النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ الجزء الثامن عشر قال بعض العلماء: والراجح أن الواجب إنما هو الاستئذان مرة، فأما إكمال العدد ثلاثا فهو حق المستأذن إن شاء أكمله، وإن شاء اقتصر على مرة أو مرتين: فقد ثبت أن عمر بن الخطاب استأذن على النبى - صلى الله عليه وسلم - مرتين ، فلم يؤذن له فرجع، فتبعه غلام فقال له : أدخل فقد أذن لك النبى - صلی الله عليه وسلم- ،(!) ، • - ظاهر قوله - تعالى - ((لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا)) يفيد أنهم ليس عليهم استئذان فى دخول بيوتهم، إلا أن هذا الظاهر يصح حله على الزوجة . لأ نه يجوز بين الزوج وزوجته منالأحوال ما لايجوز لأحد غيرهما، ومع ذلك فإنه ينبغى أن يشعر الرجل زوجته بقدومه، حتى لا يفاجئها بما تكره له أن يطلع عليه. ورحم الله الإمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآيات: وهذا - أى عدم الاستئذان على الزوجة - محمول على عدم الوجوب، وإلا فالأولى أن يعلمها بدخوله ولا يفاجئها به، لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها .. ولهذا جاء فى الحديث الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى أن يطرق الرجل أهله طروقا (٢) ... وأما بالنسبة لغير زوجته، كأمه، وأخواته ، وبنيه وبناته البالغين، فإنه يلزمه أن يستأذن عليهم، لأنه إن دخل عليهم بدون استئذان ، فقد تقع عينه على ما لا يصح الإطلاع عليه . ومن الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى . ما أخرجه مالك فى الموطأ عن (١) راجع تفسير آيات الأحكام ج ٣ ص ١٤٩ لفضيلة الشيخ محمد على السايس - رحمه الله - . (٢) تفسير ابن كثير جـ ٩ ص ٠٤٠ ١٤٢ سورة النور عطاء بن يسار، أن رجلا قال النبى - صلى الله عليه وسلم -: أأستأذن على أمى؟ قال: نعم قال: ليس لها عادم غيرى لأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال - صلى الله عليه وسلم - أتحب أن راها عريانة؟ قال: لا. قال: فاستأذن عليها(١). وأخرج البخارى فى الأدب المفرد عن نافع: كان ابن عمر إذا بلغ بعض ولده الحلم ، لم يدخل عليه إلا بإذن . ٦ - وردت أحاديث متعددة فى كيفية الاستئذان ، وفى التحذير من التطلع إلى بيوت الغير بدون إذن . فمن آداب الاستئذان أن لا يقف المستأذن أمام الباب بوجهه، ولكنه يجعل الباب عن يمينه أو عن يساره، ومن الأحاديث التى وردت فى ذلك ما أخرجه أبو داود عن عبد الله بن بشرة ل: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أنى باب قوم، لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأمن أو الأيسر، ويقول: السلام عليكم ... کدلك من آداب الاستئذان أن لا يقول المستأذن ( أنا ) فى الرد على رب المنزل ، وإنما يذكر اسمه ، ففى صحيح البخارى عن جابر قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فى دين كان على أبى، فدققت الباب، فقال: من ذ!؟ قلت: أنا . فقال: أنا، أنا، كأنه كرمها)(٢). ولعل السر فى النهى عن الرد بلفظ ( أنا) أن هذا اللفظ يعبر به كل واحد عن نفسه، فلا تحصل به معرفة شخصية المستأذن ، والمقصود بالاستثدان الإفصاح لا الإبهام. أما التحذير من التطلع إلى بيوت الغير بدون إذن ، فيكفى لذلك ما جاء فى (١) تفسير القرطبى جـ ١٢ ص ٠٢١٩ (٢) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٣٨°. ١٤٣ الجزء الثامن عشر الصحيحين عن أبى هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذنك خذفته، أى : - رميته - بحصاة ، ففقات عينه، ما كان عليك من جناح ) . هذه بعض الأحكام والآداب التى تتعلق بالاستئذان ، ومنها نرى كيف أدب الإسلام انباعه بهذا الآدب العالى، الذى يؤدى التمسك به إلى غرس الفضائل ومكارم الأخلاق فى نفوس الأفراد والجماعات. ٠٠٠ وبعد أن نهى - سبحانه - عن دخول البيوت بدون استئذان، اتبع ذلك ذلك بالأمر بغض البضر، وحفظ الفرج، وعدم إبداء الزينة إلا فى الحدود المشروعة ، فقال - تعالى -: ((قلْ للمؤمنينَ يغُضُوا مِنْ أَبصارِمٍ ويحفظُوا فَرُوجَهم ذلِكَ أَزْلَى لهم إنّ اللهَ خبيرٌ بِمَا يَصْنُونَ (٣٠) وقل للمؤمناتِ يَغْضضْن مِنْ أبصارِهِنِ، ويحقَظْنْ فُروجهُنَّ، ولا يُبدينَ زِينَهَنَّ إلَّ ما ظهر منها، وليضربْنَ بُخُرِ هِنَّ عَلَى جيوبهنَّ، ولا يُبْدِينَ زيقَهنّ إلاَّ لِبُعُولتِهِنَّ، أَو آبائِنَّ أَو آباء بعولَتِنَّ، أو أبنائِنَّ أو أبناء بُعُولِتِنَّ، أو إخوانِنَّ أو بِ إِغْوانِنَّ أو بِى أَخَواتِنَّ أو نسائِنٌ أو ما ملكت أيمَنُهنَّ، أو التّابِينَ غير أُولى الإزبةِ من الرّجالِ، أو الطّفلِ الذينَ لم يَظْهرُوا عَى عَوَرَاتِ النِّسَاءِ , ولا يَضْرِينَ بِأَرْجُلِنَّ لِيُعَلَمَ ما يَحْفِنَ مِنْ زِيتهنْ وتوبوا إلى اللهِ هِيماً أيُّهاَ المؤمنُونَ لَمَلِكُمُ تُفْلِحُونَ (٣١)). ١٤٤ سورة النور قال الآلوسي: قوله - تعالى -: ((قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ... شروع فى بيان أحكام كلية شاملة للمؤمنين كافة، يندرج فيها حكم المستأذنين عند دخول البيوت إندراجا أوليا (١). وقوله - تعالى -: ((يغضوا)، من الغض بمعنى الخفض. يقال: غض الرجل صوته إذا خفضه، وغض بصره إذا خفضه ومنعه من التطلع إلى مالايحل له النظر إليه . قال الشاعر : وأغض طر فى إن بدت لى جارتى حتى يوارى جارتى أواها وهو جواب الأمر ((قل)) أى: قل - أيها الرسول الكريم - للمؤمنين بأن يغضوا من أبصارهم عما يحرم أو يكره النظر إليه وبأن يحفظوا فروجهم عما لا يحل لهم، فإن ذلك دليل على كمال الإيمان ، وعلى حسن المراقبة وشدة الخوف من الله - تع الى - . وجمع - سبحانه - بين غض البصر وحفظ الفرج، باعتبارهما كالسبب والنتيجة . إذا أن عدم غض البصر كثيرا ما يؤدى إلى الوقوع فى الفواحش، ولذا قدم - سبحانه - الأمر بغض البصر، على الأمر يحفظ الفرج .. وجاء التعبير بقوله - سبحانه - ((قل) للاشعار بأن المؤمنين الصادقين، من شأنهم إذا ما أمرهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأمر، فإنهم سرعان ما يمتثلون ويطيعون ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - مبلغ عن الله - تعالى - الذى يجب الامتثال لأمره ونهيه . وخص - سبحانه - المؤمنين بهذا الأمر، لأنهم أولى الناس بالمخاطبة ، وبالإرشاد إلى ما يرفع درجاتهم، ويعلى أقدارهم . (١) تفسير الآلوسي = ١٨ ص ٠١٣٨ ١٤٥ الجزء الثامن عشر قال صاحب الكشاف: (( و((من)) للتبعيض .. فإن قلت: كيف دخلت فى غض البصر، دون حفظ الفروج ؟ قلت : للدلالة على أن أمر النظر أوسع ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعور من ... والأجنية ينظر إلى وجهها وكفيها ... وأما أمر الفرج فمضيق(١). واسم الإشارة فى قوله - تعالى -: , ذلك أزكى لهم)) بعود إلى ما ذكر من الغض والحفظ .. أى : ذلك الذى كلفناك بأمر المؤمنين به - أيها الرسول الكريم - أز كى لقلوبهم، وأطهر لنفوسهم، وأنفع لهم في دنياه وآخرتهم. وقوله - سبحانه - : ((إن الله خبير بما يصنعون)، تحذير من مخالفة أمره - سبحانه - أى: مرهم - أيها الرسول الكريم - بالتزام ما أمرناهم به وما نهينام عنه، لأننا لا يخفى علينا شىء من تصرفاتهم، ولأننا أعلم بهم من أنفسهم ، وسنحاسبهم على ما يصنعون فى دنياهم ، يوم القيامة . ثم أرشد - سبحانه - النساء إلى ما أرشد إليه الرجال. فقال : .وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن، ويحفظن فروجهن، ولا يبدين زينتهن إلا ماظهر منها)). أى: وقل - أيها الرسول الكريم - للمؤمنات - أيضا - بأن الواجب عليهن أن يكففن أبصارهن عن النظر إلى ما لا يحل لهن، وأن يحفظن فروجهن عن كل ما نهى الله - تعالى - عنه، ولا يظهرن شيئا مما يتزين به، إلا ماجرت العادة بإظهاره. كالخاتم فى الإصبع، والكحل فى العين ... وما يشبه ذلك من الأمور التى لا غنى للمرأة عن إظهارها . ومع أن النساء يدخلن فى خطاب الرجال على سبيل التغليب . إلا أن الله - تعالى - خصهن بالخطاب هنا بعد الرجال، لتأكيد الأمر بغض البصر (١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٠٢٥٩ / ١٠ - سورة النور ) ١٤٦ سورة النور وحفظ الفرج، ولبيان أنه كما لا يحل الرجل أن ينظر إلى المرأة - إلا فى حدود ما شرعه الله - فإنه لا يحل للمرأة كذلك أن تنظر إلى الرجل، لأن علاقتها به، ومقصده منها كمقصدها منه، ونظرة أحدهما للآخر - على سبيل الفتنة وسوء القصد - يؤدى إلى مالا تحمد عقباه. وقوله - تعالى -: ((وليضران بخمر هن على جيوبهن)) بيان لكيفية إخفاء بعض مواضع الزينة بعد النمى عن أبدائها . ١ والخمر - يضم الخاء والميم - جمع خمار. وهو ما تغطى به المرأة رأسها وعنقها وصدرها ، والجيوب جمع جيب ، وهو فتحة فى أعلى الثياب يبدو منها بعض صدر المرأة وعفقها . والمراد به هنا: حله وهو أعلى الصدر وأصله من الجيب بمعنى القطع أى: وعلى النساء المؤمنات أن يسترن رءوسهن وأعناقمن وصدورهن بخمرهن، حتى لا يطلع أحد من الأجانب على شىء من ذلك . قالوا: وكان النساء فى الجاهلية يسدان خرهن من خلف رموسين ، فتنكشف نحورهن وأعنافهن وقلائد هن، فتنهى الله - تعالى - المؤمنات عن ذلك. ولقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث منها ما رواه البخارى عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول. لما أنزل الله - تعالى -: ((وليضربن بخمر هن على جيوبهن» أخذن أزرمن فشققنها فاختمرن بها . وفى رواية أنها قالت: إن لنساء قريش لفضلا، وإنى - واقه مارأيت أفضل من نساء الأنصار أنه تصديقا بكتاب الله. ولا إيمانا بالتنزيل، لما نزلت هذه الآية . انقلب إليهن رجالهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها. ويتلو الرجل على امر أته وابنته وأخته، وعلى كل ذى قرابه، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها - وهو كساء من صوف - فاعتجرت به تصديقا وإيمانا ١٤٧ الجزء الثامن عشر بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى صلاة الصبح معتجرات كأن على رءوسهن الغربان،(١). والمقصود بزينتهن فى قوله - تعالى - : ((ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن، الزينة الخفية وهى ما عدا الوجه والكفين، كشعر الرأس والذراعين والساقين. فقد نهى الله - تعالى - النساء المؤمنات عز إبداء مواضع الزينة الخفية لكل أحد، إلا من استثناه - سبحانه - بعد ذلك، وهم اثنا عشر نوعا، بدأم بالبعول وهم الأزواج لأنهم هم المقصودون بالزينة ، ولأن كل بدن الزوجة حلال لزوجها . أى: وعلى النساء المؤمنات أن يلتزمن الاحتشام فى مظهرهن، ولا يبدين مواضع زينتهن الخفية إلالبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبناتهن أو. أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بنى اخوانهن، فهؤلاء الأصناف السبعة الذين ذكرهم الله - تعالى - بعد الأزواج، كلهم من المحارم الذين لا يحل للمرأة الزواج بواحد منهم، وقد جرت العادة باحتياج النساء إلى مخالطتهم، كماجرت العادة بأن الفتنة مأمونة بالنسبة لهم ، فمن طبيعة النفوس الكريمة أنها تأنف من التطلع إلى المحارم بالنسبة لها . ويلحق بهؤلاء المحارم الأعمام والأخوال والمحارم من الرضاع، والأصول وإن علوا، والفروع وإن سفلوا ... وقوله - تعالى -: (( أو نسائهن، أو ما ملكت ايمانهن، أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء» بيان لبقية الأفراد الذين يجوز للمرأة أن تبدى زينتها الخفية أمامهم. أى: وبحوز للنساء المؤمنات أن يبدين زينتهن - أيضا - أمام نسائهن (١) تفسير ابن كثير ٦٥ م ٤٩ ١٤٨ سورة النور المختصات بهن بالصحبة والخدمة، وأمام ما ملكت أيمانهن من الإماء لا من العبيد البالغين ، وأمام الرجال التابعين لهن طلبا للإحسان والانتفاع، والذين فى الوقت نفسه قد تقدمت بهم السن، ولا حاجة لهم فى النساء . ولا يعرفون شيئا من أمورهن، ولا تحدثهم أنفسهم بفاحشة، ولا يصفو فين الأجانب. فقوله - سبحانه - «غير أولى الإربة من الرجال، أى : غير ذوى الحاجة من الرجال فى النساء . يقال: أرب الرجل إلى الشىء يأرب أربا - من باب تعب، إذا احتاج إليه . ويجوزلهن كذلك إظهار زينتهن أمام الأطفال الذين لم يظهر واعلى مورات النساء، أى: الذين لم يعرفوا ما العورة، ولم يستطيعوا بعد التميز بينها وبين غيرها ، ولم يبلغوا السن التى يشتهون فيها النساء. يقال: ظهر على الشىء إذا اطلع عليه وعرفه، ويقال: فلاز ظهر على فلان إذا قوى عليه وغلبه . فهؤلاء اثنا عشر نوعا من الناس ، ليس عليهم ولا على المرأة حرج ، فى أن يروا منها موضع الزينة الخفية، كالرأس والذراعين . والساقين، لانتفاء الفتنة التى من أجلها كان الستر والغطاء. فأما الزوج فله رؤية جميع جسدها . ثم نهى - سبحانه - النساء المؤمنات عن إبداء حركات تعلن عن زينتون المستورة ، بل عليهن أن يلتزمن من خلال خروجهن من ووقهن الأذب والاحتشام والمشى الذى يصاحب الوقار والاتزان، فقال - تعالى -: ((ولا . يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ... » أى : ولا يصح للنساء المؤمنات أن يضر بن بازجلهن فى الأرض، ليسمعن غير هن من الرجال أصوات حليهن الداخلية ، بقصد التطلع إليهن، والميل نحومن بالمحادثة أو ما يشبهها. ١٤٩ الجزء الثامن عشر فالمقصود من الجملة الكريمة نهى المرأة المسلمة، عن استعمال أى حركة أو فعل من شأنه إثارة الشهوة والفتنة، كالمدية المتكلفة، والتعطر الملفت للنظر ... وما إلى ذلك من ألوان التصنع الذى من شأنه تهييج الغرائز الجنسية. ثم ختم - سبحانه - تلك الآية الجامعة لأنواع من الأدب السامى ، بدعوة المؤمنين إلى التوبة الصادقة، فقال - تعالى -: ((وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون الملكم تفلحون)). أى: وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون والمؤمنات، قوبة صادقة نصوحا تجعلكم تخشونه - سبحانه - فى السر والعلن، لكى تنالوا الفلاح والنجاح فى دنيا كم وأخرا كم. قال القرطبى: «ليس فى القرآن الكريم آية أكثر ضمائر من هذه الآية. جمعت خمسة وعشرين ضميرا للمؤمنات ما بين مرفوع ومجرور ... (١). هذا، ومن الأحكام والآداب التى اشتملت عليها هاتان الآيتان ما يأتى: ١ - وجوب غض البصر وحفظ الفرج، لأن الإسلام بهدف إلى مجتمع طاهر من الدنس . نظيف من الخنا، مجتمع لا تمنع فيه الشهوات الحلال، وإنما تمنع منه الشهوات الحرام ، مجتمع لا تختلس فيه العيون النظرات السيئة ولا تتطلع فيه الأبصار إلى ما لا يحل لها التطلع إليه ، فالله - تعالى - يقول: ((إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا)، ويقول: ((يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور ) . وقد وردت أحاديث متعددة فى الأمر بغض البصر ، وحفظ الفرج ، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة ، العينان (١) تفسير القرطبى : ١٢ ص ٠٢٣٨ ١٥٠ سورة النور زفاهما النظر، والأذنان زفاهما الاستماع ، واللسان زناه الكلام ، والبد زفاها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه . وروى الإمام مسلم فى صحيحه عن جرير بن عبد الله قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نظر الفجأة - أى البغتة من غير قصد - فقال: « إصرف بصرك. (١). ٢ - أنه لا يصح المرأة أن لا تبدى زينتها للأجانب، إلا ما ظهر منها، لأن الله - تعالى - يقول: «ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها .. قال الإمام القرطى ما ملخصه: ((أمر الله - تعالى - النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين، إلا ما استثناه من الناظرين فى باقى الآية ، حذارا من الافتتان، ثم استثنى ما يظهر من الزينة ، واختلف الناس فى قدر ذلك . فقال ابن مسعود: ظاهر الزينة هو الثياب ... وقال سعيد بن جبيرٍ والأوزاعى: الوجه والكفان والثياب ... وقال ابن عباس وقتادة: ظاهر الزينة هو المكحل والسوار والخضاب ... ونحو هذا، فباح أن تبديه أمكل من ظهر عليها من الناس ... وقال ابن عطية : ويظهر لى بحكم ألفاظ الآية، بأن المرأة مأمورة أن لا تبدى، وأن لا تجهد فى الإخفاء لكل ماهو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر، بحكم ضرورة حركة فيما لابد منه، أو إصلاح شأن ونحو ذلك، ، فما ظهر)) على هذا الوجه مما تؤدى إليه الضرورة فى النساء فهو المعفو عنه . قلت: أى: القرطى -: وهذا قول حسن، إلا أنه كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما، عادة وعبادة ، صح أن يكون الاستثناء راجعا إليهما . يدل على ذلك مارواه أبو داود عن عائشة، أن أسماء بنت أبى بكر، دخلت (١) راجع كتاب: رياض الصالحين، ص ٥٨٦ للامام الدورى. ١٥١ الجزء الثامن عشر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال: « يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه،. وقال بعض علمائنا: ((إن المرأة إذا كانت جميلة وخيف من وجهها وكفيها الفتنة فعليها ستر ذلك، (١). هذا، وفى هذه المسألة كلام كثير للعلماء فارجع إليه إن شئت (٢). وإلى هنا نرى السورة الكريمة قد نهت عن الزنا، ووضعت فى طريقه السدود الوقائية والنفسية، حيث حرمت الاختلاط ، وأمرت بالاستئذان، وبغض البصر، ويحفظ الفرج، وبعدم التهريج، وبالإكثار من التوبة إلى اله - تعالى -. ثم أقت بعد ذلك بالعلاج الإيجابى ، الذى من شأنه أن يصرف الإنسان عن فاحشة الزنا المحرمة، لأنه سيجد فيما أحله الله - تعالى - ما يغنيه عنها، وذلك عن طريق الأمر بتيسير الزواج، والحض عليه. قال - تعالى -: ((وأنكمُوا الأيامِى مِنكُم والصّالحينَ من عبادٍ ثُم وإِمَائِكُم. إنْ يكونوا فقراء يُعنهِمُ اللهُ مِن فضله، واللهُ واسعٌ عليمٌ (٣٢) وليستعفِفٍ الذينَ لا يجدُونَ نكاحاً حتَّى يُغَنيهُمُ اللهُ مِن فَضْلَه والذينَ يَعْتُفُون الكتاب ما ملكتْ أمَنكُمُ فَكاتِوهُ إِنْ عِلِتُمْ فِيهِمْ خيراً، وآَثُومُ من مَالٍ الله الذى آتاكُ، ولا تكرِهُوا فتياتِكُمُ على البغاء إنْ أَردنَ تحصّناً. لتبتَغُوا عَرَض الحياةِ الدُّنْيَاَ، ومن يكرِ مِنَّ فإنَّ اللهَ مِنْ بعد إكرامِينَ (١) راجع تفسير القرطي جـ ١٢ ص ٠١١٨ (٢) راجع - على سبيل المثال - أضواء البيان الشيخ الشنقيطى ج ٦ ص ١٩٢ وتفسير آيات الأحكام الشيخ السايس ج ٣ ص ٠١٥٥ ٠ ١٥٢ سورة النور غفورٌ رحيمٌ (٣٣) ولقَدْ أَنزَلِنَاَ إليكُ آيَاتٍ مُبِيناتٍ، ومثلاً مِنَ الذينَ خَلَوْا من قبلِكُم ومَوعظة للمتقينَ (٣٤)). والخطاب فى قوله - تعالى - : «وأنكحوا الأيامى منكم .. ، للأولياء والسادة، والأبامى: جمع أيم - بفتح الهمزة وتشديد الياء المكسورة ... وهو كل ذكر لا أفزمعه، وكل أنى لا ذكر معها بكرا أو ثيبا. والمراد بالأ يامى هنا الأحرار والحرائر . وقوله - تعالى - ((من عبادكم) جمع عبد وهو الرقيق؛ و «إمائكم، جمع أمة . والمراد من الإنكاح هنا: المعاونة والمساعدة فى الزواج، والعمل على إتمامه بدون عوائق لا تؤيدها شريعة الله - تعالى -. أى: زوجوا - أيها الأولياء والسادة - من لا زوج له من الرجال المسلمين أو النساء المسلمات، ويسروالهم هذا الأمر ولا تعسروه، لأن الزواج هو الطريق المشروع لقضاء الشهوة، ولحفظ النوع الإنساني، ولصياته الأنساب من الاختلاط، ولإيجاد مجتمع تفشوا فيه الفضيلة، وتموت فيه الرذيلة . وزوجوا - أيضا - الصالحين للزواج من عبيدكم وإمائكم فإن هذا الزواج أكرم لهم وأحفظ لمفتهم ... قال صاحب الكشاف: (فإن قلت لم خض الصالحين؟ قلت: ليحصن دينهم، ويحفظ عليهم صلاحهم ، ولأن الصالحين من الأرقاء هم الذين مواليهم يشفقون عليهم .. فكانوا مظنة للتوصية بشأنهم ... وأما المفسدون منهم خالهم عند مواليهم على عكس ذلك،(١) . والأمر فى قوله - تعالى -: «وأنكحوا، يرى جمهور العلماء أنه للندب، بدلیل نه قد وجد أیامی فى العهد النبوى ولم يجبرواعلىالزواج، ولو كان الأمر للوجوب لأجبروا عليه ... ويرى بعضهم أنه للوجوب. (١) تفسير الكشاف : ٣ ص٠٢٣٥ ١٥٣ الجزء الثامن عشر قال الإمام ابن كثير :: اشتملت هذه الآيات الكريمات، على جمل من الأحكام المحكمة، والأوامر المبرمة، فقوله - تعالى -: ((وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم، هذا أمر بالتزويج، وقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبه، على كل من قدر عليه، واحتجوا بظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم - : « يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة - أى القدرة على الزواج - فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحفظ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء - أى: وقاية -)،(!). ويبدو لنا أن الزواج يختلف حكمه باختلاف الأحوال ، فمن كان - مثلا قادرا على الزواج، ويخشى إذا ترك الزواج أن يقع فى الفاحشة ، فإن الزواج بالنسبة * يكون واجبا عليه بخلاف من أمن الوقوع فى الفاحشة ، فإن الزواج بالنسبة له يكون مندوبا أو مستحبا. ولذا قال الإمام القرطبى: ((اختلف العلماء فى هذا الأمر - أى فى قوله - تعالى -,وأنكحوا) - على ثلاثة أقوال: فقال علماؤنا يختلف الحكم فى ذلك باختلاف حال المؤمن من خوف العنت، ومن عدم صبره ... فإذا خاف الهلاك فى الدين أو الدنيا فالنكاح حتم. وإن لم يخش شيئا، وكانت الحال مطلقة، فالنكاح مباح. قال الشافعى: إنه قضاء لذة فكان مباما كالأكل والشرب . وقال مالك وأبو حنيفة: هو مستحب))(٢). وقوله - سبحانه -: (( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله، حض لمن يملك عقد الزواج على أن لا يحمل الفقر حائلا دون إتمامه . لأن الأرزاق بيد الله - تعالى - وحده. (١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٠٥٤ (٢) تفسير القرطى = ١٢ ص٢٣٩ ١٥٤ سورة النور أى: زوجوا - أيها الأولياء والسادة - من كاو أهلا للزواج. وصالجاله وراغبا فيه، من رجالكم ونسائكم، ولا يمنعكم فقرهم من إتمامه، فإنهم إن. يكونوا فقراء اليوم، فاقه - تعالى - قادر على أن يغنيهم فى الحال أوفى المستقبل می شاء ذلك ، فإن قدر ته - عز وجل - لا یعجزها شیء، وکم منأناس كانوا فقراء قبل الزواج، ثم صاروا أغنياء بعده، لأنهم قصدوا بزواجهم حفظ. فروجهم ، وتنفيذ ما أمرتهم به شريعة الاسلام. روى الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ثلاثة حق على الله عونهم: الفاكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والغازى فى سبيل الله» (!). فهذا عهد أخذه أنه - تعالى - على ذاته - فضلامنه وكرما - ولن يخلف الله - عز وجل - عهده. وقوله - سبحانه -: «والله واسع عليم، أى: والله - تعالى - واسع الغني لا تنفد خزائنه. ولا ينتهى ما عنده من خير، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة فى الأرض ولا في السماء . ثم أرشد - سبحانه - الذين لايجدون وسائل النكاح، إلى ما يعينهم على حفظ فروجهم، فقال: ((وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ، . والاستعفاف : طلب العفة، واختيار طريق الفضيلة التى من وسائلها ما أشار إليه - سبحانه - فى قوله: « قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ... ». والمعنى: وعلى المؤمنين والمؤمنات ((الذين لا يجدون فكاحا، أى: الذين لايجدون الوسائل والأسباب التى توصلهم إلى الزواج بسبب ضيق ذات اليد، (١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٠٥٥ عـ ١٥٥ الجزء الثامن عشر أو ما يشبه ذلك ، عليهم أن يتحصنوا بالعفاف وأن يصونوا أنفسهم عن الفواحش، وأن يستمروا على ذلك حتى يرزقهم الله - تعالى - مرفضله رزقا، يستعينون به على إتمام الزواج . فهذه الجملة الحكيمة وعد كريم من الله - تعالى - للتأثقين إلى الزواج، العاجزين عن تكاليفه. بأن - سبحانه - سيرزقهم من فضله ما يعينهم على التمكن. منه، متى اعتصموا بطاعته. وحافظوا على أداء ما أمرهم به. قال صاحب الكشاف: ((وما أحسن ما رتب هذه الأوامر: حيث أمر - أولا - بما يعصم من الفتنة ويبعد عن مواقعة المعصية، وهو غض البصر. ثم بالنكاح الذى يحصن به الدين ، ويقع به الاستغناء بالحلال عن الحرام، ثم بالحمل على النفس الأمارة بالسوء ، وعزفها عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاح إلى أن يرزق القدرة عليه ، (١). ثم حض - سبحانه - على إعادة الأرقاء لمكى يتخلصوا من رقهم ويصيروا أحرارا، فقال: (( والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوم إن علمتهم فيهم خيرا، وآقوهم من مال الله الذى آتاكم)). والمراد بالكتاب هنا: المكاتبة التى تكون بين السيد وعبده، بأن يقول السيد لعبده: إن أديت إلى كذا من المال فأنت حر لوجه الله، فإذا قبل العبد ذلك وأدى ما طلبه منه سيده ، مار حرا . أى: والذين يطلبون المكاتبة من عبيدكم - أيها الأحرار .... فكانبوهم إن علمتم فيهم خيرا، أى: أمانة وقدرة على الكسب ، وأعينوم على التحرر من رقهم بأن تعطوهم شيئا من المال الذى آتاكم الله إياه، بفضله وإحسانه . . (١) تفسير الكفاف = ٣ ص ٢٣٨ ١٥٦ سورة الغوز وهكذا نرى الإسلام بأر أنساعه الذين رزقهم الله نعمة الحرية ، أن بعينوا ما ليكهم على ما يمكنهم من الحصول على هذه النعمة. ومن العلماء من يرى أن الأمر فى قوله - تعالى -: «فكانبوم، وفى قوله , وآثرهم، الوجوب، لأنه هو الذى يتناسب مع حرص شريعة الاسلام على تحرير الأرقاء. ثم نهى - سبحانه - عن رذيلة كانت موجودة فى المجتمع، لكى يطهره منها، فقال: ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء - إن أردن تحصنا - لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ،. قال الألوسى: وأخرج مسلم وأبو داود عن جابر أن جارية لعبد الله بن أبى ابن سلول يقال لها. مسيكة، وأخرى يقال لها، أميمة، كان يكرههما على الزنا ، فشكنا ذلك إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فنزلت. وأخرج ابن مردويه عن على - رضى الله عنه - أنهم كانوا فى الجاهلية بكرهون إمامهم على الزنا، ويأخذون أجورهن فقهوا عن ذلك فى الاسلام، ونزلت الآية ... )(١). والفتيات جمع فتاة والمراد بهن هنا الإماء، وعبر عنهن بقوله :فتيانكم، على سبيل التكريم لهن، ففي الحديث الشريف: «لايقوان أحدكم عبدى وأمتى ولكن فتاء وفتاتى ، والبغاء - بكسر الباء - زنى المرأة خاصة، مصدر بغت المرأة تبغى بغاء إذا فجرت. والتحصن : التصون والتعفف عن الزنا . والمعنى: ولا تكرهوا - أيها الأحرار - فتياتكم اللاتى تملكومن على الزنا إن كرهنه وأردن العفاف والطهر، لكى تنالوا مزوراء إ كراهمن على ذلك ، بعض المال الذى بدفع من نظير افتراشهن . (١) تفسير الآلوسى ج ١٨ ص ٠١٥٦ ١٥٧ الجزء الثامن عشر وقوله - تعالى - ((إن أردن تحصنا)، ليس المقصود منه أنهن إن لم يردن التحصن يكرهن على ذلك، وإنما المراد منه بيان الواقع الذى نزلت من أجله الآية، وهو إكراههم لإماتهم على الزنا مع تفورهن معه. ولأن الإكراه لا يتصور عند رضاهن بالزنا واختيارمن له، وإنما يتصور عند كراهتهن له، وعدم رضاهن عنه ، ولأن فى هذا التعبير تعبير لهم، فكأنه - سبحانه - يقول لهم: كيف يقع منكم إكراههن على البغاء وهن إماء يردن العفة ويأ بين الفاحشة ؟ ألم يكن الأولى بكم والأليق بكرامتكم أن تعينوهن على العفاف والطهر ، بدل أن تكرهوهن على ارتكاب الفاحشة من أجل عرض من أعراض الحياة الدنيا ؟ . وقوله - تعالى -: ((ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراهين غفور رحيم)) بيان لمظهر من مظاهر فضل الله - تعالى - ورحمته بعباده. أى: ومن يكره إمامه على البغاء فإن الله - تعالى - بفضله وكرمه من بعد إكرامكم لهن، غفور رحيم لهن، أما أنتم يا من أكرهتموهن على الزنا فاقه وحده هو الذى يتولى حسابكم، وسيجازيكم بما تستحقون من عقاب. فمغفرة الله - تعالى - ورحمته إنما هى للسكرهات على الزنا، لا للمكرمين لهن على ذلك . - قال بعض العلماء: ((قوله - تعالى -: ((فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم)) قيل: غفور لهن . وقيل: غفور لهم. وقيل : غفور لهن ولهم. والأظهر: أن المعنى لهن، لأن المكره لا يؤاخذ بما يكره عليه، بل يغفره القهله، لعذره بالإكراه. فالموعود بالمغفرة والرحمة، هو المعذور بالإكراه دون المكره - بكسر الراء - لأنه غير معذور بفعله القبيح)،(!). ثم ختم - سبحانه - هذه التشريعات الحكيمة، والتوجيهات السديدة ، (١) تفسير أضواء البيان : ٦ ص ٢١٩ الشيخ محمد الأمين الشنقيطى. ١٥٨ سورة النور بقوله - تعالى -: ((ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم، وموعظة للمتقين، وقوله ((مبينات، قرأها بعض القراء السبعة بفتح الياء المشددة ، وقر أما الباقون بكسرها . فعلى قراءة الفتح يكون المعنى: وبالله لقد أنزلنا إليكم - أيها المؤمنون - فى هذه السورة وغيرها آيات بينا لكم معانيها، وجعلناها واضحة الدلالة على ماشر عناها لكم من أحكام وآداب وحدود . وعلى قراءة الكسر يكون المعنى: وبالله لقد أنزلنا إليكم آيات ، هى مبینات موضحات لكل ما أتم فى حاجة إلى بيانه ومعرفته من آداب وتشريعات ، فإستاد النبين هنا إلى الآيات على سبيل الجاز. ٠ وقوله: ((ومثلا من الذين خلوا من قبلكم، معطوف على ((آيات)). والمراد بالمثل : الأحبار العجيبة التى ذكرها - سبحانه - عن السابقين. أى : أنزلنا إليكم آيات واضحات فى ذاتها وموضحة لغيرها. وأزلنا إليكم - أيضا - قصصا عجيبة، من أخبار السابقين الذين خلوا من قبلكم ، لتهتدوا بها فيما يقع بينكم من أحداث. فمثلا : لا تتعجبوا من كون عائشة - رضى الله عنها - قد اتهمت بما هى منه بريئة. فقد اتهمت من قبلها مريم بالفعل الفاضح الذى برأها الله تعالى منه، وأنهم يوسف - عليه السلام - بما هو منه برىء، وألقى فى السجن بضع سنين مع براءةه . فيوسف ومريم وعائشة، وقد برام الله - تعالى - بما رموا به، وكفى شهادة اله شهادة . وقوله , وموعظة للمتقين)) أى: وجعلنا هذه الآيات التى أنزلنا إليكم موعظة يتعظ بها المتقون، الدي صافوا أنفسهم عن محارم الله، وراقبوه- سبحانه - فى السر والعلى، فانتفعوا بها دون غيرهم من المفسدين والفاسقين. ١٥٩ الجزء الثامن عشر فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف الآيات التى أنزلها على عباده المؤمنين بثلاث صفات، وصفها - أولا - بأنها بينة فى ذاتها أو مبينة لغيرها، ووصفها - ثانيا - بأنها مشتملة على الأمثال العجيبة لأحوال السابقين ووصفها. - ثالثا - بأنها موعظة للمتقين الذين تستشعر قلوبهم دائما الخوف من الله - تعالى -. وماذكره الله - تعالى - قبل هذه الآية من آداب وأحكام يتناسق مع التعقيب كل التناسق . ويتجاوز معه كل التجاوب. وكيف لا يكون كذلك، والقرآن هو كلام الله الذى أعجز كل البلغاء والفصحاء، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً . ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك، إلى الحديث عن جلال افه - تعالى- وفوره وعظمته وعن بعونه "فى أذن لها أن ترفع، وعن الرجال الذين لا قلوبهم تجارة ولا بيع عن طاعته وتقديسه، وعن الجزاء الحسن لذى أعده الله- سبحانه - لهؤلاء الأخيار ، فقال : ((اللّهُ نُورُ السَّمواتِ والأَرْضِ، مثلُ نودِهِ كَشْكَاةٍ فيها مِصْباخ المصباحُ فى زجاجةٍ، الزجاجةُ كأنّها كوكبٌ دُرِّى يوقدّ من شجرةٍ مباركةٍ زَيتونةٍ لا شرقيةٍ ولا غريبةٍ إِكادُ زيْتُها يضىء ولو لم تمسَهُ نارٌ، نورٌ على ورٍ، بْدِى الله النُورِهِ مَنْ يشاء، ويضرِبَ اله الأمثال للنّاس والله بكل شىءٍ عليمٍ (٣٥) فى بُيُوتٍ أَذِنَ الله أنْ ترفع ويذكرَ فيها اسمُهُ، يسبحُ لهُ فيها بالغدُوِّ والآصالِ (٣٦) رجالٌ لا تُلهِيهِمْ تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذِكْرِ اللهِ، وإقام الصَّلاَة وإيتاء الزكاة يخافوزَ يوماً تتقَلَّبُ ١٦٠ سورة النور فيهِ القلوبُ والأبصارُ (٣٧) ليجزِيَهم الله أحسنَ مَا عَمِلُوا ويزيدَمُ مِنْ فَضْله، والله يرزق من يشاء بغير حسابٍ (٣٨))). قال الإمام القرطبى ما ملخصه: ((قوله - تعالى -: (الله نور السموات والأرض »: النور فى كلام العرب: الأضواء المدركة بالبصر، واستعمل مجازاً فما صح من المعانى ولاح ، فيقال : كلام له نور .. وفلان نور البلد. فيجوز أن يقال: لله - تعالى - أور، من جهة المدح، لأنه أوجد جميع الأشياء، وفور جميع الأشياء منه ابتداؤها، وعنه صدورها، وهو - سبحانه - ليس من الأضواء المدركة ، جل وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيرا .. واختلف العلماء فى تأويل هذه الآية ، فقيل: المعنى: به وبقدرته أنارت أضواؤها، واستقامت أمورها، وقامت مصنوعاتها فالكلام على التقريب. للذهن، كما يقال: الملك نور أهل البلد. أى: به قوام أمرها ... فهو - أى النور - فى الملك مجاز، وهو فى صفة الله - تعالى - حقيقة محضة ... قال ابن عرفة: أى منور السموات والأرض .. قال مجاهد: مدير الأمور فى السموات والأرض ... وقال ابن عباس: المعنى: الله هادى السموات والأرض. والأول أعم للمعانى وأصح مع التأويل.(١). ويبدو لنا أن أقرب الأقوال إلى الصواب هو الذى رجحه الإمام القرطبي فيكون معنى الجملة المكريمة: الله - تعالى- هو نور العالم كله علوية وسفلية، بمعنى منوره بالمخلوقات التكوينية، وبالآيات التنزيلية، وبالرسالات السماوية، الدالة دلالة واضحة على وجوده - سبحانه - وعلىوحدانيته، وقدر ته، وسائر (١) تفسير القرطبى : ١٢ ص ٠٢٥٦