النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٩١ الجزء التاسع عشر فقوله ((مفسدين، حال مؤكدة لضمير الجمع فى قوله ((تعتوا)). ثم ذكرهم بأحوال السابقين، وبأن الله - تعالى - هو الذى وخلقهم وخلق أولئك السابقين فقال: (( واتقوا الذى خلقكم، من ماء مهين، وخلق - أيضا - الأقوام السابقين ، الذين كانوا أشد منكم قوة وأكثر جمعا . والذين أهلكهم - سبحانه - بقدرته، بسبب إصرارهم على كفرهم وبغيهم. واستمع قوم شعيب إلى تلك النصائح الحكيمة، ولكن لم يتأثروا بها، بل اتهموا نبيهم فى عقله وفى صدقه. وتحدوه فى رسالته فقالوا - كما حكى القرآن عنهم -: ((إنما أنت من المسحرين. وما أنت إلا بشر مثلنا، وإن نظنك لمن الكاذبين. فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين)). قالوا له بسفاهة وغرور: إنما أنت ياشعيب من الذين أصيبوا بسحر عظيم جعلهم لا يعقلون ما يقولون، أو إنما أنت من الناس الذين يأكلون الطعام، ويشربون الشراب ، ولا مزية لك برسالة أو بقوة علينا، فأنت بشر مثلنا ، وما نظنك إلا من الكاذبين فيما تدعيه ، فإن كنت صادقا فى دعوى الرسالة فأسقط علينا, كسفا من السماء)) أى: قطعا من العذاب الكائن من جهة السماء. وجاء التعبير بالواو هنا فى قوله (( وما أنت إلا بشر مثلنا، الإشارة إلى أنه جمع بين أمرين منافيين لدءواه الرسالة، وهما: كونه من المسحرين وكونه بشرا وقصدوا بذلك المبالغة فى تكذيبه، فكأنهم يقولون له: إن وصفا واحدا كاف فى تجريدك من فيوتك فكيف إذا اجتمع فيك الوصفان ، ولم يكتفوا بهذا بل أكدوا عدم تصديقهم له فقالوا: وما نظئك إلا من الكاذبين . ثم أضافوا إلى كل تلك السفاهات . الغرور والتحدى حيث تعجلوا المذاب ... ولكن شعيبا - عليه السلام - قابل استهتارهم واستهزاءهم بقوله: «ربى أعلم بما تعملون ). ٣٦٢ سورة الشعراء أى: ربى وحده هو العلم بأقوالكم وأعمالكم، وسيجاز بكم عليها بما تستحقون من عذاب أليم . ثم يعجل - سبحانه - ببيان عاقبتهم السيئة فيقول: «فكذبوه، فأخذم عذاب يوم الظلة، إنه كان عذاب يوم عظيم ». قال الآلوسى: ((وذلك على ما أخرج عبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر وابن أبى حاتم، والحاكم عن ابن عباسٍ: أن الله - تعالى - بعث عليهم حرا شديدا ، فأخذ بأنفاسهم ، فدخلوا أجواف البيوت ، فدخل عليهم ، تخرجوا منها هرابا إلى البرية ، فبعث الله - تعالى - عليهم سحابة فأظلتهم من الشمس، وهى الظلة، فوجدوا لها بردا ولذة، فنادى بعضهم بعضا حتى إذا اجتمعوا تحتها، أسقطها الله عليهم نارا، فأهلكتهم جميعا ... ،(١). وقال الإمام ابن كثير: ((وقد ذكر الله - تعالى - صفة إهلاكهم فى ثلاثة مواطن . كل موطن بصفة تناسب ذلك السياق . ففى الأعراف ذكر أنهم أخذتهم الرجفة فأصبحوا فى دارثم جائمين، وذلك لأنهم قالوا: (( لتخرجنك ياشعيب والذين آمنوا معك من قريتنا .. )). فلما أرجفوا بنى الله ومن تبعه - أى : حاولوا زلزلتهم وتخويفهم - فأخذتهم الرجفة . وفى سورة هود قال: ((وأخذ الذين ظلموا الصيحة، وذلك لأنهم استهزء وا بنى الله فى قولهم: (( أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا .. ، فناسب. أن تأتيهم صيحة تكتهم ... وها هنا قالوا: ((فأسقط علينا كسفا من السماء ... ، على وجه التعنت. والعناد، فناسب أن ينزل بهم ما استبعدوا وقوعه فقال: « فأخذهم عذاب يوم. الظلمة ... .(٢) . (١) تقدير الألوسى ج ١٩ ص ١٣٠. (٢) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٠١٧٠ ٣٦٣ الجزء التاسع عشر ثم ختم - سبحانه - قصة شعيب مع قومه. بمثل ماختم به قصص الرسل. السابقين مع أقوامهم فقال - تعالى -: «إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم. مؤمنين . وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) وإلى هنا زى سورة الشعراء قد ساقت لنا سبع قصص من قصص: الأنبياء مع أقوامهم . ساقت لنا قصة موسى ، فإبراهيم ، فنوح، فهود ، فصالح، فلوط ،. فشعيب - عليهم جميعاً الصلاة والسلام .. ويلاحظ فى قصص هذه السورة ، أنها لم تجى. على حسب الترتيب الزمنى - كماهو الشأن فى سورة الأعراف- وذلك لأن المقصود الأعظم هنا هو الاعتبار والاتعاظ ، فأما فى سورة الأعراف، فكان التسلسل الزمنى مقصودا لعرض أحوال الناس منذ آدم - عليه السلام -. كما يلاحظ أن معظم القصص هنا، قد افتتح بافتتاح متشابه، وهو أمر کل نبی قومه بتقوی اته، و بيان أنه رسول أمين. وببيان أنه لا يطلب من قومه أجرا على دعوته، نرى ذلك واضحاً فى قصة نوح وهود وصالح. وشعيب ولوط مع أقوامهم. ولعل السر فى ذلك التأكيد على أن الرسل جميعا قد جاؤا برسالة واحدة فى أصولها وأسسها، ألا وهى الدعوة إلى إخلاص العبادة لله - تعالى -، وإلى مكارم الأخلاق . كما يلاحظ .- أيضاً-أن كل قصة من تلك القصص. قد اختتمت بقوله -تعالى -: ((إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم)». ولعل السر فى ذلك تكرار التسلية للنبى - صلى الله عليه وسلم -، وتثبيت فؤاده. وبيان أن ما أصابه من قومه، قد أصاب الرسل السابقين ، فعليه أن يصبر كما صبروا، وقد قالوا: ((المصيبة إذا عمت خفت)). ٣٦٤ سورة الشعراء كما يلاحظ - كذلك - على قصص هذه السورة التركيز على أهم الأحداث وبيان الرذائل التى انغمس فيها أولئك الأقوام، باستثناء قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون فقد جاءت بشىء من التفصيل. وكما بدأت السورة بالحديث عن القرآن ، وعن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، عادت مرة أخرى بعد الحديث عن قصص بعض الأنبياء - إلى متابعة الحديث عن القرآن الكريم، وعن نزوله، وعن تأثيره، وعن مصدره. فقال - تعالى -: ((وإنَّهُ لتنزيلُ ربِّ العالمينَ (١٩٢) نزَلَ به الروحُ الأمينَ (١٩٣) على قَلبكَ لتكونَ من المنذِرِينَ (١٩٤) بلسان عربىِّ مبين (١٩٥) وإِنَّهُ لِفِى زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أو لم يُكُنْ لَهُمْ آيَةً أن يعلّةُ علماء بنى إسرائيلَ (١٩٧) ولو نَزَّلِنَاء عَلَى بعضِ الأعجمينَ (١٩٨) فَقَرأْهُ عليهِمْ ما كانوا به مُؤمنينَ (١٩٩))). والضمير فى قوله ((وإنه)) يعود إلى القرآن الكريم، وما اشتمل عليه من قصص وهدايات ... أى: وإن هذا القرآن لتنزيل رب العالمين، لا تنزيل غيره، والتعبير عن إنزاله بالتنزيل، للمبالغة فى إنزاله من عند الله - تعالى - وحده. ووصف - سبحانه - ذاته بالربوية للعالمين، الإيذان بأن إنزاله بهذه الطريقة، من مظاهر رحمته بعباده، وإحكام تربيته لهم جميعا . قال - تعالى -: ((تنزيل من رب العالمين،، قال - سبحانه -: «تنزيلا من خلق الأرض والسموات العلا)). ٣٦٥ الجزء التاسع عشر ثم وصف - سبحانه - من نزل به بالأمانة فقال: « نزل به الروح الأمين . وهو جبريل -عليه السلام - وعبر عنه بالروح، لأن الأرواح تحيا بما نزل به كما تحيا الأجسام بالغذاء. أى: نزل جبريل الأمين - بأمرنا - بهذا القرآن كاملا غير منقوص، :((على قلبك)) - أيها الرسول الكريم, لتكون من المنذرين، أى: من أجل أن تنذر به الناس، وفخوفهم بسوء المصير إذا ما استمروا على كفرهم وفسوقهم عن أمر الله - تعالى -. قال الجمل: ((وفى الكرخى: وقوله ((على قلبك، خصه بالذكر وهو إنما أنزل عليه ليؤكد أن ذلك المنزل محفوظ ، والرسول متمكن من قلبه لا يجوز عليه التغير ، ولأن القلب هو المخاطب فى الحقيقة لأنه موضع التمييز والاختيار وأما سائر الأعضاء فمسخرة له، ويدل على ذلك القرآن والحديث فى المعقول. أما القرآن فقوله - تعالى - (( إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، . وأما الحديث فقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)). وأما المعقول: فإن القلب إذا غنى عليه، لم يحصل له شعور، وإذا أفاق القلب شعر بجميع ما ينزل بالأعضاء من الآفات)(١). وقال الألوسى ما ملخصه: «وخص القلب بالإنزال قيل: للإشارة إلى كمال تعقله - صلى الله عليه وسلم - وفهمه ذلك المنزل، حيث لم تعتبر واسطة فى وصوله إلى القلب ... وقيل. للإشارة إلى صلاح قلبه- صلی الله عليه وسلم - حيث كان منزلا لكلام الله تعالى -... ،(٢). (١) حاشية الجمل على الجلالين = ٣ ص ٠٢٩٢ (٢) تفسير الألوسى : ١٩ ص ٠٣٢١ ٣٦٦ سورة الشعراء وقوله - تعالى -: ((بلسان عربى مبين)) متعلق بقوله - تعالى - « نزل)). أى نزل هذا القرآن باللسان العربى ليكون أوضح فى البلاغ والبيان لقومك لأننالو نزلناه بلسان أعجمى أو بلغة أعجمية لتعللوا بعدم فهمه وقلة إدراكهم لمعناه. وبذلك نرى أن أقه - تعالى - قد بين لنا مصدر القرآن ، والنازل به، والنازل عليه، وكيفية النزول، وحكمة الإنزال ، واللغة التى نزل بها، وكل ذلك أدلة من القرآن ذاته على أنه من عند الله - تعالى - وأنه من كلامه الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ثم بين - سبحانه - أن الكتب السماوية السابقة قد ذكرت ما يدل على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذى أنزل الله - تعالى - عليه هذا القرآن. فقال - تعالى -: ((وإنه لفى زبر الأولين. أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بنی إسرائیل». والزبر: جمع زبور. وهو الكتاب المقصور على الحكم والمواعظ ، كزبور داود. مأخوذ من الزبر بمعنى الزجر. لزجره الناس عن اتباع الباطل. والمعنى : وإن نعت هذا القرآن الكريم، ونعت الرسول الذى سينزل عليه -هذا القرآن، لموجود فى كتب السابقين. قال الإمام ابن كثير:((يقول- تعالى -: وإن ذكر هذا القرآن، والتنويه به لموجود فى كتب الأولين المأثورة عن أنبيائهم ، الذين بشروا به فى قديم الدهر وحديثه، كما أخذ الله عليهم الميثاق بذلك، حتى قام آخر ثم خطيبا فى ملئة بالبشارة بأحمد: ((وإذ قال عيسى ابن مريم يابنى إسرائيل أنى رسول الله إليكم «مصدقا لما بين يدى من التوراة. ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد ... (١). والاستفهام فى قوله (( أولم يكن له آية ... ، وللإنكار والتوبيخ. والواو (١) تفسير ابن كثير ج ٩ ص ٠١٧٣ ٪ ٣٦٧ الجزء التاسع عشر العطف على مقدر، والتقدير : أغفلوا عن ذلك وجهلوه، ولم يكفهم للدلالة على صدقه وحقيته أن يعلم ذلك علماء بنى إسرائيل ، ويتحدث عنه عدولهم، وينتظرون مبعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - ونزول القرآن عليه - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى -: ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ، فلعنة أقه على الكافرين)،(١) . وقال -سبحانه -: «الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى حدو نهمكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر .... (٢). ثم ذكر - سبحانه - طرفا من جحود الكافرين وعنادهم فقال: ((ولو نزلناء على بعض الأعجمين . فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين)). والأعجمين : جمع أعجم، وهو الذى لا يفصح وفى لسانه عجمة وإن كان عربى النسب. أو جمع أعجمى، إلا أنه حذف منه ياء النسب تخفيفاً، كأشعر جمع أشعرى . أى: ولو نزلنا هذا القرآن على رجل من الأعجمين، الذين لا يحسنون النطق بالعربية، فقرأ هذا القرآن على قومك - أيها الرسول الكريم - قراءة صحيحة لكفروا به عضادا ومكابرة مع أنهم فى قرارة أنفسهم يعرفون صدقه، وأنه ليس من كلام البشر . فالآيتان الكريمتان المقصود بهما تسلية الرسول -صلى الله عليه وسلم - عما براه من إنكار المشركين لدعوته ، ومن وصفهم القرآن قارة بأنه سحر ، وقارة بأنه أساطير الأولين ، وتصوير صادق لما وصل إليه أولئك المشركون من جحود وعناد ومكابرة . (١) سورة البقرة الآية ٠٨٩ (٢) سورة الأعراف الآية ١٥٧ ٣٦٨ سورة الشعراء وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : ((ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة، وكلهم الموفى وحشرنا عليهم كل شىء قبلا، ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله .. (١). ثم بين - سبحانه - أنهم مع علمهم بأن هذا القرآن من عند الله، وتأثره به يستمرون على كفرهم حتى يروا العذاب الأليم، فقال - تعالى -: ((كَذَلِكَ سَلَكْنَ فِى قُلُوب الجرِمِينَ (٢٠٠) لا یومِنُونَ به حتى يَرَوْا المذَّابَ الأليمَ (٢٠١) فيأْتِهِمْ بغتةً وهُمْ لا يَشْعُرونَ (٢٠٢) فيقولُوا هَلْ نحنُ مُنَظَرُونَ (٢٠٣) أَفَعذابِاَ يَستعجِلُونَ (٢٠٤) أَفرأَيتَ إنْ مَتَّعناهُ سنينَ (٢٠٥) ثم جاءُمَا كَانُوا يُوعَدونَ (٢٠٦) ما أغنى عنهُم ما كانُوا يُتَّمونَ (٢٠٢) وما أَهلكنا من قريةٍ إلاَّ لها مُنذِرُونَ (٢٠٨) ذِ كْرَى وما كنَّا ظالمينَ (٢٠٩) وما تَنْزَّلَتْ به الشياطينُ (٢١٠) وما يُقْبَغِى لَهُم وما يستطِيعُونَ (٢١١) إنّهم عن السمعِ لمعزُّولون (٢١٢) ». وقوله - تعالى -: ((سلكناه) من السلك بمعنى إدخال الشىء فى الشىء تقول: سلكت الطريق إذا دخلت فيه. والضمير يعود إلى القرآن الكريم وقوله: ( كذلك سلكناه»: نعت لمصدر محذوف . أى: مثل ذلك الإدخال العجيب، أدخلنا القرآن فى قلوب المجرمين ، حيث جعلناهم - بسبب جحودهم وعنادهم - مع تأثرهم به وإعترافهم بفصاحته، لا يؤمنون به، حتى يروا بأعينهم العذاب الأليم . (١) سورة الأنسام الآية ٠١١١ ٣٦٩ الجزء التاسع عشر ومنهم من يرى أن الضمير فى , سلكناه، يعود إلى كفر الكافرين وتكذيهم. والمعنى - كما يقول ابن كثير -: «كذلك ملكنا التكذيب والكفر والجحود والعناد. أى: أدخلناه فى قلوب المجرمين ، لا يؤمنون به، أى: ((بالحق حتى يروا العذاب الأليم، حيث لا ينفع الظالطير معذرتهم، ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ،(٤) . والرأيان متقاربان فى المعنى، لأن المراد بالتكذيب على الرأى الثانى تكذيهم بالقرآن، إلا أن الرأى الأول أنسب بسياق الآيات، وبانتظام الضمائر ... ثم بين - سبحانه - أن نزول العذاب بالمجرمين سيكون مباغتا لهم فقال: ((فيأتيهم، أى: العذاب (بغتة، لجأة وعلى غير توقع((وهم لايشعرون)) أى: بإنيانه بعد أن يحيط بهم. وعندئذ يقولون على سبيل التمنى والتحسر ((هل نحن منظرون، أى: ليتنا نمهل قليلا لكى نصلح ما أفسدناه من أقوال وأعمال. قال صاحب الكشاف:((فإن قلت: ما معنى التعقيب فى قوله: « فيأتيهم بغتة وهم لايشعرون فيقولوا ... )) قلت : ليس المعنى ترادف رؤية العذاب ومفاجأته ، وسؤال النظرة فيه فى الوجود، وإنما المعنى ترقبها فى الشدة، كأنه قيل: لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم للعذاب ، فما هو أشد منها وهو لحوقه بهم مفاجأة، فما هو أشد منه وهو سؤالهم النظرة . ومثال ذلك أن تقول لمن تعظه: إذا أسأت مقتلك الصالحون ، فمقتك الله فإنك لا تقصد بهذا الترتيب أن مقت الله يوجد عقيب مقت الصالحين، وإنما (١) تفسير ابن كثير حص ص ٠١٧٣ : ٢٤ - سورة الشعراء) ٣٧٠ سورة الشعراء قصدك إلى ترتيب شدة الأمر على المسىء ، وأنه يحصل. له بسبب الإساءة مقت الصالحين، فما هو أشد من مقتهم وهو مقت له ... ) (١). والإستفهام فى قوله - تعالى -: ((أفعذابنا يستعجلون)) التوبيح والتهكم بهؤلاء المجرمين. أبلغ الحمق والجهل بهؤلاء المجرمين أنهم إستعجلوا وقوع العذاب بهم، وقالوا لنا: « اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، أو اثقنا بعذاب أليم. أى: إن من يستعجل هلاك نفسه، ويسعى إلى حتفه بظلفه، لا يكون من العقلاء أبداً . ثم بين - سبحانه - أن مافيه هؤلاء المجرمون من متاع ونعمة، سينسونه نسياناً تاما عند ما يمسهم العذاب المعدطم، فقال - تعالى -: «أفرأيت إن متعناهم سنين . ثم جاءهم ما كانوا يوعدون. ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون)). وقوله (( أفرأيت، معطوف على "قوله: ((فيقولوا .. )) والاستفهام للتعجب من أحوالهم . والمعنى : إن شأن هؤلاء المجرمين لموجب للعجب : إنهم قبل نزول العذاب بهم يستعجلونه ، فإذا مانزل بساحتهم قالوا - على سبيل التحسن والندم - هل نحن منظرون . اعلم - أيها الرسول الكريم - أننا حتى لو أمهلناهم وأخر ناهم، ثم جاءهم عذابنا بعد ذلك ، فإن هذا التمتع الذى عاشوا فيه. وذلك التأخير الذى لوشئنا لأجبناهم إليه ... كل ذلك لن ينفعهم بشىء عند حلول عذا بنا، بل عند حلول عذابنا بهم سينسون ما كانوا فيه من متاع ومن أميم ومن غيره. قال الإمام ابن كثير:(( وفى الحديث الصحيح:يؤتى بالكافر فيغمس فى النار غمسة ثم يقال له: هل رأيت خيراً قط؟ هل رأيت نعيما قط ؟ فيقول: (١) تفسير الكشاف : ٣ ص ٣٣٧ ٣٧١ الجزء التاسع عشر لا والله يارب . ويؤتى بأشد الناس بؤسا كان فى الدنيا، فيصبغ فى الجنة صبغة، ثم يقال له: هل رأيت بؤساقط ؟ فيقول: لا والله يارب. ولهذا كان عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - يتمثل بهذا البيت: كأنك لم تؤثر من الدهر ليلة إذا أنت أدركت الذى كنت تطاب» (١) ثم بين سبحانه - سنته التى لا تتخلف فقال: ((وما أهلكنا من قرية إلالها منذروز ، ذكرى وماكنا ظالمين. وقوله: (( ذكرى)) مفعول لأجله، فيكون المعنى: لقد إقتضت سنتنا وعدالتنا . أننا لا نهلك قرية من القرى الظالم أهلها ، إلا بعد أن نرسل فى أهل تلك القرى رسلا منذرين، لكى يذكر رهم بالدين الحق ... وليس من شأننا أن تكون ظالمين لأحد، بل من شأننا العدالة والإنصاف، وتقديم النصيحة والإرشاد والإنذار للفاسقين عن أمرنا، قبل أن تنزل بهم عذابنا. وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى -: ((وماكنا معذبين حتى نبعث رسولا ،(٢) . وقوله - سبحانه -: ((وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث فى أمها رسولا بتلوا عليهم آياتنا، وما كنا مهلكى القرى إلا وأهلها ظالمون،(٢). ثم عادت السورة الكريمة إلى تأكيد أن هذا القرآن من عند الله - تعالى- وردت شبهات المشركين بأسلوب منطقى رصين ، قال - تعالى -: (وماتنزات به الشياطين » . أى: إن هذا القرآن الكريم ، ماتنزات به الشياطين - كما يزعم مشركوا قريش، حيث قالوا: إن محمد - صلى الله عليه وسلم - قدما من الجن يخبره (١) تفسير ابن كثير -٦ ص١٧٤ (٢) سورة الإسراء . الآية ١٥ (٣) سورة القصص الآية ٥٩ ٣٧٢ سورة الشعراء بهذا القرآن وبلقيه عليه - وإنما هذا القرآن نزل به الروح الأمين، على قلبه - صلى الله عليه وسلم ت وإن الشياطين ((ما ينبغى لهم، ذلك إذهم يدعون إلى الضلالة والقرآن يدعو إلى الهدايه ((وما يستطيعون، أن ينزلوا به ولا يقدرون على ذلك أملا (( إنهم عن السمع لمعزولون)) أى: إن هؤلاء الشياطين عن سماع القرآن الكريم لمعزولون عزلاتاما، فالشهب تحرقهم إذا ما حاولوا الاستماع إليه. كما قال - تعالى -: «وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديداً وشهيا. وأنا كما نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا وصدا)،(١). فأنت ترى أن الله - تعالى - قد صان كتابه عن الشياطين، بأن بين بأنهم ما نزلوا به، ثم بين - ثانيا - أنهم ما يستقيم لهم النزول به لأن ما اشتمل عليه من هدايات يخالف طبيعتهم الشريرة، ثم بين - قالشا - بأنهم حتى لو حاولوا ما يخالف طبيعتهم لما استطاعوا، ثم بين - رابعا - بأنه حتى لو انبغى واستطاعوا حمله، لما وصلوا إلى ذلك، لأنهم بمعزل عن الاستماع إليه، إذ ما يوحى به - سبحانه - إلى أنبيائه، الشياطين محجوبون عن سماعه، وهكذا صان الله - تعالى - كتابه صيانة تامة. وحفظه حفظا جعله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ثم نهى - سبحانه - عن الشرك بأبلغ وجه، وأمر النهى - صلى الله عليه وسلم - بأن يجهر بدعوته، وبأن يتوكل عليه وحده - سبحانه - فقال: ((فلا تدعُ معَ اللهِ إِلهَا آخَرَ فتسكُونَ من المعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأقرَ بِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جناءَكَ لِمَنْ اتَبَّكَ منَ المُؤمِنِينَ (٢١٥) فإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِى بَرِئٍ مما تَمَعَلُونَ (٢١٦) (١) سورة الجن الآيتان ٩٠٨ ٣٧٣ الجزء التاسع عشر وَتَوَكَّلْ عَى العَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الذى يُرَاكَ حِينَ تَقومُ (٢١٨) وَتَقْبَكَ فِى السَّاحِدِينَ (٢١٩) إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ (٢٢٠))). والفاء فى قوله - تعالى -،فلا تدع .. ، فصيحة، والخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم- على سبيل طلب الازدياد من إخلاص العبادة لله -تعالى -. أى: إذا علمت - أيها الرسول الكريم - ما أخبر ناك به، فأخلص العبادة لنا، واحذر أن تعبد مع الله - تعالى - إلها آخر، فتكون من المعذبين. وخوظب - صلى الله عليه وسلم - بهذه الآية وأمثالها، مع أنه أخلص الناس فى عبادته لله - تعالى -، لبيان أن الشرك أقبح الذنوب وأكبرها وأنه لو إنحرف إليه - على سبيل الفرض - أشرف الخلق وأكرمهم عند الله - تعالى - أمذبه - سبحانه - على ذلك، فكيف يكون حال غيره من هم ليسوافى شرفه ومنزلت. لا شك أن عذابهم سيكون أشد، وعقابهم سيكون أكبر. ثم أمر الله تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن ينذو أقرب الناس إليه، ليكونوا قدوة اخيرهم. وليعلموا أن قرابتهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - لن تنجيهم من عذاب الله، إذا ما إستمروا على شركهم ، فقال - تعالى - ((وأنذر عشيرتك الأقربين». والعشيرة: أهل الرجل الذين يتكثر بهم، و((الأقربين، هم أصحاب القرابة القريبة كالآباء والأبناء والأخوة والأخوات، والأعمام والعمات وما يشبه ذلك. وقد ذكر المفسرون أحاديث متعددة، فيما فعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم - بعد نزول هذه الآية، منها : ما أخرجه الشيخان عن ابن عباس قال: لما أنزل الله - تعالى - هذه الآية: أنى النبى - صلى الله عليه وسلم -الصفا ٣٧٤ سورة الشعراء قصعد عليه ثم نادى: إصباحا، - وهى كلمة يقولها المستغيث أو المنذر لقوههم» فاجتمع الناس إليه، بين رجل يجىء إليه، وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -": يا بنى عبد المطلب ، یا بی فهر، پا پنیلؤى، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح الجبل تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدق؟ قالوا: نعم . قال: (( فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد)). فقال أبو لهب: تبالك سائر اليوم ، أما دعوتنا إلا لهذا، وأول بقه: ((تبت يدا أبى طب وقب))(!). قال الآلوسي: ((ووجه تخصيص عشيرته الأقربين بالذكر مع عموم رسالته - صلى الله عليه وسلم -: دفع قوهم المحاباة، وأن الاهتمام بشأنهم ام، وأن البداءة تكون بمن يلى ثم من بعده .. ))(٢) . أى: أن هذه الآية الكريمة، لا تتعارض مع عموم رسالته - صلى الله عليه وسلم - للناس جميعا، لأن المقصود بها: البدء بإنذار عشيرته الأقربين)» ليكونوا أسوة أغيرهم. وقوله - سبحانه -: واخفض جناحك من اتبعك من المؤمنين، إرشاد منه - سبحانه - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - إلى كيفية معاملته لأتباعه. وخفض الجناح : كناية عن التواضع، واللين ، والرفق، فى صورة حسية مجسمة، إذ من شأن الطائر حين يهبط أو حين يضم صغاره إليه أن يخفض جناحه، كما أن رفع الجناح يطلق على التكهر والتعالى، ومنه قول الشاعر: ح فلاتك فى رفعه أجد لا(٢) وأنت الشهير بخفض الجنا (١) راجع تفسير ابن كثير -٦ ص ١٧٦ ٠ فقد ساق جمة من الأحاديث فى هذا المعنى. (٢) تقدير الآلوسى =١٩ ص١٣٤ (٣) والأجدل: هو الصقر، أى: فلاتك هبيها به فى القسوة والغلظة. ٣٧٥ الجزء التاسع عشر أى: وكن - أيها الرسول الكريم - متواضعا لين الجانب، لمن اتبعك من المؤمنين ، ولقد كان النبى - صلى الله عليه وسلم- سيد المتواضعين مع أسبابه، إلا أن الآية الكريمة تعلم المسلمين فى كل زمان ومكان - وخصوصا الرؤساء منهم - كيف يعامل بعضهم بعضا. قال صاحب الكثاف: ((فإن قلت: المتبعون الرسول - صلى الله عليه وسلم - هم المؤمنون، والمؤمنون هم المتبعون الرسول - صلى الله عليه وسلم - فرا معنى قوله: (( لمن ا يمك من المؤمنين))؟ قلت: فيه وجهان: أن يسميهم قبل الدخول فى الإيمان. ومنين لمشارتهم ذلك، وأن يراد بالمؤمنين المصدقين بألسنتهم، وهم صنفان : صنف صدق الرسول وابتعد فيما جاءبه: وصنف ما وجد منه إلا التصديق حسب . ثم إما أن يكونوا منافقين أو فاسقين، والمنافق والفاسق لا يخفض الجناح .. )(١) . ويبدو لنا أنه لا داعى إلى هذه التقسيمات التى ذهب إليها صاحب الكثبان - رحمه الله-، وأن المقصود بقوله: ((لمن اتبعك من المؤمنين)) تأكيد الأمر بخفض الجناح، وللإشعار بأن جميع أتباعه من المؤمنين ، ومثل هذا الأسلوب كثير فى القرآن الكريم، ومنه قوله - تعالى -: «يقولون بأفواههم .. )، ومن المعلوم أن الأقوال لا تكون إلا بالأفواه، وقوله - تعالى - ((ولا ط ئر يطير بجناحيه .. ، ومن المعروف أن الطائر لا يطير إلا بجناحيه. أم بين - سبحانه - لنبيه كيف يعامل العصاة فقال: ((فإن عصوك فقل] إنى يرى ما تعملون)». قال الآلومى: «الظاهر أن الضمير المرفوع فى ((صوك)) عند على من (١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٣٤١ ٢٧٦ سورة الشعراء أمر - صلى الله عليه وسلم - بإنذارهم، وهم العشيرة. أى: فإن عصوك ولم يقبعوك بعد إنذارهم، فقل إنى برى. من عملكم، أو من دعائكم مع الله إله ] آخر . وجوز أن يكون عائدا على الكفار المفهوم من السياق. وقيل: هو عائد على من اتبع من المؤمنين. أى: فإن عصوك يا محمد فى الأحكام وفروع الإسلام ، بعد تصديقك والإيمان بك وتواضعك لهم، فقل إنى برىء مما تعملون من المعاصى ... ))(١). وكان هذا فى مكة ، قبل أن يؤمر - صلى الله عليه وسلم - بقتال المشركين . ثم أمره - سبحانه - بالتوكل عليه وحده فقال: ((وتوكل على العزيز الرحيم)، أى: اخفض جناحك لأتباعك المؤمنين، وقل لمن عصاك بعد إنذاره إتى يرى. من أعمالكم، واجهل توكلك واعتمادك على ربك وحده، فهو -سبحانه. صاحب العزة والغلبة ، والقهر ، وصاحب الرحمة التى وسعت كل شىء. وهو عز وجل - ((الذى يراك حين تقوم) إلى عبادته وإلى صلاته دون أن يكون معك أحد. وهو - سبحانه - الذى يرى ((تقلبك فى الساجدين)، أى: يراك وأنت تصلى مع المصلين ، فتؤمهم وتنتقل بهم من ركن إلى ركن، ومن سنة إلى سنة حال صلاتك، والتعبير بقوله ((نقلبك)) يشعر بحرصه - صلى الله عليه وسلم- على تعهد أصحابه ، وعلى تنظيم صفوفهم فى الصلاة، وعلى غير ذلك عماهم فى حاجة إليه من إرشاد وتعليم. وعبر عن المصلين بالساجدين، لأن العبد أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد، فهذا التعبير من باب القشريف والتكريم لهم. (١) تقدير الآلوسى +١٤ س ١٣٦ ٣٧٧ الجزء التاسع عشر (((إنه - سبحانه - هو السميع، لكل ما يصح تعلق السمع به («العليم، بكل الظ واهر والبواطن، لا يخفى عليه ثى فى الأرض ولا السماء. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بيان أن الشياطين من المحال أن تتنزل على الرسول - صلى الله عليه وسلم - الصادق الأمين ... وإنما تتنزل على الكاذبين الخائنين ، فقال - تعالى - : ((هَلْ أُنَبِئْكُ عَلَى من تَنْزَّلُ الشياطينُ (٢٢١) تَنْزَّلُ عَلَى كُلِّ أَنَّك أثيم (٢٢٢) يلقُونَ السَّعَ وَأَكَثَرَمُ كَاذِبونَ (٢٢٣) وَالشُّعَراءِ يَتَّبِعِهم الغاؤُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أنّهم فى كلِّ وَادٍ يَهِيعُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مالاَ يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إلا الذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالحاتِ وذكَرُوا اللهَ كثيراً وَانتصَرُوا مِنْ بَعدِ ما ظلموا، وَسَيَعَلَمُ الذينَ ظَلّمُوا أَىُّ مُنْقَلَبٍ يَتْقَلِبُونَ (٢٢٧))). والاستفهام فى قوله - تعالى - : «هل أنبئكم ... ، للتقرير، والخطاب للمشركين الذين اتهموا النبى - صلى الله عليه وسلم - قارة بأنه كاهن، وتارة بأنه ساحر أو شاعر . أى: ألا تريدون أن تعرفوا -أيها المشركون- على من تتنزل الشياطين؟! إنهم لا يتنزلون على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لأن طبعه يقباين مع طبائعهم، ومنهجه يتعارض مع مسالكهم، فهو يدعو إلى الحق وهم يدعون إلى الباطل . إنما تتنزل الشياطين ((على كل أفاك)) أى: كثير الإفك والكذب ((أثيم» أى: كثير الارتكاب الآثام والسيئات، كأولئك الكهنة الذين يأكلون أموال الناس بالباطل . ٢٧٨ سورة الشعراء والضمير فى قوله « يلقون السمع وأكثرهم كاذبون، يجوز أن يعود إلى كل أفاك أثيم، وهم الكهان وأشباههم، والجملة صفة لهم، أو مستأنفة. والمراد بإلقائهم السمع: شدة الإنصات ، وقوة الإصغاء للتلقى. والمعنى: تتنزل الشياطين على كل أفاك أثيم. وهؤلاء الأفاكون الآنمون، منصتون إنصاتا شديدا إلى الشياطين ليسمعوا منهم، وأكثر هؤلاء الكهنة كاذبون فيما يقولونه للناس ، وفيما يخبرون به عن الشياطين. روى البخارى عن عائشة - رضى الله عنها - قالت : سأل ناس النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الكهان، فقال: إنهم ليسوا بشىء، قالوا: يارسول الله، وإهم يحدثون بالشىء يكون حقا؟ فقالُ النبى - صلى الله عليه وسلم -: تلك الكلمة من الحق يخطفها الجنى فيقرقرها - أى: فيرددها - فى أذن وليه - كفرقرة الدجاجة. فيخلطون معها أكثر من مائة كذبة،(١). ويجوز أن يعود الضمير على الشياطين، وتكون الجملة حالية أو مستأنفة، ومعنى إلقائهم السمع: إنصاتهم إلى الملأ الأعلى ليسترقوا شيئامن السماء. فيكون المعنى: تتنزل الشياطين على كل أفاك أثيم، حالة كون الشياطين ينصتون إلى الملأ الأعلى. ليسترقوا شيئا من السماء، وأكثر هؤلاء الشياطين كاذبون فيما ينقلونه إلى الأفاكين والآثمين من الكهان. ويصح أن يكون السمع بمعنى المسموع. أى: يلقى كل من الشياطين والكهنة ما يسمعونه إلى غيرهم . قال الجمل:(قوله ((وأكثرهم كاذبون الأظهر أن الأكثرية باعتبار أقوالهم، على معنى أن هؤلاء قلما يصدقون فيما يحكمون عن الجنى أو المعنى: وأكثر أقوالهم كاذبة لا باعتبار ذواتهم حتى يلزم من نسبة الكذب إلى أكثرهم كون أقلهم صادقاً على الإطلاق ... فالكثرة فى المسموع لا فى ذوات القائلين. (١) راجع تفسير ابن كثير «٦ ص ١٨٣ ٣٧٩ الجزء التاسع عشر أول بعضهم . المراد بالأكثر الكل ... ، (١). جث والمقصود من هذه الآيات الكريمة، إبطال مازعمه المشركون من أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد تلقى هذا القرآن عن الشياطين أو عن غيرهم، وإثبات أن هذا القرآن مانزل إلا من عند الله - تعالى - بواسطة الروح الأمين : وقوله - سبحانه -: (والشعراء يتبعهم الغاوون، إبطال الشبهة أخرى من شبهات وهى زعمهم أنه - صلى الله عليه وسلم - شاعر. والشعراء: جمع شاعر كعالم وعلماء . والغاوون: جمع غاو وهو الضال عن طريق الحق . . أى: ومن شأن الشعراء أن الذين يتبعونهم من البشر، هم الضالون عن الصراط المستقيم، وعن جادة الحق والصواب . وقوله - تعالى -: ((ألم تر أنهم فى كل واد يهيمون. وأنهم يقولون مالا يفعلون)، تأكيد لما قبله ، من كون الشعراء يتبعهم الغاوون . والخطاب لكل من تتأتى منه الرؤية والمعرفة . والوادى: هو المكان المتسع . والمراد به هنا: فنون القول وطرقه. ويهيمون : من الهيام وهو أن يذهب المرء على وجهه دون أن يعرف له جهة معينة يقصدها . يقال: هام فلان على وجهه، إذا لم يكن له مكان معين يقصده . والهيام داء يستولى على الإبل فيجعلها تشرد عن صاحبها بدون وقوف فىمكان معين، ومنه قوله - تعالى -: ((فشاربون شرب الهيم، أى: الجمال العطاش الشاردة. والمعنى: ألم تر - أيها العاقل - أن هؤلاء الشعراء فى كل فن من فنون (١) سامية الجمل على الجلالين. ٣٨٠ سورة الشعراء المكذب فى الأقوال يخوضون، وفى كل فح من دجاج الباطل والعبث والقخه يتكلمون، وأنهم فوق ذلك يقولون مالا يفعلون فهم يحضون غير ثم على الشى. ويتقبلونه، وهم يقولون فعلنا كدا وفعلنا كذا- على سبيل التبساهى والتفاخر. مع أنهم لم يفعلوا . قال صاحب الكشاف: ذكر الوادى والهيوم: فيه تمثيل لذهابهم فى كل شعب من القول واعتسافهم وقلة مبالانهم بالغلو فى المنطق، ومجاوزة حد القصد فيه،حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة، وأشحهم على حاتم، وأن يهتوا البرىء، ويفسقوا التقى،(١). وقوله - تعالى -: ((إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا واقتصروا من بعدما ظلموا ... ، استثناء من الشعراء المذمومين الذين يتبعهم الغاوون ، والذین م فی کل واد يههون. أى: إلا الشعراء الذين آمنوا بالله - تعالى - وعملوا الأعمال الصالحات، وذكروا الله كثيراً بحيث لم يشغلهم شعرهم عن طاعة الله، وانتصروا من بعد ما ظلموا من أعدائهم الكافرين، بأن ردوا على أباط يلهم، ودافعوا عن الدين الحق ... إلا هؤلاء، فإنهم لا يكونون من الشعراء المذمومين ، بل هم من الشعراء الممدوحين قال ابن كثير: ((لما نزل قوله - تعالى -: ((والشعر أ- يتبعهم الغاوون جاء حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحه، وكعب بن مالك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم يبكون وقالوا: قد علم الله - تعالى - أنا شعراء. فتلا عليهم النبى - صلى الله عليه وسلم - ((إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات)) قال : أنتم . ((وذكروا الله كثيرا، قال أنتم ((وانتصروا من بعد ماظلوا، قال أنتم (٢) (١) تفسير الكشاف : ٣ ص ٠٣٤٤ (٢) تفسير ابن كثير -٦ ص ٠١٨٦