النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ الجزء الثامن عشر ((ولم يتخذ ولدا، فهو - سبحانه - منزه عن ذلك وعن كل مامن شأنه أن يشبه الحوادث. ((ولم يكن له شريك فى الملك، بل هو المالك وحده اللكل شىء فى هذا الوجود . (( وخلق كل شىء فقدره تقديرا، أى: وهو - سبحانه - الذى خلق كل شىء فى هذا الوجود خلفا متقنا حكيما بديما فى هيئته، وفى زمانه، وفى مكانه ، وفى وظيفته، على حسب ماتقتضيه إرادته وحكمته. وصدق الله إذ يقول: ( إناكل شيء خلقناه بقدر،. لجملة , فقدره تقديرا، بياز لما اشتمل عليه هذا الخلق من إحسان وإتقان فهو - سبحانه - لم يكتف بمجرد إيجاد الشىء من العدم، وإنما أوجده فى تلك الصورة البديعة التى عبر عنها فى آية أخرى بقوله: ((صنع الله الذى أتقن كل شىء،٥ قال صاحب الكشاف: «فإن قلت: فى الخلق معنى التقدير، فما معنى قوله: ((وخلق كل شىء فقدره تقديرا)) ... قلت : معناه أنه أحدث كل شىء إحداثا مراعى فيه التقدير والتسوية ، فقدره ومياه لما يصلح له. مثاله: أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدر المسوى الذى تراه ، يقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به فى بابى الدين والدنيا وكذلك كل حيوان وجماد ، جاء به على الجبلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة والتدبير .... ، (١). ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن المشر كين لم يفطنوا إلى ما اشتمل عليه هذا الكون من تنظيم دقيق ، ومن صنع حكيم يدل على وحدانية الله - تعالى- (١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٠٢٦٣ ٢٢٢ سورة الفرقان وقدرته، بل إنهم- لا نطماس بصائرم-عبدوا مخلوقا مثلهم فة ل-تعالى- « واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وم يخلقون .. ». والضمير فى قوله ((واتخذوا .. )) يعود على المشركين، المغوم من قوله (( ولم يكن له شريك فى الملك، أو من المقام. أى: واتخذ هؤلاء المشركون معبودات باطلة يعبدونها من دون الله - عز وجل - ، وهذه المعبودات لا تقدر على خلق شىء من الأشياء، بل هى من مخلوقات الله - تعالى -. وعبر عن هذه الآية بضمير العقلاء فى قوله (( لا يخلقون)) جرياعلى اعتقاد .. الكفار أنها تضر وتنفع، أو لأن من بين من اتخذوم آلهة بعض العقلاء كالمسيح والعزير والملائكة . . . وأيضا هؤلاء الذين اتخذهم المشركون آلهة: ((لا يملكون لأنفسهم، فضلا عن غيرثم «ضرا ولا نفعا، فهم لا يملكون دفع الضر عن أنفسهم، ولا جلب النفع لذواتهم ,ولا يملكون موتما ولا حياة ولا نشورا، أى: ولا يقدرون على إماتة الأحياء. ولا على إحياء الموتى فى الدنيا، ولا على بعنهم وبشرهم فى الآخرة . فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف تلك الآلهة المزعومة بسبع صفات كل صفة منها كفيلة بسلب صفة الألوهية عنها، فكيف وقد اجتمعت هذه الصفات السبع فيها ؟ !! . إن كل من بشرك مع الله - تعالى - أحدا فى العبادة . فوقدير هذه الآية وأمثالها من آيات القرآن الكريم لأيقن واعتقد أن المستحق للعبادة والطاعة إنما هو الله رب العالمين. ثم حكى - سبحانه - بعض الشبهات التى أثارها المشر كون حول القرآن الكريم الذى أنزله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال : ٢٢٣ الجزء الثامن عشر ((وقالّ الذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذَا إلَّ إنْكٌ افْتَراهُ وأمَنَهُ عليهِ قَوْمٌ آخِرُونَ فقد جاءوا ظلماً وزُوراً (٤) وقالُوا أساطيرُ الأوَّلِينَ أَكتَبها فَهِ تُعَلَى عليهِ بُكرةً وأصيلاً (٥) قُلْ أَنْزَلَه الذى يعلمُ السَّرَّ فى السَّموات والأرض إنه كانَ غفوراً رحيماً (٦))). والإفك: أسوأ الكذب. بقال: أنك فلان - كضرب وعلى - أفكا، إذا قال أشنع الكذب وأقبحه . والزور فى الأصل: تحسين الباطل . مأخوذ من الزور وهو الميل وأطلق على الباطل زور لما فيه من الميل عن الصدق إلى الكذب، ومن الحق إلى ما مخالفه . أى: وقال الذين كفروا فى شأن القرآن الكريم الذى أنزله الله -تعالى - على قبيه - صلى الله عليه وسلم -، ماهذا القرآن إلا كذب وبهتان (( افتراه)) واختلقه محمد - صلى الله عليه وسلم - من عند نفسه، ,وأعانه عليه، أى وأحانه وساعده على هذا الاختلاق , قوم آخرون)) من اليهود أو غيرهم، كعداس - مولى حو يطب بن عبد العزى - ويسار - مولى العلاء بن الحضرمى- وأبى فكيهة الرومى . وكان هؤلاء من أهل الكتاب الذين أسلموا. وقوله - تعالى - «فقد جاءوا ظلما وزورا، رد على أقوال الكافرين الفاسدة . وياءوا بمعنى فعلوا، وقوله: «ظلما، منصوب به. والتنوين للتهويل. أ: فقد فعل هؤلاء الكافرون بقولهم هذا ظلما عظيما وزورا كبيرا، حيث وضعوا الباطل موضع الحق، والكذب موضع الصدق . ويصح أن يكون قوله: ((ظلما، منصوبا بنزع الخافض أى: فقد باءوا يظلم عظيم، وكذب فظيع، انحرفوا به عن جادة الحق والصواب. ٢٢٤ سورة الفرقان ثم حكى - سبحانه - مقولة أخرى من مقولاتهم الفاسدة فقال: «وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهى تملى عليه بكرة وأصيلا ،. والأساطير: جمع أسطورة بمعنى أكذوبة. واكتبها: أى: أمر غيره. بكتابها له ، أو جمعها من بطون كتب السابقين . أى: أن هؤلاء الكافرين لم يكتفوا بقولهم السابق فى شأن القرآن، بل أضافوا إلى ذلك قولا آخر أشد شفاعة وقبحا، وهو زعمهم أن هذا القرآن أكاذيب الأولين وخرافاتهم، أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - غيره بكتابتها له، ويجمعها من كتب السابقين ((فهى، أى: هذه الأساطير , تملى عليه، أى: تلقى عليه - صلى الله عليه وسلم - بعد اكتتابها ليحفظها ويقرأها على أصحابه , بكرة وأصيلا، أى: فى الصباح والمساء، أى: على عليه خفية فى الأوقات التى يكون الناس فيها نائمين أو غافلين عن رؤيتهم . وقد أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالرد عليهم بما يخرس ألسنتهم فقال: (قل أنزله الذى يعلم السر فى السموات والأرض ... ). أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الذين زعموا أن القرآن أساطير الأولين ، وأنك افتريته من عند نفسك، وأعانك على هذا الافتراء قوم آخرون ... قل لهم كذتم أشنع الكذب وأقبحه، فأنتم أول من يعلم بأن هذا القرآن له من الحلاوة والطلاوة، وله من حسن التأثير ما يجعله - باعتراف زعمائكم ليس من كلام البشر وإنما الذى أنزله على هو الله - تعالى - الذى يعلم السر فى السموات والأرض ، أى: يعلم ماخفى فيهما ويعلم الأسرار جميعها فضلا من الظواهر . قال الألوسى: ((قل) لهم ردا عليهم وتحقيقا للحق .... أنزله الله - تعالى- الذى لا يعزب عن علمه شىء من الأشياء ، وأودع فيه فنون الحكم والأسرار ٢٢٥ الجزء الثامن عشر على وجه بديع، لا تحوم حوله الأفهام، حيث أعجزكم قاطبة بفصاحته وبلاغته وأخبركم بمغيبات مستقبلة ، وأمور مكنونة، لا يهتدى إليها ولا بوقف إلا بتوفيق الله - تعالى - العليم الخبير عليها ... ) (١). ثم ختم - سبحانه - الآية بما يفتح باب التوبة للتائبين، وبما يحرضهم على الإيمان والطاعة لله رب العالمين فقال - تعالى - , إنه كان غفورا رحيما)). أى: إنه - سبحانه- واسع المغفرة والرحمة، لمن ترك الكفر وعاد إلى الإيمان، وترك العصيان وعاد إلى الطاعة . قال الإمام ابن كثير:«وقوله: « إنه كان غفورا رحيما، دعاء لهم إلى التوبة والإنابة ، وإخبار بأن رحمته واسعة، وأن حله عظيم وأن من تاب إليه تاب عليه، فهؤلاء مع كذبهم ، وافترائهم: ولجورهم، وبهتهم، وقولهم عن الرسول والقرآن ما قالوا، يدعوهم - سبحانه - إلى التوبة والإقلاع عمام عليه من كفر إلى الإسلام والهدى ... كما قال - تعالى - ((لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة، وما من إله إلا إله هو، وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمن الذين كفروا منهم عذاب أليم. أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه، والله غفور رحيم)) ... قال الحسن البصرى: أنظروا إلى هذا الكرم والجود. قتلوا أوليا .. وهو يدعوهم إلى التوبة ... (١). ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك شبهة ثالثة، تتعلق بشخصية النبى - صلى الله عليه وسلم - حيث أنكروا أن يكون الرسول من البشر، وأن يكون آكلا للطعام، وماشيا فى الأسواق ، فقال - تعالى -: (١) تفسير الألوسى ج ١٨ ص ٠٢٣٦ (٢) تفسير ابن كثيرج ٦ ص ٠١٠٢ ٥٠ ! - سورة الفرقان ) ٢٢٦ سورة الفرقان ((وَقَلُوا مالِ هذَا الرسُولِ يَأْ كلُ الطعامَ ومِشِى فِى الْأَسْوَاقِ، لولاً أُنْزِلَ إليهِ مَلَكٌ فيكونَ مَعَهُ نَذيراً (٧) أو يُلقَى إليهِ كَنَزٌ أو تكونُ لهُ جنةٌ بأكلُ منها، وقالَ الظالِمُونَ إنْ تَنَبعونَ إلاَّ رجلاً مَسْحوراً (٨) انظُرْ كَيفَ ضربوا لكَ الأمثالَ فَضَلُوا فلا يَسْتظيمونَ سَبِيلاً (٩) تباركَ الذى إنْ شَاءَ جَعَلَ لكَ خَيراً مِنْ ذلكَ جَنَّاتٍ تجرى مِنْ تَحتِهاَ الأنهارُ وَيُحِعَل لَكَ قُصُوراً (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بالساعةِ سَعِيراً (١١)). ذكر بعض المفسرين فى سبب نزول هذه الآيات أن جماعة من قريش قالوا للنبى - صلى الله عليه وسلم - إن كنت تزيد بما جئت به مالا جمعنا لك المال حتى تكون أغنانا، وإن كنت تريد ملكا، جعلناك ملمكا علينا ... فقال - صلى الله عليه وسلم - ما أريد شيئا مما تقولون، ولكن الله تعالى بعثنى إليكم رسولا، وأنزل على كتابا، وأمرنى أن أكون لمكم بشيراً ونذيرا، فبلغت كم رسالة ربى، ونصحت لكم. فإن تقبلوا منى ماجئتكم به فهو حظكم فى الدنيا والآخرة، وإن تردوه على أصبر لأمر الله - تعالى - حتى يحكم بينى وبينكم . فقالوا: فإن كنت غير قابل شيئا مما عرضنا عليك، فسل نفسك، مل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما نقول ويراجعنا عنك، وسله أن يجعل لك جنانا وقصورا .. فقال لهم - صلى الله عليه وسلم -: ما أنا بفاعل، وما أنا بالذى يسأل ربه هذا ، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله تعالى بعثنى بشيرا ونذيرا، فأنزل الله تعالى فى قولهم ذلك ... »(١). (١) تفسير الآلوسي ج ١٨ ص ٠٢٣٧ ٢٢٧ الجزء الثامن عشر والضمير فى قوله تعالى: ((وقالوا)، يعود إلى مشر كى قريش، و((ما)) استفهامية بمعنى إفكار الوقوع ونفيه، وهى مبتدأ، والجاروالمجرور بعدها الخبر، وجملة (( يأكل الطعام)) حال من الرسول. أى: أن مشركي قريش لم يكتفوا بقولهم إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - قد افترى القرآن، وأن القرآن أساطير الأولين ... بل أضافوا إلى ذلك أنهم قالوا على سبيل السخرية والتهكم والإنكار لرسالته: كيف يكون محمدا- صلى اللّه عليه وسلم - رسولا، وشأنه الذى نشاهده بأعيننا، أنه (( يأكل الطعام)) كما يأكل سائر الناس ((ويمشى فى الأسواق، أى: ويتردد فيها كما نتردد طلبا للرزق . ((لولا أنزل إليه ملك، أى: هــ لا أنزل إليه ملك بعضده ويساعده ويشهد له بالرسالة (( فيكون)) هذا الملك , معه نذيرا)) أى: منذرا من يخالفه بسوء المصير . ((أو يلقى إليه، أى: إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -«كنز، أى: مال عظيم يغنيه عن التماس الرزق بالأسواق كسائر الناس . وأصل الكنز، جعل المال بعضه على بعض وحفظه. من كنز التمر فى الوعاء، إذا حفظه. ((أو تكون له)) - صلى الله عليه وسلم - ((جنة يأكل منها، أى: حديقة مليئة بالأشجار المثمرة، لكى يأكل منها ونأكل معه من خيرها . ((وقال الظالمون)، فضلا عن كل ذلك ((إن تقبعون)) أى: ما تتبعون ((إلا رجلا مسحورا)) أى: مغلوبا عنى عقله، ومصابا بمرض قد أثر فى تصرفاته . فأنت ترى أن هؤلاء الظالمين قد اشتمل قولهم الذى حكاه القرآن عنهم - على ست قبائح، قصدهم من التفوه بها صرف الناس عن أتباعه - صلى الله عليه وسلم .. قال صاحب الكشاف عند تفسير لهذه الآيات: ((أى، إن صح أنهرسول ٢٢٨ سورة الفرقان الله فما باله حاله كحالنا « يأكل الطعام، كما نأكل ويتردد فى الأسواق لطلب المعاش كما نتردد. يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكا مستغنيا عن الأكل والتعيش. ثم نزلوا عن اقتراحهم أن يكون ملكا، إلى اقتراح أن يكون إنسانا معه منك، حتى يتساندا فى الإنذار والتخويف. ثم نزلوا - أيضا - فقالوا : وإن لم يكن مرفودا بملك. فليكن مرفودا بكنز يلقى إليه من السماء يستظهر به ولا يحتاج إلى تحصيل المعاش. ثم نزلوافاقتنعوا بأن يكون رجلا له بستان يأكل منه وير نزق ... وأراد بالظالمين: إياهم بأعيانهم. وضع الظاهر موضع المضمر ليسجل عليهم بالظلم فيما قالوا ... ، !! ). وقد رد الله - تعالى- على مقتر حاتهم الفاسدة، بالتهو ين من شأنهم، وبالتعجيب من تفاهة تفكيرهم، وبالتسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه منهم فقال : : انفار كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا». أى: انظر - أيها الرسول الكريم - إلى هؤلاء الظالمين، وتعجب من تعنتهم ، وضحالة عقولهم ، وسوء أقاويلهم، حيث وصفوك قارة بالسحر، وقارة بالشعر ، وتارة بالكهانة . وقد ضلوا عن الطريق المستقيم فى كل ماوصفوك به ، وبقوا متحيرين فى باطلهم ، دون أن يستطيعوا الوصول إلى السبيل الحق . وإلى الصراط المستقيم . فالآية الكريمة تعجيب من شأنهم، واستعظام لما نطقوا به، وحكم عليهم بالخيبة والضلال، وتسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما قالوه فی شأنه. ثم أضاف - سبحانه - إلى هذه التسلية، تسلية أخرى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - فقال - تعالى - تبارك الذى إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجرى من تحتها الأنهار ويحل لك قصورا). (١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٠٣٦٥ ٢٢٩ الجزء الثامن عشر أى : جل شأن الله تعالى، وتكاثرت خيراته، فهو - سبحانه -الذى - إن شاء - جعل لك فى هذه الدنيا - أيها الرسول الكريم- خيرا من ذلك الذى اقترحوه من الكنوز والبساتين، بأن يهبك جنات عظيمة تجرى من تحت أشجارها الأنهار ، ويهبك قصورا نغمة ضخمة . ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك، لأن ما ادخره لك من عطاء كريم خير وأبقى . فقوله - تعالى -: ((إن شاء، كلام معترض لتقييد عطاء الدنيا، أى: إن شاء أعطاك فى الدنيا أكثر ما اقترحوه، أما عطاء الآخرةفهو محقق ولا قيد عليه. وقوله - سبحانه -: « جنات تجرى من تحتها الأنهار، تفسير لقوله «خيرا من ذلك ، فهو بدل أو عطف بيان . ثم انتقل - سبحانه - من الحديث عن قبائحهم المتعلقة بوحدانية الله تعالى، وبشخصية رسوله - صلى الله عليه وسلم، إلى الحديث عن رذيلة أخرى من رذائلهم المتكاثرة، ألا وهى إنكارهم للبعث والحساب، فقال - تعالى -: ((بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعير!)). أى: إن هؤلاء الكافرين لم يكتفوا باتخاذا هة من دون الله - تعالى -، ولم يكتفوا بالسخرية من رسوله - صلى الله عليه وسلم - بل أضافوا إلى ذلك أنهم كذبوا بيوم القيامة وما فيه من بعث وحشر وثواب وعقاب، والحال أننا بقدرتنا وإرادتنا قد أعددنا وهيأنا لمن كذب بهذا اليوم سعيرا. أى : نارا عظيمة شديدة الاشتعال. وقال - سبحانه - ((وأعتدنا لمن كذب بالساعة)، ولم يقل: لمن كذب بها. للمبالغة فى التشنيع عليهم، والزجر لهم، إذ أن التكذيب بها كفر يستحق صاحبه الخلود فى النار المستعرة . ٢٣٠ سورة الفرقان ثم صور - سبحانه - حالهم عندما يعرضون على النار، وهلعهم عندما يلقون فيها، كما بين - سبحانه - مال المتقين وما أعد لهم من نعيم مقيم ، فقال - تعالى - : (( إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مكانٍ بعيدٍ سمعوا لها تَنْيُّظاً وزفيراً (١٢) وإذا أَلْقُوا مِنهاَ مكاناً ضَيِّقَاً مقرَّفِينَ دَعَوا هنالِكَ ثُبوراً (١٣) لا تَدْعُوا اليَومَ تُبوراً واحداً وادعُوا ثبوراً كثيراً (١٤) قُلْ أَذلكَ خيرٌ أم جنَّهُ أُظْلِهِ التى وُعِدَ الَّقونَ كَانَتْ لُهُمْ جزاء ومصِيراً (١٥) لُهُم فيها ما يشاءونَ خالِدِينَ ، كَانَ عَلَى رَبِّكَ وعداً مسئُولاً (١٦))). وقوله تعالى :. إذا رأتهم ... ، الضمير فيه يعود إلى سعيرا، والتغيظ فى الأصل: إظهار الغيظ ، وهو شدة الغضب الكامن فى القلب. والزفير : ترديد النفس من شدة الغم والتعب حتى تنتفخ منه الضلوع، فإذا ما اشتد كان له صوت مسموع. والمعنى: أن هؤلاء الكافرين الذين كذبوا بالساعة، قد اعتدنا لهم بسبب هذا التكذيب نارا مستعرة. إذا رأتهم هذه النار من مكان بعيد عنها، سمعوا لها غليانا كصوت من اشتد غضبه، وسمعوا لها زفيرا، أى : صوتا مترددا كأنها تناديهم به . فالآية الكريمة تصور غيظ الغار من هؤلاء المكذبين تصويرامر عباء يزلزل النفوس ويخيف القلوب . والتعبير بقوله - تعالى -: ((من:عبد)، يزيد هذه الصورة رعبا وخونا، لأنها لم تنتظرهم حتى إلى أن يصلوا إليها، بل هى بمجرد أن تراهم من مكان بعيد - والعياذ بالله .. يسمعون تغيظا وزفيرها وغضبها عليهم، وفرحها بإلقائهم فيها. ٢٣١ الجزء الثامن عشر قال الألوسى:((وإسناد الرؤية إليها حقيقة على ماهو الظاهر، وكذا نسبة التغيظ والزفير فيما بعد إذلا امتناع فى أن يخلق الله تعالى النارحية مغتاظلة زافرة على الكفار ، فلا حاجة إلى تأويز الظواهر الدالة على أن لها إدراكا كهذه الآية، وكقوله تعالى: «يوم نقوز لجهنم هل امتلأت وتقول هل من •زيد)). وقوله صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح الذى ر واه الإمام البخارى شكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضى بعضا، فأذن لها بنفسين: نفس فى الشتاء ونفر فى الصيف ..... (١). ثم حكى - سبحانه - حالهم عندما يستقرون فيها فقال:« وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك نيورا،. أى: أن النار إذا رأت هؤلاء المجرمين سمعوالها ما يزعجهم وبفزعهم، ((وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا)، أى: وإذا ما طر حوا فيها فى مكان ضيق منها، حالة كونهم ((مقرنين، أى: منيدين بالأغلال بعضهم مع بعض أومع الشياطين الذبن أضلوم . ((دعوا هنا لك، أى، تنادوا هنا لك فى ذلك المكان بقولهم ((أبورا)) أى: هلا كا وخسرانا بقال فلان ثبره الله - تعالى -، أى: أملكه هلا كا لا قیام له منه . أى: يقولون عندما يلقون فيها، ياهلا كنا أقبل فهذا أوابك، فإنك رحم بنا مما نحن فيه . ووصف - سبحانه - المكان الذى يلقون فيه بالضوق، الإشارة إلى زيادة كربهم، فإن ضيق المكان يعجزهم عن التفلت والتعلمل. وهنا يسمعون من يقول لهم على سبيل الزجر والسخرية المريرة ، ((لاندعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا)). (١) تفسير الآلوسي ج ١٨ ص ٠٢٤٢ ٢٢٢ سورة الفرقان أى: از كوا اليوم طلب الهلاك الواحد واطلبوا هلا كا كثيرا لاغاية لكثرته ، ولا منتهى لهايته . قال صاحب الكشاف:«قوله: وادعوا ثبورا كثيرا، أى: أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحدا، وإنما هو ثبور كثير، إما لأن العذاب أنواع وألوان كل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها ، فلا غاية لهلاكهم ،(1) . ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يبين لهم ما أعده - سبحانه - لعباده المتقين، فقال: ((قل أذلك خير أم جنة الخلد التى وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا. لهم فيها ما يشاءون خالدين. كان على ربك وعدا مسئولا : . وإسم الإشارة , ذلك يعود إلى ماذكر من العذاب المهين لحم والاستفهام التفريع والتهكم. والعائد إلى الموصول محذوف أى: وعدها الله للمتقين، وإضافته الجنة إلى الخلد للمدح وزيادة السرور للذين وعدهم الله - تعالى - بها. أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين، أذلك العذاب المهين الذى أعد لكم خير، أم جنة الخلد التى وعدها الله - تعالى - للمتقين، والتى «كانت لهم، بفضل الله وكرمه: جزاء، على أعمالهم الصالحة، ومصير أوطيبا يصير ون إليه . «لهم فيها، أى: فى تلك الجنة , ما يشاءون، أى: مايشاءونه من خيرات وملذات حالة كونهم ((خالدين)) فيها خلودا أبديا. ( كان على ربك وعدا مسؤولا، أى: كان ذلك العطاء الكريم الذى تفضلنا به على عبادنا المتقين ووعدناهم به، من حقهم أن يسألو ناتحقيقها.ظمه (١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٠٢٦٧ ٢٢٣ الجزء الثامن عشر وسمو منزلته، كما قال - تعالى - حكاية عنهم فى آية أخرى «ربنا وآتنا ماوء. تما على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة. إنك لا تخلف الميعاد». وعلى هذا المعنى يكون قوله« مسئولا، بمعنى جديراً أن يسأل عنه المؤمنون لعظم عانه . ويجوز أن يكون السائلون عندهم الملائكة، لما فى قوله - تعالى -: « ربنا وأدخلهم جنات عدن التى وعدتهم .... ويرى بعضهم أن المعنى: كان ذلك العطاء للمؤمنين وعدا منا لهم، ونحن مفضلنا وكرمنا ستنفذ هذا الوعد، قال - تعالى - ,وعداته لا يخلف الله وعده ٫٠٠٠ هذا، وقد تكلم العلماء هذا عن المراد بلفظ، خير ، فى قوله - تعالى- , قل أذلك خير أم جنة الخلد، وقالوا : إن هذا اللفظ صيغة تفضيا ، والمفضل عليه هنا وهو العذاب لاخير فيه ألبتة، فكيف عبر - سبحانه - بلفظ. خير؟ وقد أجابوا عن ذلك بأن المفاضلة هن غير مقصودة، وإنما المقصود هو التهكم بهؤلاء الكافرين الذين آثروا الضلالة على الهداية ، واستحبوا الكفر على الإيمان. قال أبو حيان - رحمه الله -: ((خير)، فما لير تدل على الأفضلية، بل هى على ماجرت به عادة العرب فى بان فضل الشىء، وخصوصيته بالفضل دون مقابلة. كفوله : فشركما لخير كما، الفداء. واقول العرب: الشفاء أحب إليك أم السعادة وكقوله - تعالى - حكاية عن يوسف - عليه السلام -: ،رب السجن أحب إلى مما يدعو أنى إليه ،(١). (١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان ج ٦ ص ٠٤٨٥ ٢٣٤ سورة الفرقان ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن حالهم عند منعرضودهم وآلهتهم الحشر والحساب يوم القياءة، وقد وقفوا جميعا أمام ربهم للسؤل والجواب ، ول - تعالى- ((يومَ يحشرُ وما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ، فيقولُ: أَ ثْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِى مَؤْلَاء أَمْ هُمُ ضَلُوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانِك ما كانَ يَنْبغى لَذَا أَنْ تَّخِذَ من دونِكَ مِنْ أَوْلٍِاء وَلكنْ مَتَّعْتَهُمِ وآباءهمُ حتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًاً بوراً (١٨) فَتَدْ كذبوكُ بما نَقُولُونَ فما تستطِعُونَ صَّرْفَاً ولا نصراً ومَنْ يظلِمْ مِنْكُمُ نُذِقْهُ عِذَاباً كبيراً (١٩)». وقوله - تعالى -: «ديوم، منصوب على المفعولين بفعل مقدر، والمقصود من ذكر اليوم: تذكيرهم بما سيحدث فيه من أهوال حنى يعتبروا ويتعظوا. والضمير فى ((يحشرهم)) للكافرمن الذين عبدو غير الله - تعالى -.. وقوله: ((وما يعبدون من دون الله) معطوف على مفعولى ((نحشرم)) والمراد هؤلاء الذين عبدوهم من دون الله: الملائكة وعزير وعيسى وغيرهم من كل معبود سوى الله - تعالى . . والمعنى: واذكر لهم - أيها الرسول الكريم - حالهم - لعلهم أن يعتبر وا. يوم تحشرهم جميعا للحساب والجزاء يوم القيامة، ونحشر وتجمع معهم جميع الذين كانوا يعبدونهم غيرى . ثم توجه كلامنا هؤلاء المعبودبن من دونى فأقول لهم: ١أنتم - أيها المعبودون - كنتم السبب فى ضلال عبادى عن إخلاص العبادة لى ، بسبب إغرائ كم لهم بذلك أم هم الذين من تلقاء أنفسهم قد ضلوا السبيل، بسبب إيشارهم الغى على الرشد، ولكفر على الإيمان ؟ ولسؤال المعيودين إنما هو من باب التقريع للعابدين، وإلزامهم الحجة وزبادة حسرتهم، وتبرئة ساحة المعبودين . الجزء الثامن عشر وشبيهه بهذه الآية قوله - تعالى -: ((وإذ قال الله ياعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهین من دون اقه ، قال سبحانك ، وقوله - عز وجل -: ((ويوم بحشرهم جميعا ثم بقول للملائكة، أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون. قالوا : سبحانك أنت ولينا من دونهم ... قال الإمام الرازى ما ملخصه: (((فإن قيل: أنه - سبحانه - عالم فى الأزل بحال المسئول عنه فما فائدة السؤال ؟ والجواب: هذا استفهام على سبيل التقريع للمشركين. كما قال - سبحانه- لعيسى: أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله .. ، ولأن أولئك المعبودين لما برموا أنفسهم وأحالوا ذلك الضلال عليهم، صار تبرؤ المعبودين عنهم أشد فى حسرتهم وحيرتهم ، (١). وقال - سبحانه ــ «أم هم ضلوا السبيل)) ولم يقل. ضلوا عن السبيل، الاشعار بأنهم قد بلغوا فى الضلال أقصاه ومنتهاه . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أجاب به المعبودون فقال:, قالوا سبحانك ما كان ينبغى لها أن تتخذ من دونك من أولياء، ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا)). أى قال المعبودين لخالقهم - عز وجل -: ( سبحانك، أى: تزمك تنزيها تاما عن الشر كاء وعن كل مالا يليق بحلالك وعظمتك، وليس الخلائق جميعا أن يعبدوا أحداًسواك . ولا يليق بنا نحن أوهم أن نعبد غيرك وأنت يامولانا الذى أسبغت عليهم وعلى آبائهم الكثير من نعمك، ((حتى نسوا الذكر، أى : حتى تركواما أنزلته عليهم على ألسنة رسلك، من الدعوة إلى عبادتك وحدك لاشريك لك ،وكانوا، بسبب ذلك,قوما بوراء أى: هلكى ، جمع بائر من البوار وهو الهلاك. (١) تفسير الفخر الرازى ج ٦ ص ٠٣٢٥ ١٣٦ سورة الفرقان قال القرطبى:( قوله: (بورا، أى: هلكى قاله ابن عباس ... وقال الحسن ((بورا، أى: لاخير فيهم. مأخوذ من بوار الأرض، وهو تعطيلها من الزرع فلا يكون فيها خير . وقال شهر بن حوشب : البوار : الفساد والكساد ، من قولهم: بارت السلعة إذا كسدت كساد الفساد ... وهو إسم مصدر يستوى فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث،(!). وهكذا، يتبرأ المعبودون من ضلال عابديهم، ويو بخونهم على جهودهم لنعم الله - تعالى - وعلى عبادتهم لغيره. ويعترفون لخالقهم - عز وجل - بأنه لا معبود بحق سواه . وهنا يوجه - سبحانه - خطابه إلى هؤلاء العابدين الجهلاء الكاذبين فيقول: ((فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ... ، أى: قال الله - تعالى - لهؤلاء الكافرين على سبيل التقريع والتبكيت والآن لقد رأيتهم تكذيب من عبد تموم لكم، وقد حق عليكم العذاب بسبب تفركم و كذبكم، وصرتم لا تملكون له «صرفا، أى: دفعا بأية صورة من الصور. وأصل الصرف: نشى من حالة إلى حالة أخرى. ولا تملكون له - أيضاً, نصرا، أى: فردا من أفراد النصر لامن جهة أنفسكم ولامن جهة غيركم، بل لقد حل بكم العذاب حلولا لافكاك لكم منه بأى وسيلة من الوسائل . ((ومن يظلم منكم، أى: ومن يكفر بالله - تعالى - منكم أيها المكلفون بالإيمان، فذفه عذابا كبيرا، لا يقادر قدره فى الخزى والهوان. قال صاحب الكشاف: «هذه المفاجأة بالاحتجاج والإلزام - فى قوله : فقد كذبوكم حسنة رائعة وخاصة إذا إنضم إليها الالتفات وحذف القول ونحوها قوله - تعالى - ((يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير، فقد جاءكم بشير (١) تفسير القرطبى = ١٣ ص ١١. ٢٣٧ الجزء الثامن عشر ونذير .... وقول القائل: قالوا خراسان قصى ما يراد بنا. ثم القفول فقد جمنا خراسانا ،(١). وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أقامت الحجة على الكافرين بطريقة تخرس ألحفهم، ونجعلهم أهلا لكل ما يقع عليهم من عذاب أليم. ثم تعود السورة مرة أخرى إلى تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإلى الرد على شبهات أعداقه فتقول: (( وما أَرْسَلَنَاَ قبَلَك من المرسَلِينَ إلاَّ أَنْهم يأكلُونَ الطعامَ ويِمْشُون فى الأسْواقِ وجَعَلْنَاَ بعضَّكُم لَبَعضٍ فِثْنَةٍ، أَتَصِرُونَ) وكانَ رِئِكَ بَصِيراً (٢٠))). أى: وما أرسلنا قبلك - أيها الرسول الكريم - أحدا من رسلنا، إلا وحالهم وشأنهم أنهم يأكلون الطعام الذى يأكله غيرهم من البشر. ويمدون فى الأسواق كما يمشى غيرهم من الناس ، طلبا للرزق . وإذاً فقول المشركين فى شأنك «مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق، قول يدل على جهالا هم وسوء نياتهم فلا تتأثر به، ولا تلتفت إليه، فأنت على الحق وهم على الباطل. وقوله - تعالى: (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة)» بيان لسنة من سنن الله - تعالى - فى خلقه، اقتضتها حكمته ومشيئته. أى : إختبرفا بعضكم ببعض، وبلونا بعضكم ببعض، ليظهر قوى الإيمان من ضعيفه، إذ أن قوى الإيمان لتصديقه بقضاء الله وقدره يثبت على الحق ويلتزم بما أمره الله - تعالى - به، أما ضعيف الإيمان فإنه يحسد غيره على (١) تفسير الكشاف = ٣ من ٠١٧١ ٢٣٨ سورة الفرقان ما آتاه الله - تعمالى. من فضله. كما حسد المشر كون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على منصب النبوة الذى أعطاه الله - تعالى - إياه، وقالوا لولانزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم». قال القرطبى: ((قوله - تعالى -: (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون)) أى : أن الدنيا دار بلاء وامتحان، فأراد - سبحانه - أن يجعل بعض العميد فتنة لبعض على العموم فى جميع الناس، فالصحيح فتنة للمريض . والغنى فتنة للفقير ... ومعنى هذا، أن كل واحد مختبر بصاحبه، فالغنى متحن بالفقير، فعليه أن يواسيه ولا يسخر منه ، والفقير ممتحن بالغنى فعليه أن لا يحسده. ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق .. والرسول المخصوص بكرامة النبوة، فتنة الأشراف الناس من الكمار فى عصره .... فالفتنة: أن يحسد المبتلى المعانى. والصبر: أن يحبس كلاهما نفسه، هذا عن البطر وذاك عن الضجر ... (١), والاستفهام فى قوله - تعالى -: أنصبرون)) للتقرير. أى: أتصرون على هذا الابتلاء والاختبار فتناولوا من الله - تعالى - الآجر، أم لا تصبرون فيزداد همكم وغمكم؟ ويصح أن يكون الاستفهام بمعنى الأمر . أى: أصبروا على هذا الابتلاء كما فى قوله - تعالى -: «وقل الذين أوتوا الكتاب والأميين السلم ... ،أى: أسلموا .. وما فى قوله - سبحانه -: ((فهل أنثم منتهون)) أى: إنهوا عن الخمر والميسر. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله، وكان ربك بصيرا، أى: وكان ربك - أيها الرسول الكريم - بصيرا بأحوال النفوس الظاهرة والخفية، وبتقلبات القلوب وخلجانها. فاصبر على أذى قومك، فإن العاقبة لك ولأتباعك المؤمنين. (١) تفسير القرطبى ج ١٣ ص ٠١٨ ٢٣٩ الجزء التاسع عشر فهذا التذييل فيه مافيه من القلية والتثبيت لفؤاد النبى - صلى الله حليه وسلم -. ثم حكت السورة للمرة الرابعة تطاول المشركين وجهالاتهم، وردت عليهم بما يخزيهم، وبينت ما أعد لهم من عذاب فى يوم لا ينفعهم فيه الندم. قال - تعالى - : ((وقالَ الذِينَ لا يَرْجُونَ لقاءِ نَلوْلاَ أُنزِلَ عَلَينَاَ الملائكةُ أَو نَرى ربَّ، لقد استكبّرُوا فى أَنفُسِمِ وعَتَوْا عُتُوَّا كبيراً (٢١) يَوْمَ يِرَوْنَ الملائكةَ لا بَشْرَى يومئذٍ للمُجرِمينَ ويقولُونَ حجراً مَحجُوراً (٢٢) وقَدِمْنَاً إلى ما عملوا مِنْ عَمَلٍ فجعَلْنَهُ هَبَة منتُوراً (٢٣) أَصحابُ الجِنَّةِ يومئذٍ خيرٌ مُسْتَقراً وأَحسنَ مقيلاً (٢٤) ويوْمَ أَشْتَّقُ السَّماء بالضّامِ ونَزَّل الملائكةُ تنزيلاً (٢٥) المُلكُ يومَئذِ الحقُّ للرَّحَنِ وكانَ يوماً عَلَى الْكَافِرِ ينَ عسيراً (٢٦) ويَوْمَ يَعَضُ الظالِمُ عَلَى يَدِيهِ يقولُ بالَيَغْنِى الْخَذّتُ معَ الرسُولِ سبيلاً (٢٧) يا وَيَلَى لَيْدِى لَمَّ اتَّخِذْ فُلَّنًا خَلِيلاً (٢٨) لقَدْ أَضَّنِ عَنِ الذَكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَبِى، وكانَ الشيطانُ للإِنْسانِ خذُولاً (٢٩))). قال المخر الرازى ((إعلم أن قوله - تعالى -: ((وقال الذين لا يرجون لقاءنا)، هو الشبهة الرابعة من الفكرى نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم- حاملها : لماذا لم ينزل الله الملائكة حتى يشهدوا أن محمدا حق فى دعواه، أو نرى ربنا حتى يخبرنا بأه أرسله إلينا ... ،(!). (١) تفسير الفخر الرازى ج ٦ ص ٤٢٩ ٢٤٠ سورة الفرقان والرجاء الأمل والتوقع لما فيه خير ونفع. وفسره بعضهم بمجردالتوقع الذى يشمل ما يسر وما يسوء وفسره بعضهم هنا بأن المراد به: الخوف. والمراد بلقائه - سبحانه - الرجوع إليه يوم القيامة للحساب والجزاء. وقال الكافرون الذين لا أصل عندهم فى لقائنا يوم القيامة للحساب والجزاء لأسهم ينكرون ذلك، ولا يبالون به، وبخافون أهواله. وقالوا - على سبيل التعنت والعناد - هلا أنزل علينا الملائكة لكى يخبروفا بصدق محمد - صلى الله عليه وسلم - أو هلاغى ربنا جهرة ومعاينة ليقول لنا إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - رسول من عندى! وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ((أو تأنى بالله والملائكة قيلا))،(!) أى: ليشهد وبصدقك. وقد رد الله - تعالى - عليهم بقوله: « لقد استكبروا فى أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا،. والعقو: تجاوز الحد فى الظلم والعدوان. يقال عتا فلان يعتوعتوا، إذا تجاوز حده فى الطغيان . أى: والله لقد أضمر هؤلاء الكافرون الاستكبار عن الحق فى أنفسهم المغرورة وتجاوزوا كل حد فى الطغيان تجاوزا كبيرا، حيث طلبوا مطالب هى أبعد من أن ينالوها بعد الأرض عن السماء. وصدق الله إذ يقول: « إن فى صدورهم إلا كبر مام ببالغيه ... (٢) . ووصف - سبحانه - عتوهم بالكبر للدلالة على إفراطهم فيه ، وأنهم قد وصلوا فى عتوهم إلى الغاية القصوى منه . ثم بين - سبحانه - الحالة التى يرون فيها الملائكة فقال: ((يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ... (١) سورة الاسراء الآية ٩٢ (٢) سورة غافر الآية :٥