النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
الجزء التاسع عشر
ويتوجع لهم، أو يخلصهم)) (١).
و «لو، فى قوله - تعالى - «فلو أن لذا كرة ... ، للتمنى الدال على كال
التحر والكرة: الرجعة إلى الدنيا مرة أخرى، لتدارك مافتهم من الإيمان.
أى: فياليت لنا عودة إلى الدنيا مرة أخرى، فنستدرك مافاتنا من طاعة
قه - تعالى- ((وتكون من المؤمنين، الذين أزلفت الجنة لهم، وأبعدت عنهم
النار التى نحن مخلدون فيها .
ثم ختم - سبحانه - قصة إبراهيم بما ختم به قصة موسى - عليهما السلام-
فقال: « إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ... )).
إن فى ذلك الذى ذكر ناه لك - أيها الرسول الكريم - عن حال إبراهيم
مع قومه ومع أبيه، وعن أهوال يوم القيامة ، إن ذلك كله لحجة وغطة لمن
أراد أن يؤمن ويعتبر ، ومع ذلك فإن أكثر قوم إبراهيم ما كانوا مؤمنين
«وإن ربك لهو العزيز الرحيم».
٠ ٠
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من قصة أو ح مع قومه، فقال- تعالى -:
((كذّبَتْ قومُ نوحِ المَرسَلِينَ (١٠٥) إذقالَ لُهُمْ أُخومُ نوحٌ
أَلَا ثَّقونَ (١٠٦) إِنِّى لكم رسولٌ أمينٌ (١٠٧) فاتقُوا اللهَ
وَأَطِيعونِ (١٠٨) وما أسألكم عليه من أجرٍ إِنْ أَجرِىَ إلاَ عَلَى ربِّ
العالمينَ (١٠٩) فاتَّقُوا اللهَ وأطيعونِ (١١٠) قالُوا أَنؤمنُ لكَ واتبتَكَ
الأرذِلُونَ (١١١) قالَ وما عِلْمِى بما كانُوا يعملُون (١١٢) إِنْ حسابُهم
إلاَّ عَلَى رَبِى لو تَشْعُرُونَ (١١٣) وما أنَا بطَرِدِ المؤمنينَ (١١٤) إِنْ أَنَا
(١) تفسير الآلوسى : ١٩ ص١٠٤.

٢٤٢
سورة الشعراء
إِلَّ نذيرٌمُبِينٌ (١١٥) قالُوا لْ لمْ تَنْتَهِ يانوعُ لتكونَ من المرجُومينَ (١١٩)
قالَ ربِّ إنَّ قومِى كَذَّبُونِ (١١٧) الْتَح بينِ وبينَهم فتحاً وَثْجْنِ
ومَن معِىَ مِنَ المؤمنينَ (١١٨) فأنجيناهُ وَمَنْ مَعَهُ فى الفُلكِ المشحُونِ (١١٩)
ثم أغرقناَ بــهُ الباقينَ (١٢٠) إنّ فى ذلكَ لآيةً وما كانَ أَكثرُم
مؤمنينَ (١٢١) وَإنَّ رَبُّكَ لَهُوّ العزيز الرحيمُ (١٢٢))).
تلك هى قصة نوح مع قومه ، كما وردت فى هذه السورة ، وقد ذكرت
فى سور أخرى منها : سور الأعراف، وهود، والمؤمنون، ونوح ...
ولكن بأساليب أخرى .
ويقتهى نسب نوح - عليه السلام - إلى شيث بن آدم، وقد ذكر نوح
فى القرآن فى ثلاث وأربعين موضعاً .
وكان قوم نوح يعبدون الأصنام، فأرسل الله - تعالى - إليهم فوحا،
ليدهم على طريق الرشاد .
وقوم الرجل : أقرباؤه الذين يجتمعون معه فى جد واحد . وقد يقيم
الرجل بين الأجانب فيسميهم قومه بجازا لمجاورته لهم .
قال الآلومى: (( والقوم - كما فى المصباح - يذكر ويؤنث، وكذلك كل
اسم جمع لا واحد له من لفظه نحو رهط ونفر، ولذا يضغر على قويمة، وقيل:
هز مذكر ولحقت فعله علامة التأنيث على إرادة الأمة والجماعة منه .. ))(١).
والمراد بالمرسلين فى قوله - تعالى -: كذبت قوم نوح المرسلين،
فيهم نوحا - عليه السلام. وعبر عنه بذلك، لأن تكذيبهم له، بمثابة التكذيب
جميع الرسل، لأنهم قد جاءوا جميعا برسالة واحدة فى أصولها التى لاتختلف
باختلاف الزمان والمكان .
(١) تفسير الآلوسي : ١٩ ص٠١٠٦
:

٢٤٣
الجزء التاسع عشر
و((إِذ، فى قوله - تعالى -: «إذا ال لهم أخوم نوح، أخى: كذبوا نبيهم
نوحا وقت أن قال لهم فاصحا ومنذرا. ألا تقون)) أى: ألا تتقون الله
- تعالى - الذى خلقكم ورزقكم، فتخلصوا له العبادة وتتركوا عبادة غيره.
ووصفه - سبحانه - بالأخوة لهم، لأنه كان واحدا منهم يعرفون حضبه
وننبه ونشأته بينهم .
ثم علل نصحه لهم بقوله - كما حكى القرآن عنه -: «إنى لكم رسول أمين،
آمر كم بتقوى الله - تعالى - لأنى رسول معروف بينكم بالأمانة وعدم الخيانة
أو الغش أو المخادعة .
ومادام أمرى كذلك: (( فاتقوا الله وأطيعون. وما أسألكم عليه، أى على
هذا النصح ((من أجر)) دنيوى، إن أجرى)) فيما أدعوكم إليه («إلا على رب العالمين»
فهو الذى أرسلنى إليكم، وهو الذى يتفضل بمنحى أجرى لا أقم ..
واقد بينت لكم حقيقة أمرى (( فاتقوا الله وأطيعون)).
وهكذا نرى أن نوحا قد سلك مع قومه أحكم الطرق فى دعونهم إلى الله،
فهو يحضهم ثلاث مرات على تقوى الله ، بعد أن يبين لهم أخونه لهم،
وأمانته عندهم، وتعففه عن أخذ أجر منهم فى مقابل ما يدعوهم إليه من حق
وخير ، ومصارحته إياهم بأن أجره إنماءو من الله رب العالمين، وليس
من أخد سواء .
فماذا كان ردهم على هذا القول الحكيم لنبيهم ؟ لقد حكى القرآن ردهم
فقال : ((قالوا أنؤمن لك واتبفك الأرذلون ..
والأرذلون: جمع الأرذل. وهو الأقل من غيره فى المال والجاه والنسب.
أى: قال قوم نوح له عندما دعاهم إلى إخلاص العبادة لله - تعالى -:
فانوخ أنؤمن لك ، والحال أن الذين اتبعوك من سفلة الناس وفقرائهم ،
وأصحاب الحرف الدفيئة فينا .. ؟

٣٤٤
سورة الشعراء
وهذا المنطق المرذول قد حكاه القرآن فى كثير من آياته ، على ألسنة
المترفين ، وهم يردون على أنبيائهم عندما يدعونهم إلى الدين الحق ...
وهنا يرد عليهم فوح ردا حكيما فيقول: ((وما علمى بما كانوا يعملون. إن
حسابهم إلا على ربى ... ))
أى: قال لهم على سبيل الاستشكار لما واجهوه به: وأى علم لى بأعمال
أتباعى، إن الذى يعلم حقيقة نواياهم وأعمالهم هوالله - تعالى - أما أنا فوظيفتى
قبول أعمال الناس على حسب ظواهرها .
وهؤلاء الضعفاء - الأرذلون فى زعمكم - ليس حسابهم إلا على الله - تعالى -
وحده، فهو أعلم ببواطنهم وبأحوالهم منى ومنكم ((لوتشعرون، أى: لو كنتم
من أهل الفهم والشعور بحقائق الأمور لا بزيفها، لعلتم سلامة ردى عليكم
ولكنكم قوم تزنون الناس بميزان غير عادل ، لذا قلتم ماقلتم .
ثم بحسم الأمر معهم فى هذه القضية فيقول : «وما أنا، بحال من الأحوال
((( بطارد المؤمنين، الذين اتبعوتى وصدقونى وآمنوا بدءونى سواء أكانوا
من الأرذلين - فى زعمكم -، أم من غيرهم، فما أنا (( إلا نذير مبين، أى:
ليست وظيفتى إلا الإنذار الواضح للناس بسوء المصير، إذا ما استمروا على
كفرهم ، سواء أكانوا من الأغنياء أم من الفقراء.
فأنت زى أن نوحا - عليه السلام - قد جمع فى رده عليهم، بين المنطق
الرصين الحكيم ، وبين الحزم والشجاعة والزجر الذى يخرس ألسنتهم .
لذا زام وقد أخرسهم المنطق المستقيم الذى سلكهـ نوح معهم ، يلجأون
إلى التهديد والوعيد، فيقولون لنبيهم - عليه السلام -: « لئن لم تنته يانوح
لتكونن من المرجومين».
أى: إذا لم تكف يانوح عن مجادلتك لنا، وعن دعوتك إيانا إلى ترك
عبادة آلهتنا، لتكونن من المرجومين منا بالحجارة حتى تموت.

٣٤٠
الجزء التاسع عشر
وهكذا الطغاة ياجأون إلى القوة والتهديد والوعيد، عند ما يجدون أنفسهم
وقد حاصرهم أصحاب الحق من كل جوانبهم، بالحجة الواضحة، وبالرأى
السديد ...
ويئس نوح - عليه السلام - من إيمان قومه، بعد أن لبث فيهم ألف سنة
إلا خمسين عاما، وبعد أن سمع منهم ما يدل على رسوخهم فى الكفر والضلال،
تضرع إلى ربه وقال: «رب إن قومى كذبون، واستمروا على هذا
التكذيب تلك القرون المتطاولة «فافتح بينى وبينهم فتحا ونجنى ومن معى من
المؤمنين، أى: فاحكم بقدرتك العادلة بينى وبينهم حكما من عندك، تنجى به
أهل الحق . ونمحق به أهل الباطل.
وسمى الحكم فتحا. لما فيه من إزالة الإشكال فى الأمر، كما أن فتح الشىء
المغلق، يؤدى إلى إزالة هذا الإغلاق. ولذا قيل للحاكم فاضح. لفتحه
أغلاق الحق.
ثم حكى - سبحانه - أنه قد استجاب لنوح دعاءه فقال: فأنجيناه ومن معه
فى الفلك المشحون . ثم أغرقنا بعد الباقين .
والفلك - كما يقول الآلوسي -: يستعمل الواحد وللجمع. وحيث أنى
فى القرآن الكريم فاصلة استعمل مفرداً. وحيث أتى غير فاصلة استعمل جمعا.
والمشحون : المملوء بهم وبكل ما يحتاجون إليه من وسائل المعيشة.
أى: فاستجبنا لعبدفا فوح دعاءه. فأنجيناه ومن معه من المؤمنين فى السفينة
المملوءة بهم. وبما هم فى حاجة إليه، ثم أغرقنا بعد إنجائهم الباقي من قومه
على كفرهم وضلالهم ...
((إن فى ذلك، الذى ذكر ناه لك - أيها الرسول الكريم - عن نوح
وقومه ((لآية، كبرى على وحدانيتنا وقدرتنا، وما كان أكثرهم مؤمنين.
وإن ربك لهو العزيز الرحيم).

٣٤٦
سورة الشعراء
ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك، جانبا من قصة هود - عليه السلام-
مع قومه ، قال - تعالى - :
م
((كذَّبتْ ماءٌ المرسَلِينَ (١٢٣) إذقال لهُمْ أَخومُ هودٌ أَلا
تتقونَ (١٢٤) إنى لكُم رسولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فاتَّقُوا اللهَ وأَطيعون (١٢٦)
وما أسألكُم عليه مِنْ أجرٍ إن أَجْرِىَ إلاَّ عَلَى ربِّ العالمين (١٢٠)
أعبنُونَ بَكُلْ ريعٍ آيةً تعبُونَ (١٢٨) وتتخذُونَ مصانعَ الملكُمْ
تَخْلُدُونَ (١٢٩) وإذَا بَطَعْتُم بَطَضْتُم جَبَّازين (١٣٠) فاتَّقُوا الله
وأطيعونِ (١٣١) واتقوا الذى أمدّ ◌ُم بما تعلَونَ (١٣٢) أمدّكُم بأنعامٍ
وَبَنِينَ (١٣٣) وجناتٍ وعيون (١٣٤) إني أخافُ عليكم عذاب يومٍ
عظيمٍ (١٣٥) قالُوا سواء علينا أوعظتَ أمْ لَمَّ تَكُن من الواعِظِينَ (١٣٦)
إِنْ هذَا إلاّ خلقُ الأولينَ (١٣٧) وما نحنُ بمعذّبينَ (١٣٨) فكذَّبُوه
فأهلكناهمُ إن فى ذلكَ لَآيَةً وما كانَ أكثرهم مؤمنينَ (١٣٩) وإن
رَبِّكَ لَهَوّ العزيزُ الرحيمُ (١٤٠))).
وقد وردت قصة هود مع قومه فى سور شتى منها : سورة الأعراف،
وهود، والأحقاف ...
وينهى نسب هود - عليه السلام - إلى نوح - عليهما السلام -.
وقومه هم قبيلة عاد - نسبة إلى أبيهم الذى كان يسمى بهذا الاسم:
وكانت مساكنهم بالأحقاف باليمين - والأحقاق جمع حقف وهو الرمل
الكثير المائل -.
وكانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله - تعالى - فيهم هودا لينهاهم عند

٣٤٧
الجزء التاسع عشر
ذلك، وليأمرهم بعبادة الله وحده، وبشكره - سبحانه - عن مارهبهم من
قوة وغنى .
وقد افتتح هود نصحه لقوم، بعضهم على تقوى الله وإخلاص العبادة له
وببيان أنه أمين فى تبليغ رسالة الله - تعالى - إليهم، فهو لا يكذب عليهم
ولا يخدعهم ، وبيان أنه لا يسألهم أجرا على نصحه لهم، وإنما يلتمس الأجر
من الله - تعالى - وحده .
وقد سلك فى ذلك المسلك الذى اتبعه جده - عليه السلام - مع قومه،
وسار علیه الأنبياء من بعده .
ثم استشكر هود - عليه السلام - ما كان عليه قومه من ترف وطغيان
فقال لهم: « أتبنون بكل ربع آبة تعبثون)).
والريع بكسر الراء - جمع ريعة، وهو المكان المرتفع من الأرض.
أو الجبل المرتفع .. وقيل: المراد به أبراج الحمام كانوا يبنونها للهو واللعب
والأكثرون على أن المراد به: المكان المرتفع ومنه: زيع النبات ، وهو
إرتفاعه بالزيادة .
أى: أنبدون - على سبيل اللهو واللعب - فى كل مكان مرتفع، بناء يعتبر
آية وعلامة على عبشكم وترفكم ، وغروركم.
(((وتتخذون)) أى: وتعملون ,مصانع، أى: قصورا ضخمة مدينة،
أو حياضا تجمعون فيها مياه الأمطار ... لعلكم تخلدون، أى: عاملين عمل
من يرجو الخلود فى هذه الحياة الفانية ((وإذا بطشتم، أى: وإذا أردتم السطو
والظلم والبغى على غير كم ((بطشتم جبارين،
أى: أخذتموه بعنف وقهر وتسلط دون أن تعرف الرحمة إلى قلوبكم
سبيلا .
فأنت ترى أن هودا - عليه السلام - قد استنكر على قومه تطاولهم فى

٣٤٨
سورة الشعراء
البنيان بقصد التباهى والعبث والتفاخر ، لا بقصد النفع العام حم ولغيرهم ، كما
استنكر عليهم إنصر أفهم عن العمل الصالح الذى :ينفعهم فى آخرتهم، وانهما كهم
فى التكاثر من شئون دنياهم حتى لكأنهم مخلدون فيها، كما استنكر عليهم
- كذلك - قسوة قلوبهم، وتحجر مشاعرهم، وإنزالهم الضربات القاصمة
بغيرهم بدون رأفة أو شفقة .
وبعد نهيه إياهم عن تلك الرذائل، أمرهم بتقوى الله وطاعته وشكره على
نعمه فقال: ((فاتقوا الله وأطيعون. واتقوا الذى أمدكم بما تعلمون . أمدكم
بأنعام وبنين. وجنات وعيون. إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم).
أى: اتركوا هذه الرذائل، واتقوا الله وأطيعون فى كل ما آمركم به ، أو
أنها كم عنه،. واتقوا الله - تعالى - الذى أمدكم بألوان لا تحصى من العم، فقد
أمدكم بالأنعام - وهى الإبل والبقر والغنم - التى هى أعز أموالكم، وأمدكم
بالأولاد ليكونوا قو لكم، وأمدكم بالبساتين العامرة بالثمار، وبالعيون التى
تنتفعون بمائها العذب .
ثم ختم إرشاده لهم، ببيان أنه حريص على مصلحتهم ، وأنه يخشى عليهم
إذا لم يستجيبوا لدعوته أن ينزل بهم عذاب عظيم فى يوم تشتد أهواله
ولا تنفعهم فيه أموالهم ولا أولادهم .
وبذلك نرى أن هودا - عليه السلام - قد جمع فى نصحه لقومه بين الترهيب
والترغيب ، وبين الإنذار والتبشير، وبين التعقف عن دنياهم، والحرص
على مصلحتهم .
ولكن هذه النصائح الحكيمة، لم يستقبلها قومه إستقبالاحنا، ولمتجد
منهم قبولا، بل قالوا له - كما حكى القرآن عنهم -: ((سواء علينا أو عظت أم
لم تكن من الواعظين .....
أی : قال قوم هود له بعد أن وعظهم ونصحهم: قالوا له بكل إستمتار .

٣٤٩
الجزء التاسع عشر
وسوء أدب: يا هود يستوى عندنا وعظك وعدمه، ولا يعنينا أن تكون ممن
يحيدون الوعظ أو من غيرهم ممن لا يحسنون الوعظ والإرشاد.
قال صاحب الكشاف: ( فإن قيل: ((أوعظت. أو لم تعظ، كان
أخصر . والمعنى واحد.
قلت : ليس المعنى بواحد وبينهما فرق، لأن المراد: سواء علينا أفعات
هذا الفعل الذى هو الوعظ، أم لم تكن أصلا من أهله ومباشريه ، فهو أبلغ
فى قلة إعتدادهم بوعظه ، من قولك: أم لم تعظ ... (١).
ثم أضافوا إلى قولهم هذا قولا آخر لا يقل عن سابقه فى الغروروإنطاس
البصيرة فقالوا: (( إن هذا إلا خلق الأولين ، أى: ما هذا الذى تنهانا عنه
من التطاول فى البنيان ، ومن إتخاذ المصانع .... إلا خلق آبائنا الأولين ،
ومنهجهم فى الحياة، ونحن على آثارهم نسير وعلى منهجهم عشى.
قال القرطبى ما ملخصه: ((قرأ أكثر القراء (( إلا خلق الأولين، - بضم.
الخاء واللام - أى: عادتهم ودينهم ومذهبهم وما جرى عليه أمرهم ..
وقرأ ابن كثير وأبوا عمرو والكسائى إلا خلق الأولين, - بفتح الخاء
وإسكان اللام - أى: ماهذا الذى جئقنا به ياهود إلا إختلاق الأولين
وكذبهم، والعرب تقول: حدثنا فلان بأحاديث الخلق ، أى: بالخرافات
والأحاديث المفتعلة ... ، (٢).
وعلى كلنا القراءتين فالآية الكريمة تصور ما كانوا عليه من تحجر وجهالة
تصويراً بليغا .
. ثم انتقلوا بعد ذلك إلى غرور أشد وأشنع فقالوا: (( وما نحن بمعذبين)
(١) تفسير الكشاف . ص٣٢٧
(٢) تفسير القرطبى ج ١٣ ص ١٢٥

٣٥٠
سورة الشعراء
أي : هذه حالنا التى ارتضيناها لحياتنا، وما نحن بمعذبين على هذه الأعمال
التى نعملها .
وهكذا رد قوم هود على نبيهم - عليه السلام - بهذا الرد السىء الذى يدل
على إستهتارهم وجفائهم وجمودهم على باطلهم.
واذا جاءت نهايتهم الأليمة بسرعة وحسم، قال - تعالى -: ((فكذبوه
فأهلكنام ».
أى: أصر قوم هود على باطلهم وغرورهم فأهلكناهم «بريح صرصر عاتية
سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما، فترى القوم فيها صرعى،
كأنهم أعجاز نخل خاوية ، أهلكهم الله - تعالى - دون أن تنفعهم أموالهم،
أو قوتهم التى كانوا يدلون بها ويقولون: « من أشد منا قوة)).
وختم - سبحانه - قصتهم بما ختم به قصة نوح مع قومه من قبلهم، فقال
- تعالى - (( إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو
العزيز الرحيم ) .
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك قصة صالح مع قومه، فقال - تعالى -:
((كذّبتْ نمودَ المرسِلِينَ (١٤١) إذ قالَ لهُم أخومُ صالحٌ ألا
تَتَّقُونَ (١٤٢) إنى لكمرسولٌ أمينٌ (١٤٣) فاتقوا الله وأطيعون (١٤٤)
وما أسألكم علَيهِ مِنْ أَجرٍ، إِنْ أَجرِىَ إلاَّ عَلَى ربُ العالمينَ (١٤٥)
أتركُونَ فيماَ هَاَهُنَا آمنينَ (١٤٦) فى جناتٍ وعُيونٍ (١٤٧) وزروع.
ونَخْلٍ طلمُها هضيمُ (١٤٨) وتنحِتُونَ من الجبالِ بيوتاً فارِهينَ (١٤٩)
فاتقوا اللهَ وأطْيُونِ (١٥٠) ولا تطيعُوا أمرَ المُسْرِفِينَ (١٥١) الذينَ
يفسدُونَ فى الأرضِ ولا يُصلِحِونَ (١٥٢) قالوا إنَّما أنتمَ من

٣٥١
الجزء التاسع عشر
◌ْلُسخّرِينَ (١٥٣) ما أَنْتَ إلا بشَرٌ مثلُناَ فَأْتِ بآيةٍ إنْ كنتَ من
الصادقينَ (١٥٤) قالَ هذهِ ناقةٌ لَهَا شِرِبٌ ولَكُمْ شِرِبُ يومٍ
معلومٍ (١٥٥) ولا تمسُوهاً بسوء فيأخذكم عذابٌ يومٍ عظيمٍ (١٥٦)
فمقرُوهَاَ فَأَصْبَحُوا نادِمِين (١٥٧) فأخذَمُ العذابُ ، إنَّ فى ذلكَ لَآيَةً
وما كانَ أكثرُمُ مؤمنين (١٥٨) وإنَّ رَبِّكَ لَهُوَ العزيزُ الرحيمُ (١٥٩)».
وقد وردت قصة صالح مع قومه فى سور أخرى منها الأعراف، وهو د،
والنمل، والقمر ... ونمود اسم القبيلة التى أرسل إليها صالح - عليه السلام-،
والثمد: الماء القليل ... وكانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله - تعالى-
واحدا منهم - هو صالح - لكى يأمرهم بعبادة الله وحده .
ومازالت مساكنهم تعرف إلى الآن بمدائن صالح، فى المنطقة التى بين
المدينة المنورة والشام، وقد مر النبى - صلى الله عليه وسلم - على ديارهم وهو
متوجه إلى غزوة تبوك ...
وقد نصيح صالح قومه، بما نصح به هود ونوح قومهما من قبله ، فقد
أمرهم بتقوى الله وصارحهم بصدقه معهم، وبتعففه عن تعاطى الأجر على
نصحه لهم .
ثم وعظهم بما يرقق القلوب، وبما يحمل العقلاء على شكر الله - تعالى -
على نعمه فقال لهم: « أتتركون فيما ماهنا آمنين. فى جنات وعيون . وزروع
ونخل طلعها مضيم .....
والاستفهام للإنكار . والطلع: اسم من الطلوع وهو الظهور، وأصله
ثمر النخل فى أول ما يطلع، وهو بعد التلقيح يسمى خلالا - بفتح الخاء،
ثم يصير برا، فرطبا، فتمرا.

٣٥٢
سورة الشعراء
والهضيم: اليانع الفضيج، أو الرطب اللين اللذيذ الذى تداخل بعضه فى
بعض وهو وصف للطلع الذى قصد بههنا الثمار الناضجة الطيبة لصير ورته إليها.
والمعنى : أنظنون أنكم متروكون بدون حساب أو سؤال من خالف كم
-عز وجل - وأنتم تتقلبون فى نعمه التى منها ما أنتم فيه من بساتين وأنهار
وزروع كثيرة متنوعة.
إن كنتم تظنون ذلك، فأقلعوا عن هذا الظن، واعتقدوا بأنكم أنتم
وما بين أيديكم من نعم، إلى زوال ، وعليكم أن تخلصوا لخالقكم العبادة
والشكر لكى يزيدكم من فضله ..
فأنت ترى أن - صالحا - عليه السلام - قد استعمل مع قومه أرق ألوان
الوعظ، لكى يوقظ قلوبهم الغافلة، نحو طاعة الله - تعالى - وشكره، وقد
استعمل فى وعظه لفت أنظارهم إلى ما يتقبلون فيه من نعم تشمل البساتين
والعيون . والزروع المتعددة ، والنخيل الجيدة الطلع، الذيدة الطعم، حتى
لكأن ثمرها لجودته ولينه، ولا يحتاج إلى هضم فى البطون .
ثم ذكرهم بنعمة أخرى، وكرر عليهم الأمر بتقوى الله فقال: «وتنحتون.
من الجبال بيوتاً فارهين . فاتقوا الله وأطيعون)).
وقوله: ((وقنحتون)) معطوف على ((تتركون)، فهو داخل فى حيز
الإنكار عليهم، لعدم شكرهم الله - تعالى - والنحت: البرى. يقال: نحت
فلان الحجر نحتا إذا براه وأعده للبناء .
و((فارهين) أَى: ماهربن حاذقين فى نحتها. من فره - ككرم-فراهة.
إذا برع فى فعل الشيء، وعرف غوامضه ودقائقه.
قال القرطبى: «وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ((فرمين» بغير أنف فى الفاء.
وهی بمعنى واحد ... وفرق بينهما قوم فقالوا: ((مارهين ،أی حاذقين فى.
نحتها ... وفرمين - بغير أنف - . أى: أشرين بطريق فرهين ... ))(١).
(١) تفسير القرطبى : ١٣ ص ١٣٩

٢٥٣
الجزء التاسع عشر
أى: وأنهاكم - أيضا - عن إنهما ككم فى نحت الحجارة من الجبال
بمهارة وبراعة، لكى تبنوا بها بيوتا وقصورا بقصد الأشر والبطر، لا بقصد
الإصلاح والشكر لله - تعالى - فمحل النهى إنما هو قصد الأشر والبطر فى
البناء وفى الفحت .
ثم نهاهم عن طاعة المفسدين فى الأرض بعد أن أمرهم بتقوى الله فقال :
((ولا تطيعوا أمر المسرفين. الذين يفسدون فى الأرض ولا يصلحون)).
أى: اجعلوا طاعتكم لله - تعالى - وحده، ولى بصفتى رسوله إليكم ،
واتركوا طاعة زعمائكم وكبرائكم المسرفين فى إصرارهم على الكفر
والجحود والذين من صفاتهم أنهم يفسدون فى الأرض فسادا لايخالطه إصلاح.
قال الألوسى:«قوله: ( ولا تطيعوا أمر المفسدين ... ، كأنه عنى بالخطاب
جمهور قومه. وبالمسرفين كبراءهم فى الكفر والإضلال ، وكانوا تسعة
ومط ... والإسراف : تجاوز الحد فى كل أمر ... والمراد به هنا : زيادة
الفساد ... والمراد بالأرض: أرض تمود، وقيل: الأرض كلها . ولما كان
قوله ((يفسدون)) لا ينافى إصلاحهم أحيانا، أردفه بقوله - تعالى -: «ولا
يصلحون، لبيان كمال إفسادهم، وأنه لم يخالطه إصلاح أصلا)،(١).
ولكن هذا النصح الحكيم من صالح لقومه، لم يقابل منهم بأذن صاغية،
بل قابلوه بالتطاول والاستهتار وإنكار رسالته فقالوا له: «إنما أنت من
المسحرين. ما أنت إلا بشر مثلنا، فأنت بآية إن كنت من الصادقين)).
أى: قال قوم صالح له : أنت لست إلا من الذين غلب عليهم السحر ،
وأثر فى عقولهم ، فصاروا يتكلمون بكلام المجانين ، وما أنت - أيضا - إلا
بشر مثلنا تأكل الطعام كما نأكل، وتشرب الشراب كما نشرب .. فإن
كنت رسولا حقا فأتنا بعلامة ومعجزة تدل على صدقك فى دعواك الرسالة
(١) تفسير الآلوسى ج ١٩ س ١١٩
٠
( ٢٣ - سورة الشعراء)

٢٥٤
سورة الشعراء
وكأنهم - لجهلهم وانطماس بصائرهم - يرون أن البشرية تتنافى مع النبوة
وتضرع صالح - عليه السلام - إلى ربه - عز وجل - أن يمنحه معجزة لملها
تكون سببا فى هداية قومه، وأجاب الله - تعالى- تضرعه، فقال - سبحانه -:
(( قال هذه ناقة لها شرب، ولكم شرب يوم معلوم. ولا تمو ها بسوء فيأخذكم
عذاب عظيم ».
قال ابن كثير: ،ثم إنهم اقترحوا عليه آية يأتيهم بها، ليعلموا صدقه بما
جاءهم به من ربهم، فطلبوا منه أن يخرج لهم الآن من صخرة عندهم ناقة
عشراء من صفتها كذا وكذا. فعند ذلك أخذ عليهم صالح العهود والمواقيق،
لن أجابهم إلى ما سألوا ليؤمنن به، فأنعموا بذلك - أى: قالوا نعم - فقام
فى الله صالح فصلى، ثم دعا ربه أن يجيبهم إلى سؤالهم، فانفطرت تلك
الصخرة التى أشاروا إليها . عن ناقة عشراء. عن الصفة التى وصفوها. فآمن
بعضهم و كفراً کثرم،(١).
والمعنى: قال لهم صالح - عليه السلام - بعد أن طلبوا منه معجزة تدل
على صدقه: هذه ناقة ((لهاشرب ولكم شرب يوم معلوم، أى: لها نصيب
معين من الماء، ولكم تصيب آخر منه، وليس لكم أن تشربوا منه فى يوم
شربها . وليس لها أن تشرب منه فى يوم شربكم، واحذروا أن تموهابو.
- كضرب أوقتل - فيأخذكم عذاب يوم عظيم.
ووصف اليوم بالعظم لعظم ما يحل فيه من عذاب بنزل بهم إذا مسوها
بسوء ولكن قومه لم يفوا بعمودم ((فمقروها، أى: فمقروا الناقة التى هى
معجزة نبيهم . وأسند العقر إليهم جميعا، مع أن الذى عقرها بعضهم، لأن
المقر كان برضاهم جميعا، كما يرشد إليه قوله - تعالى- فى آية أخرى: «فنادو!
صاحبهم فتعاطى فعقر)).
(١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ١٦٦.

٣٥٥
الجزء التاسع عشر
وقوله (( فأصبحوا نادمين)) بيان لما ترتب على عقرهم لها. وندمهم إنما
كان بسبب خوفهم من وقوع العذاب عليهم بسبب ذلك، ولم يكن بسبب
إيمانهم وتوبتهم، أو أن تدمهم جاء فى غير أوانه، كما يشعر بذلك قوله - تعالى -:
((فأخذهم العذاب)).
أى أخذتهم الرجفة وتبعتها الصيحة التى صاحها بهم جبريل فأصبحوا فى
ديارهم جائمين ثم يجىء التعقيب السابق: « إن فى ذلك لآية وما كان أكثرم
مؤمنين . وإن ربك لهو العزيز الرحيم)).
ثم جاءت بعد ذلك قصة لوط مع قومه ، فقال - تعالى -:
((كذَّبتْ قومُ لُوطِ المرسلينَ (١٦٠) إذْ قالَ لَهُمْ أَخومُ لوطٌ أَلاَ
تْقُون (١٦١) إنى لكُم رسولٌ أَمينٌ (١٦٢) فاتقوا الله وأطيعون (١٦٣)
وما أَسألَكُم عليه من أجرٍ، إنْ أجْرِىُ إلا عَلَى ربِّ العالمينَ (١٦٤)
أتأتونَ الذكرانَ من العالمينَ (١٦٥) وتذَرُونَ ما خلَق لكُم رِبْكُم
من أزْوَاجِكُم، بلْ أنتُم قومٌ مادونَ (١٦٦) قالُوا لئن لم تقتَه بالوطُ
لتكُونَنَّ من المخرجينَ (١٦٧) قالَ إِنِّى لَعَملِكُم من القالِنَ (١٦٨)
ربِّ نجنِ وأهلِي مما يعِلُونَ (١٦٩) فنجِّيناهُ وأَهلَه أجمعين (١٢٠)
إلاَّ عجوزاً فى الغابرين (١٧١) ثم دمّر نا الآخرينَ (١٢٢) وأمطَرْنَ عَليهم
عطراً، فساء مطرُ المنذَرين (١٧٣) إِنّ فى ذلكَ لَآيَةً وَما كانَ أُ كْمُ
مؤمنينَ (١٧٤) وإنّ ربْكَ لَهُو العزيزُ الرحيم (١٧٥)».
قال ابن كثير - رحمه الله -: ((ولوط هو ابن هاران بن آزر، وهو ابن أخى
إبراهيم، وكان قد آمن مع إبراهيم، وهاجر معه إلى أرض الشام،
خبته الله إلى أهز سدوم وماحولها من القرى، بدعوم إلى اله - تعالى-

٣٥٦
سورة الشعراء
ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهو إتيان الذكور دون الإناث،
وهذا شىء لم يكن بنو آدم تعهده ولا تألفه، ولا يخطر ببالهم، حتى صنع ذلك
أهل سدوم - وهى قرية بوادى الأردن - عليهم لعائن أقه))(١).
ولقد بدأ لوط - عليه السلام - دعوته لقومه بأمر هم بتقوى الله، و بإخبارهم
بأنه رسول أمين من الله - تعالى - إليهم، وبانه لا يسألهم أجرا على دعوته
لهم إلى الحق والفضيلة .
ثم نهاهم عن أبرز الرذائل التى، كانت متفشية فيهم فقال: «أنانون
الذكر ان من العامین . وتذرون ما خلق لكم رہکم من أزواجكم، بل أنتم
قوم عادون ، ..
والاستفهام الإنكار والتقريع. والذاكران: جمع ذكر وهو ضد الأنثى.
والعادون: جمع عاد. يقال: عدا فلان فى الأمر يعدو، إذا تجاوز
الحد فى الظلم.
أى : قال لوط لقومه: أبلغ بكم امحطاط الفطرة، وانتكاس الطبيعة،
أنكم قانون الذكور الفاحشة ، وقتر كون نساءكم اللائى أحله الله - تعالى -
لكم، وجعلهن الطريق الطبيعى للنسل وعمارة الكون .
إنكم هذا الفعل القبيح الذميم ، تكونون قد تعديتم حدود الله- تعالى-
وتجاوز تم ما أحله الله لكم، إلى ماحرم عليكم.
وقد ردوا عليه بما يدل على شذوذهم وعلى إنتكاس فطرتهم، فقد قالواله.
على سبيل التهديد والوعيد: (( لمن لم تفته بالوط لتكون من المخرجين)).
أى: قالوا له متوعدين: لئن لم تسكت بالوط عن نهيك إيانا عما نحن
(١) تفسير ابن كثير -. ٢ ص ٢٣

٣٥٧
الجزء التاسع عشر
(( وأمطرنا عليهم، بعد ذلك الإهلاك «مطراء عجيبا أمره فقد كان نوعا
فيه، لتكونن من المخرجين من قريتنا إخراجاناما، ولنطر دنك خارج ديارنا.
وهكذا النفوس عندما تنحدر فى الرذيلة ، وتنغمس فى المنكر، تعادى
من يدعوها إلى الفضيلة وإلى الطهر والعفاف.
وقد رد لوط - عليه السلام - على سفاعتهم وسوء أدبهم بقوله: ((إنى
لعملكم من القالين ،.
والقالين: جمع قال. يقال: قليت فلان أقلية - كرميته أوميه - إذا
كرهته كرها شديداً.
أى: قال لهم لوط موبخا ومؤنبا: إنى لعملكم القبيح الذى ترتكبونه
مع الذكور. من المبغضين له أشد البغض، المنكرين له أشد الإنكار .
ثم توجه إلى ربه - تعالى. بقوله: «رب نجنى وأهلى مما يعملون)، أى:
نجنى يارب، وفج أهالى المؤمنين معى، مما يعمل هؤلاء الأشرار من مفكر
لم يسبقهم إليه أحد فأجاب الله - تعالى - دعاءه فقال: «فنجيناه وأهله أجمعين
إلا مجوزاً فى الغاء بن».
والمراد بهذه العجوز : امرأته وكانت كافرة وراضية عن فعل قومها.
والغابزين: جمع غابر وهو الباقى بعد غيره. يقال غير الشىء يغير غبورا.
إذا بقى .
وقوله: (( إلا عجوزاً، استثناء من أهله.
أى: فاستجبنا تلوط دعاءه، فأنجيناه وأهله المؤمنين جميعا، إلا امرأته
العجوز فإنها لم تنجها بل بقيت مع المهلكين لخبثها وعدم إيمانها.
(( ثم دمرنا الآخرين، أى: ثم أهلكنا قوم لوط المصرين على كفرهم
فعلى إتيانهم المنكر، تدميراً شديداً، بان جعلنا أعلى قريتهم ساطها،
وأبدناهم عن آخرهم.

٣٥٨
سورة الشعراء
من الحجارة، كما جاء فى آية أخرى فى قوله - تعالى -: « وأمطرفا عليها حجارة.
من سجيل)) .
وقوله - سبحانه -: ((فاء مطر المنذرين)) بيان لسوء مصيرهم.
أى: دمر نا هؤلاء القوم، وأمطرنا عليهم مطرا من الحجارة زيادة.
فى إدانتهم، فامت عاقبتهم، وتحقق ما أنذرناهم به من دمار ...
ثم ختم - سبحانه - قصة لوط - عليه السلام - مع قومه، بمثل ما ختم به
القصص السابقة . فقال: ((إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن.
ربك لهو العزيز الرحيم)).
ثم جاءت فى نهاية هذه القصص، قصة شعب - عليه السلام - مع قومه.
فقال - تعالى - :
(( كذّبَ أصحاب الأيكةِ المرسلينَ (١٧٦) إذ قالَ لهُم شعيبٌ
ألاَ تُقونَ (١٧٧) إنّى لكم رسولٌ أمينٌ (١٧٨) فاتقوا الله
وأطيعون (١٧٩) وما أسألكم عليهِ مِنْ أجرٍ إنْ أجرِىَ إلا عَلَى ربِّ
العالمينَ (١٨٠) أوفُوا الكيلَ ولاتكونُوا من المخسرينَ (١٨١) وزِنُوا
بالقسطاسِ المستقيمِ (١٨٢) ولا تبخسُوا الناس أشياءهم، ولا تَعشَوا فى
الأرض مفسدينَ (١٨٣) واتقُوا الذى خلقكم والجبلّة الأولينَ (١٨٤)
قالُوا إِنَّا أنتَ من المسحَّرين (١٨٥) وما أنتَ إلاَّ بشرٌ مثلُنا، وإن
نظنُّكَ لمن الكاذبينَ (١٨٦) فأسقِطْ علينا كِسَفاً من السماء إن كنتَ
من الصادقينَ (١٨٧) قالَ ربى أعلم بما تعملونَ (١٨٨) فكذّ بوم فأخذَم
عذابُ يومِ الُظْلَّةِ، إِنَّهُ كَانَ عَذَّابَ يومٍ عظيمٍ (١٨٩) إنَّ فى ذلكَ
لآيةٍ وما كان ا كثرُمُ مؤمنينَ (١٩٠) وإنَّ رَبِّكَ لَمُوّ العزيزُ
الرحيمُ (١٩١))).

٣٥٩
الجزء التاسع عشر
والأيكة: منطقة مليئة بالأشجار ، كانت - فى الغالب - بين الحجاز
وفلسطين حول خليج العقبة ، ولعلها المنطقة التى تسمى بممان .
وشعيب يفتهى نسبه إلى إبراهيم - عليهما السلام - وكان رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - إذا ذكر شعيبا قال: «ذلك خطيب الأنبياء)، لحسن
مراجعته لقومه ، وقوة حجته.
وكان قومه أهل كفر وبخس المكيال والميزان ، وقطع الطرق . فدعام
إلى وحدانية الله - تعالى -، وإلى مكارم الأخلاق.
قال ابن كثير: ((هؤلاء - أعنى أصحاب الأيكة-ثم أهل مدين على الصحيح،
وكان فى الله شعيب من أنفسهم،، إنما لم يقل هاهنا أخوهم ((شعيب،، لأنهم
نسبوا إلى عبادة الأيكد وهى شجرة . وقيل: شجر ملتف كالغيضة. كانوا
يعبدونها ، فلهذا لما قال : كذب أصحاب الأيكة المرسلين، لم يقل: إذ قال لهم
أخوهم شعيب، وإنما قال: « إذ قال لهم شعيب، فقطع نسبة الأخوة بينهم ،
المعنى الذى نسبوا إليه، وإن كان أخاهم نسبا، ومن الناس من لم يتفطن
جـ ر لأيكا غير أهل مدين، فزعم أن شعيبا - عليه
هذه النكتة ، ف
السلام - بعثه الله إلى أمتين .... والصحيح أنهم أمة واحده،وصفوا فى كل
مقام بشىء، ولهذا وعظ. هؤلاء وأمرم بوفاء المكيال والميزان ، كما فى قصة
هوين سواء بسواء ... )(١).
وقد افتتح شعيب - عليه السلام - دعوته لقومه، بأمرثم بتقوى الله - تعالى-
وببيان أنه أمين فى تبليغهم ما أمره الله بتبليغه إليهم، وبمصار-تهم بأنه لا يسألهم
أجراً على دعوته إياهم إلى ما يسعدهم.
ثم نهاهم عن أخش الرذائل التى كانت منقشرة فيهم فقال لهم: « أوفوا
الكيل ولا تكونوا من المخسرين. وزنوا بالقسطاط المستقيم . ولا تبخسوا
(١) تفسير ابن كثير ج٦ ص ٠٣٦٨

٣٦٠
سورة الشعراء
الناس أشياءهم ولا تعثوا فى الأرض مفسدين، واتقوا الذى خلقكم والجبلة
الأولين ... »
والجبلة : الجماعة الكثيرة من الناس الذين كانوا من قبل قوم شعيب .
والمقصود بهم أولئك الذين كانوا ذوى قوة كأنها الجبال فى صلابتها ، كقوم
هود وأمثالهم ممن اغتروا بقوتهم، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر .
قال القرطبى:((وقوله: ((واتقوا الذى خلقكم والجبلة الأولين،، الجبلة:
هى الخليقة. وبقال: جبل فلان على كذا، أى: خلق. فالخلق جبلة وجبلة
- بكسر الجيم والميم وضمهما ..
والجبلة: هو الجمع ذو العدد الكثير من الناس، ومنه قوله - تعالى -:
((ولقد أضل منكم جبلا كثيراً ... )، (١).
والمعنى: قال شعيب - عليه السلام- لقومه ناصحاً ومرشداً: يا قوم. أوفوا
الكيل ، أى: أتموه ولا تكونوا من المخسرين، الذين يأكلون حقوق غيرهم
عن طريق التطفيف فى الكيل والميزان.
ثم أكد نصحه هذا بنصح آخر فقال: ((وزنوا)) للناس الذين تتعاملون
معهم ( بالقسطاس المستقيم، أى: بالعدل الذى لاجور معه ولا ظلم .
ثم أتبع هذا الأمر بالنهى فقال: ((ولا تبخسوا الناس أشياءهم، أى:
ولا تنقصوا الناس شيئاً من حقوقهم، أيا كان مقدار هذا الشىء.
((ولا تعثوا فى الأرض مفسدين، والعثو: أشد أنواع الفساد. يقال:
عثا فلان فی الأرض يعثوا، إذا اشتد فساده .
أى: ولا تنشروا فى الأرض حالة كونكم مفسدين فيها بالقتل وقطع
الطريق ، وتمديد الآمنين .
(١) تفسير القرطبى : ١٣ ص ٠١٣٦