، فقال - تعالى -: ((قالت يا أيها الملأ إنى ألقى إلى كتاب كريم.
إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، أن لا تعلوا على وأتونى
مسلمين» .
أى: قالت لحاشيتها بعد أن قرأت الكتاب وفهمت مافيه: (( يا أيها الملأ،
- أى: يا أيها الأشراف من قومى ((إنى ألقى إلى كتاب كريم)).
وصفته بالكرم لاشتماله على الكلام الحكيم، والأسلوب البديع،
والتوجيه الحسن ، ولجمال هيئته ، وعجيب أمره .
-ـ
ثم أفصحت عن مصدره فقالت: (( إنه من سليمان)) وعن مضمونه
فقالت: (( وإنه بسم الله الرحمن الرحيم)، وفى ذلك إشارة إلى وصفه بالكرم،
حيث اشتمل على اسم الله - تعالى - وعلى بعض صفاته، وعلى ترك التكبر،
وعلى الدخول فى الدين الحق، كما يدل عليه قوله - تعالى -: ((ألا تعلوا على»
أى: ألا تتكبروا على كما يفعل الملوك الجبابرة، وأتونى منقادين طائعين
لشريعة الله - وحده، التى توجب عليكم إخلاص العبادة له، دون أحد سواه،
إذ هو - سبحانه - الخالق لكل شىء، وكل معبود سواء فهو باطل.
فالكتاب - مع إيجازه - متضمن لفنون البلاغة، ولمظاهر القوة
الحكيمة العادلة ، التى اتبعها سليمان فى رسالته إلى ملكة سبأ وقومها.
وبعد أن بلغت حاشيتها بم صدر الكتاب ومضمونه، استأنفت حديثها
(١) تفسير السكتاف : ٣ ص ٣٩٣

٤٢٣
الجزء التاسع عشر
فقالت : (( يا أيها الملأ أفتونى فى أمرى، والفتوى: الجواب على المستثنى فيما
سأل عنه . والمراد بها هنا : المشورة وإبداء الرأنى.
أى: قالت يا أنها الأشراف والقادة من قومى، أشيروا على ماذا
سأفعل فى أمر هذا الكتاب الذى بناءنى من سليمان، والذفى يطلب منا
فيه ما سمعتم؟
ثم أضافت إلى ذلك فولها :« ما كنت قاطعة أمراحتى تشهدون، أى: أغم
تعدون أنى لا أقطع أمرا يتعلق بشئون المملكة إلا بعد استشارتكم،
زأخذ رايكم .
وفى فولها هذا دليل على حسن سياستها، ورجاحة عقلها ، حيث جمعت
وقؤس مملكتها، واستشارتهم فى أمرها، وأعلتهم أن هذه عادة مطردة
خدها . وبذلك طابت تفوتهم ، وزادت ثقتهم فيها.
فقد قالوا لها: « نحن أولوا قوة)، أى: أغراب قوة فى الأجساد ((وأولوا
بأس شديد».
. أى: وأصحاب بلاء شديد فى القتال.
ومع ذلك، فالأمر إليك، أى: موكول إلى رأيك، وإلى ما تطمئن إليه
نفسك من قرار .
((فانظرى ماذا تأمرين، أى: فتأملى وتفكرى فيما تأمر ينا به بالنسبة
لهذا الكتاب ، فنحن سنعطيك فى كل ما تطلبينه منا .
وهنا يحكى لنا القرآن الكريم، ما كانت عليه تلك المرأة من دها. وكياسة،
وإيشار للسلم على الحرب، واللين على الشدة، فقال - تعالى -: «قلت إن
الملوك ، من شأنهم أنهم« إذا دخلوا قرية، من القرى، أو مدينة من المدن،
بعد تغلبهم على أهلها عن طريق الحرب والقتال .. ((أفسدوها، أى: أشاءوا
فيها الفساد والخراب والدمار .

٤٢٤
سورة النمل
وفوق ذلك: «وجعلوا أعزة أهلها أذلة، أى: أهانوا أشرافها ورؤساءها،
وجعلوهم أذلة بعد أن كانوا أعزة. ليكونوا عبرة لغيرهم.
(((وكذلك يفعلون)) أى: وهذه هى عادتهم التى يفعلونها عند دخولهم
قرية من القرى ، عن طريق القهر والقسر والقتال .
والمقصود من قولها هذا: التلويح اقومها بأن السلم أجدى من الحرب،
وأن الملاينة مع سليمان - عليه السلام - أفضل من المجابهة والمواجهة بالقوة.
ثم صرحت لهم بما ستفعله معه فقالت: ((وإنى مرسلة إليهم بهدية. فناظرة
بم يرجع المرسلون)). وقوله ((فناظرة)) معطوف على ((مرسلة)، وهو من
الانتظار بمعنى الترقب .
أى: ولنى قد قررت أن أرسل إلى سليمان وجنوده هدية ثمينة تليق
بالملوك أصحاب الجاه والقوة والسلطان ، وإنى لمنتظرة ماذا سيقول سليمان
أرسلى عندما يرى تلك الهدية، وماذا سيفعل معهم.
قال ابن عباس: قالت لقومها إن قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه، وإن
لم يقبلها فهو نبى فاتبعوه .
٠
وقال قتادة: رحمها الله ورضى عنها ما كان أعقلها فى إسلامها وفى
شر كها !! لقد علمت أن الهدية تقع موقعا من الناس (١).
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما كان من سليمان عندما رأى الهدية،
فقال - تعالى - :
(فلما جاء سليمانَ قالَ أَتُمِدُونِى بمالٍ، فما آتانى الله خيرٌ بما آتاكُ،
بل أنتُم بهديتكُم ◌َفرحُونَ (٣٩) ارجِعْ إليهِمْ ، فلنأْتِنَّهُ يجنود
لا قِبلَ لَهُم بِهَاَ، ولَنُخْرِجَتْهُم مِنهاَ أذِلَةً وَهُ صاغِرُونَ (٣٧))).
(١) تفسير ابن کثیر + ٦ ص ٢٠٠

٤٢٥
الجزء التاسع عشر
وفى الكلام حذف يفهم من السياق ، وتقتضيه بلاغة القرآن الكريم ،
والتقدير : وهيأت ملكة سبأ الهدية الثمينة لسليمان - عليه السلام -. وأرسلتها
مع من اختارتهم من قومها لهذه المهمة، ((فلما جاء سليمان، أى: فلما وصل
الرسل إلى سليمان ومعهم هدية ملكنهم إليه.
فلما رآها قال - على سبيل الإنكار والاستخفاف بتلك الهدية -:
((أتعمدونن بمال)) أى: أتقدمون إلى هذا المال الزائل والمتمثل فى تلك الهدية
لأكف عن دعو انكم إلى إنبانى وأنتم مخلصون العبادة لله - تعالى- وحده.
وتاركون لعبادة غيره؟
كلا لن ألتفت إلى هديتكم ,فما آثانى الله، من النبوة والملك الواسع (( خير
مما آتاكم، من أموال من جملتها تلك الهدية .
فالجملة الكريمة تعليل لإنكاره لهديتهم، ولاستخفافه بها، وسخريته منها.
وقوله - سبحانه -: ((بل أنتم بهديتكم تفرحون)، إضراب عما ذكره
من إنكاره لتلك الهدية وتعليله لهذا الإنكار، إلى بيان ماهم عليه من ضيق
فى التفكير ، حيث توهموا أن هذه الهدية، قد تفيد فى صرف سليمان عن
دعوتهم إلى وحدانية الله - تعالى -، وقد تحمله على تركهم وشأنهم.
أى: إفهموا - أيها الرسل - وقولوا لمن أوسلمكم بتلك الهدية: إن سليمان
ماآتاه أنه من خير، أفضل مما آتاكم، وإنه يقول لكم جميعا: انتفعوا أنتم
بهديتكم وافر حوابها، لأنكم لا تفكرون إلا فى متع الحياة الدنيا، أما أناففى
غنى عن هداياكم ولا يهمنى إلا إيمانكم .
ثم أتبع سليمان - عليه السلام - هذا الاستنكار بالتهديد فقال - كما حكى
القرآن عنه -: (( ارجع إليهم)).
أى: قال سليمان لمن أرسلته بلقيس بالهدية: من حيث أتيت
ومعك هديتك ...

٤٢٦
سورة النمل
« فلنأتينهم بحدود لا قبل لهم بها، أى: فوالله لنأتيلهم بحدود لا قدرة لهم
على مقاومتهم ، ولاطاقة لهم على قتالهم .
(( ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاءرون، أى ووالله انخر جن هذه الملكة
وقومها من بلاد سبأ، حالة كونهم أذلة، وحالة كونهم مهزومين مقهورين، بعد
أن كانوا فى عزة وقوة .
وعاد الرسل بهديتهم إلى الملكة، دون أن يهتم القرآن بما جرى لهم بعد
ذلك، لأن القرآن لا يهتم إلا بالجوهر واللباب فيما يقض من أحداث.
ثم يحكى القرآن بعد ذلك ما طلبه سليمان - عليه السلام - من جنوده فيقول:
(قَالَ يَأيُّها المَلَا أَيُكُمْ يَأْتِنِ بَعَرشِها قبلَ أنْ يَأْتُوفى مُسامِينَ (٣٨)
قالَ عفرِيتٌ مِنِ الْجِنَّ أنا آتيكَ بهِ قبلَ أنْ تقومَ مِنْ مقامِكَ وإنّى
عليهِ لِقَوِىٌ أمينٌ (٣٩) قالَ الذى عِندَه علّمٌ مِنَ الكتابِ أَنَا آتِيكَ
بهِ قبلَ أَنْ يرتدَّ طَرْفُكَ، فلمَّا رَآهُ مستقِرًّاً عِنْدَه قالَ هذَّا من فضلِ
رَبِى ◌ِبلوَ فِى أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُر، ومَنْ عِكَرَ فإنّا يشكُرُ لَفْسِهِ،
ومَنْ كَفَر فإِنَّ رَبِّى فِىٌّ كَرِيمٌ (٤٠)) .!
قال ابن كثير ما ملخصه: فلما رجعت الرسل إلى ملكة سبأ بما قاله سليمان،
قالت: قد - والله - عرفت ما هذا يملك، ومالنا به من طاقة ... وبعثت إليه:
إنى قادمة إليك بملوك قومى، لأنظر فى أمرك وما ندعونا إليه من دينك ...
ثم شخصت إليه فى اثنى عشر ألف رجل من أشراف قومها - بعد أن أقفلت
الأبواب على عرشها - جيل سليمان يبعث الجن بأقونه بمسيرها ومنتها هاكل
يوم وليلة، حتى إذا دنت جمع من عنده من الإنس والجنمن تحت يده فقال:
(( يأيها الملأ أيكم يأتينى بعرشها قبل أن يأتونى مسلمين».

٤٢٧
الجزء التاسع عشر
أى : قال سليمان لجنوده: أى واحد منكم يستطيع أن يحضر لى عرش
هذه الملكة قبل أن تحضر إلى هى وقومها مسلمين، أى: منقادين طائعين
مستسلمين لما أمرتهم به .
ولعل سليمان - عليه السلام - قد طلب إحضار عرشها - من بلاد اليمن
إلى بيت المقدس حيث مقر مملكته، ليطلعها على عظيم قدرة الله - تعالى -،
وعلى ما أعطاه - سبحانه - له من ملك عريض، ومن نعم جليله ، ومن قوة
خارقة ، حيث سخر له من يحضر له عرشها من مكان بعيد فى زمن يسير .
ولعل كل ذلك يقودها هى وقومها إلى الإيمان بالله رب العالمين .
وبعد أن قال سليمان لجنده أيكم يأتينى بعرشها قبل أن يأتوفى
مسلمين، رد عليه عفريت من الجن بقوله: ((أنا آتيك به قبل أن تقوم
من مقامك ، .
والعفريت: هو المارد القوى من الشياطين، الذين سخرهم الله - تعالى -
لخدمة سليمان، وللقيام بأداء ما يكلفهم به. ويقال له: عفريت، وعفروعفرية،
- بكسر العين وسكون الفاء ..
أى: قال عفريت من الجن لسليمان، أنا آتيك بعرش هذه الملكة، قبل
أن تقوم من مقامك، أى: قبل أن تقوم من مجلسك هذا الذى تجلس فيه
للقضاء بين الناس ، أو قبل أن تقف من جلوسك .
((وإنى عليه لقوى أمين)) أى: وإنى على حمله وإحضاره من تلك الأماكن
البعيدة إليك، لقوى على ذلك ، بحيث لا يثقل على حمله، ولأمين على إحضاره
دون أن يضيع منه شىء.
وكان سليمانقداستبط أ إحضاره عرش تلك المملكة فى هذه الفترةالتى حددها
ذلك المفريت القوى ، فتهض جندى آخر من جنوده، ذكره القرآن بقوله:
((قال الذى عنده علم من الكتاب، أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك)).
قالوا : والمراد بهذا الذى عنده علم من الكتاب: أصف بن برخيا، وهو

٤٢٨
سورة النمل
رجل من صلحاء بنى إسرائيل، آتاه الله - تعالى - من لدنه علما، وكان
وزيرالسليمان .
قالوا: وكان يعلم اسم الله الأعظم، الذى إذا دعى به - سبحانه - أجاب
الداعى ، وإذا سئل به - تعالى - أجاب السائل.
وقيل: المراد به سليمان نفسه، ويكون الخطاب على هذا العفريت، فكأنه
استبطأ ما قاله العفريت فقال له : - على سبيل التحقير - أنا آتيك به قبل أن
يرتد إليك طرفك .
وقيل : المراد به جبريل ، والأول هو المشهور عند المفسرين.
أى: قال الرجل الذى عنده علم من كتاب الله - تعالى - يا سليمان أناآتيك
بعرش بلقيس ، قبل أن تغمض عينك وتفتحها، وهو كناية عن السرعة
الفائقة فى إحضاره .
وفى ذلك ما فيه من الدلالة على شرف العلم وفضله ,وشرف حامليه وفضلهم
وأن هذه الكرامة التى وهبها الله - تعالى- لهذا الرجل، كانت بسبب ما آتاه
- سبحانه - من علم.
وجاء عرش الملكة لسليمان من بلاد اليمن إلى بلاد الشام ، بتلك السرعة
الفائقة ،فلما رآه مستقرا عنده، أى: فلمارأى سليمان العرش المذكور حاضرا
لديه، وكائنا بين يديه ... لم يغتر ولم يتكبر، ولم يأخذه الزهو والعجب ... "
بل قال - كما حكى القرآن عنه -: ((هذا من فضل ربى ليبلو فى أأشكر أم أكفر)».
أى: قال سليمان: هذا الذى أراه من إحضار العرش بتلك السرعة، من
فضل ربى وعطائه، لكى يمتحننى أأشكره على نعمه أم أجحد هذه النعم.
(((ومن شكر، الله - تعالى - على نعمه ((فإنما يشكر لنفسه)، حيث يزيده
- سبحانه - منها.
((ومن كفر)، نعم الله - تعالى - وجحدها ,فإن ربى غنى)، عن خلقه, كريم.

٤٢٩
الجزء التاسع عشر
فى معاملته لهم، حيث لم يماجلهم بالعقوبة، بل يعفو ويصفح عن كثير من
ذاوهم .
ثم ختم - سبحانه - هذه القصة البديعة، ببيان مافعله سليمان بالعرش ،
وبما قاله لملكة سبأ بعد أن قدمت إليه أمرما، فقال - تعالى -:
((قالَ نكِّرُوا لها عرشَها تَنْظر أَنْهتدِى أم تكونُ منَ الذين
لا يهتدونَ (٤١) فلمَّ جاءتْ قيلَ أهكذا عرشكِ قالَتْ كأنّه هُو،
وأُوتِنَ العِلمَ مِنْ قَبلِيهاً وكُنَّا مُسْلِينَ (٤٢) وصدّهَا ما كانَتْ تعبدَ مِن
دُونِ اللهِ إنها كانتْ من قومٍ كافرينَ (٤٣) قيلَ لهاَ ادْخُلِ الصَّرْحَ ،
فَلَمَا رَأتْهُ حَسِبَتْهُ لَجَةٌ وَكَشَفَتْ عن سَاقِيها، قَالَ إِنَّه مرح مَمَرَّدٌ من
قواريرَ، قالَتْ رَبِّ إنِى ظَلَمتُ نَفسِى وأسلمتُ مَعَ سُلَيَْنَّ ◌ِهِ ربِّ
العالمينَ (٤٤))).
وقوله:« نكروا لها عرشها، من التفكير الذى هو عند التعريف، وهو
جعل الشيء على هيئة تخالف هيقته السابقة حتى لا يعرف.
أى: قال سليمان لجنوده، بعد أن استقر عنده عرش بلقيس: غير والهده
الملكة عرشها، كأن تجعلوا مؤخرته فى مقدمته ، وأعلاه أسفله ...
وافعلوا ذلك لكى (( ننظر)) ونعرف (( أتهتدى)) إليه بعد هذا التغيير،
أو إلى الجواب اللائق بالمقام عند ما تسأل , أم تكون من الذين لايهتدون))
إلى معرفة الشىء بعد تغيير معالمه المميزة له، أو إلى الجواب الصحيح عندما
تسأل عنه .
فالمقصود بتغيير هيئة عرشها: اختبار ذكائها وفطنتها ، وحسن تصرفها ،

٤٣٠
ية سورة النمل
عند مفاجأتها بإطلاعها على عرشها الذى خلفته وراءها فى بلادها، وإيقافها
على مظاهر قدرة الله - تعالى- وعلى ماوهبه لـليمان -علية السلام - من معجزات.
وقوله - تعالى -: ((فلما جاءت .... شروع فى بيان ماقالته عندما عرض
عليها سليمان عرشها.
أى: فلما وصلت بلقيس إلى سليمان - عليه السلام - عرض عليها عرشها
بعد تغيير معالمه . ثم قبل لها من جهته - عليه السلام -: ((أهكذا عرشك)، أى:
أمثل هذا العرش الذى تزينه الآن، عرشك الذى خلفتيه وراءك فى بلادك.
فالهمزة للاستفهام، والهاء للتنبيه - والمكاف حرف جر، وذا اسم إشارة
مجرور بها، والجار والمجرور خبر مقدم، وعرشك مبتدأ مؤخر.
ولم يقل لها: أهذا عرشك، لئلا يكون إرشادا لها إلى الجواب، فيفوت
المقصود من اختبار ذكلتها وحسن تصرفها
ولا شك أن هذا القول يدعوها للدهشة والمفاجأة بما لم يكن فى حسباتها،
وإلا فأين هى عرشها الذى تركته خلفها على مسافة بعيدة. بينها وبين مماسكة
سليمان عشرات الآلاف من الأميال.
ولكن الملكة الأريبة العاقلة، هداها تفكيرها إلى جواب ذكى، فقالت
- كما حكى القرآن عنها -: «كأنه هو، أى: هذا العرش - الذىغيرت هيئته.
كأنه عرش الذى تركته فى بلادى، فهى لم تثبت أنه هو ، ولم تنف أنه غيره،
وإنما تركت الأمر مبنيا على الظن والتشبيه، لكى يناسب الجواب السؤال،
مما يدل على فطنتها، وشدة فراستها، وثباتها أمام المفاجآت التى لم تكن تتوقعها.
وقوله - سبحانه -: «وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين » يرى بعض
المفسرين أنه من تتمة كلام بلقيس، وكأنها عندما استشعرت| مما شاهدته
اختبار عقلها قالت: وأوتينا العلم من قبلها، أى: من قبل تلك الحالة التى
شاهدناها، بصحة نبوة سليمان، وكنا مسلمين ، طائعين لأمره .

٤٣١
الجزء التاسع عشر
ومنهم من يرى أنه من كلام سليمان . وتكون الجملة معطوفة على كلام
مقدر وجىء بها من قبيل التحدث بنعمة أنه - تعالى -.
والمعنى: قال سليمان: لقد أصابت بلقيس فى الجواب، وعرفت الحق،
وأمكننا نحن الذين أوتينا العلم من قبلها - أى من قبل حضور ملكة سبأ.
وكنا مسلمين لله - تعالى - وجوهنا.
ويبدو لنا أن كون هذه الجملة، حكاها القرآن على أنها من ققمة كلامها
أقرب إلى الصواب، لأنه هو الظاهر من سياق الكلام .
قال الألوسى ما ملخصه: قوله:((وأوتينا العلم من قبلها وكنامسلمين: من
.تتمة كلامها على ما اختاره جمع من المفسرين. كأنها استشعرت مما شاهدته
اختبارها، وإظهار معجزة لها . ولما كان الظاهر من السؤال هو الأول،
سارعت إلى الجواب أنبأ عن كمال عقلها، ولما كان إظهار المعجزة دون
ذلك فى الظهور، ذكرت ما يتعلق به آخرا وهو قولهما: ((وأوقينا العلم . .،
وفيه دلالة على كمال عقلها - أيضاً ..
والمعنى: وأوتيف العلم بكمال قدرة الله، وصحة فيوتك من قبل هذه المعجزة
أو من قبل هذه الحالة، بما شاهدناه من أمر الهدهد. وما سمعناه من رسلنا
إليك، وكنا مؤمنين من ذلك الوقت، فلا حاجة إلى إظهار هذه المعجزة)،(١).
وقوله - سبحانه-«وصدها ما كانت تعبد من دون الله ٠٠، بيان
الأسباب التى منعتها من الدخول فى الإسلام قبل ذلك. و«ماء موصولة على
أنها فاعل ((صد)).
أى: وصدها ومنعها الذى كانت تعبده من دون الله - تعالى-وهو الشمس
عن عبادة الله - تعالى - وحده، وعن المسارعة إلى الدخول فى الإسلام.
(١) تفسير الآلوسي : ١٩ ص٢٠٧.

٤٣٢
سورة النمل
ويصح أن تكون ((ما)) مصدرية، والمصدر هو الفاعل. أى: وصدها
عبادة الشمس، عن المسارعة إلى الدخول فى الإسلام.
وجملة (( إنها كانت من قوم كافرين، تعليل لسببيه عبادتها لغير الله
- تعالى - .
أى: إن هذه المرأة كانت من قوم كافرين بالله - تعالى-، جاحدين.
لنعمه، عابدين لغيره، منذ أزمان متطاولة، فلم يكن فى مقدورجا إظهار
إسلامها بسرعة وهى بينهم.
فالجملة الكريمة كأنها اعتذار ها عن سبب تأخرها فى الدخول
فى الإسلام.
ثم ختم - سبحانه - هذه القصة. ببيان ما فاجأها به سليمان، لتزداد يقينا
بوحدانية الله . تعالى -، وبعظم النعم التى أعطاها - سبحانه - له فقال:
((قيل لها أدخلى الصرح، فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها)).
والصرح: القصر ويطلق على كل بناء مرتفع ، ومنه قوله - تعالى -:
((وقال فرعون ياهامان أبن لى صرحاً لعلى أبلغ الأسباب)).
ويطلق - أيضاً - على صحن الدار وساحته . يقال: هذه صرحة الدار،
أى: مساحتها وعرضتها .
وكان سليمان - عليه السلام - قد بنى هذا الصرح، وجعل بلاطه من.
زجاج نقى صاف كالبلور، بحيث يرى الناظر ما يجرى تحته من ماء.
أى: قال سليمان لملكة سبأ بعد أن سألها: أهكذا عرشك، وبعد أن
أجابته بما سبق بيانه. قال لها: أدخلى هذا القصر، فلما رأت هذا الصرح
وما عليه من جمال وخامة ، حسبته لجة ، أى: ظنته ماء غزيرا كالبحر ..
, وكشفت عن ساقيها، لئلا تبتل بالماء أذيال ثيابها.

٤٣٣
الجزء التاسع عشر
وهنا قال سليمان مزيلا لما اعتراها من دهشة: «إنه، أى: ماحسبته لجة
((صرح معرد من قوارير، أى: قصر مملس من زجاج لا يحجب ما وراءه.
فقوله ((ممرد)) بمعنى مملس، مأخوذ من قولهم: شجرة مردا.، إذا كانت
عارية عن الورق ، وغلام أمرد، إذا لم يكن فى وجهه شعر والتعريد فى البناء.
معناه: التمليس والتسوية والنعومة)).
والقوارير: جمع قارورة، وهى إناء من زجاج، وتطلق القارورة على
المرأة، لأن الولد يقر فى رحمها، أو تشبيها لها بآنية الزجاج من حيث ضعفها،
ومنه الحديث الشريف:« رفقا بالقوارير)، والمراد بالقواويرهنا،
المعنى الأول.
ثم حكى - سبحانه - ما قالته بلقيس بعد أن رأت جانبا من عجائب صنع الله
فقال: (( قالت رب إنى ظلمت نفسى)) أى. بسبب عبادتى لغيرك قبل هذا
الوقت ... ((وأسلمت مع سليمان)، طائمة مختارة، وإسلامى إنما هو ((لقه رب
العالمين ، وليس لأحد سواه .
وبعد ، فهذا تفسير محرر لتلك القصة، وقد أعرضنا عن كثير من الإسرائيليات
التى حشا بها بعض المفسرين تفاسيرهم ، عند حديثهم عن الآيات التى وردت فى
هذه القصة ، ومن ذلك ما يتعلق بسليمان - عليه السلام-، وبجنوده من الطير،
وبمحاورة النملة له، وبالهدية التى أرسلتها ملكة سبأ إليه، وبما قالتة الشياطين
لسليمان عن هذه المرأة ... ألخ وقد اشتملت هذه القصة على عبر وعظات
وأحكام واداب ، من أهمها ما يأتى:
١ - أن الله - تعالى - قد أعطى - بفضله وإحسانه -داودو سليمان-عليهما
السلام - نعما عظيمة، على رأسها نعمة النبوة، والملك، والعلم النافع.
وأنهما قد قابلا هذه النعم بالشكر لله - تعالى - واستعمالها فيما خلقت له.
تي ونزى ذلك فى قوله - تعالى : - «ولقد آتينا داود وسليمان علما، وقالا
الحمد لله الذى فضلنا على كثير من عباده المؤمنين».
(٢٨- سورة النمل)

٤٢٤
سورة النمل
وفى قوله - تعالى -: درب أوزعنى أن أشكر نعمتك التى أنعمت على
وعلى والدى ، وأن أعمل صالحا ترضاه، وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين».
وفى قوله - سبحانه -: «هذا من فضل ربى ليبلونى أأشكر أم أكفر،
ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربى غنى كريم».
٢ - أن سليمان - عليه السلام - قد أقام دولته على الإيمان بالله - تعالى-
وعلى العلم النافع ، وعلى القوة العادلة .
أما الإيمان باله - تعالى - وإخلاص العبادة له - سبحانه -، فهو كائن له
- عليه السلام - بمقتضى نبوته التى إختاره الله لها، وبمقتضى دعوته غيره
إلى وحدانية الله - عز وجل - فقد حكى القرآن عنه أنه قال فى رسالته إلى
ملكة سبأ: «إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم . أن لا تعلوا على
وأتوني مسلمين».
وأما العلم النافع , فيكفي أن القصة الكريمة قد افتتحت بقوله - تعالى -:
((ولقد آتينا داود وسليمان علماً ...
وإشتملت على قوله - سبحانه -: ((وورث سليمان داود وقال يا أيها
الناس علمنا منطق الطير .».
وعلى قوله - عز وجل -: (قال الذى عنده علم من الكتاب أناآتيكيه
قبل أن يرتد إليك طرفك،.
وأما القوة، قراها فى قوله - تعالى -: «وحشر لسليمان جنوده
من الجن والإنس والطير فهم يوزعون).
وفى قوله - سبحانه -: ((ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها،
ولنخرجهم منها أذلة وهم صاغرون)).
وما من أمة تقوم على هذه الأسر، إلا وقفال ما تصبوا إليه من خير وعزة.
٣ - أن سليمان - عليه السلام - كانت رسالته الأولى نشر الإيمان بالله
- تعالى .. فى الأرض، وتطهيرها من كل معبود سواه .

٤٣٥
الجزء التاسع عشر
والدليل على ذلك أن الهدهد عندما أخبره بحال الملكة التى كانت هى
وقومها يعبدون الشمس من دون الفقه ...
ما كان من سليمان - عليه السلام - إلا أن حمله كتابا قوياً بليغا يأمرهم
فيه بترك للتكبر والغرور, وبإسلام وجوههم له وحده: « ألا تعلوا على
وأتونى مسلمين ».
٤ - أن سليمان - عليه السلام - كان يمثل الحاكم اليقظ المتنبه لأحوال
رعيته، بحيث يعرف شئونها الصغيرة والكبيرة، ويعرف الحاضر من أفرادها
والغائب ، حتى ولو كان الغائب طيراً صغيراً، من بين آلاف الخلائق الذين هم
تحت قيادته.
.ولقد صور القرآن ما كان عليه سليمان - عليه السلام - من يقظة ودراية
بأفراد رعيته أبدع تصوير فقال: ((وتفقد الطير فقال مالى لا أرى الهدهدأم
كان من الغائبين» .
قال الإمام القرطبى - رحمه الله -: « فى هذه الآية دليل على تفقد الإمام
أحوال رعيته، والمحافظة عليهم فانظر إلى الهدهد مع صغره، كيف لم يخف
على سليمان حاله ، فكيف بعظام الملك .. ».
ثم يقول - رحمه الله - على سبيل التفجمع والشكوى عن حال الولاة فى عهده:
, فما ظنك بوال تذهب على يديه البلدان، وتضيع الرعية ويضيع الرعبان ...
ـورحم الله القائل :
وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهباتها)) (١)
٥ - أن سليمان - عليه السلام- كان بجانب تعهده لشئون رعيته، يمثل
الحاكم الحازم العادل ، الذى يحاسب المهمل، ويتوعد المقصر، ويعاقب من
يستحق العقاب، وفى الوقت نفسه يقبل عذر المعتذر متى اعتذر عذراً مشروعا
-ومقنعا.
(١) تفسير القرطبى =١٣ ص ٠١٧٨

٤٣٦
سورة النمل
أنظر إليه وهو يقول -كما حكى القرآن عنه - عندما تفقد الهدهد فلم يجده:
((لأعذبنه عذابا شديداً أو لأذبحنه أو لياتينى بسلطان مبين)).
إن الجيوش الجرارة التى تحت قيادة سليمان- عليه السلام - لاتؤثر فيها
غياب هدهد منها ... ولكن سليمان القائد الحازم، كأنه يريدأن يعلم جنوده،
أن لكل جندى رسالته التى يجب عليه أن يؤديها على الوجه الأكمل، سواء
أكان هذا الجندى صغيراً أم كبيرا، وأن من فرط فى الأمور الصغيرة،
لا يستبعد منه أن يفرط فى الأمور الكبيرة.
٦ - أن الجندى الصغير فى الأمة التى يظلها العدل والحرية والأمان ...
لا يمنعه صغره من أن يرد على الحاكم الكبير، بشجاعة وقوة ...
أنظر إلى الهدهد - مع صغره - يحكى عنه القرآن، أنه رد على نبى الله
سليمان الذى ((آتاه الله ملكا لا ينبغى لأحد من بعده، بقوله: « أحطت
بما تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين .. )).
ونجد سليمان - عليه السلام - لا يؤاخذه على هذا القول، بل يضع قوله
موضع التحقيق والاختبار فيقول له : «سننظر أصدقت أم كنت من
الكاذبين ،.
وهكذا الأمم العاقلة الرشيدة، لا يهان فيها الصغير، ولا يظلم فيها الكبير.
٧ - أن حكمة الله - تعالى - قد اقتضت أن تتألف الأمم من حاكمين
ومحكومين، وأن كل فريق له حقوق وعليه واجبات ،وأن الأمم لا تصلح
بدون حاكم محكمها ويرعى شئونها ، ويحق الحق ويبطل الباطل .
قال القرطبى عند تفسيره لقوله - تعالى - «وحشر لسليمان جنوده
من الجن والإنس والطير فهم يوزعون)): فى الآية دليل على اتخاذ الإمام
والحكام وزعة - أى ولاة، أو قضاة - يكفون الناس ويمنعونهم من تطاول
بعضهم على بعض ...

٤٣٧
الجزء التاسع عشر
قال ابن عون: سمعت الحسن يقول وهو فى مجلس قضائه: والله ما يصلح
هؤلاء الناس إلا وزعته ، (١).
ومن الأقوال الحكيمة لأمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضى الله عنه -:
((إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)).
٨ - أن الحاكم العاقل هو الذى يستشير من هو أهل الاستشارة فى الأمور
التی تهم الأمة ...
فها هى ذى ملكة سبأ عند ما جاءها كتاب سليمان - عليه السلام - جمعت
وجوه قومها، وقالت لهم - كما حكى القرآن عنها -: « يأيها الملأ أفتونى
فى أمرى، ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون ... )).
قال القرطى: ((وفى هذه الآية دليل على صحة المشاورة. وقد قال الله
- تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم -((وشاورهم فى الأمر)) وقد مدح الله
الفضلاء بقوله: «وأمرهم شورى بينهم، والمشاورة من الأمر القديم وخاصة
فى الحرب، فهذه بلقيس امرأة جاهلية كانت تعبد الشمس من دون انه
«قالت: بأيها الملأ أفتونى فى أمرى .... لتختبر عزمهم على مقاومة عدوهم.
وربما كان فى استبدادها برأيها وهن فى طاعتها ، وكان فى مشاورتهم
وأخذ رأيهم عون على ماتريده من قوة شوكتهم، وشدة مدافعتهم ، ألا ترى
إلى قولهم فى جوابهم: ((نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك
فانتارى ماذا تأمرين ... »(٢).
٩ - أن الهدية إذا لمس المؤدى إليه من ورائها، عدم الإخلاص
فى إهدائها، وأن المقصد منها صرفه عن حق يقيمه ، أو عن باطل يزيله ...
فإن من الواجب عليه أن يرد هذه الهدية لصاحبها، وأن يمتنع عن قبولها ..
(١) تفسير القرطبي ج ١٣ ص ١٦٨.
(٢) تفسير القرطب ج ١٣ ص ١٩٤.

٤٣٨
١
سورة الخل
ألا ترى إلى سليمان - عليه السلام - قد رد الهدية الثمينة التى أحدتها
بلقيس إليه، حين أحس أن من وراء هذه الهدية شيئا، يتنافى مع تبليغ
وتنفيذ رسالة الله - تعالى - التى أمره بتبليغها وتنفيذها، ألا وهى: الأمر
بإخلاص العبادة لله - تعالى -، والنهى عن الإشراك به. وبلقيه إنما كانت
تقصد بهدبتها ، إختبار سليمان، أنى هو أم ملك، كما سبق أن أشرنا ...
لذا وجدنا القرآن يحكى عن سليمان - عليه السلام - أنه رد هذه الهدية
مع من جاءوا بها، وقال: « أتمدونن بمال، فما آقانى الله خير ما آتا كم بل أنتم
هديتكم تفرحون».
١٠ - أن ملكة سبأ دل تصرفها على أنها كانت ملكة عائلة رشيدة
حكيمة ، فقد استشارت خاصتها فى كتاب سليمان - عليه السلام -، ولوحت
لهم بقوته وبما سيترتب على حربه، وآثوت أن تقدم له هدية على سبيل
الامتحان ، واستحبت المسالمة على المحاربة . وكان عندها الاستعداد القبول
الحق والدخول فيه، وما أخرها عن المسارعة إليه إلا لكونها كانت من
قوم كافرين ...
وعندما التقت بسليمان، وانكشفت لها الحقائق، سارعت إلى الدخول
فى الدين الحق، وقالت: «رب إنى ظلمت نفسى وأسلمت مع سليمان فه
رب العالمين ) .
هذه بعض العبر والعظات التى تؤخذمن هذه القصة ... ثم ساق - سبحانه -
بعد ذلك جانبا من قصة صالح - عليه السلام - مع قومه، فقال - تعالى -:
((وَلَقَدْ أَرْسَلنَ إلى نمودَ أنامُ صَالِحاً أنِ اعْبُدُوا اللهَ فَإِذَا م فَرِيقانِ
يُخْتَصِمُونَ (٤٥) قالَ يا قوم لِمَ تَسْتَجِلُونَ بالسيّئةِ قبلَ الحسّنّةِ،
لولاَ أَسْتَغْفِرُ ونَ الَّهَ لَعَلُكُمْ ثُرُّْونَ (٤٦) قَالُوا الطَِّنَ بِكَ ومَنْ مَعَكَ،

٤٣٩
الجزء التاسع عشر
قالَ طَاتِكُمْ عِنْدَ اللهِ، بل أنْتُم قومٌ تُفْتُنُونَ (٤٧) وكانَ فى المدينةِ تسعَةً .
رَهْطٍ يفسِدُونَ فى الأرضِ ولا يُصْلِحُونَ (٤٨) قَالُوا تقاسَمُوا بالله
النَّنَّهُ وأهلَهُ ثُمَّ لَنْقُولَنَّ لِوَلِيَِّ ما شَهِدْنَا مَهْلِكَ أهلِهِ وإنَّا
الصادِقِونَ (٤٩) ومكرُوا مَكْراً ومَكَرْنا مَكْراً وهم لا يشعُرُونَ(٥٠)
فاتُظُر كيفَ كانَ عاقِبَةٌ مُكْرِمِ أنَّ دَمَّر ناهُ وقومَهم أثْجَمِين (٥١) فِلْكَ
بُيُوتُهُمْ خاويةَ بما ظلموا، إنَّا فى ذلكَ لَآيَةً لقومٍ يعلُّونَ (٥٢) وأنجيناً
الذينّ آمنُوا وكانوا يَتَّقُونَ (٥٣))).
وقوله - سبحانه -: ((ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا ... )، معطوف
على قوله - تعالى -: ((ولقد آتينا داود وسليمان علماء.
واللام فى قوله ((ولقد أرسلنا.،، جواب القسم محذوف، و((ثمود))
اسم القبيلة التى منها صالح - عليه السلام -، سميت باسم جدها تنمود. وقيل:
سميت بذلك لقلة مائها، لأن المد هو الماء القليل.
وكانت مساكنهم بالحجر - بكسر الحاء وسكون الجيم -، وهو مكان بين.
الحجاز والشام، ومازات مساكنهم تعرف بمدائن صالح إلى اليوم . وقد مر
النبي - صلى الله عليه وسلم - بديارهم، وهو ذاهب إلى غزوة تبوك، سنة تسع
قبل الهجرة .
وصالح - عليه السلام - هو نبيهم، وكان واحدا منهم، وينتهى نسبة إلى
نوح - عليه السلام - وقبيلة ثمود تسمى عادا الثانية، أما قبيلة عاد فتسمى عادا
الأولى، وأبيهم هود - عليه السلام - قالوا: وكان بين القبيلتين زها.
مائة عام .
والمعنى: وبالله لقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود، أخاهم صالحا - عليه السلام-،

٤٤٠
سورة النمل
.فقال لهم ما قاله كل فى لقومه: ((أن اعبدوا الله) - تعالى - وحده،
ولا تشر كوا معه آلهة أخرى .
و((إذا، فى قوله - تعالى -: ((فإذا هم فريقان مختصمون، هى الفجائية
و((يختصمون)) من المخاصمة بمعنى المجادلة والمنازعة.
أى: أرسلنا نبينا صالحا إلى قومه. فكانت المفاجأة أن انقسم قومه إلى
قسمين: قسم آمن به - وهم الأقلون -، وقسم كفر به - وهم الأكثرون.
وهذه الخصومة بين الفريقين، قد أشار إليها القرآن فى قوله - تعالى -:
((قال الملأ الذين استكبروا من قومه، الذين استضعفوا، لمن آمن منهم،
أتعدون أن صالحا مرسل من ربه؟ قالوا: إنه بما أرسل به مؤمنون. قال
الذين استكبروا إنا بالذى آمنتم به كافرون،(١).
وقوله - تعالى -: ((قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة ....
بيان لما وجهه صالح إلى الكافرين من قومه ، من نصائح حكيمة ...
أى: قال صالح - عليه السلام - للمكذبين لرسالته من قومه بأسلوب رقيق
حكيم: ياقوم لماذا كلما دعوتكم إلى الحق أعرضتم عن دعوتى، وآثر تم الكفر
على الإيمان، واستعجلتم عقوبة الله - تعالى - التى حذرتكم منها، قيل ات
تتضرعوا إليه - سبحانه - بطلب الهداية والرحمة .
وقوله «لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون، حض منه على الإقلاع عما
هم فيه من عناد وضلال )).
-
أى: هلا استغفرتم الله - تعالى - وأخلصتم له العبادة، واتبعتمونى فيا
أُدءو کم إلیه، لکی یر ےکم ربكم ويعفو عنكم.
فالمراد بالسيئة: العذاب الذى تعجلوه، والذى أشار إليه - سبحانه -
٠
١.٠٠
(١) سورة الأعراف الآيتان ٧٥: ٧٦.