النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ الجزء الثامن عشر أسبب ذلك أنهم مرضى القلوب بالنفاق وضعف الإيمان؟ أم سبب ذلك أنهم يشكون فى صدق نبوته. صلى الله عليه وسلم -؟ أم سببه أنهم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله ؟ لاشك أن هذه الأسباب كلها قد امتلأت بها قلوبهم الفاسدة ، وفضلا من ذلك فهناك سبب أشد وأعظم، وهو حرصهم على الظلم ووضع الأمور فى غير مواضعها، ولذا ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: «بل أولئك م الظالمون» . أى: بل أولئك المنافقون هم الظالمون لأنفسهم ولغيرهم ، حيث وضعوا الأمور فى غير موضعها، وآزروا الغى على الرشد. والكفر على الإيمان. قال الجمل: "وقوله: أفى قلوبهم مرض ... الخ، استنكار واستقباح الإعراضهم المذكور، وبيان لمنشعه بعد استقصاء عدة من القبائح المحققة فيهم، والاستفهام للإنكار لمكن النفى المستفاد به لا يتسلط على هذه الأمور الثلاثة، لأنها واقعة لهم، وقائمة بهم، والواقع لا ينفى، وإنما هو متسلط على منشئيتها وسببيتها لإعراضهم .. ،(١). قم بين - سبحانه - بعد ذلك ماهو واجب على المؤمنين إذا مادعوا إلى أنه ورسوله ليحكم بينهم، فق ل - تعالى -: ((إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، أن يقولوا سمعنا وأطعنا .... . ولفظ ((قول)) منصوب على أنه خبر ((كان)) واسمهاأن المصدرية، ع ما فى حيزما ، وهو : أن يقولوا سمعنا وأطعنا. والمعنى: أن من صفات المؤمنين الصادقين ، أنهم إذا مادعوا إلى حكم شريعة الله - تعالى - التى أوحاه إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يقولوا عندما يدعون لذلك : سمعنا وأطعنا ، بدون تردد أو تباطؤ ... (١) حاشية الجمل على الجلالين +٣ ص ٠٢٣٣ ١٨٢ سورة النور ((وأولئك الذين يفعلون ذلك (هم المفلحون، فلاحا تاما فى الديب) والآخرة . : ثم بين - سبحانه - ما يترتب على طاعة الله ورسوله فقال: ((ومن يطع الله ورسوله ويخش الله)) - تعالى - فى السر والعلن ((ويتقه)) فى كل الأحوال، (((فأولئك، الذين يفعلون ذلك «هم الفائزون، بالنعيم المقيم، والرضوان العظيم . ثم عادت السورة الكريمة إلى استكمال الحديث عن المنافقين، فقال- تع الى: , وأقسموا بالله جهد أيمانهم، لئن أمرتهم ليخرجن .. )) والجهد: الوسع والطاقة ، من جهد نفسه يجهدها - بفتح الهاء فيهما - إذا أجتهد فى الشىء، وبذل فيه أقصى وسعه . أى: وأقسم هؤلاء المنافقون بالأيمان الموثقة بأشد وسائل التوثيق» بأنهم منى أمرهم الرسول - صلى الله عليه وسلم بالخروج معه للجهاد، ليخرجن سراعا تلبية لأمره . وهذا يأمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم ردا كاء تهكم وسخرية بهم، بسبب كذبهم فيقول: ((قل لا تقسمواطاعة معروفة». أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل السخرية والزجر: لا تقسموا على ماتقولون، فإن طاعتكم معروف أمرما، ومفروغ منها) فهى طاعة باللسان فقط . أما الفعل فيكذبها. وذلك كما تقول لمن اشتهر بالكذب : لا تحلف لى على صدقك . فأمرك معروف لايحتاج إلى قسم او دليل. ثم عقب - سبحانه - على هذه السخرية منهم بقوله: ( إن الله خبير بما تعملون، أى: إن الله - تعالى - مطلع اطلاعا قاما على ظواهركم وبواطنكم ٠٬٠٠ K ١٨٣ الجزء الثامن عشر فلا يحتاج منكم إلى قسم أو توكيد لأقوالكم، وقد علم - سبحانه - أنكم كاذبون فى حلفكم . ثم يأمر - سبحانه - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن ير شدهم إلى الطاعة الصادقة، لاطاعتهم الكاذبة فيقول: ((قل أطيعوا الله والرسول، طاعة ظاهرة وباطنة طاعة مصحوبة بصدق الاعتقاد، وكمال الإخلاص، فإن هذه الطاعة هى المقبولة منكم . وقوله - سبحانه - ((فإن تولوا فإنما عليه ماحمل وعليكم ما حملتم)» تحذير لهم من التمادى فى تفاقهم وكذبهم . أى: مريم - أيها الرسول الكريم - بالطاعة الصادقة، فإن توليتم - أيها المنافقون - عن دعوة الحق وأعرضتم عن الصراط المستقيم، فإن الرسول الكريم اي عليه سوى ما حملناه إياه، وهو التبليغ والإنذار والتبشير، وأما أنتم فعليكم ما حملتم، أى: ما أمرقم به من الطاعة له - صلى الله عليه وسلم- وهو قد فعل ما كلفناه به، أما أنتم خذار أن تستمروا فى نفاقكم. ثم أرشدهم - سبحانه - إلى طريق الفوز والفلاح فقال: ((وإن تطيعوه قهدواء. أى: وإن تطيعوا أيها المنافقون - رسولنا - صلى الله عليه وسلم- فى كل ما بأمركم به أو ينها كم عنه، تهتدوا إلى الحق ، وتظفروا بالسعادة. وقوله - تعالى -: (( وما على الرسول إلا البلاغ المبين)) تذييل مقرر لما قبله، من أن مغبة الإعراض عائدة عليهم. كما أن فائدة الطاعة راجعة لهم . أى: وما على الرسول الذى أرسلناه لإرشادكم إلى ما ينفعكم إلا التبليغ الواضح، والنصح الخالض ، والتوجيه الحكيم . وبذلك ترى هذه الآيات الكريمة قد كشفت عن رذائل المنافقين ، وحذرتهم من التمادى فى نفاقهم، وأرشدتهم إلى ما يفيدهم ويسعدهم، كما وضحت ١٨٤ سورة النور ما يجب أن يكون عليه المؤمنون الصادقون من طاعة لله - تعالى - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - . ثم تركت السورة الكريمة الحديث عن المنافقين، لتسوق وعد الله الذى لا يتخلف للمؤمنين الصادقين ، قال - تعالى -: ( وعَد الله الذينَ آمنُوا منُكُمْ وعمِلُوا الصَّالحاتِ، ليَستخلفَّهِمْ فى الأرضِ كما استخْلَفَ الذينَ من قبلهم، وليمكننَّ لهم دينهم الذى ارتضَى لهم، وليبدِّلنَّهم مِن بَعْدٍ خَوْفهِم أمناً، يعبدُونِى لا يُشْرِكُون بى شاقاً ومن كفَر بعدَ ذلكَ فأولئكَ م الفاسِقِونَ (٥٥) وأقيمُوا الصَّلاةَ وَآتوا الزكاةَ وأطيعُوا الرسُولَ لعلكم ترحمُونَ (٥٦) لا تحسبنَّ الذينَ كَفرُوا معجِزِينَ فى الأرضِ، ومأواهُ النارُ ولِئْسَ المصيرُ (٥٧))). قال الإمام ابن كثير: «هذا وعد من الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بأنه سيجعل أمته فى خلفاء الأرض أى: أئمة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد ، وتخضع لهم العباد، وقد فعل تبارك وتعالى ذلك ... فإنه لم يمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى فتح عليه مكة وخرير والبحرين ، وسائر جزيرة العرب ، ولهذا ثبت فى الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((إن الله زوى لى الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتى مازوى لى منها ... ))(١). وفى تصدير الآية الكريمة بقوله - تعالى -: ((وعد ان ... ، بشارة عظيمة لس (١) تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٠٨٣ ٠٠ . ١٨٥ الجزء الثامن عشر للمؤمنين ، بتحقيق وعده - تعالى -، إذ وعد الله لا يتخلف. كما قال - تعالى -: ((وعد الله لايخلف الله وعده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون)). والخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين، و٠ من)) بيانية، والآية الكريمة مقررة لمضمون ما قبلها، وهو قوله - تعالى -: (وإن تعليموه تهتدوا ... ،. أى: وعد الله - تعالى - بفضله وإحسانه، الذين صدقوا فى إيمانهم من عباده، والذين جمعوا مع الإيمان الصادق، العمل الصالح. وعدهم، ليستخلفنهم فى الأرض، أى: ليجعلتهم فيها خلفاء يتصرفون فيها تصرف أصحاب العزة والسلطان والغلبة ، بدلا من أعدائهم الكفار . " قال الآلوسي: واللام فى قوله «ليستخلفنهم، واقعة فى جواب القسم المحذوى. ومفعول وعد الثانى عذوف دل عليه الجواب. أى: وعد الله الذين آمنوا استخلافهم،. وأقسم ليستخلفنهم ... و((ما)) فى قوله، كما استخلف)، مصدرية، والجار والمجرور متعلق بمحذوف. وقع صفة لمصدر محذوف، أى: ليستخلفنهم استخلافا كائنا كاستخلافه ((الذين من قبلهم) من الأمم المؤمنة، الذين أسكنهم الله - تعالى - فى الأرض بعد إهلاك أعدائهم من الكفرة الظالمين .. ، (٤١ . هذا هو الوعد الأول للمؤمنين: أن يحملهم - سبحانه -خلفاءه فى الأرض. كما جعل عباده الصالحين من قبلهم خلفاءه، وأورثهم أرض الكفاروديارهم. وأما الوعد الثانى فيتجلى فى قوله - تعالى -،وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم،. والتمكين: التثبيت والتوطيد والتميك. يقال: تمكن فلان من الشىء، إذا جازه وقدر عليه . [ (١) تفسير الآلوسي = ١٨ ص ٠٢٠٣ ١٨٦ سورة النور - أى: وعد الله المؤمنين بأن يجعلهم خلفاءه فى أرضه، وبأن يجعل دينهم وهو دين الإسلام الذى ارتضاه لهم، ثابتا فى القلوب ، وأسخا فى النفوس، باسطا سلطانه على أعدائه . له الكلمة العليا فى هذه الحياة ، ولمخالفيه الكلمة السفلى ... وأما الوعد الثالث فهو قوله - سبحانه -: ((وليبد لنهم من بعد خوفهم أمنا)). أى: وعدهم الله - تعالى - بالاستخلاف فى الأرض، وبتمكين دينهم. وبأن يجعل لهم بدلا من الخوف الذى كانوا يعيشون فيه ، أمنا وأطمئنانا، وراحة فى البال ، وحدورا فى الحال ... قال الربيع بن أنس عن أبى العالية فى هذه الآية: كان الغبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ؟ كه نحوا من عشر سنين. يدعون إلى الله وحده ... وهم خائفون، فلما قدموا المدينة أمرهم الله بالقتال، فكانوا بها خائفين. عسون فى السلاح ويصبحون فى السلاح. فصبروا على ذلك ماشاء ات. ثم إن رجلا من الصحابة قال : يارسول الله أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتى علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - أن تغبروا - أى: لن تمكنوا - إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم فى فى الملأ العظيم محتبيا ليست فيهم حديدة . وأنزل الله هذه الآية. فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب: فآمنوا ووضعوا السلاح ... )،(١). ولكن هذا الاستخلاف والتمكين والأمان متى يتحقق منه -سبحانه - لعباده ؟ .. (١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٨٥ ١٨٧ الجزء الثامن عشر لقد بين الله - تعالى - الطريق إلى تحققه فقال: «يعبدونني لايشر كون بى شيئا ، فهذه الجملة الكريمة يصح أن تكون مستأنفة، أى: جوابا السؤال تقديره: متى يتحقق هذا الاستخلاف والتمكين والأمان عدالخوف المؤمنين؟ فكان الجواب: يعدونى عبادة خالصة قابة مستكملة لكل شروطها وآدابها وأركانها، دون أن يشركوا معى فى هذه العبادة أحدا كائنا ،ن كاز. كما يصح أن تكون حالا من الذين آمنوا، فيكون المعنى: وعد الله - تعالى - عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات، بالاستخلاف فى الأرض. وبتمكين دينهم فيها. وبقبديل خوفهم أمنا، فى حال عبادتهم له - سبحانه - عبادة لا يشوبها شرك أو رياء أو نقص ... ووى الإمام أحمد عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة، والدين والنصر والتمكين فى الأرض. فمن عمل منهم عمل الآخرة الدنيا، لم يكن له فى الآخرة نصيب، (١). ذلك هو وعد الله - تعالى - لعباده الذين أخلصوا له العبادة والطاعة، وأدوا ماأمرهم به، واجتنبوا ما باهم عنه، أما الذين انحر فوا عن طريق الحق. وجحدوا نعمه - سبحانه - عليهم، فقد بين عاقبتهم فقال: ((ومن كفر بعد ذلك فأولئك م "فاسقون)). أى: ومن كفر بعد كل هذه النعم التى وعدت بها عبادى الصالحين، واستعمل هذه النعم فى غير ما خلقت له، فأولئك الكافرون الجاحدون هم الفاسقون عن أمرى، الخارجون عن وعدى، الناكبون عن صراطى. وهكذا نرى الآية الكريمة قد جمعت أطراف الحكمة من كل جوانبها، فقد رغبت المؤمنين فى إخلاص العبادة لله - تعالى - بأسمى ألوان الترغيب، حيث بينت لهم أن هذه العبادة سيترتب عليها الاستخلاف والتمكين والأمان. (١) تفسير ابن كثير =٦ ص ٠٨٧ ١٨٨ سورة النور ثم دهبت من الكفر والجحود وبينت أن عاقبتهما الفسوق والحرمان من نعم الله - تعالى -. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أهم أركان هذه العبادة فقال: «وأقيموا الصلاة. وآتوا الزكاة، وأطيعوا الرسول، لعلكم ترحمون)). أى: داوموا - أيها المؤمنون - على إخلاص العبادة لله - تعالى-، وأدوا الصلاة فى أوقاتها بخشوع وإحسان، وقدموا الزكاة للمستحقين لها ، وأطيعوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - طاعة قامة، لعلكم بسبب هذه"عبادة والطاعة. تنالون رحمة الله - تعالى - ورضوانه. ثم ثبت الله - تعالى - المؤمنين، وهون من شأن أعدائهم لكى لا رهيهم قوتهم فقال: لاتحسبن الذين كفروا معجزين فى الأرض، ومأواهم النار وابئس المصير ). أى: لا تظنن - أيها الرسول الكريم أنت ومن معك من المؤمنين- أن الذين كفروا مهما أوتوا من قوة وبسطة فى المال، فى إمكانهم أن يعجزونا عن إهلاكهم واستئصالهم وقطع دابرهم ، فإن قوتنا لا يعجز هاشى. وهم فى قبضتنا سواء أ كانوا فى هذه الأرض التى يعيشون عليها أم فى غيرها. واعلم، أن مأواهم، فى الآخرة النار ((ولبئس المصير) هذه النار التى هى مستقرهم ومسكنهم .. فالآية الكريمة بيان لمآل الكفرة فى الدنيا والآخرة، بعد بيان ما أعده الله - تعالى - فى الدنيا والآخرة من استخلاف وتمكين وأمان ورحمة. وقوله: ((الذين كفروا، هو المفعول الأول، لتحسين، وقول «معجزين)) هو المفعول الثانى . قال القرطبى: ((وقرأ ابن عامر وحمزة ((بحسبن)) بالياء، بمعنى لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين الله فى الأرض، لأن الحسبان يتعدى إلى مفعولين .. ،(١). (١) تفسير القرطبى : ١٢ ص ٠٢٠١ ١٨٩ الجزء الثامن عشر أى: أن ((الذين كفروا، فى محل رفع فاعل يحسبن، والمفعول الأول محذوف تقديره: أنفسهم، وقوله ((معجزين)) هو المفعول الثانى. وقوله - سبحانه -: ((ولبئس المصير، جواب لقسم مقدر، والخصوص بالذم محذوف، أى: وباتله « لبئس المصير، هى. أى: النار التى يستقرون فيها . ۵ وبعد هذه التوجيهات الحكيمة التى تتعلق ببيان أعمال المؤمنين وأعمال الكافرين ، وببيان جانب من مظاهر قدرة الله - تعالى - فى خلقه، وبيان أقوال المنافقين التى تخالف أفعالهم، وببيان ماوعد الله - تعالى - به المؤمنين من خيرات ... بعد كل ذلك، عادت السورة الكريمة إلى الحديث عما افتتحت به من الحديث عن الأحكام والآداب التي شرعها الله - تعالى -، وأمر المؤمنين بالتمسك بها فقال - تعالى -: ((يأيها الذين آمنُوا لبَسْأَذِنكُم الذينَ ملكتْ أبماَنكُم والذين لم يَبْلغوا الحلم مِنكُم ثلاثَ منَّاتٍ مِنْ قَبَلٍ صلاةِ الفجرِ، وحين تَضْعُونَ ثِيابُكُم مِنَ الظهيرةِ، ومِنْ بَعدٍ صلاةٍ العشاء، ثلاثُ عَوْرَاتٍ لكُم، لبنى عليكُ ولاً عليهم جناحٌ بعدَهُنَّ، طَوَّافُونَ عَيكَمُ بَعضُكَم كَى بعضٍ كَذلِكَ يُبينُ الله لكمُ الآياتِ، والله عليمٌ حكيم" (٥٨) وإذا بلَغَ الأطفالُ منكُ الحِلُمْ فَليست أذنُوا كما استأذَن الذينَ مِنْ قبلِم كذلكَ يبينُ الله الكُ آياته، والله عليمٌ حكيمٌ (٥٩) والقواعِدُ من النساء اللّتي لايرجُونَ فِكَاحاً، فليسَ عليهنَّ جُنَاحٌ أنْ يضَعْنَ نِابَهَنَّ ١٩٠ سورة النور غيرَ مُتَبرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ، وأنْ يَستعِفِفْنّ خيرٌ لهنَّ، والله سميعٌ عليمٌ (٦٠))). ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى -: (يأيها الذين آمنوا ليستأذنكم ... ، روايات منها: أن امرأة يقال لها أسماء بنت أبى مرثد. دخل عليها غلام كبير لها، فى وقت كرهت دخوله فيه، فأنت النبى - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يارسول الله، إن خدمنا وغلمائنا يدخلون علينا فى حال فكرمها، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. ومنها ماروى من أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعث فى وقت الظهيرة غلاءا من الأنصار يقاله له مدلج، إلى عمر بن الخطاب ، فدق الغلام الباب على عمر - وكان فئما - فاستيقظ. وجلس فانكثف منه شىء، فقال عمر :لوددت أن الله - تعالى - نهى آباءنا وأبناءناوخدمنا عن الدخول علينا فى هذه الساعة إلا بإذن . ثم انطلق عمر مع الغلام إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فوجد هذه الآية قد زلت خر ساجد الله - تعالى -،(١). وقد صدرت الآية الكريمة بندائهم: صفة الإيمان. لحضهم على الامتثال لما اشتملت عليه من آداب قويمة. وتوجيهات حكيمة. واللام فى قوله , ليستأذنكم، هى لام الأمر والمراد بما ملكت أيمانهم: الأرقاء سواء أكانوا ذكورا أم إناثا، ويدخل فيهم الخدم ومن على شاكلتهم . والمراد بالذين لم يبلغوا الحلم . الأطفال الذين فى سن الصبا ولم يصلوا إلى سن البلوغ إلا أنهم يعرفون معنى العورة ويميزون بين ما يصح الاطلاع عليه ومالا يصح . (١) تفسير الآلومى ج ٨ ص ٢١٠. ١٩١ الجزء الثامن عشر والمعنى: يامن آمنتم بالله حق الإيمان من الرجال ، والنساء، عليكم أن تمنعوا مماليككم وخدمكم وصبيانكم الذين لم يبلغوا سن البلوغ، من الدخول عليكم فى مضاجعكم بغير إذن فى هذه الأوقات الثلاثة ، خشية أن يطلعوا منكم على مالا يصح الاطلاع عليه . فقوله - تعالى -: ((ثلاث مرات)، تحديد الأوقات المنهى عن الدخول فيها بدون استئذان أى: ثلاث أوقات فى اليوم والليلة . ثم بين - سبحانه - هذه الأوقات فقال: ((من قبل صلاة الفجر، وذلك لأن هذا الوقت يقوم فيه الإنسان من النوم عادة، وقد يكون متخففا من ثيابه. ولا يحب أن يراه أحد وهو على تلك الحالة. ((وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة، أى: وحين نخلصون نيابكم وتطرحونها فى وقت الظهيرة، عند شدة الحر ، لأجل التخفف منها وارتداء ثياب أخرى أرق من تلك الثياب ، طلبا للراحة أو استعدادا للدوم. (((ومن بعد صلاة العشاء)، لأن هذا الوقت يتجرد فيه الإنسان من ثياب اليقظة، ليتخذ ثيابا أخرى للنوم . وقوله - سبحانه -: ((ثلاث عورات لكم)) خبر مبتدأ محذوف والعورات: جمع عورة. وتطلق على ما يجب ستره من الإنسان ، وهى - كما يقول الراغب- مأخوذة من العار ، وذلك لأن المظهر لها يلحقه العار والدم بسبب ذلك . أى: هذه الأوقات من ثلاث عورات كائنة لـكم ـ فعليكم أن تعودوا بالبككم وخدمكم وصبيانكم . على الاستئذان عند إرادة الدخول عليكم فيها، لأنها أوقات يغلب فيها اختلاء الرجل بأهله، كما يغلب فيها التخفف من الثياب ، وانكشاف ما يجب ستره. ١٩٢ سورة النور وقوله - سبحانه -: (( ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن، بيان لمظهر من مظاهر التيسير فى شريعة الإسلام . أى: ((ليس عليكم، أيها المؤمنون والمؤمنات, ولا عليم، أى: أرق ئكم وصبيانكم ((جناح، أى: حرج أو إثم فى الدخول بدون استئذان «بعدهز)). أى : بعد كل وقت من تلك الأوقات الثلاثة. وقوله - تعالى -: ((طوافون عليكم بعضكم على بعض)) تعليمل لبيان العذر المرخص فى ترك الاستئذان فى غير الأوقات التى حددها الله - تعالى .. أى : لاحرج فى دخول مالككم وصيانكم عليكم فى غير هذه الأوقات بدون استئذان، لأنهم تكثر حاجتهم فى التردد عليكم، وأنتم كذلك لا غنى لكم عزم فأنتم وهم يطوف بعضكم على بعض لقضاء المصالح فی کثیر من الأوقات . وبذلك يجمع الإسلام فى تعاليمه بين التستر والاحتشام والتأدب بآدابه القويمة ، وبين السماحة وإزالة الحرج والمشقة . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله:، كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم ». أى: مثل هذا البيان الحكيم يبين الله - تعالى - لكم الآيات التى توصلكم متى تمسكتم بها، إلى طريق الخير والسعادة، والله - عز وجل - عليم بما يصلح عباده، حكيم فى كل ما يأمر به، أو ينهى عنه وهكذا تسوق لنا الآية الكريمة ألوانا من الأدب السامى، الذى يجعل الكبار والصغار، يعيشون عيشة فاضلة، عامرة بالطهر والعفاف والحياة، والنقاء من كل ما يجرح الشعور ، ومن كل تصور يتنافى مع الخلق الكريم . ثم إنتقلت السورة إلى الحديث عن البالغين بالنسبة للاستئذان ، بعد ١٩٣ الجزء الثامن عشر حديثها عن حكم غير البالغين بالنسبة لذلك فقال - تعالى -, وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم ، فليستأذنواكما استأذن الذين من قبلهم ..... (أى: وإذا بلغ الأطفال منكم - أيها المؤمنون والمؤمنات - من الاحتلام والبلوغ الذى يصلح معه الزواج، فعليهم أن يستأذنوا فى الدخول عليكم فى كل الأوقات ، كما استأذن الذين هم أكبر منهم فى السن عندما بلغوا سن الاحتلام، فقد أمر - سبحانه - أمراءاما بذلك فقال: «يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها .... . قال صاحب الكثماف:((والمعنى أن الأطفال مأذون لهم فى الدخول بغير إذن إلا فى العورات الثلاث ، فإذا اعتاد الأطفال ذلك ثم خرجوا عن حد الطفولة ، بأن يحتلموا، أو يبلغوا السن التى يحكم عليهم فيها بالبلوغ، وجب أن يفطموا عن تلك العادة ، ويحملوا على أن يستأذنوا فى جميع الأوقات ، كما هو الحال بالنسبة للرجال الكبار الذين لم يعتادوا الدخول عليكم إلا إذن . وهذا مما الناس منه فى غفلة، وهو عندهم كالشريعة المنسوخة ... وعن ابن مسعود: عليكم أن تستأذنوا على آبائكم وأمهاتكم وأخواتكم .. ، (١). ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: « كذلك يبين الله لكم آياته والله عايم حكم ، أى: والله - تعالى - عليم بأحوال النفوس وبما يصلحها من آداب، حكيم فى كل ما يشرعه من أحكام . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض الأحكام التى تتعلق بالنساء اللائى بلغن سن اليأس، فقال: ((والقواعد من النساء اللائى لا يرجون نكاحا فايس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة ٠٠٠ ، (١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٢٥٤ ١٣٠ - سورة النور ) ١٩٤ سورة النور والقواعد : جمع قاعد - بغير تاء - لاختصاص هذه الكلمة بالنساء کحائض وطاءٹ . وقالوا : سميت المرأة العجوز بذلك، لأنها تكثر القعود لكبر سنها . أى: والنساء العجائو اللاتى قعدن عن الولد أو عن الحيض، ولا يطمعن فى الزواج أكبرمن، فليس على هؤلاء النساء حرج أن ينزعن عنهن ثيابهن الظاهرة، والتى لا يفضى نزعها إلى كشف عورة، أو إلى إظهار زينة أمرافه - تعالى - بسترها . فقوله - سبحانه -: «فليس عليهن جناح أن يضمن ثيابهن، بيان بمظهر من مظاهر التيسير فى شريعة الإسلام، لأن المرأة العجوز إذا تخففت من بعض ثيابها التى لا يفضى التخفف منها إلى فتنة أو إلى كشف عورة ... فلا بأس بذلك، لأنها - فى العادة - لا تتطلع النفوس إليها، وذلك بأن تخلع القناع الذى يكون فوق الخمار، والرداء الذى يكون فوق الشباب. وقوله - تعالى - ((غير متبرجات بزينة)، حال. وأصل التبرج: التكلف والتصنع فى إظهار ما يخفى ، من قولهم سفينة بارجة أى : لاغطاء عليها. والمراد به هنا: إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال الذين لا يصح لهم الاطلاع عليها . أى: لاحرج على النساء القواعد من خلع ثيابهن الظاهرة، حال كونهن ، غير مظهرات للزينة التی أمر هن الله - تعالی یاخفائها ، وغير قاصدات بهذا الخلع لثيابهن الظاهرة التبرج وكشف ما أمر الله - تعالى - بستره. وقوله - سبحانه -: ((وأن يستعففن خير لهم، أى: وأن يبقين ثيابهن الظاهرة عليهن بدون خلع ؛ خير لهن ، وأطهر لقلوبهن، وأبعد عن التهمة ، وأننى لسوء الظن بهن . ١٩٥ الجزء الثامن عشر وسمى الله - تعالى - إبقاء ثيابهن عليهن استعفانا أى: طلبا للعقة، للإعمار بأن الاحتشام والتستر ... خير للمرأة حتى ولو كانت من القواعد . وقوله - تعالى - ((وانه سميع عليم، أى: سميع لكل مامن شأنه أن يسمع عليم بأحوال النفوس وحر كاتها وسكناتها . وبذلك ترى هذه الآيات الكريمة، قد بينت للناس أقوام المناهج، وأسمى الآداب، وأفضل الأحكام، التى باتباعها يسعد الأفراد والجماعات. ٥ ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن أحكام أخرى فيها مافيها من حسن التنظيم فى العلاقات بين الأقارب والأصدقاء، وفيها ما فيها من اليسر والسماحة ، فقال - تعالى -: ((ليسَ على الأعْمَى حرج، ولا على الأعرجِ حرجٌ ، ولا على المريضِ حرجٌ، ولا على أنفسِيمُ أن تأكلُوا من يُيُوتَمٌ، أو بُيُوتٍ آبِثْمُ، أو بيوتٍ أمَّا تَكُمُ، أو بيوتٍ إخْوانِمُ، أو بيوتٍ أُخَوائِكم أو بيوتٍ أعمامكٍ، أو بيوتٍ عمَّانكم، أو بيوتٍ أخوالِكُم، أو بيوتٍ خالاتِكٌ، أو ما ملكتم مفاتحهُ أو صدِيقكمُ . ليسَ عليهٌ جناحٌ أنْ تَأكلوا جميعاً أو شتاءًا. فإذا دخلتم بُيُوتً فسلّوا عَلَى أَنفُسِكُم تحيةً من عند اللهِ مُباركة طيّةً. كَذلِكَ بيَّنُ اللهُلكُم الآياتِ لعلكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١))). ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيةروايات منها ماروى عن ابن عباس أنه قال: لما أنزل الله - تعالى -: «يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ... ، تجرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والعمى والعرج، ١٩٦ سورة النور وقالوا: الطعام أفضل الأموال، وقد نهانا الله عن أكل المال بالباطل» والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب، والأعرج لا يتمكن من الجلوس، ولا يستطيع المزاحمة ، والمريض يضعف عن التناول ولا يستوفى من الطعام حقه ، فأنزل الله هذه الآية . وقيل نزات ترخيصا لهؤلاء فى الأكل من بيوت من سمى الله فى هذه الآية ، وذلك أن هؤلاء كانوا يدخلون على الرجل اطلب الطعام، فإذا لم يكن عنده شىء ذهب بهم إلى بيت أبيه، أو بيت أمه ، أو بعض من سمى الله فى هذه الآية ، فكان أهل الزمانة بتحرجون من ذلك، ويقولون ذهب بنا إلى غير بيته، فأنزل الله هذه الآ ية. وقيل نزلت رخصة الأعمى والأعرج والمريض عن التخلف فن الجهاد ... ويبدو لنا أن الآية الكريمة نزلت لتعليم المؤمنين ألوانا متعددة من الآداب التى شرعها الله - تعالى - لهم، ويسرها لهم بفضله وإحسانه، حتى يعلموا .. أن شريعته - سبحانه - مبنية على اليسر لا على العسر ، وعلى التخفيف ورفع الحرج ، لاعلى التشديد والتضييق ١٠ والحرج: الضيق. ومنه الحرجة الشجر الملتف المتكاثف بعضه ببعض. حتى ليصعب على الشخص أن يمشى فيه. والمراد به هنا: الإثم. والمنى: ليس على الأعمى والأعرج والمريض حرج أو إثم فى التخلف عن الجهاد لظهور أعذارهم، كما أنه ليس عليهم حرج أو إثم فى الأكل من بيوت هؤلاء الذين سماهم الله - تعالى -. كذلك ليس عليكم حرج أو إثم- أيها المؤمنون -فى أن تأكلوا أنتم ومن معكم « من پو تکم )» التى هى ملك لكم. ١٩٧ الجزء الثامن عشر وذكر - سبحانه - بيوتهم هنا مع أنه من المعروف أنه لاحرج فى أن يأكل الإنسان من بيته، الإشعار بأن أكلهم من بيوت الذين سيذكرم - سبحانه - بعد ذلك من الآباء والأمهات والأقارب، يتساوى فى نفى الحرج مع أكلهم من بيوتهم أى أن أكل الناس من بيوتهم لم يذكر هنا لنفى حرج كان متوهما، وإنما ذكر لإظهار التسوية بين أكلهم من بيوت أقاربهم وأصدقائهم، وبين أكلهم من بيوتهم . وبعضهم يرى أن المراد بقوله ((أن يا كلوا من بيوتكم، أى: من بيوت زوجاتهم وأولادهم . ثم ذكر - سبحانه - بيوتا أخرى لاحرج عليهم فى الأكل منها فقال: ((أو بيوت عماتكم، أو بيوت أمهاتكم، أو بيوت إخوانكم، أو بيوت أخواتكم أوبیوت أعمامکم أو بیوت عماتکم، أو بیوت أخوالكم. أو بيوت غالاتكم، أو ما ملككم مفاتحه، أى: أو الببوت التى تملكون التصرف فيها بإذن أصحابها، كأن تكونوا وكلاء عنهم فى التصرف فى أموالهم. ومفاتح: جمع مفتح - بكسر والهيم - وهو آلة الفتح وملك هذه المفائح: كناية عن كون الشىء تحت يد الشخص وقصرفه. وقوله ((أو صديقكم، معطوف على ما قبله. والصديق هو من يصدق فى مودتك، وتصدق أنت فى مودته، وهو اسم جنس يطلق على الواحد والجمع. والمراد هنا: الجمع. أى: ولا حرج عليكم - أيضا - فى الأكل من بيوت أصدقائكم . فالآية الكريمة قد أجازت الأكل من هذه البيوت المذكورة، وهى أحد عشر بيتا - وإن لم يكن فيها أصحابها، مادام الآكل قد علم رضا صاحب البيت بذلك، وأن صاحب البيت، لا يكره هذا ولا يتضرر منه، إستنادا إلى القواعد العامة فى الشريعة، والتى منها: ((لاضرر ولا ضرار)) وأنه «لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب نفس منه ، ١٩٨ سورة النور قال صاحب المكشاف: فإن قلت: فما معنى (( أو صديقكم، قلت: معناه: أو بيوت أصدقائكم. والصديق يكون واحدا وجمعا، وكذلك الخليط والقطين والعدو. ويحكى عن الحسن أنه دخل داره، وإذا جماعة من أصدقائه قد استلو؟ سلالا من تحت سريره فيها أطايب الأطعمة. وهم مكبوت عليها يأكلون فتملات أسارير وجهه سرورا وضحك وقال: هكذا وجدناهم، هكذا وجدام يريد أكابر الصحابة ومن لقيهم من البدربين . وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائب. فيسأل جاريته كبسه» فيأخذ منه ماشاء. فإذا حضر مولاها فأخبرته، أعتقها سرور ابذلك ... ،!) وقوله - سبحانه -: (( ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أننا)، بيان لنوع آخر من أنواع السماحة فى شريعة الإسلام. والأشتات: جمع شت - بفتح الشين -. يقال: شت الأمر يدت شتا وشتاتا. إذا تفرق. ويقال: هذا أمر شت، أى: متفرق. أى: ليس عليكم - أيها المؤمنون - حرج أو إنم فى أن تأكلوا مجتمعين أو متفرقين، وقد كان بعضهم من عاداته أن لا يأكل منفردا، فإن لميجد من يا كل معه عاف الطعام، فرفع الله - تعالى - هذا الحرج المتكاف، ورد الأمر إلى ما تقتضيه شريعة الإسلام من بساطة ويسر وعدم تكلف، ((أباح لهم أن يكونوا فرادى ومجتمعين . 1 فالجملة الكريمة بيان الحالة التى يجوز عليها الأكل ، بعد بيان البيوت التى بحوز الأكل منها والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها قد اشتملت على أحكم الأداء للمترقيب اللفظى والموضوعى، فقد بدأت ببيت الإنسان نفسه ، ثم بيوت الآباء، فالأمهات ، فالأخوة، فالأخوات ، فالأقارب. فالبيوت التى (١) تفسير الكشاف ج ٣ ص٠٢٥٧ ١٩٩ الجزء الثامن عشر يملكون التصرف فيها ، فبيوت الأمدة .... ثم لم تكتف بذلك ، وإنما بينت الحالة التى يباح الأكل منها ... ثم بعد ذلك علمتنا آداب دخول البيوت التى ندخلها للأكل أو لغيره ، فقال - تعالى -: «فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة ، . والمراد بأنفسكم هنا: أهل تلك البيوت التى يدخلونها، لأنهم بمنزلة أنفسهم فى شدة المودة والمحبة والألفة. و (نحية) منصوب بفعل مقدر أى: فيوا تحية . أى: فإذا دخلتم - أيها المؤمنون والمؤمنات - بيونا فسلموا على أهلها الذين م بمنزلة أنفسكم، وحيوهم تحية ثابتة من عند الله، مباركة طيبة، أى مستقيمة لزيادة البركات والخيرات ولزيادة المحبة والمودة. ووصف - سبحانه - هذه التحية بالبركة والطيب، لأنها دعوة مؤمن مؤمن، وكلاهما يرجو بها من الله - تعالى - زيادة الخير وطيب الرزق. ونحية الإسلام أن يقول المسلم لأخيه المسلم : السلام عليكم ورحمة الله وبر كاته . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ( كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون)». أى: مثل هذا البيان القويم، بين الله - تعالى - لكم الآيات المحكمة، والإرشادات النافعة، لكى تعقلوا ما اشتملت عليه من هدايات، توصلكم متى انتفيتم بها إلى السعادة والفلاح. بعد أن اقت السورة الكريمة ما ساقت من أحكام وآداب منها مايتعلق بالحدود، ومنها ما يتعلق بالاستئذان، ومنها ما يتعلق بالفستر والاحتشام ، ٢٠٠ سورة النور ومنها ما يتعلق بتنظيم العلاقات بين الأقارب والأصدقاء .... بعد كل ذلك اختتمت ببيان ما يجب أن يكون عليه المؤمنون من أدب من رسولهم - صلى الله عليه وسلم -، فقال - تعالى -: ((إنَّما المؤمنُونَ الذينَ آمَنُوا باللهِ ورسُولِهِ، وإذا كانوا معّهُ على أمرٍ جامعٍ لم يذهبُوا حتى يَسْتأذِنوه. إنَّ الذينَ إستأذنُونَك أولئِكَ الذينَ يُؤْمِنُون بالهِ ورسُولِهِ، فإذا استأذنُوكُ لبَعضٍ شَأْنِهِم فأذَنْ لمن شئْتَ مِنهم ، واستَغْفِرْ لهم الله، إنَّ الله غفورٌ رحيمٌ (٦٢) لا تجعلوا دهاء الرسُول بينكُم كَدُعاء بَعْضَكَمُ بَعْضاً، قد يعلم الله الذينّ يتسلُلُونَ. منكُ لواذاً، فَلْيَحذر الذينَ يخالفُونَ عن أمرة أن تُصِدَهم فتنةٌ أو يُصِيبهم عذاب أليمٌ (٦٣) ألاَ إنَّ قُرِ ما فى السّواتِ والأرضِ، قد يعلم ما أنتُم عليه، ويومَ يرجعونَ إليه فَيَنبِثُهم بما عَملوا، واللهُ بكلّ شىء عليمٌ (٦٤))). روى ابن إسحاق فى سبب نزول هذه الآيات ما ملخصه: أنه لما كان تجمع قريش وغطفان فى غزوة الأحزاب ، ضرب الرسول - صلى الله عليه وسلم - خندفا حول المدينة وعمل معه المسلمون فيه، فدأب فيه ودابوا، وأبطأ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وعن المسلمين فى عملهم ذلك، رجال من المنافقين، وجعلوا يورون - أى يستترون - بالضعيف من العمل، ويقسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا قابته النائبة من الحاجة التى لا بد منها يذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويستأذن فى اللحوق، لحاجته فأذن له، فاذاته.