النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
الجزء الثامن عشر
فأما إذا كان بكرا لم يتزوج فإن حده مائة جلدة كما فى الآية . ويزاد
علی ذلك أن يغرب عاما عند جمهور العلماء ...
وحجتهم فى ذلك ما ثبت فى الصحيحين عن أبي هريرة ، أن أعرابيين اتها
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أحدهما: يارسول الله، إن إبنى كان
عسيفا - أى أجيرا - عند هذا. فزنى بأمر أنه فافتديت أبنى منه بمائة شاة و وليدة،
فسألت أهل العلم فأخبرونى أن على ابنى جلد مائة وتغريب عام. وأن على امرأة
هذا الرجم . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: والذى نفسى بيده
لأقضين بينكما بكتاب الله: الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة
وتغريب عام وأغديا أنير - وهو رجل من قبيلة أسلم - إلى امرأة هذا،
فإن اعترفت فارجمها ، فغدا عليها ، فاعترفت فرجمها .
ففى هذا دلالة على تغريب الزانى مع جلده مائة. إذا كان بكرا لم يتزوج
فأما إذا كان محصنا فإنه يرجم ...
و ثبت فى الصحيحين من حديث مالك - مطولا -، أن عمر بن الخطاب
- رضى الله عنه - قام خطب الناس فقال: «أيها الناس، إن اقه بعث محمدا
- صلى الله عليه وسلم - بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه
آية الرجم فقر أناها ووعيناها، ورجم رسول الله عليه وسلم - ورجما بعده،
فأخشى أن يطول بالناس زمان فيقول قائل : لا نجد آية الرجم فى كتاب الله ،
فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها الله، فالرجم فی کتاب الله حق على من زنى
من الرجال والنساء ، إذا قامت البيئة أو الحبل أو الاعتراف .
وقد رجم النبى - صلى الله عليه وسلم - ما عزا والغامدية ، إلا أن جمهور
الفقهاء يرون أنه يكتفى الرجم، ولا يجلد قبل الرجم، لأنه لم ينقل عن
الرسول - صلى الله عليه وسلم -أنه جلد أحداً من الزناة المحصنين قبل أن
برجهم، ومن الفقهاء من يرى أنهم يجلدون ثم يرجون بعد ذلك،(١).
(١) راجع تفسير ابن كثير ج ٦ ص ١٢ وما بعدها.

١٠٢
سورة النور
وقال بعض العلماء ماملخصه: لا أعلم أن رجم الزاقين المحصنين، دلت عليه
آيتان من كتاب الله - تعالى -، إحداهما: نسخت فلاونها وبقى حكمها،
والثانية : باقية التلاوة والحكم.
أما التى نسخت تلاوتها ونقى حكمها، فهى قوله - تعالى -: ((الشيخ والشيخة
إذا زنيا فارجموهما ألبتة)- وقد ورد ذلك فى روايات متعددة - وتدل هذه
الروايات على أن الصحابة قرارها ووعوها. وعقلوها. وأن حكمها باق. لأن
النبى - صلى الله عليه وسلم - فعله، والصحابة فعلوه من بعده ...
وأما الآية التى هى باقية التلاوة والحكم، فهى قوله - تعالى -: «ألم تر
إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب بدءون إلى كتاب الله ليحكم بينهم،
ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون)) على القول بأنها نزلت فى رجم اليهوديين
الزافيين بعد الإحصان، وقد رجمهما النبى - صلى الله عليه وسلم - وقصة رجمه
لهما مشهورة، ثابتة فى الصحيح. وعليه فقوله: ( ثم يتولى فريق منهم ولم
معرضون، أى: عما فى التوراة من حكم الرجم. وذم المعرض عن الرجم
فى هذه الآية. يدل على أنه ثابت فى شرعنا فدلت الآية - على هذا القول -
أن الرجم ثابت فى شرعنا. وهى باقية التلاوة .... (١).
٢ - كذلك أخذ العلماء من قوله - تعالى -: «ولا تأخذكم بهما رأفة فى
دين الله ... )) أنه لا تجوز الشفاعة فى الحدود. كما لا يجوز إسقاط الحد
لأن ذلك تعطيلا لتنفيذ شرع الله - تعالى - على الوجه الأكمل.
قال الآلوسى ماملخصه: ((قوله - تعالى -: ((ولا تأخذکے بهما رأفة فى دين
ألقه .. ، أى: فى طاعته وإقامة حده الذى شرعه. والمراد الرى عن التخفيف
(١) راجع: أضواء البيان فى إيضاح القرآن بالقرآن ج ٦ ص ٥ وما بعدها
للشيخ محمد الأمين الشنقيطى .

١٠٣
الجزء الثامن عشر
فى الجلد، بأن يحلدوهما جلدا غير مؤلم. أو بأن يكون أقل من مائة جلدة.
بإسقاط الحد بشفاعة أو نحوها ...
لما صح من أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنكر على حبه أسامة
ابن زيد، حين شفع فى فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد المخزومية، التى
سرقت قطيفة أو حليا، وقال له: يا أسامة أتشفع فى حد من حدودالله-تعالى-،
ثم قام - صلى الله عليه وسلم - خطب فقال: « أيها الناس، إنماضل من
قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه،؛ إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا
عليه الحد، وايم الله - تعالى - لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)).
وكما تحرم الشفاعة، بحرم قبولها، فعن الزبير بن العوام - رضى الله عنه -
قال: « إذا بلغ الحد إلى الإمام، فلا عفا الله - تعالى - عنه إن عناء (!).
٣ - يرى كثير من الفقهاء أن التحريم فى قوله - تعالى -: ((وحرم ذلك
على المؤمنين)، وللتنزيه، وعبر عنه بلفظ (حرم ، للتغليظ والتغفير من الإقدام
عن زواج المؤمن من الزانية، أو على زواج المؤمنة من الزانى.
ويرى آخرون أن التحريم على ظاهره، وأنه لا يجوز للمؤمن أن يتزوج
بالزافية ، وكذلك لا يجوز للمؤمنة أو تتزوج بالزانى.
وقد فصل تقول فى هذه المسألة بعض العلماء فقال ماملخصه: « أعلم أن
العلماء اختلفوا فى جواز فكاح العفيف بالزانية، ونكاح العفيفة بالزانى.
فذهب جماعة من أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة -أبو حنيفة ومالك والشافعى-
إلى جواز نكاح الزانية مع الكراهة التنزيهية ... لأن الله - تعالى - قال:
((وأحل لكم مارواه ذلكم)) وهو شامل بعمومه الزانية والعفيفة ...
وقالت جماعة أخرى من أهل العلم: لا يجوز تزويج الزانى العفيفة،
ولا عكسه، وهو مذهب الإمام أحمد، وقد روى عن الحسن وقتادة.
(١) سورة الآلوسى = ١٨ ص ٨٣

١٠٤
سورة النور
ومن أدلتهم الآية التى نحن بصددها، وهى قوله - تعالى:( الزانى لابنكح
إلا زانية أو مشركا .. ، لأنها قد حرمت فى نها يتها أن يتزوج التقى بالزائية.
أو التقية بالزانى ... .(١) .
وعلى أية حال فالمتدبر فى هاتين الآيتين يراهما، تشددان العقوبة على من
يرتكب جريمة الزنا، وتنفران من الاقتراب منها ومن يقع فيها أعظم تنفير،
لأن الإسلام حرص على أن ينتشر العفاف والطهر بين أفراد المجتمع
الإسلامى ، وشرع من وسائل الوقاية ما يحمى الأفراد والجماعات من الوقوع
فى هذه الرذيلة .
وبعد أن نفر - سبحانه - من جريمة الزنا أعظم تنفير، وأمر بتنفيذ
غقوبته فى مرتكبها بدون رأفة أو تساهل ... أتبع ذلك بقشريعات أخرى،
من شأنها أن تحمى أعراض الناس وأنفسهم من اعتداء المعتدين، فقال
- تعالى - :
((والذينَ يرْمُونَ المحصَنَاتِ ثُمَّ لِمْ يَأْتُوا بأربعةٍ شُهداء فاجلِدُوهُم
ثمانِينَ جَلِدةً ولا تقبلوا لهُم شهادةً أبداً وأولئِكَ م الفاسِقُونَ (٤) إلاّ
الذينَ تَابُوا مِنْ بَعدِ ذلِكَ وَأَصَلَحُوا، فإنَّ اللهَ غفورٌ رَحِيمٌ (٥))) .
62
وقوله - تعالى - ((برمون)) من الرمى، وأصله القذف بشىء صلب أو
ما يشبه تقول: رمى فلان بحجر، إذا قدفه به . والمراد به هنا: الشتم
والقذف بفاحشة الزنا، أو ما يستلزمه كالطعن فى النسب .
قال الإمام الرارى: وقد أجمع العلماء على أن المراد هنا: الرمى بالزنا ،
(١) راجع تفسير: ((أضواء البيان ٥٠٠ ج ٦ ص ٧٢ وما بعدها.

١٠٥
الجزء الثامن عشر
وفى الآية أقوال تدل عليه. أحدها: تقدم ذكر الزنا، وثانيها: أنه - تعالى -
ذكر المحصنات، ومن المفائف، فدل ذلك على أن المراد بالرامى رمبون بهضد
العفاف، وثالثها: قوله , ثم لم يأتوا بأربعة شهداء)) يعنى على صحة مارهو هن به
ومعلوم أن هذا العدد من الشهود غير مشروط إلا بالزنا، ورابعها : انعقاد
الإجماع على أنه لا يجب الجلد بالرمى بغير الزنا، فوجب أن يكون المراد
هنا هو الرمى بالزنا ... ) (١).
و((المحصنات، جمع محصفة، والإحصاز فى اللغة بمعنى المنع. يقال: هذه
ذرع حصينة، أى: مانعة صاحبها من الجراحة. ويقال: هذا موضع حصير،
"أى: مانع من يريده بسوء .
والمراد بالمحصفات هنا : النساء العفيفات البعيدات عن كل ريبة وفاحشة.
سميت المرأة المفيفة بذلك، لأنها تمنع نفسها من كل سوء.
قالوا : ويطلق الإحصان على المرأة والرجل ، إذا توفرت فيهما صفات
العفاف. والإسلام ، والحرية ، والزواج .
وإنما خص - سبحانه - النساء بالذكر هنا: لأن قذفون أشنع، والعار
الذى يلحقهن بسبب ذلك أشد، وإلا فالرجال والنساء فى هذه الأحكام سواء.
وقوله - تعالى -: ((والذين يرمون المحصنات ... )) مبتدأ، أخبر عنه بعد
ذلك بثلاث جمل، وهى قوله:« فاجلديهم ... ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا،
وأولئك هم الفاسقون ».
والمعنى أن الذين يرمون النساء العفيفات بالفاحشة، ثم لم يأتوا بأربعة
شهداء يشهدون لهم على صحة ماقذفومن به، فاجلدوا - أيها الحكام - هؤلاء
القاذفين ثمانين جلدة ، عقابا لهم على ما تفوهوا به من سوء فی حق هؤلاء
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٦ ص ٠٢٢٧

١٠٦
سورة النور
المحصفات، ولا تقبلوا لهؤلاء القاذفين شهادة أبدا بسبب إلصاقهم التهم
الكاذبة بمن هو برىء منها، وأولئك هم الفاسقون، أى: الخارجون على
أحكام شريعة الله - تعالى -، وعلى آدابها السامية.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد عاقب هؤلاء القاذفين المحصنات،بثلاث
عقوبات :
أولها : حسية، وتشمل فى جلدهم ثمانين جلدة ، وهى عقوبة قريبة من
عقوبة الزنا .
وثانيها : معنوية، وتتمثل فى عدم قبول شهادتهم، بأن تهدر أقوالهم،
ويصيرون فى المجتمع أشبه ما يكونون بالمنبوذين ، الذين إن قالوا لا يصدق
الناس أقوالهم، وإن شهدوا لا تقبل شهادتهم ، لأنهم انسلخت عنهم صفة الثقة
من الناس فيهم .
وثالثها: دينية، وتتمثل فى وصف الله - تعالى - لهم بالفسق ، أى:
بالخروج عن طاعته - سبحانه - وعن آداب دينه وشريعته.
وما عاقب الله - تعالى - هــؤلاء القاذفين فى أغراض الناس، بتلك
العقوبات الرادعة، إلا لحكم من أهمها: حماية أعراض المسلمين من السنة السوء،
وصيانتهم من كل ما يخدش كرامتهم، ويجرح عفافهم ...
وأقسى شىء على النفوس الحرة الشريفة الطاهرة. أن تلصقها التهم
الباطلة ، وعلى رأس الرذائل التى تؤدى إلى فساد المجتمع، ترك ألسنة السوء،
تنهش أعراض الشرفاء ؛ دون أن تجد هذه الألسنة من يحرسها أو يردعها.
وقد اتفق الفقهاء على أن الاستثناء فى قوله - تعالى - ,إلا الذين تابوا
من بعد ذلك وأصلحوا ... ، يعود على الجملة الأخيرة. بمعنى أن صفة
الفسق لا تزول عن هؤلاء القاذفين للمحصفات إلا بعدتوبتهم، وصلاح حالهم.

١٠٧
الجزء الثامن عشر
أى: وأولئك القاذفون للمحصفات دون أن يأتوا بأربعة شهداء على صحة
ما قالوه، هم الفاسقون الخارجون عن طاعة الله - تعالى-، إلا الذين تابوا
منهم من بعد ذلك توبة صادقة نصوحا، وأصلحوا أحوالهم وأعمالهم، فإن
الله - تعالى - كفيل بمغفرة ذنوبهم، وشمولهم برحمته.
كما اتفقوا - أيضا - على أن هذا الاستثناء لا يعود إلى العقوبة الأولى هى
الجلد ، لأن هذه العقوبة بحب أن تنفذ عليهم . متى ثبت قذفهم المحصنات،
حتى ولو تابوا وأصلحوا، فاقبلوا شهادتهم.
والخلاف إنما هو فى العقوبة الوسطى وهى قبول شهادتهم ، لجمهور
الفقهاء يرون صحة عودة الاستثناء عليها بعد التوبة ، فيكون المعنى: إلا الذين
قابوا من بعد ذلك وأصلحوا ، فاقيلوا شادتهم .
ويرى الإمام أبو حنيفة، أن الاستثناء لا يرجع إلى قبول شهادتهم،
وإنما يرجع فقط إلى العقوبة الأخيرة وهى الفسق ، فهم لا تقبل شهادتهم أبدا
أى: طول مدة حياتهم، حتى وإن تابوا وأصلحوا.
وقد فصل القول فى هذه المسألة الإمام القرطبى فقال ماملخصه: «تضمنت
الآية ثلاثة أحكام فى القاذف : جلده ، ورد شهادته أبداً، وفقه .
فالاستثناء غير عامل فى جلده وإن تاب - أى أنه يجلد حتى
ولو تاب - .
وعامل فى فقه بإجماع - أى: أن صفة الفسق تزول عنه بعد ثبوت
أوبته - .
واختلف الناس فى عمله فى رد الشهادة . فقال أبو حنيفة وغيره : لا يعمل
الاستثناء فى رد شهادته. وإنما يزول فسقه عند الله - تعالى -. وأما شهادة
القاذف فلا تقبل ألبتة. ولو ناب وأكذب نفسه، ولا بحال من الأحوال .

١٠٨
سورة النور
وقال الجمهور: الاستثناء عامل فى رد الشهادة، فإذا تاب القاذف قبلت
شهادته، وإنما كان ردها املة الفسق، فإذا زال بالتوبة قبلت شهادته طلقا،
قبل الحد وبعده. وهو قول عامة الفقها ..
ثم اختلفوا فى صورة قوبته، فذهب عمر بن الخطاب - رضى الله عنه -
والشعبى وغيره: أن توبته لا يكون - مقبولة - إلا إذا كذب نفسهفىذلك
القذف الذى حد فيه ...
وقالت فرقة منها مالك وغيره: توبته أن يصلح وبحمن حاله ، وإن لم
يرجع عن قوله بتكذيب، وحسبه الندم على قذفه، والاستغفار منه، وترك
العود إلى مثله،(١).
ويبدو لنا أن ما أفتى به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - هو الأولى
بالقبول، لأن اعتراف القاذف بكذبه، فيه محو لآثار هذا القذف، وفيه تبرئة
صريحة للمقذوف، وهذه التبرئة نزيده انشراحا وسرورا، وترد إليه اعتباره
بين أفراد المجتمع .
كما يبدو لنا أن الأول فى هذه الحالة، أن تقبل شهادة القاذف ، بعد هذه
التوبة الى صاحبها اعتراف منه بكذبه فما قال، لأن إقدامه على تكذيب نفسه
قرينة على صدق توبته، وصلاح حاله .
وهكذا يحمى الإسلام أعراض أتباعه ، بهذه القشريعات الحكيمة، التى
يؤدى أتباعها إلى السعادة فى الدنيا والآخرة.
ثم انتقلت السورة الكريمة من الحديث عن حكم القذف بصفة عامة، إلى
الحديث عن حكم القذف إذا ماحدث بين الزوجين ، فقال - تعالى - :
(١) تفسير القر طبى ج ١٢ ص ١٧٩. وراجع أيضا أضواء البيان ج ٦ ص ٨٩
وما بعدها .

١٠٩
الجزء الثامن عشر
((والذينَ يرُمُونَ أَزواجُهُم ولم يُكُنْ لَهُمْ شُهدَاء إلاَّ أَنفُسُهم،
فشهادةُ أَحدِيمٍ أَرْبعُ شَهاداتٍ بِاللهِ إنّه لِنَ الصَّادِقِينَ (٦) والخامسةُ أَنَّ
لَنَةَ اللّهِ عِلَيْهِ إنْ كانَ من الكَاذِبِينَ (*) ويَدْرَؤُ منها العذابَ أَنْ تَشْهَد
أَرْبَعَ شهاداتٍ بِاللهِ إِنَّه ◌ِمِنّ الكَاذِبِينَ (٨) والخامِسَةَ أنَّ ◌َغَضَبَ اللهِ
عليها إنْ كانَ من الصَّادِقِينَ (٩) ولولاَ فَضْلُ اللهِ عليكُم ورَحْتُه
وأنّ الهَ توابٌ حكيمٌ (١٠))).
ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات متعددة ، منها
ما أخرجه البخارى عن ابن عباس، أن هلال بن أمية، قذف امرأته عند
النبي - صلى الله عليه وسلم - بشريك بن السحماء، فقال له الرسول - صلى الله
عليه وسلم -: (( البيئة أو حد فى ظهرك)). فقال: يارسول الله، إذا رأى
أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة ؟ بجمل النبى - صلى الله عليه
وسلم - يقول له: (( البينة أو حد فى ظهرك)).
فقال هلال: والذي بعثك بالحق إنى لصادق: ولينزان الله ما يهدى ظهرى
من الحد . فنزل جبريل بهذه الآيات .
فانصرف النبى - صلى الله عليه وسلم - فأرسل إليهما، بجاء هلال فشهد،
والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن الله يعلم أن أحدكم كاذب ، فهل منكما
قائب ؟ ثم قامت زوجته فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا :
إنها موجبة - أى للعذاب واغضب الله - تعالى -.
قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت :
لا أفضح قومى سائر اليوم، فمضت ...

١١٠
سورة النور
وفى رواية : فشهدت فى الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين.
ففرق الرسول - صلى الله عليه وسلم - بينهما, وقضى أن لا يدعى ولدها لأب،
ولا يرمى ولدها ، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد ... )، (١).
والمراد بالرمى فى قوله - تعالى - ,والذين يرمون أزواجهم .. ، الرمى
بفاحشة الزنا
وقوله - تعالى -: ((ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم، أى: ولم يكن لهؤلاء
الأزواج الذين قذفوا زوجاتهم بالزنا من يشهد معهم وى أنفسهم.
وقوله : (( فشهادة أحدهم، أى: فشهادة أحدهم التى ترفع عنه حد القذف.
أن يشهد, أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فيما رماها به من الزنا.
قال الجمل ما ملخصه: ((قوله - تعالى- ((ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم .. ))
فى رفع أنفسهم وجهان: أحدهما أنه بدل من شهداء والثانى: أنه نست له على
أن إلا بمعنى غير. ولا مفهوم لهذا القيد. بل يلاعن ولو كان وأجدا للشهود
الذين يشهدون بزناها ... وقوله: ((فشهادة)) مبتدأ، وخبره (أربع شهادات))
أى: فشهادتهم المشروعة أربع شهادات.،(٢).
وقرأ الجمهور: ((أربع شهادات)) بالنصب على المصدر، لأن معنى،
نشهادة ، أُن یشهد .
والتقدير: ((فعليهم أن يشهد أحدهم أربع شهادات باته إنه لمن الصادقين
فيما قاله .
وقوله - سبحانه -: ((والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين))
بيان لما يجب على القاذف بعد أن شهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين.
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ١٣.
(٢) حاشية الجمل على الجلالين ج ٣ ص ٠٢٠٩

الجزء الثامن عشر
أى: والشهادة الخامسة بعد الأربع المتقدمة ، أن يشهد القاذف بأن لسنة
القه - تعالى - علیه، إن كان من الكاذبين ، فی رمیه لزوجته بااز نا .
قال الآلوسي: « وإفرادها - أى الشهادة الخامسة - بالذكر، مع كونها
شهادة - أيضا -، لاستقلالها بالفحوى ، ووكادتها فى إفادتها ما يقصد بالشهادة
من تحقيق الخبر - وإظهار الصدق. وهى مبتدأ، خبره قوله - تعالى-«أن لعنة
الله عليه .... (١) .
ثم بين - سبحانه - ما يجب على المرأة لمكى تبرئ نفسها ممار ماها به زوجها
فقال: ((ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين)).
وقوله - تعالى - «ويدرأ)) من الدرأ بمعنى الدفع. يقال: درأ فلان التهمة
عن نفسه ، إذا دفعها عن نفسه، وتبرأ منها .
والمراد بالعذاب العذاب الدنيوى هو الحد الذى شرعه الله - تعالى - فى
هذا الشأن .
أى: أن الزوجة التى رماها زوجها بفاحشة الزنا يدفع عنها الحدويرفع،
إذا شهدت أربع شهادات باقه، إن زوجها لمن الكاذبين فما قذفها به .
وقوله - سبحانه - ((والخامسة، بالنصب عطفا على ((أربع شهادات)).
أى : يدرأ عنها العذاب إذا شهدت أربع شهادات بالله إن زوجها كاذب
فيما رماها به ثم تشهد بعد ذلك شهادة خامسة مؤداها , أن غضب الله عليها،
((إن كان) زوجها,من الصادقين)) فى إتهامه إياها بفاحشة الزنا.
وجاء فى جانب المرأة التعبير بقوله - تعالى - «أن غضب الله عليها،
ليكون أشد فى زجرها عن الكذب ، واعترافها بالحقيقة بدون إنكار، لأن
العقوبة الدنيوية أهون من غضب الله - تعالى - عليها فى حالة كنبها.
(١) تفسير الآلوسى =١٨ ص ٠١٠٥

١١٢
سورة النور
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات ببيان جانب من فضله - تعالى -على خلقه
فقال: ((ولولا فضل الله عليكم ورحمته، وأن الله قواب حكيم».
وجواب ((لولا، محذوف. وجاءت الآية بأسلوب الالتفات من الغيبة
إلى الخطاب، للعناية بشأن مقام الامتنان والفضل من الله - تعالى- عليهم
بتشريع هده الأحكام .
أى: ولولا أن الله - تعالى - تفضل عليكم ورحمكم - أيها المؤمنون -
بسبب ماشرعه لكم فى حكم الذين برمون أزواجهم بالفاحشة ... لولا ذلك
لحصل لكم من الفضيحة ومن الحرج ما لا يحيط به الوصف، ولكنه سبحانه.
شرع هذه الأحكام سترا الزوجين وتخفيفا عليهما. وحضا هما على التوبة
الصادقة النصوح، وأن الله، تعالى , تواب، أى: كثير القبول لتوبة التائب
متى صدق فيها، (( حكيم )) أى: فى كل ماشرعه لعباده.
هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات، أن قاذف
زوجته بفاحشة الزنا، إذا لم يأت بأربعة شهداء على صحة ماقاله ، فإنه يكون
خيرا بين أن يلاعن وبين أن يقام عليه الحد .
بخلاف من قذف أجنبية محصنة بفاحشة الزنا ، فإنه يقام عليه الحد ، إذا
لم يأت بأربعة شهداء على أنه صادق فى قوله
قال بعض العلماء : ولعلك تقول: لماذا كان حكم قاذف زوجته ، مخالفا
حکم قاذف الأجنبیة، وما السر فى أنه جاء مخففا؟
والجواب ، أنه لا ضرر على الزوج بزنا الأجنبية وأمازنازوجته فيلحقه به
العار ، وفساد البيت، فلا يمكنه الصبر عليه ، ومن الصعب عليه جدا أن يمد
البيئة. فتكليفه إياها فيه من العصر والحرج ما لا يخفى. وأيضا فإن الغالب
فى الرجل أنه لا يرمى زوجته بتلك الفاحشة، إلا عن حقيقة، لأن فى هذا
الرمى إيذاء له. وهتك لحرمته. وإساءة لسمعته ... فكان رميه إياها.

١١٣
الجزء الثامن عشر
بالقذف دليل صدقه ، إلا أن الشارع أراد كمال شهادة الحال. بذكر كلمات
الحان المؤكدة بالأيمان، جملها - منضمة إلى قوة جانب الزوج - قائمة مقام
الشهود فى قدفى الأجنبى)،(١).
كذلك أخذ العلماء من هذه الآيات أن كيفية اللعان بين الزوجين، أن يبدأ
بالزوج فيقول أمام القاضى: أشهد بالله إنى لمن الصادقين، وفى المرة الخامسة
يقول: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين - أى فما رمى به زوجته.،
وكذلك المرأة تقول فى لعانها أربع مرات: أشهد باقه إنه لمن الكاذبين.
وفى المرة الخامسة تقول: غضب الله عليها إن كان من الصادقين - أى: فيما
قاله زوجها فى حقها ۔.
فإذا ما فالا ذلك . سقط عنهما الحد ، وفرق القاضى بينهما فراقا أبديا .
قال القرطبى: «قال مالك وأصحابه: وبتمام اللمان تقع الفرقة بين المتلاعنين
فلا يحتمعان أبدا. ولا يتوارثان. ولا يحل له مراجعتها أبدالا قبل زوج
ولا بعده ...
وقال أبو حنيفة وغيره: لا تقع الفرقة بعد فراغهما من اللعان حنى
يفرق الحاكم بينهما ...
وقال الشافعى: ((إذا أكمل الزوج الشهادة والالتعان . فقد زال فراش
إمرأته. التعنت أو لم تلتعن. لأن لعانها إنما هو لدرء الحد عنها لا غير.
وليس لالتعانها فى زوال الفراش معنى ... ،(٢) .
وبعد أن بين - سبحانه - حكم القذف بالنسبة للحصنات. وبالنسبة
الزوجات. اتبع - عز وجل - ذلك بإيراد مثل لما قاله المنافقون فى شأن
(١) تفسير آيات الأحكام جـ ٣ ص ٣٦)
(٢) راجع تفسير القرطبى = ٣) ص ١٩٣.
٨ - سورة النور )

١١٤
سورة النور
السيدة عائشة - رضى الله عنها -، ولما كان يجب على المؤمنين أن يفعلوه فى
مثل هذه الأحوال ، فقال - تعالى - :
(إِنَّ الذِينَ جاءوا بالإِفْكِ مصْبَةٌ مِنكُم، لا تحسَبُوه شرًّا لِكُم،
بلْ هُو خيرٌ لكُم، لكلِّ امرِئٍ مِنِهم ما اكتَسَبَ من الإِثْمِ،
والذى تولَّى كَبْرَه منهم لهُ عَذَابٌ عظيمٌ (١١) لولاَ إذْ سَمِعْتُبوه ظنّ
المؤمِنُونَ والمؤمناتُ بأنفُسِهِم خيراً، وقَالُوا هذا إنْكٌ مبينٌ (١٢)
لولاَ جَاءُوا عَلَيْه بأربعةٍ شُهدَاء، فإذْ لم يَأْتُوا بالشُّهداء فأولئِكَ عندَ الهِ
هم الكَاذِبُونَ (١٣) ولولا فضْلُ اللهِ عليكم ورحمته فى الدُّنيا والآخرةِ،
لمسّكُم فياَ أَفَضْتُ فِيهِ عذابٌ عَظِيمٌ (١٤) إذْ تلقّونَهُ بأَسِتَكُم،
وَقَولُونَ بأَقوامِكُم ما ليْسَ لِكُم بِهِ عِلْمٌ، وتحسَبُونَه هَيّاً وهُو
عِندَ اللّهِ عظيمٌ (١٥) ولولا إذ ◌َمِتُموه قلُم ما يكونُ لّنا أنْ تَتَكُلّم
بهذا، سُبحانَكَ هذا بهتانٌ عظيمٌ (١٦) يَعِظِكُم اللهُ أنْ تُعُودُوا لِثْلِهِ
أبداً إنْ كنتم مُؤْمِنِينَ (١٧) ويُبَنُ اللهُ لكُم الآياتِ ، والله عليمٌ
حكيمٌ (١٨))).
قال الإمام إن كثير ما ملخصه: «هذه الآيات نزلت فى شأن السيدة عائشة
- رضى الله عنها - حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين ، بما قالوه من
الكذب البحث، والغربة الى غار الله - تعالى - لها ولنبيه - صلى الله عليه
وسلم -، فأنزل براءتها صيانة لعرض الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
جاء فى الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة أنها قالت: كان رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - إذا أراد سفرا أفرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها

١١٥
الجزء الثامن عشر
خرج بها معه . فأفرع بيننا فى غزوة غزاما خرج سهمى - وكان ذلك فى
غرزة بنى المصطلق على الأرجح -، نخرجت مع النبى - صلى الله عليه وسلم-،
وذلك بعد ما أنزل الحجاب ، وأنا أحمل فى هودج وأنزل فيه .
فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوته: لكة
وقفل ودنوعا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل: حتى
جاوزت الجيش .
فلما قضيت من شأنى أقبلت إلى الراحلة، فلست صدرى ، فإذا عند لى
قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدى فاجتبنى ابتغاؤه، وأقبل الرحط الذين
كانوا يرحلون بى، فاحتملوا هو دجى، فرحلوه على بعيرى. وهم يحسبون
أنى فيه . وكان النساء إذ ذاك خفافا، لم يثقلون اللحم، فلم يستنكر القوم حين
رفعوه خفة الهودج ، فاحتملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجل
.وساروا، فوجدت عقدى بعد ماسار الجيش، فيحت منزلهم، وليس فيه أحد
منهم، فيممت ، نزلى الذى كنت فيه. وظننت أن القوم - يفقدو انى فير جعون إلى.
فبينا أنا جالسة فى منزلى غلبتنى عيناى فتمت وكان صفوان بن المعدل
السلمى، قد عرّس - أى تأخر - من وراء الجيش، فأصبح عند منزلى، فرأى
سواد إنسان نائم، ماتانى فعر فنى حين رآنى. وقد كان يرانى قبل أن
يضرب علينا الحجاب.
فاستيقظت باسترجاعه حتى عرفنى. ثمرت وجهى بجلبابى، والله
ما كلمنى كلمة ، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حين أناخ راحلته، فوطئ.
على يديها فركبتها ، فانطلق يقود بى الراحلة . حتى أنينا الجيش، بعد ما نزلوا
فى نحو الظهيرة . فهلك من هلك فى شأنى، وكان الذى تولى كبره عبد الله
.ابن أبي بن سلول ... ) (١).
(١) راجع تفسير ابن كثير ج ٦ ص. ١٨ وما بعدها نهيه جملة من الأحاديث
فى هذا الشأن.
ء

١١٦
سورة النور
وقد افتتحت هذه الآيات الكريمة بقوله - تعالى -: ((إن الذين جاءوا
بالافك عصبة منكم ...
والإفك : أشنع الكذب وأخته. يقال أفك فلان - كضرب وعلم -
أفكا وزفكا ، أى: كذب كذبا قبيحا .
والعصبة: الجماعة من العشرة إلى الأربعين ، من العصب وهو الشد، لأن
كل واحد منها بشد الآخر ويؤ ازره ...
أى : إن الذى قالوا ماقلوا من كذب قبيح، وبهتان شنيع، على السيدة
عائشة - رضى الله عنها - هم جماعة بتبون إليكم - أيها المسلمون - بعضهم
قد استنزلهم الشيطان . - كمسطح بن أثاثة - ، وبعضهم يظهرون الإسلام
ويبطنون الكفر والنفاق - كعبد الله بن أبي بن سلول - وأتباعه.
وفى التعبير بقوله - تعالى - ((عصبة)) إشعار بأنهم جماعة لها أهدا فها الخبيثة،
التى تواطؤا على نشرها، وتكاتفوا على إشاعتها، بمكر وسوء نية.
وقوله - سبحانه -: (( لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم ... ،تسلية
للنبى - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه المؤمنين الصادقين، عما أصابهم من ثم
وغم بسبب هذا الحديث البالغ نهاية دركات الكذب والقبح .
أى: لا تظنوا - أيها المؤمنون - أن حديث الإفك هذاهو شر لكم،
بل هو خير لكم، لأنه كشف عن قوى الإيمان من ضعيفه . كما فضح حقيقة
المنافقين وأظهر ما يضمرونه من سوء للنبى - صلى الله عليه وسلم - ولأهل
بيته، وللمؤمنين . كما أنكم قد فلتم بصبركم عليه وتكذيبكم له أرفع الدرجات
عند أنه تعالى - .
ثم بين - سبحانه - ما أعده لهؤلاء الخائضين فى حديث الإفك من عقاب
فقال: (( لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم».

١١٧
الجزء الثامن عشر
أى لكل واحد من هؤلاء الذين اشتركوا فى إشاعة حديث الإفك
العقاب الذى يستحقه بسبب ما وقع فيه من آنام، وما اقترفه من سيئات.
وقوله - تعالى -: ((والذى تولى كبره منهم له عذاب عظيم، بيان لسوه
عاقبة من تولى معظم إشاعة هذا الحديث الكاذب .
والكبر - بكسر الكاف وضمها - مصدر لم، ظم الشى. وأكثره.
أى: والذى تولى معظم الخوض فى هذا الحديث الكاذب، وحرض على
إشاعته، له عذاب عظيم لا يقادر قدره من الله - تعالى ..
والمقصود بهذا الذى تولى كبره . عبد الله بن أبى سلول. رأس المنافقين
وزعيمهم ، فهو الذى قاد حملته، واضطلع بالنصيب الأكبر لإشاعته.
روى أنه لما جاء صفوان بن المعطل يقود راحلته وعليها عائشة - رضى
الله عنها - قال عبد الله بن أبى لمن حوله: من هذه ؟ قالوا عائشة فقال - لعنه
الله - : امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها والله مانجت
منه وما نجا منها .
قال ابن جرير: ((والأولى بالصواب قول من قال، الذى تولى كبره
عبد الله ابن سلول، وذلك أنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير، أن الذى بدأ
بذكر الإفك. وكان يجمع أهله ويحدثهم به، هو عبد الله بن سلول ،(١).
وقال الآلوسى: (والذى تولى كبره .. كما فى صحيح البخارى عن الزهرى عن
عروة عن عائشة - هو عبد الله بن أبى - عليه اللعنة - وقد سار على ذلك
أكثر المحدثين ...
أخرج الطبرانى وابن مردويه عن ابن عمر ، أنه بعد نزول هذه الآيات
فى براءة السيدة عائشة دعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أباعبيدة بن الجراح
لجمع الناس، ثم تلا عليهم. ثم بعث إلى عبد الله بن أبى . جى به فضربه
(١) تفسير ابن جرير = ١٧ ص ٠٥٧

١١٨
سورة النور
حدين ، ثم بعث إلى حسان بن ثابت، ومسطح. وحمنة بنت جحش، فضروا
ضربا وجيعا ... وقيل: إن ابن أبى لم يحد أصلا، لأنه لم يقر، ولم يلتزم.
إقامة البينة عليه تأخيرا لجزائه إلى يوم القيامة، (١).
ثم وجه - سبحانه - المؤمنين إلى الطريق الذى كان يجب عليهم أن يسلكونه
فى مثل هذه الأحوال فقال :
((أولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا، وقالوا هذا
إفك مبين » .
و((لولا، حرف تحضيض بمعنى هلا، والمراد، بأنفسهم، هنا إخوانهم
فى الدين والعقيدة .
أى : هلا وقت أن سمعتم - أيها المؤمنون والمؤمنات - حديث الإفك
هذا ظننتم ((بأنفسكم)).
أى: بإخوانكم وبأخواتكم ظنا حسنا جميلا، وقلتم: هذا الحديث
الذى أذاعه المنافقون كذب شنيع وبهتان واضح لا يصدقه عقل أو نقل.
وفى التعبير عن إخوانهم وأخواتهم فى الدين بأنفسهم، أسمى ألوان الدعوة
إلى غرس روح المحبة والمودة والإخاء الصادق بين المؤمنين ، حتى لكان
الذى يظن السوء بغيره إنما ظنه بنفسه .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: «ثم أتم هؤلاء تقتلون أنفسكم)). وقوله
- سبحانه -: ((ولا تلمزوا أنفسكم)).
قال أبو حيان - رحمه الله -: وعدل بعد الخطاب - فى الآية الأولى- إلى
الغيبة فى هذه الآية-، وعن الضمير إلى الظاهر. فلم يجىء التركيب ظننتم بأنفسكم
خيراً وقلتم هذا إفك مبين. ليبالغ - سبحانه - فى التوبيخ بطريقة الالتفات»
وليصرح بلفظ الإيمان ، دلالة على أن الاشتراك فيه مقتض أن لا يصدق مؤمن
على أخيه قول عاقب ولا طاعن وفيه تنبيه على أن المؤمن إذا سمع قالة سوء فى أخيه
(١) تفسير الألوسى ج ١٨ ص ٠١١٦

١١٩
الجزء الثامن عشر
أن يبنى الأمر فيه على ظن الخير، وأن يقول بناء على ظنه: هذا إفك مبين.
هكذا باللفظ الصريح ببراءة أخيه ، كما يقول المستيقن المطلع على حقيقة الحال
وهذا من الأدب الحسن ومعنى بأنفسهم، أى كان يقيس فضلاء المؤمنين
والمؤمنات هذا الأمر على أنفسهم، فإذا كان ذلك يبعدعليهم قضوابأنهفىحق
من هو خير منهم أبعد ... )(١).
ولقد فعل المؤمنون الصادقون ذلك ، فها هو ذا أبو أيوب - خالد بن زيد
الأنصارى، قالت له امرأنه أم أيوب: يا أبا أيوب، أما تسمع ما يقوله الناس
فى عائشة - رضى الله عنها -؟ قال: نعم. وذلك الكدب. أكنت فاعل ذلك يا أم
أيوب؟ قالت: لا، والله ما كنت لأفعله. قال: فعائشة والله خير منك(٢).
وفى رواية أن أبا أيوب قال لزوجته أم أيوب: ألا ترين ما يقال؟ فقالت
له: لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم-
سوءا؟ قال: لا. فقالت: ولو كنت أنا بدل عائشة - رضى الله عنها - ماخنت
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعائشة خير منى، وصفوان خير منك(٢).
وهكذا المؤمنون الأطهار الأخيار ، يبنون أمورهم على حسن الظن
بالناس .
ورحم الله صاحب الانتصاف ، فقد علق على ماقالته - ام أيوب لزوجها
فقال: ولقد ألهمت - أم أيوب - بنور الإيمان إلى هذا السر الذى انطوى
عليه التعبير عن الغير من المؤمنين بالنفس ، فإنها نزلت زوجها منزلة صفوان
ونفسها منزلة عائشة، ثم أثبتت لنفسها وازوجها البراءة والأمانة، حتى
أنبقنها لصفوان وعائشة بالطريق الأول - رضى الله عنها _(٤).
(١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان جـ ٩ ص ٤٣٧
(٢) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٠٢٦
(٣) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٢١٨
(٤) حاشية الكشاف ج ٣ ص ٢١٨

١٢٠
سورة النور
ثم وصف - سبحانه . الخائضين فى حديث الإفك بالكذب لأنهم قالوا
قولا بدون دليل، فقال: ((لولا جاءرا عليه بأربعة شهداء: أى فلا جاء
هؤلاء الذين افتروا على السيدة عائشة ما افتروا ، بأربعة شهداء يشهدون لهم
على ثبوت ما تفوهوا به .
, فإذا لم يأتوا بالشهداء، أى: وما داموا لم يأتوا بهم - وان يأتوا بهم -
((فأولئك عند الله، أى: فى حكمه - سبحانه - وفى شريعته ,هم الكاذبون))
كذبا قبيحا تشمئز منه النفوس، ويسجل عليهم الخزى والعار إلى يوم
القيامة .
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله ورحمته بالمؤمنين فقال:
((ولولا فضل الله عليكم ورحمته فى الدنيا والآخرة، لمسكم فيما أفضتم فيه
عذاب عظيم ).
و. لولا، هنا لامتناع الشىء لوجود غيره. و((أفضتم، من الإفاضة بمعنى
التوسع فى الشىء. والاندفاع في بدون تريث أو تحقق. وأصله من قوله:
(( أفاض فلان الإناء، إذا ملأه حتى فاض».
أى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم ـ أيها المؤمنون - فى الدنيا
بإعطائكم فرصة للتوبة. وفى الآخرة بقبول توبتكم ، لولا ذلك («لمسكم))
أى: انزل بكم بسبب ما أفضتم فيه من حديث الإفك عذاب عظيم، لا يعلم
مقدار المه وشدته إلا الله - تعالى - .
ثم صور - سبحانه - أحوالهم فى تلك الفترة العصيبة من تاريخ الدعوة
الإسلامية فقال: ((إذا تلقونه بالسنتكم ٠٠)) و((إذا) ظرف لقوله - تعالى.
- لمسكم ..
أى: لمسكم عذاب عظيم ، وقت تلقيكم هذا الحديث السىء لسانا عن
لسان باستخفاف واستهتار! وبأخذه بعضكم عن بعضر بدون تخرج أو قدير