النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١
الجزء التاسع عشر
أى : بل أتحسب أن أكثر هؤلاء الكافرين يسمعون ماتر شدهم إليه سماع
قدير وتعقل، أو يعقلون ما تأمرهم به أو تنهاهم عنه بانفتاح بصيره، وباستعداد
لقبول الحق ...
كلا إنهم ليسوا كذلك، لاستيلاء الجحود والحسد على قلوبهم.
وقال - سبحانه - «أم تحسب أن أكثرم .. ، لأن هناك قلة منهم كانت
تعرف الحق معرفة حقيقية، ولكن المكابرة ومتابعة الهوى .. حالت
بينها وبين الدخول فيه، واتباع ما جاء به النبى - صلى الله عليه وسلم -.
وقوله - سبحانه -. ((إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا)) ذم لهم على
عدم انتفاعهم بالهداية التى أرسلها الله - تعالى - إليهم.
أى: هؤلاء المشركون ليسوا إلا كالأنعام فى عدم الانتفاع بما يفرع
قلوبهم وأسماعهم من توجيهات حكيمة. بل هم أضل سبيلا من الأنعام، لأن
الأنعام تنقاد لصاحبها الذى يحسن إليها، أما هؤلاء فقد قابلوا نعم الله
بالكفر والجحود .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى ذكر الأكثر؟ قلت: كان
فيهم من لا يصده عن الإسلام إلا داء واحد، وهو حب الرياسة، وكفى به
داء عضالا .
فإن قلت: كيف جعلوا أضل من الأنعام ؟ قلت: لأن الأنعام تنقاد
لأربابها التىتعلفها وتتعهدها، وتعرف من حسن إليها من يسىء إليها،
وتطلب ما ينفعها وتتجنب ما يضرها، وتهتدى لمراعيها ومشاربها ، وهؤلاء
لا ينقادون لربهم، ولا يعرفون إحسانه إليهم، من إساءة الشيطان الذى هو
عدوهم ، ولا يطلبون الثواب الذى هو أعظم المنافع، ولا يتقون العقاب الذى
أشد المضار والمهالك .... (١).
(١) تفسير الكفاف ج ٣ ص ٠٢٨٢
٢٦٢
سورة الفرقان
وهكذا زى الآيات الكريمة تصف هؤلاء المستهزئين برسولهم - صلى
الله عليه وسلم - بأوصاف تهبط بهم عن درجة الأنعام، وتتوعدم بما
يستحقونه من عذاب مهين .
٠٠٠
ثم تنتقل السورة بعد ذلك إلى الحديث عن مظاهر قدرة الله - تعالى -
وعن جانب من الآلاء التى أنعم بها على عباده، فإن من شأن هذه النعم المبثوثة
فى هذا الكون ، أن تهدى المتفكر فيها إلى منشئها وواهبها وإلى وجوب
إخلاص العبادة له ، قال - تعالى - :
((أَمّ مرّ إلى ربِّكَ كيفَ مدَّ الظَّلَّ ولو شاء لجَعَلهُ ساكناً ثم جَعلناً
الشّمسَ عليهِ دليلاً (٤٥) ثم قبضناه إلَيناً قبضاً يسيراً (٤٦) وهوَ الذِى
جعلَ لِكُم الليلَ لباساً والنومَ سُباقاً وجعلَ النهارَ نُشوراً (٤٧) وهوَ
الذى أُرسلَ الرياحَ بشراً بينَ يدَىْ رخمتِهِ ، وأَنزَلْناً من السّماء ماء
◌َهوآً (٤٨) لِنَحْيِى بِهِ بلدَةٌ مَيْتاً ونُسقيَهُ مَّا خَلَقْنَا أَنعَماً وأَناسيًّ
كثيراً (٤٩) ولقَدْ صرَّفْنَاه بينَهم ليذٌ كَروا فأبَى أَ كثَرُ النَّاسِ إِلاَّ
كفُوراً (٥٠) ولو شِئْنَا لبعَثْنَاَ فى كلَّ قَريةٍ نذيراً (٥١) فلاَ مُطِع
الكافرِينَ وجاهِدْهم به جِياداً كبيراً (٥٢) وهوَ الذى مرجَ البَحرَينِ
هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ، وهذا ملِحٌ أُجاجٌ وجعلَ بينَهماَ برزَغَا وحِجْرا
محجُورًا (٥٣) وهوَ الذِى خلقَ من الماء بشَرَا فجعله نَسباً وصِهْراً وكانَ
وبُكَ قدِيرًا (٥٤)».
٢٦٣
الجزء التاسع عشر
قال القرطبى : . قوله - تعالى -:. ألم إلى ربك كيف مد الظل .. » بجوز
أن تكون هذه الرؤية من رؤية العين، ويجوز أن تكون من العلم.
قال الحسن وقتادة وغير هما : مد الظل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
وحكى أبو عبيدة عن رؤبة أنه قال: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو
فى، وظل، وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل .. ،(١).
والجملة الكريمة شروع فى بعض دلائل قدرته - سبحانه - وواسع
رحمته، إثر بيان جهالات المشركين، وغفلتهم عما فى هذا الكون من آثار
تدل على وحدانية الله - تعالى ..
والخطاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - والاستفهام للتقرير.
والمعنى: لقد رأيت - أيها الرسول الكريم - بعيفيك. وتأملت بعقلك
وبصيرتك، فى صفع ربك الذى أحسن كل شىء خلقه، وكيف أنه- سبحانه-
هد الظل، أى: بسطه وجعله واسعا متحر كامع حركة الأرض فى مواجهة
الشمس جعله مكانا يستظل فيه الناس من وهج الشمس وحرها ، فيجدون
عنده الراحة بعد التعب " .. وهذا من عظيم رحمة ربك بعباده.
وقوله - تعالى -: ((ولو شاء لجعله ماكنا، جملة معترضة لبيان مظهر من
مظاهر قدرته - تعالى - .
أى: ولو شاء - سبحانه - لجعل هذا الظل ((ساكنا، أى: ثابتادائما مستقرا
على حالة واحدة بحيث لا تزيله الشمس ، ولا يذهب عنوجه الأرض ولكنه
- سبحانه - لم يشأ ذلك، لأن مصلحة خلقه ومنفعتهم فى وجوده على الطريقة
التى أو جدفاء عليها بمقتضى حكمتنا .
وقوله - سبحانه -: «ثم جعلنا الشمس عليه دليلا، معطوف على قوله
(« مد الظل» داخل فى حكمه .
(١) تفسير القرطبى : ١٣ ص٣٩
٢٦٤
سورة الفرقان
أى: ألم تر إلى مجيب صنع ربك كيف مد الظل، ثم جعلنا بقدرتنا
وحكمتنا الشمس دايلا عليه، إذ هو يزول بتسلطها عليه ويظهر عند احتجابه
عنها ، ويستدل بأحوالها على أحواله، فهو يقيمها كما يقبع الإنسان من بدله على
الشىء، من حيث إنه يزيد كلما احتجب عنها، ويتقلص كلما ظهرت عليه.
قال الجمل:( قوله: ( ثم جعلنا الشمس عليه دلولا، أى: جعلنا الشمس
بنسخها الظر عند مجيئها دالة على أن الظل شىء، لأن الأشياء تعرف
بأضدادها، ولولا الشمس ما عرف الظل ، ولولا النور ماعرفت الظلمة ..
ولم يؤنث الدليل - وهو صفة للشمس - لأنه فى معنى الاسم، كما يقال:
الشمس برهان ؛ والشمس حق ، (١).
وقوله - تعالى -: ( ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا، معطوف - أيضا - على
« مد ، وداخل فى حكمه .
والقبض: ضد المد والبسط . واليسير: السهل الذى لا عسر فيه .
أى : ثم قبضنا ذلك الظل الممدود - بقدرتنا وحكمتنا - قبضا بير اوهينا
علينا، بأن محونا بالتدريج عند إيقاعنا الشمس عليه، حتى انتهى أمره إلى
الزوال والاضمحلال
وقال - سبحانه - ((إلينا، للتخصيص على أن مد الظل وقبضه مرجعه إليه
- تعالى - وحده، فليس فى إمكان أحد سواء - عز وجل - أن يفعل ذلك.
قال صاحب الكشاف:(قوله: ( ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا، أى: على
مهل . وفى هذا القبض اليسير شيئاً بعد شىء من المنافع مالا يعد ولا يحصر.
ولو قبض دفعة واحدة لتعطلت أكثر مرافق الناس بالظل والشمس جميعا.
فإن قلت : ثم فى هذين الموضعين كيف موقعها ؟ قلت: موقعها لبيان
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج٣ ص٠٢٦١
٢٦٠
الجزء التاسع عشر
تفاضل الأمور الثلاثة : كان الثانى أعظم من الأول، والثالث أعظم منهما،
تشبها لتباعد ما بينهما فى الفضل، بتباعد ما بين الحوادث فى الوقت ...
ويحتمل أن يريد قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه وهى الأجرام التى
تبقى الظل ، فيكون قد ذكر إعدامه بإعدام أسبابه، (١).
ثم إنتقلت السورة من الحديث عن الظل ومده وقبضه، إلى الحديث عن
الليل والنوم والهار .
فقال - تعالى -: «وهو الذى جعل لكم الليل لباسا، والنوم سباقا وجعل
النهار نشوراً )).
ولباسا: أى: سائراً بظلامه كما يستر اللباس ماتحته.
والسبات: الانقطاع عن الحركة مع وجود الروح فى البدن، مأخوذمن
السبت بمعنى القطع أو الراحة والسكون. ومنه قوله - تعالى - ((وجعلنا نومكم
سباتا ، أى : راحة الأبدانكم .
والنشور : بمعنى الانتشار والحركة لطلب المعاش .
أى: وهو - سبحانه - الذى جعل لكم - أيها الناس - الليل (لباسا، أى:
سائرا لكم يستركم كما يستر اللباس عوراتكم، وجعل لكم النوم. سباقا، أى:
راحة لأبدافكم من عناء العمل. وما يصاحبه من مشقة وتعب، وجعل
-سبحانه - النهار,نشورا)) أى: وقتا مناسبا لانتشاركم فيه، والسير فى منا كب
الأرض، طلبا للرزق والكسب ووسائل المعيشة .
وهكذا تتقلب الحياة بالإنسان وهو قارة تحت جنح الليل السائر، وتارة
مستغرق فى قومه ، وقارة يكدح لطلب معاشه .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: (وجعلنا أو مكم سبانا. وجعلنا الليل
لباما. وجعلنا الهار معاشا ....
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٠٢٨٣
٢٦٦
سورة الفرقان
ثم ذكر - سبحانه - نعمته فى الرياح، حيث تكون بشيرا بالأمطار التى تحي
الأرض بعد وتها، فقال - تعالى-،وهو الذى أرسل الرياح بشرابين بدي رحمته)».
وبشرا : أى : مبشرات بنزول الغيث المستقبع لمنفعة الخلق .
أى: وهو - سبحانه - الذى أرسل - بقدرته - الرباح لتكون بشيرا
لعباده بقرب نزول رحمته المتمثلة فى الغيث الذى به حياة الناس والأنعام.
وغيرهما .
قال الجمل: ((الرياح)) أى: المبشرات وهى الصبا - وتأتى من جهة مطلع
الشمر - والجنوب والشمال والدبور - وتأتى من ناحية مغرب الشمسر - وفى
قراءة سبعية: وهو الذى أرسل الريح على إرادة الجنس، و((بشرا)) قرىء
بسكون الشين وضعها وقرى٠ - أيضا - شراء أى: متفرقة قدام المطر.،(١)
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: «وهو الذى ينزل الغيث من بعد ما قنطوا
وينشر وحمته وهو الولى الحميد».
ثم ذكر - سبحانه - ما ترتب على إرسال الرباح من خير فقال:
( وأنزلنا من السماء ماء طهورا ..
أى: وأنزلنا من السماء ماء ظاهرا فى ذاته، مطهرا لغيره، سائغا فى شربه
نافعا للإنسان والحيوان والنبات والطيور وغير ذلك من المخلوقات .
ووصف - سبحانه - الماء بالطهور، زيادة فى الإشعار بالنعمة، وزيادة.
فى إنتمام المنة، فإن الماء الطهور أمناً وأنفع مما ليس كذلك.
وقوله - تعالى -: ، لنحي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسى
کثیرا ..
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٣ ص ٠٢٩٢
٢٠٧
الجزء التاسع عشر
أى: أنزلنا من السماء ماء طهورا، لتحى بهذا الماء بلدة أى: أرضاء جدباء
لا نبات فيها لعدم نزول المطر عليها، ولكى نسقى بهذا الماء أيضا, أنعاما،
أى: إبلا وبقرا وغما، وأناسى كثيرا، أى وعددا كثيرا من الناس.
فالأناسى: جمع إنسان وأصله أفاسين فقلبت فوقه باء وأدغمت فيما قبلها.
وقدم - سبحانه - إحياء الأرض، لأن خروج النبات منها بسبب
المطر تتوقف عليه الناس والأفسام وغيرهما .
وخص الأنعام بالذكر ، لأن مدار معاشهم عليها، ولذا قدم - قيها على
سقيهم .
قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت: لم خص الأنعام من بين ما خلق من
الحيوان الشارب؟
قلت : لأن الطير والوحش تبعد فى طلب الماء فلا يعوزها الشرب
غلاف الأنعام ..
فإن قلت: فما معنى تنكير الأنعام والأناسى ووصفها بالكثره ؟
قلت : معنى ذلك أن علية الناس وجلهم منيخون بالقرب من الأودية
والأنهار ومنابع الماء، فبهم غنية عن سقى السماء، وأعقابهم- وهم كثير منهم-
لا يعيشهم إلا ما ينزل الله من رحمته وسقيا سمائه ..
فإن قلت: لم قدم إحياء الأرض وسقى الأنعام على سقى الأناس؟
قلت : لأن حياة الأناسى بحياة أرضهم وحياة أنعامهم، فقدم ما هو سبب
حياتهم وتعيشهم على سقيهم ، ولأنهم إذا ظفروا بما يكون سقيا لأرضهم
ومواشيهم لم يعدموا سقيام))(١).
(١) تفسير الكشاف + ٣ ص ٢٨٥
٢٦٨
سورة الفرقان
والضمير المنصوب فى قوله - تعالى -: ((ولقد صرفناء بينهم ليذكروا ..
يعود إلى الماء الطهور الذى سبق الحديث عنه .
والتصريف: التكرير والتنويع والانتقال من حال إلى حال .
أى: ولقد صرفنا هذا المطر النازل من السماء فأنزلناه بين الناس فى البلدان
المختلفة ، وفى الأوقات المتفاوتة، وعلى الصفات المتغايرة، فتزيده فى بعض
البلاد وتنقصه فى أخرى، ونمنعه عن بعض الأماكن ... كل ذلك على حسب
حكمتنا ومديثقنا .
وقد فعلنا ما فعلنا لكى يعتبر الناس ويتعظوا ويخلصوا العبادة لنا .
قال الألوسى: ((قوله: ((ولقد صرفناه، الضمير الماء المنزل من السماء،
وتعريفه تحويل أحواله، وأوقاته وإنزاله على أنحاء مختلفة ...
وقال بعضهم: هو راجع إلى القول المفهوم من السياق ، وهو ماذكرفيه
إنشاء السحاب وإنزال المطر، وتصريفه: تكريره، وذكره على وجوه
ولغات مختلفة ..
والمعنى: ولقد كررنا هذا القول وذكرناه على أنحاء مختلفة فى القرآن
وغيره من الكتب السماوية بين الناس ليتفكروا ...
وأخرج ابن المنذر وابن أبى حاتم عن عطاء الخراسانى أنه عائد على
القرآن. ألا ترى قوله - تعالى - بعد ذلك: «وجاهدهم به، وحكاه فى البحر عن
ابن عباس والمشهور عنه ما تقدم، ولعل المراد ماذكر فيه من الأدلة على
كمال قدرته - تعالى - .... (١) .
ويبدو لنا أن أقرب الأقوال إلى الصواب هو القول الأول، لأن سياق
الحديث عن المطر النازل من السماء بقدرة الله - تعالى - ولأن هذا القول هو
(١) تفسير الآلوسى = ١٩ ص ٣٢
٢٦٩
الجزء التاسع عشر
المأثور عن جمع من الصحابة والتابعين ، كابن عباس، وابن مسعود وعكرمة،
ومجاهد وقتادة ... وغيرهم.
وقوله - تعالى - فأنى أكثر الناس إلا كفورا، بيان لموقف أكثر
الناس من نعم الله - تعالى -.
أى: أنزلنا المطر ، وصرفناه بين الناس ليعتبروا وبتعظوا، فأبى أكثرم
إلا الجحود لنعمنا، ومقابلها بالكفران، وإسنادها إلى غيرنا من لا يخلقون
شىء وإنما هم عباد لنا ، وخلق من خلقنا .
وفى صحيح مسلم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال يوما لأصحابه بعد
نزول المطر من السماء: أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا : الله ورسوله أعلم.
فقال - صلی الله علیه وسلم - : قال ربكم، أصبح من عبادى مؤمن بي وكافر
فأما من قال: مطرفا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بى كافر بالكواكب،
وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا ، فذاك كافر بى مؤمن بالكواكب))(١).
- والنوء - بتشديد النون وفتحها وسكون النون سقوط نجم فى المغرب
مع الفجر، وطلوع آخر يقابله من ساعته بالمشرق .
وقال - سبحانه -: فأبى أكثر الناس.)) لمدخ القله المؤمنة منهم،
وهم الذين قابلوا نعم الله - تعالى - بالشكر والطاعة.
ثم ذكر - سبحانه - ما يدل على رفعة منزلة نبيه صلى الله عليه وسلم -.
فقال: (( ولو شئنا لبعثنا فى كل قرية نذيراً)).
أى: ولو شئنا لبعثنا فى زمنك - أيها الرسول الكريم - فى كل قرية من
القرى نذيرا ينذر أهلها بسوء عاقبة الكفر والجحود، ويكون عونالك على
تحمل أعباء الرسالة التى أرسلناك بها ... ولكنالم نشأ ذلك تكريما بمالك
وتعظيما لقدرك، حيث خصصناك بعموم الرسالة لجميع الناس .
.(١) تفسير ابن كثير =٦ ص ١٢٥
٢٧٠
سورة الفرقان
وما دام الأمر كذلك , فلا قطع المكافرين، فيما يدونه منك من أمور
باطلة فاسدة ((وجاهدهم به، أى: بهذا القرآن، عن طريق قراءته والعمل بما
فيه، وبيان ما اشتمل عليه من دلائل وبراهين على صحة دعوتك .
وقوله - تعالى -: ((جهادا كبيرا، مؤكد لما قبله. أى: جاهدهم بالقرآن
جهادا كبيرا مصحوبا بالإغلاظ عليهم قارة ، وبإبطال شبهاتهم وأراجيفهم
تارة أخرى .
قال - تعالى -: ((يا أيها النى جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم،
ومأواهم جهنم وبئس المصير ..
وقوله - سبحانه -: ((وهو الذى مرج البحرين هذا هذب فرات وهذا
ملح أجاج، وجعل بينهما برزخا وحجرا محجور، بيان لمظهر آخر من
مظاهر قدرته - عز وجل -
و((مرج، من المرج بمعنى الإرسال والتخليه، ومنه قولهم. مرج فلان
دابته إذا أرسلها إلى المرج وهو المكان الذى ترعى فيه الدواب، ويصح أن
يكون من المرج بمعنى الخلط، ومنه قوله - تعالى - ((فهم فى أمر مريج)»
أى: مختلط. ومنه قيل الدرعى: مرج، لاختلاط الدواب فيه بعضها
ببعض . '
والعذب الفرات: هو الماء السائغ للشرب ، الذى يشعر الإنسان عند
شربه باللذة وهو ماء الأنهار وسمى فراقا لأنه يفرت العاش، أى يقطعه
وبكسره ويزيله .
والملح الأجاج: هو الشديد الملوحة والمرارة وهو ماء البحار. سمى
أجاجا من الأجيج وهو تلهب النار ، لأن شربه يزيد العطش.
والبرزخ. الحاجز الذى يحجز بين الشيئين.
أى: وهو - سبحانه - الذى أرسل البحرين. العذب والمالح فى مجاريها
متجاورين ، كما ترسل الدواب فى المراعى ، أو جعلهما - بقدرته - فی جری
٢٧١
الجزء التاسع عشر
واحد ومع ذلك لا يختلط أحدهما بالآخر: بل جمل - سبحانه - بينهما
((برزغا، أى: عاجزا عظيما، وحجرا محجورا)).
أى: وجعل كل واحد منهما حراما محرماً على الآخر أن يفسده.
والمراد: لزوم كل واحد منهما صفته التى أوجده الله عليها، فلا ينقلب
المذب فى مكانه ملحا ، ولا الملح فى مكانه عذبا .
قال - تعالى -: ((مرج البحرين يلتقيان. بينهما برزخ لا يبغيان)) (١).
وقال - سبحانه: ((أم من جعل الأرض فرارا، وجعل خلالها أنهار،
وجعل لها رواسى، وجعل بين البحرين حاجزا، أ إله مع الله . بل أكثرهم
لا يعلمون (٢).
وهذا الحاجز الذى جعله - سبحانه - بين البحرين: العذب والملح ، من
أكبر الأدلة وأعظمها على قدرة الله - تعالى -، وعلى أن لهذا الكون إله)
صانعا حكما مدير او إن كل شىء فى هذا الكون يسير بنظام معلوم. وبنسق مر سوم.
وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر قدرة الله - تعالى - فى الظل
وفى الرياح وفى الماء . ..
جاء الحديث عن خلق الإنسان. فقال - تعالى -: ((وهو الذى خلق من
الماء بشرا جمله نسبأ ومهرا ....
والمراد بالماء: ماء النطفة، وبالبشر الإنسان. أو المراد بالما: الماء
المطلق الذى أشار إليه سبحانه فى قوله: ( وجعلنا من الماء كل شىء حتى)).
أى: وهو - سبحانه - الذى خلق من ماء النطفة إفسا ناء جعله نسبا وصهر))
أى: نجعل من جنس هذا الإنسان ذوى نسب: وهم الذكور الذين ينتسب
(١) سورة الرحمن الآية ٢٠،١٩
(٢) سورة النحل الآية ٦١
٢٧٢
سورة الفرقان
إليهم بأن يقال فلان بن فلان ، كما جعل من جنسه - أيضا - ذوات صهروهن
الإناث ، لأنهن موضع المصاهرة.
والصهر يطلق على أهل بيت المرأة وأقاربها، كالأبوين والإخوة والأعمام
والأخوال ، فهؤلاء يعتبرون أصهار الزوج المرأة.
قال صاحب الكشاف: ((قسم - سبحانه - البشر قسمين: ذوى نسب، أى:
ذكورا ينسب إليهم فيقال: فلان بن فلان وفلانة بنت فلان وذوات صهر :
أى: إناثا يصاهر بهن ونحوه قوله - تعالى -: (جعل منه الزوجين الذكر
والأنثى ..
,وكان ربك قديرا، حيث خلق - سبحانه - من النطفة الواحدة بشرا
نوعين: ذكرا وأنثى)،(١).
وإلى هنا زى هذه الآية الكريمة قد اشتملت على ستة أدلة محسوسة على
وحدانية الله - تعالى - وقدرته. وهذه الأدلة الستة هى: الظلال قبضا وبسطا
والليل والنهار راحة ونشورا، والرياح بشرا بين يدى رحمته. والأمطار حياة
للناس والأنعام وغيرهما ، ومرج البحرين أحدهما عذب فرات والآخر ملح
أجاج، وخلق الإنسان من نطفة منها الذكر ومنها الأنثى .
ثم بيغت السورة الكريمة بعد ذلك موقف المشركين من هذه النعم العظيمة
كما بينت وظيفة النبى - صلى الله عليه وسلم - وأمرته بالمضى فى دعوته متوكلا
على الله - تعالى - وحده الذى خلق فسوى. وقدر فهدى ... قال - تعالى -:
((ويعبدُونَ من دُونِ اللهِ ما لاَ يَنْفِهُ ولا يَضُرُّمُ وكَانَ الكَافِرُ
(١) تفسير لکشاف ٣۶ ص٢٨٧
٢٧٣
الجزء التاسع عشر
على ربِّه ظَهِيراً (٥٥) وما أرسلناك إلا مبشّراً ونذيراً (٥٦) قُلْما أسألكُم
عليهٍ مِنْ أَجرٍ إلَّ منْ شَاء أَنْ يَتَّخِذَ إلى ربِّه سبيلاً (٥٧) وتوكلْ عَلَى
الحى الذى لا يموتُ وسبِّحْ بحمدِهِ وكفَى بهِ بِذُنُوبٍ عبادِهِ
خبيراً (٥٨) الذِى خلق السمواتِ والأرضَ وما بينَهُاَ فى سنَّةٍ أَيامٍ
ثمَّ إِسْتَوى على العَرشِ الرَّثْمَنُ فاسألْ بهِ خِيراً (٥٩) وإذا قيل لهمُ
اسجُدُوا الرَّحمن قَلُوا وما الرَّحمنُ أَنسجدُ لِمَ تَأْمُرُنَوزادَمُ نُفوراً (٦٠)
تبارَكَ الَّذِى جَعَلَ فى السَّماء بروجاً وجعَلَ فيهاَ سِراجاً وقراً مُنيراً (٦١)
وهو الذى جعَل الليلَ والنهارَ خِلْفَة لِمَنْ أراهَ أَنْ يذكَّر أو أَرادَ
شكوراً (٦٢))).
والضمير فى قوله - تعالى -: ((ويعبدون ... )) يعود على الكافرين،
الذين عمواوصموا عن الحق .
أى: أن هؤلاء الكافرين يتركون عبادة الله - تعالى - الواحد القهار،
ويعبدون من دونه آلهة لا تنفعهم عبادتها إن عبدوها، ولا تضرم شيئا من
الضرر إن تركوا عبادتها .
وقوله - سبحانه -: ((وكان الكافر على ربه ظهيرا، بيان لما وصل إليه
هؤلاء الكافرون من حمق وجهالة وجحود. فالمراد بالكافر : جنه.
والظهير: المعين . يقال: ظاهر فلان فلانا إذا أعانه وساعده. وظهير
بمعنى مظاهر .
أى: وكان هؤلاء الكافرون مظاهرين ومعاونين الشيطان وحزبه ، على
الإشراك بالله - تعالى - الذى خلقهم، وعلى عبادة غيره - سبحانه ..
(١٨ - سورة الفرقان )
٢٧٤
سورة الفرقان
ويصح أن يكون الكلام على حذف مضاف . أى : وكان الكافر على
حرب دين ربه ، ورسول ربه، مظاهرالشيطان على ذلك .
وقال - سبحانه ــ «على ربه ظهيرا، لتفظيع جريمة هذا الكافر وتبشيعها،
حيث صوره - سبحانه - بصورة من يعاون على محاربة خالقه ورازةه
وعربيه وواهبه الحياة.
ثم بين - سبحانه - الوظيفة التى من أجلها أرسل رسوله فقال: ((وما
أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا)).
أى: وما أرسلناك - أيها الرسول الكريم - إلى الناس جميعا، إلا لتبشرهم
بثواب الله - تعالى - ورضوانه إذا أخلصوا له العبادة والطاعة، ولتنذرم
بعقابه وغضبه، إن هم استمر وا على كفرهم وشركهم، فبلغ رسالتنا - أيها الرسول-
ومن شاء بعد ذلك فليؤمن ومن شاء فليكفر .
و«قل لهم على سبيل النصح والإرشاد ودفع التهمة عن نفسك ماأسألكم
عليه من أجر، أى: ما أسألكم على هذا التبليغ والتبشير والإنذار من أجر،
إن أجرى إلا على الله - تعالى - وحده .
وقوله - سبحانه -: ((إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا، إستثناء
منقطع .
أى: لا أسألكم على تبليغى لرسالة دبى أجرا منكم، لكن من شاء منكم
أن يتخذ إلى مرضاة ربه سبيلا، عن طريق الصدقة والإحسان إلى الغير، فأنا
لا أمنعه من ذلك .
قال الألوسى ما ملخصه: («قوله (( إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه، أى: إلى
رحمته ورضوانه , سبيلا)) أى طريقا. والاستثناء عند الجمهور منقطع أى:
لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه - سبحانه - سبيلا، أى: بالإنفاق القائم مقام
الأجر، كالصدقة فى سبيل الله ، فليفعل .
٢٧٥
الجزء التاسع عشر
وذهب البعض إلى أنه متصل، وفى الكلام مضاف مقدر. أى: إلا فعل
من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا بالإيمان والطاعة حسماً أدعو إليهما أى:
فإذ أجرى.
وفى ذلك قلع كلى لشائبة الطمع ، وإظهار لغاية الشفقة عليهم ، حيث
جعل ذلك - مع كون نفعه عائدا عليهم - عائدا إليه - صلى الله عليه وسلم - فى
صورة الأجر ،(١).
وعلى كلا الرأيين فالآية الكريمة تدل دلالة واضحة على أن الرسول
- صلى الله عليه وسلم - لا يطلب أجرا من الناس على دعوته، ولا يمنعهم من
إنفاق جزء من أموالهم فى وجوه الخير، وأنه - صلى الله عليه وسلم - يعتبر
إيمانهم بالحق الذى جاء به، هو بمثابة الأجر له، حيث إن الدال على الخير
کفاءله .
ولقد حكى القرآن الكريم فى كثير من آياته، أن جميع الأنبياء - عليهم
الصلاة والسلام - ماسألوا الناس أجرا على دعوتهم إياهم إلى عبادة الله - تعالى -
وطاعته، ومن هذه الآيات قوله - سبحانه - حكاية عن نوح وهود وصالح
ولوط وشعيب - «وما أسألكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب
العالمين،(٢).
ثم أمر - سبحانه - فيه - صلى الله عليه وسلم - بالاجتهاد فى تبليغ رسالته
وبالتوكل عليه وحده، فقال - تعالى -: وتوكل على الحى الذى لا يموت
وسبح بحمده ... )
أى: سر فى طريقك - أيها الرسول الكريم - لتبليغ دعوتنا، ولا تتلفت
إلى دنيا الناس وأموالهم . وتوكل توكلا قاما على الله - تعالى - فهو الحى الباقى
الذى لا يموت ، أما غيره فإنه ميت وزائل .
(١) تفسير الآلوسى : ١٩ ص ٠٢٧
(٢) سورة الشعراء الآية ١٠٩ - ١٣٧
٢٧٦
سورة الفرقان
((وسبح بحمده)) أى: ونزهربك عن كل نقص، وأكثر من التقرب إليه
بصالح الأعمال . ((وكفى به بذنوب عباده، ما ظهر منها وما بطن، وما بدأ
منها وما استتر(( خبيرا، أى عليما بها علما تاما، لا يعزب عنه - سبحانه -
مثقال ذرة منها .
« الذى خلق، بقدرته التى لا يعجزها شىء «السموات والأرض وما بينهما،
من هواء وأجرام لا يعلمها إلا هو - سبحانه -.
((فى ستة أيام) من أيامه التى لا يعلم مقدار زمانها إلا هو - عز وجل.
« ثم استوى على العرش، استواء واستعلاء يليق بذاته، بلا كيف أو قدبيه
أو تمثيل، كما قال الإمام مالك - رحمه الله -: المكيف غير معقول، والاستواء.
غير مجرول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة .
ولفظ .ثم، فى قوله , ثم استوى على العرش) لا يدل على الترتيب الزمنى
وإنما يدل على بعد الرقبة. رتبة الاستواء والاستعلاء والتملك.
٠
وقوله: ((الرحمن)) أى: هو الرحمن. أى صاحب الرحمة العظيمة الدائمة.
بعباده. والفاء فى قوله - تعالى -: ((فاسأل به خبيرا، هى الفصيحة. والجار
والمجرور صلة ((اسأل)، وعدى الفعل «اسأل) بالباء لتضمنه معنى الاعتناء.
والضير يعود إلى ماسبق ذكره من صفات الله - تعالى-، ومن عظيم قدره
ورحمته .
والمعنى: لقد بينا لك مظاهر قدرتنا ووحدانيتنا، فإن شئت الزيادة فى
هذا الشأن أو فى غيره، فاسأل قاصدا بسؤالك ربك الخبير بأحوال كل شىء
خبرة مطلقة ، يستوى معها ما ظهر من أمور الناس وما خفى منها .
قال الإمام ابن جرير: ((وقوله - تعالى -: ((فاسأل به خبيراً، يقول:
فاسأل يا محمد بالرحمن خبيرا بخلقه، فإنه خالق كل شىء ولا يخفى عليه ما خاق.
فعن ابن جريج: قوله . (( فاسأل به خبيرا).
٢٧٧
الجزء التاسع عشر
قال: يقول - سبحانه - لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا أخبرتك
شيئا فاعلى أنه كما أخبرتك فأنا الخبير، والخبير فى قوله , فاسأل به خبيرا)
منصوب على الحال من الهاء التى فى قولهربه)(1).
ثم أخبر - سبحانه - عن جهالات المشركين وسخافاتهم فقال: ((وإذا قيل
لهم اسجدوا للرحمن، قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا).
أى: وإذا قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون معه لهؤلاء
المشركين: اجعلوا سجودكم وخضوعكم الرحمن وحده، ((قالوا، على سبيل
التجاهل وسوء الأدب والجحوذ: ((وما الرحمن)).
أى: وما الرحمن الذى تأمروننا بالسجود له ((أنسجد لما تأمرنا، أى:
:أنجد لما تأمرنا بالسجود له من غير أن نعرفه، ومن غير أو نؤمن به.
، وزادهم نفورا، أى: وزادهم الأمر بالمجود فورا عن الإيمان وعن
السجود لله الواحد القهار .
فالآية الكريمة تحكى ماجبل عليه أولئك المشركون من استهتار وتطاول
وسوء أدب، عندما يدعوهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى إخلاص
العبادة لله - عز وجل، وإلى السجود المرحمن الذى تعاظمت رحماته، وتكاثرت
آلاؤ.
ولقد بلغ من تطاول بعضهم أنهم كانوايقولون: ماأعرف الرحمن إلاذاك
باليمامة . يعنون به مسيلمة الكذاب.
ثم رد - سبحانه - على تطاولهم وجهلهم، بما يدل على عظم قدرته
- عز وجل - وعلى جلال شأنه - تعالى - فقال: «تبارك الذى جعل فى السماء
بروجا وجعل فيها سراجا وقرا منيرا،.
{(١) تفسير ابن جرير جـ ١٩ ص ١٩
٢٧٨
سورة الفرقان
والبروج: جمع برج، وهى فى اللغة: القصور العالية الشامخة، ويدل له لك
قوله - تعالى -: أينماتكونوا يدرككم الموت ولو كنتم فى بروج مشيدة)».
والمراد بها هنا: المنازل الخاصة بالكواكب السيارة ، ومداراتها الفلكية
الهائلة، وعددها اثنا عشر منزلا هى: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان
والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس ، والجدى، والدلو.
والحوت .
وسميت بالبروج، لأنها بالنسبة لهذه الكواكب كالمنازل لا كنيها .
والسراج: الشمس، كما قال - تعالى -: ((ألم تروا كيف خلق الله سبع
سموات طباقا، وجعل القمر فيهن نورا، وجعل الشمس سراجا)).
أى: جل شأن الله - تعالى -، وتكاثرت آلاؤه ونعمه، فهو - سبحانه -
الذى جعل فى السماء (( بروجا)، أى: منازل الكواكب السيارة (وجعل فيها ،
أى: فى السماء («سراجا)) وهو الشمس((وجعل فيها)) - أيضا - ((قر منيرا))
أى : قرا يسطع فوره على الأرض المظلمة، فيبعث فيها النور الهادئ.
اللطيف .
ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن نعمة أخرى فتقول:
((وهو الذى جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد
شكورا) .
والخلفة . كل شىء يجىء بعد شىء آخر غيره. ومنه خلفة النبات.
أى : الورق الذى يخرج منه بعد أن تساقط الورق السابق عليه .
أى: وهو - سبحانه - الذى جعل الليل والنهار متعاقبين. بحيث يخلف
كل واحد منهما الآخر بنظام دقيق. ليكونا مناسبين ((لمن أراد أن يذكر».
أى: يتعظ ويعتبر ويتذكر أن - تعالى - لم يجعلها على هذه الهيئة
٢٧٩
الجزء التاسع عشر
حبنا، فيتدارك مافاته من تقصير وتفريط فى حقوق الله - عز وجل - ((أو
أراد شكورا)).
أى: وجعلهما كذلك لمن أراد أن يزداد من شكر الله على نعمه التى
لا تحصى ، والتى من أعظمها وجود الليل والنهار على هذه الهيئه الحكيمة،
التى تدل على وحدانية الله - تعالى - وعظيم قدرته، وسعة رحمته.
0
وعد هذا الحديث المتنوع عن شبهات المشركين والرد عليها ، وعن
مظاهر قدرة الله ونعمه على عباده، وعن الذين إذا قيل لهم اسجدوا للرحمن
قالوا وما الرحمن ...
بعد كل ذلك جاء الحديث عن عباد الرحمن ، أصحاب المناقب الحميدة ،
واصفات الكريمة، والمزايا التى جعلتهم يقشرفون بالانتساب إلى خالقهم.
جاء قوله - تعالى -:
(( وعبادُ الرحمنِ الذينَ يمِشُونَ على الأرضِ هَوْنَا، وإذَا خَطَهم
الجاهِلُون قالوا سلاماً (٦٣) والذينَ يَبِيتُونَ اربُهم سجَّدًا وقياماً (٦٤)
والذينَّ يقولُوا رَبَّنَ اصْرِفِ عنَّا عذابَ جهنّم إن عذابَهَا كانَ غرامً(٦٥)
إنّها تساءتْ مُستقراً ومُقاماً (٦٦) والذينَ إذَا أَنْفَقُوا لم يُسرِفوا ولم
يقتروا وكانّ بين ذلك قواماً (٦٧) والذين لا يَدْعونَ مع الهِ إلهاً آخرّ
ولاَ يقتلُونَ النَّفْسَ (تى حرَّم اللهُ إلاَّ بالحقِّ ولا يُزْنُونَ، ومَنْ يَفْتَلْ
ذلكَ يلقَ أَثَاماً (٦٨) يُضاعفْ لهُ العذابُ يومَ القيامةِ ويخلُدْ فيهِ
٢٨٠
سورة الفرقان
مُهاَ (٦٩) إلاَّ من تاب وآمن وعملَ عَمَلاً صَلحًا، فأولئِكَ يُبدِّل اللهُ
سيئاتهم حسناتٍ، وكانَ الله غفورا رحيماً (٧٠) ومَنْ تَابَ وعمِلّ
صالحاً فإنَّه يتوبُ إلَى الهِ متاباً (٧١) والذينّ لا يشهدُونَ الزُّورَ وإذَا
مَرُّوا بالّغْوِ مِرُّوا كِرامَا (٧٢) والذينَ إذَا ذُ كَّروا بآيَاتٍ رِبِهم لم يَخِرُّوا
عليها صُمَّا وُميانَ (٧٣) والذينَ يقولُونَ ربَّنَا هَبْ لنا من أزواجِناً
وذُرَّاتِنَاَ ثُرَةَ أَعْيُنِ واجعَلْنا لمتقِينَ إماماً (٧٤) أولئِكَ يُجْزَونَ الغرفَّةً
بما صَبَرُوا وَيَُّقُّونَ فيها تحيةً وسلاماً (٧٥) خالدينَ فيها حسنَتْ
مستقرًاً ومُقامًاً (٧٦))).
هؤلاء هم عباد الرحمن، وتلك هى صفاتهم التى ميزنهم عن سواهم.
وقد افتتحت هذه الآيات بقوله - تعالى -((وعباد الرحمن الذين يمشون
على الأرض هونا .....
وهذه الجملة الكريمة مبتدأ، والخبر قوله - تعالى -«أولئك يجزون الغرفة
بما صبروا ... ).
وما بينهما من الموصولات صفات لهم.
وإضافتهم إلى الرحمن من باب التشريف والتكريم والتفضيل.
و((هو ناء مصدر بمعنى اللين والرفق. وهو صفة لموصوف محذوف.
أى: وعباد الرحمن الذين رضى الله عنهم وأرضاهم، من صفاتهم أنهم
يمشون على الأرض مشيا لينا رفيقا، لاتكاف فيه ولا خيلاء ولا تصنع فيه
ولا ضعف، وإنما مشيهم تكسوه القوة والجد، والوقار والسكينة.