النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
الجزء التاسع عشر
أى: لقد طلب هؤلاء الظالمون نزول الملائكة عليهم، ورؤيتهم لهم،
ونحن سنجيبهم إلى ما طلبوه ولكن بصورة أخرى تختلف إختلافا كليا عما
يتوقعونه، إننا سنريهم الملائكة عند قبض أرواحهم وعند الحساب بصورة
تجعل هؤلاء الكافرين يفزعون ويهلمون . بصورة لا تبشرهم بخير
ولا تسرم رؤیتهم معہا ، بلی تسوم وتحزنهم، کما قال- تعالی۔۔ ۔ ولو ترى
إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم(١)، وكما قال
- سبحانه -: (فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم و أدبارهم، (٢).
فالآية الكريمة مسوقة على سبيل الإستئناف، لبيان حالهم الشنيعة عندما
تنزل عليهم الملائكة، بعد بيان تجاوزهم الحد فى الطغيان وفى طلب ما ليس
من حقهم .
والمراد بالملائكة هنا: ملائكة العذاب الذين يقبضون أرواحهم ،
والذين يقودونهم إلى النار يوم القيامة .
وقال - سبحانه -: ((يوم يرون الملائكة .. )، ولم يقل: يوم تزل
الملائكة، للابذان من أول الأمر بأن رؤيتهم لهم ليست "على الطريقة التى
طلبوها ، بل على وجه آخر فيه مافيه من العذاب المهين لهؤلاء الكافرين.
وجاء نفى البشرى لهم بلا النافية للجنس للمبالغة فى نفى أى بارقة تجعلهم
يأملون فى أن ما نزل بهم من سوء، قد يتزحزح عنهم فى الحال أو الاستقبال
قال الجمل فى حاشيته: وقوله: ((لا بشرى يومئذ المجرمين، هذه الجملة
معمولة لقول مضمر .
أى: يرون الملائكة يقولون لابشرى . فالقول حال من الملائكةوهو
(١) - ورة الا تقال الآية ٥٠
(٢) سورة محمد الآية ٢٧
١٦ - سورة الفرقان )

٢٤٢
سورة الفرقان
نظیر التقدیر فی قوله - تعالى - :« والملائکا يدخلون عليهم من كل باب سلام
عليكم .. ، وكل من الظرف والجار والمجر ور خبر عن لا النافية للجنس،(١)
وقوله - تعالى -: («ويقولون حجرا محجورا، تأكيد لما قبله من أنه
لاخير لهؤلاء الكافرين من وراء رؤيتهم الملائكة.
والحجر - بكسر الحاء وفتحها - الحرام. وأصله المنع. ومحجورا صفة
مؤكدة للمعنى ، كما فى قولهم: موت مائت، وليل آليل، وحرام محرم.
قال الآلوسي: ((وهى - أى: حجرا محجورا- كلمة تقولها العرب عند لقاء
عدو موقور، وهجوم نازلة هائلة، يضعونها موضع الاستعاذة، حيث
يطلبون من الله - تعالى- أن يمنع المكروه فلا يلحقهم، فكان المعنى:
نسأل الله - تعالى - أن يمنع ذلك منعا، ويحجره حجرا.
وقال الخليل : كان الرجل يرى الرجل الذى يخاف منه القتل فى الجاهلية
فى الأشهر الحرم فيقول: حجرا محجورا. أى: حرام عليك التعرضلى فى
هذا الشهر فلا يبدؤ بشر)،(٢).
والقائلون لهذا القول يرى بعضهم أنهم الملائكة، فيكون المعنى: تقول
الملائكة للكفار حجرا محجورا. أى: حراما محرما أن تكون ١-كم اليوم
بشرى. أو أن يغفر الله لكم، أو أن يدخلكم جنته.
وقد رجح ابن جرير ذلك فقال ما ملخصه: « وإنما إخترنا أن القائلين
الملائكة من أجل أن الحجر هو الحرام. فمعلوم أن الملائكة هى التى تخير
أهل الكفر ، أن البشرى عليهم حرام ... ،(٣).
ويبدو لنا أنه لا مانع من أن يكون هذا القول من الكفار ، فيكون
(١) حاشية الجمل على الجلالين +٣ ص ٢٥٢
(٢) تفسير الآلوسى ج١٩ ص ٦
(٣) تفسير ابن جرير =١٩ ص٣

٢٤٣
الجزء التاسع عشر
المعنى: أن هؤلاء الكفار الذين طلبو أنزول الملائكة عليهم ليشهدوالهم بصدق
الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما يرونهم عند الموت أو عند الحساب
يقولون لهم بفزع وملع: ((حجرا محجورا، أى: حرام محرما عليكم أن
تنزلوا بنا العذاب، فنحن لم ترتكب ما نستحق بسببه هذا العذاب المهين،
ولعل مما يشهد لهذا المعنى قوله - تعالى -: (الذين تتوانظام الملائكة ظالمى
أنفسهم فألقوا السلم ماكنا نعمل من سوء. إلى إن الله عليم بما كنتم تعملون
فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين»(1).
وعلى كلا الرأيين فالجملة الكريمة تؤكد سوء عاقبة المكافرين.
ثم ساق -سبحانه - بعد ذلك وعيدا آخر لهؤلاء الكافرين فقال: «وقدمنا
إلى ما عملوا من عمل جعلناه هباء منثورا)،
والهباء : الشىء الدقيق الذى يخرج من النافذة مع ضوء الشمس شبيها
بالغبار .
والمنشور : المتفرق فى الجو بحيث لا يتأتى جمعه أو حصره.
أى: وقدمنا وقصدنا وعمدنا - بإرادتنا وحكمتنا إلى ما عمله هؤلاء
الكافرون من عمل صالح فى الدنيا - كالإحسان إلى الفقراء، والإنفاق فى
وجوه الخير - بج ملناه باطلا ضائعا، مزقا كل ممزق، لأنهم فقدوا شرط قبوله
عندنا، وهو إخلاص العبادة لنا .
فقد شبه - سبحانه - أعمالهم الصالحة فى الدنيا فى عدم إنتفاعهم بها
يوم القيامة - بالهباء المنثور ، الذى تفرق وتبدد وصار لايرجى خير من
ورائه لحقارته وتفاهته .
ثم بين سبحانه - ماسيكون عليه أصحاب الجنة من نعيم مقيم يوم القيامة
فقال: (( أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا))
(١)سورة النحل الآيتان ٢٩،٢٨

٢٤٤
سورة الفرقان
والمستقر: المكان الذى يستقر فيه الإنسان فى أغلب وقته . والمقيل:
المكان الذى يؤدى إليه فى وقت القيلولة للاستراحة من عناء الحر.
أى: ((أصحاب الجنة يومئذ، أى: يوم القيامة , خير مستقرا، أى: خير
مكانا ومنزلا فى الجنة ، مما كان عليه الكافرون فى الدنيا من متاع زائل، ونعيم
حائل ,وأحسن مقيلا، أى: وأحسن راحة وهناء ومأوى،ممافيه الكافرون
من عذاب مقيم .
وقد استنبط بعض العلماء. من هذه الآية أن حساب أهل الجنة يسير ،
وأنه يفتهى فى وقت قصير، لا يتجاوز نصف النهار. قالوا: لأن قوله- تعالى-
(( وأحسن مقيلا، بدل على أنهم فى وقت القيلولة، يكونون فى راحة ونعيم،
ويشير إلى ذلك قوله - تعالى -: « فأما من أوفى كتابه بيمينه فسوف يحاسب
حساباً يسيرا. وينقلب إلى أهله مسرورا))
وأما أهل النار- والعياذ بالله - فهم ليسوا كذلك لأن حسابهم غير يسير.
وقد ساق ابن كثير فى هذا المعنى آثارا منها أن سعيداالصواف قال: بلغنى
أن يوم القيامة يقصر على المؤمن حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمسره
وأنهم ليقيلون فى رياض الجنة ... ،(١).
ثم وصف - سبحانه - بعض الأهوال التى تحدث فى هذا اليوم فقال:
((ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا)»
. . وقوله ((قشقق) أصله تتشقق بمعنى تتفتح. والباء يصح أن تكون بمعنى
عن، وأن تكون للسببية أى: بسبب طلوعه منها، وأن تكون للحاك،. أى:
ملتبسة بالغمام.
والغمام: إسم جنس جمعى لغمامه . وهى السحاب الأبيض الرقيق. سمى.
بذلك لأنه يغم ما تحته، أى: يستره ويخفيه ..
(١) تفسير ابن كثير ج٦ ص ١١٣

٢٤٠
الجزء التاسع عشر
والمعنى: وأذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ، أهوال يوم القيامة،
يوم تتفتح السماء وتتشقق بسبب طلوع الغمام منها. ونزول الملائكة منها
تنزيلا عجيبا غير معهود.
قال صاحب الكشاف: ((ولما كان إنشقاق السماء بسبب عطلوخ الغمام منها
جعل الغمام كأنه الذى تشقق به السماء، كماتقول: شق السنام بالشفرة وإنشق
بها، ونظيره قوله - تعالى -: «السماء منفطر به !.
فإن قلت: أى فرق بين قولك: إنشقت الأرض بالنبات ، وانشقت
عنه؟ قلت: معنى إنشقت به، أن الله شقها بطلوعه فانشقت به. ومعنى
إنشقت عنه : أن التربة إرتفعت عند طلوعه.
والمعنى: أن السماء تتفتح بضمام يخرج منها، وفى الغمام الملائكة ينزلون
وفى أيديهم محف أعمال العباد،(١).
وقوله - تعالى -: (الملك يومئذ الحق للرحمن، وكان يوما على
الكافر ین عسیرا،
ولفظ ((الملك، مبتدأ، و((يومئذ، ظرف للمبتدأ، و((الحق)) فعت له
و(«الرحمن » خبره.
أى: الملك الثابت الذى لا يزول ، ولا يشركه فيه أحد للرحمن يومئذ،
وكان هذا اليوم عسيرا على الكافرين ، لشدة الهول والعذاب الذى يقع
عليهم فيه .
وخص - سبحانه - ثبوت الملك له فى هذا اليوم بالذكر، مع أنه - تعالى-
هو المالك لهذا الكون فى هذا اليوم وفى غيره، للرد على الكافرين الذين
زعموا أن أصنامهم ستشفع لهم يوم القيامة، ولبيان أن ملك غيره -سبحانه.
فى الدنيا. إنما هو ملك صورى وائل، أما الملك الثابت الحقبقى فهو الله
الواحد القهار.
(١) تفسير الکشاف + ٣ ص ٢٧٥

٢٤٦
سورة الفرقان
٤٠
قال ابن كثير : («وفى الصحيح أن الله يطوى السموات بيمينه، ويأخذ
الأرضين بيده الأخرى ثم يقول: أنا الملك، أنا الديان، أمن ملوك الأرض
أين الجبارون، أين المتخرون)،(١).
ثم صور - سبحانه - ماسيكون عليه الكافرون يوم القيامة من حسرة
وقدامة، تصويرا بليغا، مؤثرا فقال: «ويوم بعض الظالم على يديه يقول ياليتنى
إتخذت مع الرسول سبيلا. باولمتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا) ...
وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات أن عقبة بن أبي معيط
دعا النبى - صلى الله عليه وسلم - لحضور طعام عنده، فقال له النبى - صلى
الله عليه وسلم - لا آكل من طعامك حتى تنطق بالشهادتين. فنطق بهما .
فبلغ ذلك صديقه أمية بن خلف أو أخوه أبى بن خلف ، فقال له : يا عقبة
بلغنى أنك أسلمت، فقال له: لا، ولكن قلت ما قلت تطبيبا لقلب محمد صلى
الله عليه وسلم - حتى يأكل من طعامى.
فقال له: كلامك على حرام حتى تفعل كذا وكذا بمحمد - صلى الله
عليه وسلم - ففعل الشقى ما أمره به صديقه الذى لا يقل شقاوة عنه.
أما عقبة فقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتله فى غزوة بدر وأما
أبى بن خلف فقد طعنه النبى - صلى الله عليه وسلم - فى غزوة أحد طعنة لم
يبق بعدها سوى زمن يسير ثم هلك .
وعلى أية حال فإن الآيات وإن كانت قد نزلت فى هذين الشقيين . فإنهما
تشمل كل من كان على شاكلتهما فى الكفر والعناد ، إذ العبرة بعموم اللفظ.
لا بخصوص السبب.
وعض اليدين كناية عن شدة الحسرة والندامة والغيظ، لأن النادم عدما
شديدا ، بعض يديه . وليس أحد أشد قدما يوم القيامة من الكافرين.
(١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٠١١٥

٢٤٧
الجزء التاسع عشر
قال - تعالى -: «وأسروا الندامة لما رأوا العذاب. وجعلنا الأغلال فى
أعناق الذين كفروا ..
والمعنى: وأذكر - أيها العاقل - يوم القيامة وما فيه من حساب وجزاء،
يوم يعض الظالم على يديه من شدة غيظه وندمه وحسرته .
(((يقول، فى هذا اليوم ((ياليتنى أتخذت مع الرسول -صلى الله عليه وسلم-
سيلا ).
أى: يا ليقفى سلكت معة طريق الحق التى جاء بها، وإنمعته فى كل،
ما جاء به من عندربه.
« يا وبلتا)، أى: ثم يقول هذا الظالم يا هلاكى أقبل فهذا أو ان إقبالك،
فهذه الكلمة تستعمل عند وقوع داهية دهياء لانجاة منها، وكأن المتحسر
بنادى ويلته وبطلب حضورها بعد تنزيلها منزلة من فهم نداءه.
(( ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، أى: ليتني لم أتخذ فلانا الذى أضلنى
فى الدنيا صديقا وخليلا لى
والمراد بفلان: كل من أضل غيره وصرفه عن طريق الحق ، ويدخل فى
ذلك دخولا أوليا أبى بن خلف.
. لقد أضلنى عن الذكر بعد إذ جاءنى)، أى: والله لقد أضلفى هذا الصديق
المشئوم عن الذكر أى: عن الهدى بعد إذ جاءنى به الرسول - صلى لله عليه
وسلم، فالجملة الكريمة تعليل لتمنيه المذكور، وتوضيح لتعلمه.
وأكده بلام القسم ، للمبالغة فى بيان شدة قدمه وحسرته .
والمراد بالذكر هنا: ما يشمل القرآن الكريم، وما يشمل غيره من
توجيهات النبى - صلى الله عليه وسلم - وفى التعبير بقوله: «بعد إذ جاءنى)
إشعار بأن هدى الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد وصل إلى هذا الشقى،
وكان فى إمكانه أن ينتفع به .

٢٤٨
سورة الفرقان
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ((وكان الشيطان للإنسان خذولا، أى:
وكان الشيطان دائما وأبداً. خذولا الإنسان، أى: صارفا إياه من الحق،
محرضا له على الباطل، فإذا ما احتاج الإنسان إليه خذله وتركه وفرعنه وهو
يقول: إنى برى. منك.
يقال : خذل فلان فلانا ، إذ ترك نصرته بعد أن وعده بها.
وهكذا تكون عاقبة الذين يتبعون أصدقاء السوء، وصدق الله إذيقول:
((الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين))(١).
ومن الأحاديث التى وردت فى الأمر باتخاذ الصديق الصالح ، بالنهى عن
الصديق الطالح، مارواه الشيخان عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - قال: «مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك
ونافخ الكير ، حامل المسك إما أن يحذيك، وإن أن تبتاع منه. وإما أن
تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير، إما أن يحرق تربك، وإما أن تجد منه
ريحا جثة ..
ثم بين - سبحانه - ما قاله الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى شأن هؤلاء
المشركين، وما قالوه فى شأن القرآن الكريم، ومارد به - سبحانه - عليهم،
فقال - تعالى - :
(وقالَ الرسُول يا ربُّ إِنَّ قومى اتَخَذُ وا هذا القرآنَ مهجُوراً (٣٠)
وَكَذَلِكَ جعلناَ لِكَلِّ نِىِّ عَدُواً من المجرِمِينَ وكَفَى بِرَبِّكَ مادياً
وَنَصِيراً (٣١) وقالَ الذِينَ كَفَرُوا أولاً نُزِّلَ عليهِ القرآنُ جملةٌ واحدةٌ
(١) سورة الزخرف . الآية ٦٧

٢٤٩
الجزء التاسع عشر
كَذَلِكَ لِنْثَبِّتَ به فؤادَكَ وَرَتِلنَهُ تَرْتِيلاً (٣٢) ولا يَأْتُوَتَكَ بمثّلٍ
إِلَّ جئناكَ بالْحَقُ وأحسنَ تفسيراً (٣٣) الذين يحشُرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ
إلى جهنَّمَ أُولئِكَ شَرٌ مِكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلاً (٣٤)).
وقوله - سبحانه -: ((وقال الرسول ... ، معطوف على قوله - تعالى-
قبل ذلك: «وقال الذين لا يرجون ٠٠٠٠
وما بينهما اعتراض مسوق لاستعظام قبح ما قالوه ولبيان ما يحل بهم
بسببه من عذاب
أى: (( وقال الرسول، محمد - صلى الله عليه وسلم - متضرعا وشا كيا لربه
(( يارب إن قومى)، الذين أرسلتنى إليهم قد«اتخذوا هذا القرآن، المشتمل
على ما يهديهم إلى الرشد. وعلى ما يسعدهم فى دنياه وآخرتهم، قد اتخذوه
((مهجورا)) أى: متروكا، فقد زكوا تصديقه وتركوا العمل به وتركوا.
التأثر، بوعيده ... ومن الهجر - بفتح الهاء بمعنى الترك أو المعنى: قداتخذوا
هذا القرآن مادة لسخريتهم وتمكمهم، من الهجر - بضم الهاء - بمعنى الهذيان
والفول الباطل، ومنه قوله - تعالى -: «مستكبرين به سامرانهجرون)).
وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على التخويف العظيم لمن يهجر القرآن
الكريم. فلم يحفظه أو لم يحفظ شيئا منه، ولم يعمل بما فيه من حلال وحرام،
وأوامر وقواه ...
قال بعض العلماء,هجر القرآن أنواع: أحدها: هجر سماعه وقراءته.
وثانيها: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه .. وثالثها: هجر
تحكيمه والتحاكم إليه فى أصول للذين وفروعه ... ورابعها: هجر قديره
وتفهمه .... وكل هذا داخل فى هذه الآية، وإن كان بعض الهجر أهون
من بعض »(١) .
(١) تفسير القاسمى : ١٩ ص ٤٥٧٥ نقلاعن بدائع الفوائد للامام ابن القيم

٢٠٠
سورة الفرقان
وقوله - سبحانه -: (( وكذلك جعلنا فيكل فى عدوا من المجرمين ... )
تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من قومه. وتصريح بأن ما أصابه
قد أصاب الرسل من قبله، والبلية إذا عمت هانت .
أى: كما جعلنا قومك - أيها الرسول الكريم - يعادونك ويكذبوك،
جعلنا لكل نبى سابق عليك عدوا من المجرمين . فاصبر- أيها الرسول - كماصير
إخوانك السابقون .
وشيه بهذه الآية قوله - تعالى -: «وكذلك جعلنا لكل نبى عدواشياطين
الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، ولوشاء ربك
مافعلوه فذرم وما يفترون،(١).
ثم شفع - سبحانه - هذه التسلية بوعد كريم منه - عز وجل - لنيه -
صلى الله عليه وسلم فقال: ((وكفى بربك هاديا ونصيراً)).
أى: وكفى ربك - أيها الرسول الكريم - ماديا يهدى عباده إلى ما تقتضيه
حكمته ومشيئته، وكفى به - سبحانه - نصيرالمن يريد أن ينصره على كل
من عاداه
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك - والمرة الخامسة - بعض شبهاتهم وأباطيلهم
فقال: ((وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ... )).
أى : وقال الذين كفروا بالحق الذى جاءهم به الرسول - صلى الله عليه
وسلم -: ملا نزل هذا القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم جملة واحدة، دون
أن ينزل مفرقاكما نراه ونسمعه .
وقولهم هذا دليل على سوء أدبهم. فقد طلبوا مالا يعنيهم . واقترحوا
شيئا لامدخل لهم فيه . ولا علم عندهم بحكمته، ولذا رد سبحانه عليهم بقوله:
, كذلك لنثبت به فؤادك، والمكاف بمعنى مثل، والجار والمجرور نعت
(١) سورة الأنعام الآية

٢٥١
الجزء التاسع عشر
المصدر محذوف مع عامله. وقوله: « لنثبت به فؤادك، تعليل العامل المحذوف.
فالجولة الکريمة استئناف مسوق للرد عليهم، ولبیان بعض الحكمفى زول
القرآن مفرقا .
وقوله - سبحانه -: «ورتلفاه ترتيلا، معطوف على الفعل المحذوف.
والتفكير فى «ترتيلا، للتفخيم والتعظيم وأصل الترتيل، عدم التلاصق.
يقال، ثغر مقل. أى مفلج الأسنان غير متلاصقة.
أى: نزلناه مفرقا، ورقلناه ترتيلا بديما، بأن قر أماه عليك بلسان جبريل
شيئا فشيئا، على تؤدة وتمهل، وجعلنا بعضه ينزل فى إثر بعض.
قال صاحب الكشاف ما ملخصه، وقوله((كذلك، جواب لهم، أى:
كذلك أنزلناه مفرقا، والحكمة فيه : أن تقوى بتفريقه فؤادك حتى
تعيه وتحفظه ...
فإن قلت : ذلك فى كذلك يحب أن يكون إشارة إلى شىء تقدمه، والذى
تقدمه هو إنزاله جملة واحدة فكيف فرته بكذلك أنزلناة مفرقا؟
قلت : لأن قولهم: لولا أنزل عليه القرآن جملة معناه. لماذا أنزل مفرقا
والدليل على فساد هذا الاعتراض أنهم عجزوا عن أن يأتوا بنجم واحد من
نجومه .. فكأنهم قدروا على تفاريقه حتى يقدروا على جملة ،(١)
أى: سر أيها الرسول الكريم فى طريقك، وبلغ ما أنزلناه إليك، ولا
تلتفت إلى مقترحات المشركين وأباطيلهم، فإنهم لا يأتونك بمثل، أى :
بكلام عجيب هو مثل فى التهافت والفساد للطعن فى قبوتك ((إلا جئناك) فى
مقابلته بالجواب ((الحق)) الثابت الصادق الذى يزهق باطلهم، وبما هو أحسن
تفسيرا وبيانا من مثلهم وشبهاتهم .
(١) تفسير الكشاف +٣ ص ٢٧٩

٢٠٢
سورة الفرقان
والإستثناء مفرغ من عموم الأحوال. أى: ولا يأتوك فى حال من
الأحوال بمثل الطعن فى نبوتك، إلا جئناك وسلحناك بما يزهق أمثالهم
وشبههم فسر فى طريقك - أيها الرسول الكريم - فإنك على الحق المبين.
فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة من أعظم الآيات لتشجيع النبى
- صلى الله عليه وسلم - على تبليغ دعوته، بدون اكتراث بما يثيره المشركون
حوله من شبهات.
ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم بسبب أقوالهم الباطلة. وأفعالهم القبيحة،
فقال - تعالى -: «الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم)، أى: يحشرون
ماشين على وجوههم، أو يسحبون عليها إلى جهنم ، بسبب كفرهم وعنادهم.
, أولئك، الذين تفعل بهم ذلك «شر مكانا، أى: منزلا ومكاناومصير!
لهم هو جهنم وأولئك - أيضا- هم أضل الناس طريقا عن طريق الحق والرشاد
واذا كانت طريقهم لا توصلهم إلا النار وبئس القرار.
قال الإمام ابن كثير: ((وفى الصحيح عن أنس: أن رجلا سأل النبى -صلى
أقه عليه وسلم - فقال: يارسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم
القيامة ؟ فقال: إن الذى أمشاه على رجليه قادر أن يمشيه على وجهه يوم "
القيامة ، (١) .
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن أحوال الأقوام السابقين.
الذين كذبوا أنبياءهم، فكانت عاقبتهم الإهلاك والتدمير فقال - تعالى -:
((ولقَدْ آتيناَ مُوسَى الكتابَ وجَعْنَا ممهُ أخاهُ هارونَ وزيراً (٣٥)
فَقُلْنَ اذهباً إلى القومِ الذينَ كذَّبوا بِآياتِناَ فدمَّر نَهُم تدمِيرا (٣٦)
(١) تفسير ابن كثير ج٦ ص ١١٨

٢٥٣
الجزء التاسع عشر
وقومَ نوحٍ لمَّا كذّبوا الرسلَ أغْقِنْآَمِ وجَعَلنَمِ الناسِ آيةً وَأَعْتَدْناً
للظَّالميْنَ عِذَاباً ألماً (٣٧) وعادا ومودَ وأصحابَ الرَّسِّ وَقُرونا بينَ
ذلكَ كثيرا (٣٨) وكلاًّ ◌َرَبْنَاَ لُهُ الأمثالَ وكَلاَّ تَبَّرْنَاَ تتبيراً (٣٩) ولقد
أَتَوْا عَلَى القَرْبةِ التى أُمُطِرتْ مطرَ السَّوءِ أفْلَمْ يُكُونوا يرونها ، بل
كانوا لا يُرْجُونَ نُشورا (٤٠)».
وقوله - تعالى -،ولقد آتينا موسى الكتاب ... ، كلام مستأنف لزيادة
تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم -، واترهيب المشركين وحضهم على
الاتعاظ والاعتبار وانباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى لا يعرضوا
أنفسهم الهلاك والدمار الذى نزل بأمثالهم من السابقين .
أى: وبالله لقد آتينا موسى - عليه السلام -، الكتاب، أى: التوراة
لتكون هداية لقومه ((وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا)).
أى: وجعلنا معه - بفضلنا وحكمتنا - أخاه هارون لكى يكون عونا
له وعضدا في تبليغ ما أمرناه بقبليغه .
, فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمر ناهم تدميرا، والتدمير:
أشد الإهلاك .
وأصله كسر الشىء على وجه لا يمكن إصلاحه، وفى الكلام حذف
يعرف من السياق .
والمعنى: فقلنا لهما اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا الدالة على
وحدانيتنا وقدرتنا، وهم فرعون وقومه، فذهبا إليهم ودعوهم إلى الإيمان،
فأعوضوا عنهما وكذبوهما، وتمادوا فى طغيانهم: فكانت عاقبة ذلك أن
دمر ناهم تدميرا عجيبا، بأن أغرقهم الله جميعا، أمام موسى ومن معه.

٢٥٤
سورة الفرقان
فقوله - تعالى - (فدمر ناهم٠٠) معطوف على مقدر، أى: فذهبا إليهم
فكذبوهما فدمر ناهم قدميرا.
ثم حكى - سبحانه - ماجرى لقوم نوح فقال: ((وقوم نوح لما كذبوا
الرسل أغرقنام .....
والمراد بالرسل: فوح ومن قبله، أو نوحا وحده، وعبر عنه بالرسل،
لأن تكذيهم له يعتبر تكذيبا لجميع الرسل. لأن رسالتهم واحدة فى أصولها.
(( وجعلناهم للناس آية، أى: بعد أن أغرقناهم بسبب كفرم ، جعلنا
إغراقهم أو قصتهم عبرة وعظة الناس الذين يعتبرون ويتعظون.
والتعبير ( بآية) بصيغة التفكير، يشير إلى عظم هذه الآية وشهرتها ،
ولا شك أن الطوفان الذى أغرق الله - تعالى - به قوم نوح من الآيات التى
لا تنسى .
وقوله - سبحانه -: «وأعتدنا للظالمين عذابا أليما، بيان لسوء مصير كل
ظالم يضع الأمور فى غير مواضعها.
أى: وهيأنا وأعددنا للظالمين عذابا أليما موجعا، بسبب ظلهم وكفرم،
وعلى رأس هؤلاء الظالمين قوم نوح . الذين كفروا به وسخروا منه ...
ثم ذكر - سبحانه - بعض من جاء بعد قوم نوح فقال: ((وعاداونمود)»
أى: ودمرنا وأهلكنا قوم عاد بسبب تكذيبهم النبيهم هود - عليه السلام-،
كما أهلكنا قوم ثمود بسبب تكذيهم لغبيهم صالح - عليه السلام -.
وقوله - تعالى -,وأصحاب الرس)) معطوف على ما قيله. أى: وأهلكنا
أصحاب الرس . كما أهلكنا من قبلهم قوم نوح وعاد ونمود .
والرس فى لغة العرب : البئر التى لم تبن بالحجارة ، وقيل: البئر مطلقا،
ومنه قول الشاعر :

٢٥٥
الجزء التاسع عشر
فياليتهم يحفرون الرساسا
وم سائرون إلى أرضهم
أى: فيالمتهم يحفرون الآبار .
والمفسرين فى حقيقة أصحاب الرس أقوال: فمنهم من قال إنهم من بقايا
قبيلة نمود، بعث الله إليهم نبيا فكذبوه ورسوه فى تلك البئر أى: ألقوا به
فيها، فأهلكهم الله - تعالى -.
وقيل: هم قومه كانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله إليهم شعيبا - عليه
السلام - فكذبوه فبينماهم حول الرس - أى البثر - فانهارت بهم، وخسف
أقه - تعالى - بهم الأرض .
وقيل : الرس بئر بأنطاكية ، قتل أهلها حبيبا النجار وألقوه فيها ...
واختار ابن جرير - رحمه الله - أن أصحاب الرس م أصحاب الأخدود ،
الذين ذكروا فى سورة البروج .
وقد ذكر بعض المفسرين فى شانهم روايات، رأينا أن نضرب عنها
صفحا لضعفها ونكارتها .
واسم الإشارة فى قوله - تعالى -: ((وقرونا بين ذلك كثيرا، يعود إلى
عاد وثمود وأصحاب الرس والقرون: جمع قرن.
والمراد به هنا: الجيل من الناس الذين اقترفوا فى الوجود فى زمان
واحد من الأزمنة .
أى: وأهلكنا فرونا كثيرة بين قوم عاد وثمود وأصحاب الرس. لأن
تلك القرون سارت على شاكلة أمثالهم من الكافرين والفاسقين.
وقوله - تعالى -: ((وكلا ضربنا له الأمثال ... » بيان لمظهر من مظاهر
رحمة الله - تعالى-، حيث إنه - سبحانه - لا يهلك الأمم إلا بعد أن يسوق لها
ما يرشدها، فتأبى إلا السير فى طريق الغى والعصيان. و(كلا)، منصوب بفعل

٢٥٦
سورة الفرقان
مضمر يدل عليه مابعده. فإن ضرب المثل فى معنى التذكير والتحذير، والتنوين
عوض عن المضاف إليه.
أى: وأنذرناكل فريق من القرون الماضية المكذبة، وضربنا له
الأمثال الحكيمة الكفيلة بإرشاده إلى طريق الحق، ولكنه استحب العمى
على الهدى ، والضلالة على الهداية، فكانت عاقبته - كما قال - تعالى -بعدذلك
(( وكلا تبرنا تتبيرا،.
أى: وكل قرن من هؤلاء المكذبين أهلكناه إهلا كا لاقيام له منه، وأصل
التعبير: التفتيت . وكل شىء فتته وكسرته فقد تبرة. ومنه التبر لفتات
الذهب والفضة .
والمراد به هنا: التمزيق والإهلاك الشديد الذى يستأصل من نزل به.
ثم وبخ - سبحانه - مشركى مكة على اعتبارهم واتعاظهم بما يرون من
آثار فقال - تعالى -: (ولقد أتوا على القرية التى أمطرت مطر السوء، أفهم
يكونوا برونها ، بل كانوا لايرجون نشورا)،.
والمراد بالقرية هنا: قرية سذوم التى هى أكبر قرى قوم لوط ، والتى
جعل الله - تعالى - عالیا ساقلها.
والمراد بما أمطرت به: الحجارة التى أنزلها الله - تعالى - عليها، كماقال
- تعالى - جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل)(١).
والسوء - بفتح السين وتشديدها - مصدر ساءه. أى: فمل به ما يكره.
والسوء ٠ - بالضم والتشديد - اسم منه .
والاستفهام فى قوله - تعالى -: « أفلم يكونوا يرونها، للتقريع والتوبيخ
(١) سورة الحجر الآية ٧٤

٢٠٧
الجزء التاسع عشر
على عدم الاعتبار بما يرونه من أمور ندعو كل عاقل إلى التدبر والتفكر
والاتعاظ .
أى: أقسم لك - أيها الرسول الكريم - أن هؤلاء المشركين الذين
اتخذوا القرآن مهجورا، كانوا ومازالوا يمرون مصبحين وبالليل على قرية
قوم لوط ، التى دمر ناها تدميرا، بسبب فسوق أهلها ونجورهم، وكانوا
برون ماحل بها من خراب ...
ولكنهم لكفرهم بك وبالبعث والحساب ، لم يتأثر وا بمارأوا، ولم يعتبروا
بما شهدوا، وسيندمون يوم القيامة على كفرهم ولكن ان ينفعهم الندم ،
وصدر - سبحانه - الآية الكريمة بلام القسم وقد، لتأكيد رؤيتهم
التلك القرية التى أمطرت مطر السوء.
والمراد برؤيتها: رؤية ماحل بها من خراب ودمار، كما قال - تعالى -:
(((وإنكم لتمرون عليهم مصبحين. وبالليل أفلا تعقلون)،(١).
وقوله - سبحانه - ((بل كانوا لايرجون نشورا)، بيان للسبب الذى
جعلهم لا يعتبرون ولا يتعظون.
أى: أنهم كانوا يرون عاقبة أهل تلك القرية التى جعلنا عاليها سافلها،
ولكن تكذيبهم بالبعث والنشور، والثواب والعقاب يوم القيامة، حال بينهم
وبين الاعتبار والاتعاظ والإيمان بالحق، وجعلهم ؟رون بما يدعو إلى التدبير
والتفكر، ولكنهم لعدم توقعهم للقاء الله، ولعدم إيمانهم الجزاء يوم القيامة
قست قلوبهم وانطمست بصائرهم، وصاروا كما قال - تعالى -: (,وكأى من
آية فى السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون، وما يؤمن
أكثرم بالله إلا وهم مشر كون»(٢).
(١) سورة الصافات الآيتان ١٣٧، ١٣٨
(٢) سورة يوسف الآيتان ١٠٦،١٠٥
١٧٠ - سورة الفرقان)

٢٥٨
سورة الفرقان
وبعد هذا العرض لأحوال بعض الأمم الماضية ، عادت السورة الكريمة
إلى بيان ما كان المشركون يقولونه عند رؤيتهم النبى - صلى اله عليه وسلم -
وإلى بيان سوء عاقبتهم، وفرط جهالاتهم، قال - تعالى -:
(وإذَا رَأَوْكَ إنْ يتخِذُونَكَ إلاَّ هُزوا. أَهذَا الذِى بَعَتَ الله
رسُولاً (٤١) إِنْ كَاذَ لِيُضِلُّناً عن آلهَتِنَاَ لولا أنْ صَبَرْنَاً عليها ، وسوف
يعلَمُونَ حينَ يرَوْنَ العذابَ من أَضَّلُّ سبيلاً (٤٣) أَرأَيتَ من انّخَذُ
إِلَهَهُ هَواه، أفأنتَ تكونُ عليهِ وكيلاً (٤٣) أمْ تحسَبُ أَن أكثرَم
يسمعُونَ أُو يعقِلُون (( إِنْ هُمُ إِلاَّ كائْتَمِ بلْ م أَضْلُّ سبيلاً (٤٤))).
قال الإمام ابن كثير - رحمه الله -: بخبر - تعالى - عن إستهزاء المشركين
بالرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا رأوه، كما قال - تعالى - : (وإذارآك
الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزواء أهذا الذى يذكر آلهتكم .. ، يعنونه
بالعيب والنقص ... (١) .
=
ومن عجب أن هؤلاء المشركين الذين كانوا يستهزئون بالرسول - صلى
الله عليه وسلم - بعد بعثته إليهم، هم أنفسهم الذين كانوا يلقبونه قبل بعثته
! بالصادق الأمين، وماحملهم على هذا الكذب والجحود إلا الحسد والعناد.
وقوله - تعالى - ((أهذا الذى بعث الله رسولا)) مقول القول محذوف
وعائد الموصول محذوف - أيضا ..
أى: كلما وقعت أبصار أعدائك عليك - أيها الرسول الكريم - سخروا
منك، واستنكروا نبوتك، وقالوا على سبيل الاستبعاد والتهكم: أهذا هو
الإنسان الذى بعثه الله - تعالى - ليكون رسولا إلينا.
(١) تفسير ابن كثير جـ ٦ م ١٢.

٢٠٩
الجزء التاسع عشر
وقولهم هذا الذى حكاه القرآن عنهم ، يدل على أنهم بلغوا أقصى حركات
الجهالة وسوء الأدب .
ثم يشير القرآن إلى كذبهم فيما قالوه، لأنهم مع إظهارهم للسخرية منه
- صلى الله عليه وسلم - كانوا فى واقع أمره ، وحقيقة حالهم يعترفون له بقوة
الحجة، وهذا ما حكاه القرآن عنهم فى قوله: (( إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا
أن صبرنا عليها ،.
أى: أنهم كانوا يقولون فيما بينهم: إن هذا الرسول كاد أن يصرفنا
بقوة حجته عن عبادة آلهتما لولا أننا قومنا هذا الشعور، وثبقنا على عبادة
أصنامنا .
قال الآلوسي: ((قوله: إن كاد ليضلنا عن آلهتنا، أى: ليصرفنا عن
عبادتها صرفا كليا بحيث يبعدنا عنها لا عن عبادتها فقط .
« لولا أن صبرنا عليها واستمسكنا بعبادتها .. وهذا إعتراف منهم بأنه
- صلى الله عليه وسلم - قد بلغ من الاجتهاد فى الدعوة إلى التوحيد ...
ماشارفوا معه أن يتركوا دينهم لولا فرط جهالاتهم ولجاجهم وغاية عنادهم،(١).
وقوله - تعالى -: ((وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا))
تمديد لهم على سوء أدبهم ، وعلى جهودهم للحى بعد أن تبين لهم .
أى: وسوف يعلم هؤلاء الكافرون حين يرون العذاب مائلا أمام أعينهم،
من أبعد طريقا عن الحق ، أهم أم المؤمنون ،
فالعلة الكريمة وعيد شديد لهم على استهزائهم ، بالرسول الكريم الذى
جاءهم ليخرجهم من ظلمات الكفر إلى فور الإيمان .
ثم يهملهم القرآن ويتركهم فى طغيانهم بعمهون، ويلتفت بالخطاب إلى
الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليسرى عن نفسه، وليسليه عما لحقه منهم،
(١) تفسير الآلوسى =١٩ ص ٣٢

٢٦٠
سورة الفرقان
وليبين له حقيقة حالهم فيقول: « أرأيت من اتخذ إلهه هواه، أفأنت تكون
عليه وكيلا ...
والاستفهام فى قوله - سبحانه - ((أرأيت، للتعجب من شناعة أحوالهم.
ومن قبح تفكيرهم .
والمراد: بهواه، ما يستحسنه من تصرفات حتى ولو كانت فى نهاية القبح
والسخف .
قال ابن عباس: كان الرجل فى الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانا ،
فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثانى وترك الأول.
والمعنى: أنظر وتأمل - أيها الرسول الكريم - فى أحوال هؤلاء
الكافرين ، فإنك لن ترى جهالة كجهالاتهم ، لأنهم إذا حسن لهم هوام
شيئاً اتخذوه إلهاً لهم. مهما كان قبح تصرفهم. وانحطاط تفكيرم ..
فهل مثل هؤلاء يصلحون لأن تهتم بأمرهم ، أو تحزن لاستهزائهم ؟
كلا إنهم لا يصلحون لذلك، وعليك ان تمضى فى طريقك فأنت لا تقدر
على حفظهم أو كفالتهم أو هدايتهم ، وإنما نحن الذين نقدر على ذلك،
وسنتصرف معهم بما تقتضيه حكمتنا ومديثتنا.
فقوله - تعالى -: (( أفأنت تكون عليه وكيلا، استئناف مسوق لاستبعاد
كونه - صلى الله عليه وسلم - وكيلا أو حفيظا لهذا الذى اتخذ إلهه هواه.
والاستفهام للنفى والإنكار . أى: إنك - أيها الرسول الكريم - لا قدرة
لك على حفظه من الوقوع فى الكفر والضلال .
ثم أضاف - سبحانه - إلى توبيخهم السابق توبيخا أشد وأنكى فقال
- تعالى -: «أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ٠٠٠،
و((أم)) هنا المنقطعة، وهى تجمع فى معناها بين الإضراب الانتقالى
والاستفهام الإنكارى .