النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
الجزء الثامن عشر
وهذا يدل على أن أهوال العذاب، قد أنستهم ما كانوا فيه فى الدنيا من
متاع، وما انغمسوا فيه من شهوات ..
والاستفهام فى قوله - تعالى -: ((الخمسبتم أنما خلقناكم عبها ....
للافكار والنفى، والحسبان هنا : بمعنى الظن . والفاء معطوفة على محذوف
مقدر . والعبث : اللعب وما لا فائدة فيه من قول أو فعل.
أى: أغرتكم، وغفلتم عن مصيركم، حسبتم أنما خلقناكم عبئا لا لحكمة
تقتضيها إرادتنا من خلفكم، وحسبتم كذلك ((أنكم إلينا لا ترجعون)) يوم
القيامة للحساب والجزاء .
إن جزاء هذا الحسبان الباطل، هو هذا المصير المهين الذى تصطلون بناره
اليوم ثم نزه - سبحانه - ذاته عن أن يكون قد خلقهم عبئا فقال: ((فتعالى الله
الملك الحق ... ) .
أى: فتعاظم وتقدس عن كل مالا يليق بجلاله وكماله، الله الملك الحق،
فهو - عز وجل - منزه عن أن يخلق الناس بدون حكمة أو غرض صحيح.
« لا إله إلا هو ، فإن کل ماعداه مخلوق له، وهو - سبحانه - «رب
العرش الكريم».
ثم حدد - سبحانه - كل من يعبد غيره أشد تهديد فقال: ((ومن يدع مع
الله إلها آخر، أى: ومن يدع مع الله - تعالى- إلها آخر فى عبادته أو مناجاته
أو أقواله ، أو أفعاله ...
«لابرهان له به، أى: لا دليل له على هذه العبادة. وليس لهذه الجملة
الكريمة مفهوم مخالفة، بل هى صفة مطابقة للواقع، لأن كل عابد لغير الله،.
لادليل له على هذه العبادة إطلاقا، إذ العبادة لاتكون إلا لله - تعالى- وحده.
فذكر هذه الجملة لإقرار الواقع وتأكيده، لا لإخراج المفهوم عن
حكم المنطوق .
(٦ - سورة المؤمنون)

٨٢
سورة المؤمنون
وقوله ((فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون ، تهديد شديد لمن
يدع مع الله - تعالى - إلها آخر. أى: من يفعل ذلك فسيلقى الحساب الشديد،
والجزاء الرادع، من عند ربه - عز وجل -، لأن عدالته قد اقتضت أن
الكافرين به لا ينالون الفلاح، وإنما ينالون الخزى والخسران .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله: ((وقل رب اغفر وارحم
وأنت خير الراحمين ، أى: وقل - أيها الرسول الكريم - مناجيا ربك : رب
أغفر للمؤمنين ذنوبهم، وأرحم العصاة منهم ، وأنت يامولانا خير من يرحم،
وخير من يغفر .
قال الآلوسى: (وفى تخصيص هذا الدعاء بالذكر ما يدل على أهمية مافيه،
وقد علم النبى - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر أن يقول نحوه فى صلاته.
فقد أخرج الشيخان عن أبى بكر - رضى الله عنه - قال: يارسول الله، علمنى
دعاء أدعو به فى صلاتى. فقال له قل: «اللهم إنى ظلمت نفسى ظلما كثيرا،
وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لى مغفرة من عندك، وارحمنى إنك
أنت الغفور الرحيم))(١).
وبعد: فهذه هى سورة ((المؤمنون، وهذا تفسير محرر لها . نسأل الله
- تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟
د. محمد سيد طنطاوى
القاهرة - مدينة نصر :
مساء الثلاثاء: ١١ من ربيع الأول سنة ١٤٠٥ هـ
١٩٨٤/١٢/٤ م
(١) تفسير الآلوسى = ١٨ ص ٧٢.

فهرس إجمالى لتفسير ((سورة المؤمنون))
رقم الآية
الآية المفسرة
رقم الصفحة
المقدمة
قد أفلح المؤمنون ...
١
٩
١٥
١٨
ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق ...
ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ...
١٢
١٧
ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه ...
٢٣
٣١
ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ...
ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين ...
٤٢
فتقطعوا أمرهم بينهم ...
إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ...
بل قلوبهم فى غمرة من هذا ...
٥٣
٥٧
٦٣
٦٨
أفلم يديروا القول ...
ولو رحناهم وكشفنا مابهم من ضر ...
٧٥
٧٨
٨١
٩٠
٩٩
وهو الذى أنشأ لكم السمع والأبصار ...
بل قالوا مثل مالال الأولون ...
بل أقيناهم بالحق وإنهم الكاذبون ...
حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون ...
قال كم ليثتم فى الأرض عدد سنين ...
٢٤
٣٣
٣٩
٤٧
٤٩
٥٣
٦٤
٦٦
٦٧
٧٠
١١٣
٧٩

التفسير الوسيط
للقرآن الكريم
تفسير سورة النُور
دكتوس
محمد سيد طنطاوي
مفتى جمهورية مصر العربية
الجزء الثامن عشر
الطبعة الثانية
٠١٤٠٨ - ١٩٨٧ م
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم
﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّبِعُ العَلِيم)
, صدق الله العظيم

إِسِرِهِ لَّمِ الرَّةُ
مقدمة وتمهيد
١ - سورة النور من السور المدنية، وعدد آياتها أربع وستون آية،
وكان نزولها بعد سورة النصر.
وقد اشتملت هذه السورة الكريمة ، على أحكام العفاف والستر . وهما
قوام المجتمع الصالح. وبدونها تنحط المجتمعات، وبصير أمرها فرطا، ويصبح
الفرد إلى الحيوان الأعجم ، أقرب منه إلى الإنسان العاقل .
قال الآلومى: ((روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «علموا
رجالكم سورة المائدة، وعلموا نساءكم سورة النور)).
وعن حارثة بن مضرب قال: كتب إلينا عمر بن الخطاب ، أن تعلموا
سورة النساء والأحزاب والنور))(١).
٢ - وتبدأ هذه السورة الكريمة يده فرع،، تقرر فيه وجوب الانقياد
لما فيها من أحكام وآداب فتقول: «سورة أنزلناما وفرضناها، وأنزلنا فيها
آيات بينات لعلكم تذكرون».
ثم تقبح فاحشة الزنا نقبيحا يحمل النفوس على النفور منها ، وعلى نبذ
من تكبيها. وعلى تنفيذ حدود الله - تعالى - فيهم بدون شفقة أو رأفة ...
قال - تعالى -: «الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة،
ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ،
وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين .. ،.
(١) تفسير الآلوسي = ١٨ ص ٠٧٤

- ٩٠ -
ثم تبين السورة الكريمة بعد ذلك ، حكم الذين يرمون النساء العفيفات
بالفاحشة، وحكم الذين يرمون أزواجهم بذلك، ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم.
قال - تعالى -: (والذين يرمون المحصنات، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء
فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، وأولئك هم الفاسقون.
إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم. والذين يرمون
أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم، فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله
إنه لمن الصادقين ... ».
٤ - ثم ذكر - سبحانه - فى ست عشرة آية قصة الإفك، على الصديقة
بنت الصديق، ومن بين ما اشتملك عليه هذه القصة: تنبيه المؤمنين إلى العذاب
العظيم الذى أعده الله - تعالى - لمن أشاع هذا الإفك، وحض المؤمنين على
التثبت من صحة الأخبار، وعلى وجوب حسن الظن بالمؤمنين ، وعلى تحذيرهم
من اتباع خطوات الشيطان ..
ثم ختمت القصة ببراءة السيدة عائشة من كل ما اتهمت به، قال - تعالى -:
, أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم)).
٥ - وبعد أن أفاضت السورة الكريمة فى بيان قح فاحشة الزنا، وفى
عقوبة من يقذف المحصنات الغافلات ... أتبعت ذلك بحديث مستفيض، عن
آداب الاستثدان، وعن وجوب غض البصر بالنسبة للرجال والنساء على السواء،
وعن تعليم الناس الآداب القويمة، والأخلاق المستقيمة، حتى بحيا المجتمع
المسلم حياة يسودها الطهر والعفاف والنقاء ...
قال - تعالى -: (( يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم ، حتى
نسأنسوا وتسلموا على أهلها، ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون ... )).
وقال - سبحانه -: (قل المؤمنون يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم،
ذلك أزكى لهم، إن الله خبير بما يصنعون. وقل المؤمنات يغضضن من أبصارهن
ويحفظن فروجهن ٠٠٠.

- ٩١ -
٦ - ثم حبيت السورة الكريمة إلى المؤمنين والمؤمنات. الزواج من أهل
الدين والصلاح، دون أن يمنعهم من ذلك الفقر أو قلة ذات اليد، فإنهم ((إن
يكونوا فقراء يغنهم اقه من فضله، والله واسع عليم)، وعلى الذين لم يتيسر
لهم وسائل الزواج، أن يعتصموا بالمفاف، حتى يغنيهم الله - تعالى - من فضله.
قال - تعالى -: (وأنكحوا الأيامى منكم، - أى: زوجوا من لا زوج له
من الأحرار والحراثر -، والصالحين من عبادكم وإمائ كم، إن يكونوافقراء،
يغنهم الله من فضله، والله واسع عليم. وليستعفف الذين لايجدون نكاحا
حتى يغنيهم الله من فضله ...
٧ - وبعد أن ساقت السورة الكريمة تلك التوجيهات السامية، التى من
شأنها أن تسلح الأفراد والجماعات، بسلاح الطهر والعفاف والقستر والآداب
الحميدة .. أتبعت ذلك بيان أن الله - تعالى - هو نور العالم كله على يه وسفليه،
وهو منوره بآياته التكوينية والتنزيلية الدالة على وحدانيته وقدرته ، وأن
أشرف البيوت فى الأرض، هى بيوته التى يذكر فيها اسمه والتى يسبح له فيها
بالغدو والآصال ((رجال لا قلهبهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة
وإيتاء الزكاة . يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن
ما عملوا ويزبدهم من فضله ، والله يرزق من يشاء بغير حساب)).
تلك هى عاقبة المؤمنين الصادقين . التى لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر
الله، أما الكافرون فأعمالهم ,كسراب بقيمة يحسبه الظمآن ماء. حتى إذا جاءه
لم يجده شيئا، ووجد الله عنده فوفاه حسابه، وأقه سريع الحساب،.
٨ - ثم إنتقلت السورة بعد ذلك إلى الحديث عن مظاهر قدرة الله -تعالى-
فى هذا الكون . وأن المتأمل فى هذا الوجود، يرى مظاهر قدرته -سبحانه -
ظاهرة فى هذا السحاب الذى يتحول إلى ٠طر لاغنى الناس عنه، وفى تقلب الليل
والنهار ، وفى خلق الدواب على أشكال مختلفة ...

-- ٩٢ -
قال - تعالى -: «بقلب اللّه الليل والنهار. إن فى ذلك لعبرة الأولى الأبصار.
والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشى على بطنه . ومنهم من يمشى على
رجلين ، ومنهم من يمشى على أربع، يخلق الله ما يشاء، إن الله على كل شىء
قدیر ،.
٩ - ثم كشفت السورة الكريمة للمؤمنين عن جانب من رذائل
المنافقين، لكى يحذروم . فقال - تعالى -: ((ويقولون آمنا بالله وبالرسول
وأطعنا، ثم يتولى فربق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين. وإذا دهوا
إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، إذا فريق منهم معارضون وإن يكن لهم الحق
يا ترا إليه مذعنين. أفى قلوبهم مرض أم أرنابوا، أم يخافون أن يحيف الله
عليهم ورسوله ، بل أولئك هم الظالمون .. )).
١٠ - وبعد هذا التوبيخ للمنافقين على سلوكهم الذميم، وعلى نكومهم
عن حكم الله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - جاء وعد الله -تعالى-
للمؤمنين؛ بالاستخلاف فى الأرض ، وبالتمكين فى الدین ، وبتبدیل خوفهم
أمنا، فقال - تعالى -: ((وعد الله الذين آمنوامنكم وعملواالصالحات، ليستخلفنهم
فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم . وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى
لهم. وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ((يعبدوننى لا يشركون بي شيئا، ومن
كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ».
١١ - ثم عادت السورة مرة أخرى إلى الحديث عن آداب الاستئذان؛
فأمرت المؤمنين أن يعودوا مماليكهم وصبيانهم الذين لم يبلغوا الحلم ، على
الاستئذان فى الدخول عليهم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر ، وعندوقت
الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء، فإن هذه الأوقات قد تكون المرأة أو الرجل
فيها، بحالة لا يصح الإطلاع عليها ...
قال - تعالى - ((يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم،

- ٩٣ -
والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات ، من قبل صلاة الفجر ، وحين تضعون
ثيابكم من الظهيرة . ومن بعد صلاة العشاء، ثلاث عورات لكم ليس عليكم
ولا عليهم جناح بعدهن، طوافون عليكم بعضكم على بعض ، كذلك يبين الله
لكم الآيات واقه عليم حكيم .. ،.
١٢ - ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان صفات المؤمنين الصادقين،
ويحضهم على تكريم رسولطم - صلى الله عليه وسلم - وتعظيمه وتوقيره. وببيان
أن هذا الكون كله ملك لله - تعالى - وتحت قبضته وعلمه، فقال - سبحانه -:
«ألا إن لله ما في السموات والأرض، قد يعلم ما أنتم عليه، ويوم يرجعون إليه
فينبئهم بما عملوا ، والله بكل شىء عليم).
١٣ - وبعد: فهذا عرض إجمالى للمقاصد التى اشتملت عليها سورة النور،
ومنها ترى أن السورة الكريمة زاخرة بالأحكام الشرعية، وبالآداب الإسلامية
وبالتربية الدينية وبالوسائل الوقائية التى من شأنها أن تغرس الأخلاق الكريمة
فى نفوس الأفراد والجماعات . وأن تجعلهم يرغبون فى اعتناق الفضيلة.
وينفرون من مقاربة الرذيلة . ويسعدون فى دينهم ودنياهم .
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين ؟
القاهرة - مدينه نصر
المؤلف
د. محمد سيد طنطاوى
١٤٠٠/٣/١٠ هـ
١٩٨٤/١٢/٨م .

٠
التفسير
قال الله تعالى: ((سُورَةٌ أَنزَ لْنَاهَا وَفَرَضْنَآَها، وَأَنْزَانَاَ فيها آيات
بيَّت لملكُم تَذكَرُونَ(١)».
افتتحت سورة النور بإفتتاح لم تشترك معها فيه، سورة أخرى من سور
القرآن الكريم.
وقوله - سبحانه -: ((سورة)) خبر لمبتدأ محذوف. أى: هذه سورة.
والسورة القرآنية : هى مجموعة من الآيات المسرودة، لها مبدأ ولها
نهاية وجمعها : سور .
وكلمة سورة مأخوذة من سور المدينة، وكأن السورة القرآنية سميت
بهذا الاسم لإحاطتها بآياتها إحاطة السور بما يكون بداخله .
أو أنها فى الأصل تطلق على المنزلة السامية، والسورة القرآنية سميت
بذلك لرفعتها وعلى شأنها .
قال القرطى: ((والسورة فى اللغة: اسم المنزلة الشريفة، ولذلك سميت
السورة من القرآن سورة. قال زهير :
ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب(١)
وقوله - تعالى - ((وفرضناها)) من الفرض بمعنى القطع. وأصله قطع
الشىء الصلب والتأثير فيه .
(١) تفسير القرطبي ج ١٢ ص ٠١٥٨

٩٥
الجزء الثامن عشر
والمراد به هنا: تنفيذ أحكام الله - تعالى - على أتم وجه وأكله.
والمعنى هذه سورة قرآنية. أنزلناما عليك - أيها الرسول الكريم - ،
وأوجبنا ما فيها من أحكام، وآداب، وتشريعات، إيجابا قطعها، وأنزلنا فيها
آيات بينات واضحات الدلالة على وحدانيتنا، وقدرتنا، وعلى صحة الأحكام
التى وردت فيها، لتتذكروها وتعتبروا بها. وتعتقد واصحتها، وتنفذوا ما اشتملت
علیه من أمر أو نهى .
وجمع - سبحانه - بين الإنزال والفرضية فقال: ((أنزلناها وفرضناها)،
لبيان أن الغرض منها ليس مجرد الإنزال ، وإنما الإنزال المصحوب بوجوب
تنفيذ الأحكام والآداب التى اشتملت عليها ، والتى أنزلت من أجلها.
ومعلوم أن إنزال السورة كلها ، يستلزم إنزال هذه الآيات منها. فيكون
التكرار فى قوله - تعالى -: ((وأنزلنا فيها آيات بينات، لمكمال العناية بشأنها،
كما هى الحال فى ذكر الخاص بعد العام .
و ((لعل، فى قوله - تعالى - ((لعلكم تذكرون، للتعليل. أى: لعلكم تذكرون
مافيها من آيات دالة على واحدافيقنا وقدرتنا، وعلى سمو تشريعاتنا، فيؤدى
بكم هذا التذكر إلى عبادتنا وطاعتنا .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك حد الزانى والزانية، وقبح جريمة الزنا
تقبيحا يحمل على النفور، وحرمها على المؤمنين تحريما قاطعا، فقال
- تعالى - :
«الزّانيةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُوا كَلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَاَ مِائَةَ جِلْدَة،
وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَاَ رَأْقَةٌ فى دِينِ اللهِ، إنْ كُنْتُم ◌ُؤْمِنُونَ بالْهِ وَاليَوْم

٩٦
سورة النور
الآخر وَلِيَشْهَدْ عَذَابِهما طَائِقَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ (٢) الرَّانِى لَا يُنْكِحُ
إِلَّ زَانِيَّةً أَوْ مُشْرِكَةَ، وَالزَّانيةُ لاَ يَشْكِجَهَا إلاَّ زَانٍ أو مُشرِكْ،
وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المؤمِنِينَ (٣))).
فقوله - تعالى -: « الزانية والزانى ... شروع فى تفصيل الأحكام،
التى أشار إليها - سبحانه - فى الآية الأولى من هذه السورة، وهى قوله :
((سورة أنزلناها وفرضناها .. )).
والزنا من الرجل معناه: وطء المرأة من غير ملك ولاشبهة ملك. ومعقاه
من المرأة : أن تمكن الرجل من أن يزنى بها .
والخطاب فى قوله - تعالى -: ((فاجلدوا ... ) للحكام المكلفين بتنفيذ
حدود الله - عز وجل - .
قال الجمل: (وفى رفع «الزانية والزانى) وجهان: أحدهما - وهو مذهب
سيبويه - أنه مبتدأ خبره محذوف. أى: فيما يتلى عليكم حكم الزانية ، ثم بين
ذلك بقوله: «فاجلدوا .. )) والثانى : - وهو مذهب الأخفش وغيره - أنه
مبتدأ، والخبر جملة الأمر، ودخلت انهاء أشبه المبتدأ بالشرط .... (١).
فإن قيل: ما الحكمة فى أن يبدأ الله فى فاحشة الزنا بالمرأة ، وفى جريمة
السرقة بالرجل، حيث قال ((السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ... ))؟.
فالجواب: أن الزنا من المرأة أقبح ، فإنه يترتب عليه فساد الأنساب،
وإلحاق الدنس والعار بزوجها وأهلها، وافتضاح أمرها عن طريق الحمل ،
وفضلا عن ذلك، فإن تمكينها نفسها الرجل: هو الذى كان السبب فى اقترافه
هذه الفاحشة ، فلهذا وغيره قدمت المرأة هنا .
(١) حاشية الجمل على الجلالين + ٣ ص ٠٢٠٦

٩٧
الجزء الثامن عشر
وأما جريمة السرقة ، فالغالب أن الرجال أكثر إقداما عليها، لأنها تحتاج
إلى جسارة وقوة، واجتياز للمخاطر ... ، لذا قدم الرجل على المرأة فيها.
وقوله - تعالى -: ((ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله ٠٠٠، نهى منه
- سبحانه - عن التهاون فى تنفيذ حدوده، وحض على إقامتها بحزم وقوة.
والرأفة: أعلى درجات الرحمة. يقال: رؤف فلان بفلان - بزنة كرم - إذا
اشتد فى رحمته ، وفى ثعناية بأمره .
أى: أقيموا - أيها الحكام . حدود الله - تعالى - على الزانية والزانى. بأن
تجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، دون أن تأخذكم شفقة أورحمة فى تنفيذ
هذه الحدود ، ودون أن تقبلوا فى التخفيف عنهما شفاعة شفيع، أو وساطه
وسيط ، فإن الله - تعالى - الذى شرع هذه الحدود، وأمر بتنفيذها بكل شدة
وقوة، أرحم بعباده وبخلقه منكم. والرحمة والرافة فى تنفيذ أحكامه، لافى
تعطيلها ، ولا فى إجرائها على غير وجهها .
وقوله - سبحانه -:. إن كنتم يؤمنون بالله واليوم الآخر ... تأكيد
لما قبله، وإهاب لمشاعرهم ، لتنفيذ حدود الله - تعالى -.
أى: إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر إيماناحقا, فأقيمو احد وداه،
واجلدوا الزانية والزانى مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة أو شفقة فى ذلك.
وقوله - سبحانه -: وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين، بيان لما يجب
على الحكام أن يفعلوه عند تنفيذ العقوبة. والأمر بشه ودعذا بهما للاستحباب
لا للوجوب .
والمراد بعذابهما: إقامة الحد عليهما. والطائفة فى الأصل: اسم فاعل من
الطواف، وهو الدوران والإحاطة. وتطلق الطائفة عند كثير من اللغويين
على الواحد فما فوقه .
قال الآلوسى: ((والحق أن المراد بالطائفة هنا، جماعة يحصل بهم التشهير
( ٧ - سورة النور)

٩٨
سورة النور
والزجر ، وتختلف قلة وكثرة بحسب اختلاف الأماكن والأشخاص قرب
شخص يحصل تشهيره وزجره بثلاث وآخر لا يحصل الشهيره وزجره بعشرة
وللقائل بالأربعة هنا وجه وجيه))(١) .
ولعل السبب فى وجاهة رأى القائلين بالأربعة ، أن هذا العدد هو الذى
يثبت به الزنا.
أى : وليشهد إقامة الحد على الزانية والزانى ، عددا من المؤمنين ، ليكون
زيادة فى التشكيل بمن ير تسكب هذه الفاحشة، وأدعى إلى الاعتبار والاتعاظ
وأزجر لمن تسول له نفسه الإقدام على تلك الجريمة النكراء.
ثم أضاف - سبحانه - إلى تفتح أمرالزنا تقبيحا آخر أشد وأخرى فقال:
« الزانى لا ينكح إلا زائبة أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان أو
مشرك ) .
والظاهر أن المراد بالنكاح هنا: العقد الذى تتر قب عليه المعاشرة الزوجية،
لأن أكثر ورود لفظ النكاح فى القرآن، أن يكون بمعنى العقد، بل قال
بعضهم إنه لم يرد إلا بهذا المعنى.
أى : أنه جرت العادة أن الشخص الزانى لا يتزوج إلازانية مثله أو مشركة
وكذلك المرأة الزاقية لا تميل بطبعها إلا إلى الزواج من رجل زان مثلها أو
من رجل مشرك، وذلك لأن المؤمن بطبعه ينفر من الزواج بالمر أة الزانية،
وكذلك المرأة المؤمنة تأنف من الزواج بالرجل الزانى .
فالآية الكريمة تحكى بأسلوب بديع مانقتضيه طبيعة الناس فى التآلف
والتزاوج، وتبين أن المشاكلة فى الطباع علة التلاقى ، وأن التنافر فى الطباع
علة للاختلاف .
(١) تفسير الآلودى ج ١٨ س ٨٤.

٩٩.
الجزء الثامن عشر
وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول: الأرواح جنود
مجندة ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف .
وبدىء هذا بالزانى، لأن الآية مسوقه للحديث عن النكاح، والرجل هو
الذى يتولاه، وهو الأصل فيه، لأنه هو الذى يلتمسه عن طريق الخطبة
وما يتبعها من خطوات توصله إلى إتمام عقد الزواج. والمرأة - فى هذا
الباب - تكون - فى العادة - مطلوبة لا طالبة، ومرغوبة لا راغبة.
وجمع - سبحانه - بين رغبة الزانى ورغبة الزانية، لتا كيد ما يليق بكليهما
من الميل الدنىء ، والطبع الوضيع، والسلوك الخبيث وأن كل واحد منهما
ألعن من صاحبه فى ولوج الطريق القبيح.
واسم الإشارة فى قوله - تعالى -: ((وحرم ذلك على المؤمنين ) يعودعلى
الزنا. وعلى الزواج من الزوانى. لما فيه من القشبه بالفاسقين ، ومن التعرض
العقوبة وسوء السيرة .
أى: وحرم ذلك الذى نهجزاكم عنه - وهو الزنا والاقتران بمن
يرتكبه - على المؤمنين الأطهار . الذين ينزمون أنفسهم عن الوقوع
فى السوء والفحشاء .
هذا، وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها: مارواه
الترمذى وأبو داود والنسائى عن عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده قال :
کان رجل يقال له «مر ثد ین أبی مر ثد، كان يحمل الأسارى من مكا حتى
يأتى بهم المدينة. قال: وكانت امرأة بغى بمكة يقال لها («عناق)، وكانت
صديقة له . أى فى الجاهلية -. وأنه وأعد رجلا من أسارى مكا بحمله،
قال : فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة فى ليلة مقمرة، قال:
فجاءت (« عناق)) فأبصرت سواد ظلى تحت الحائط، فلما انتهيت إلى عرفتنى،
فقالت : مرتد؟

١٠٠
سورة الدور
فقلت: مرتد. فقالت: مرحبا وأهلا، علم فيت عندنا الليلة. فقال: فقلت:
يا عناق، حرم الله الزنا فقالت: يا أهل الخيام، هذا الرجل يحمل أسراكم.
قال: فتبعنى ثمانية ودخلت الخدمة - أى جبل بمكة -، فانتهيت إلى غار ...
فأعماهم الله - تعالى - عنى، ثم رجعوا فرجعت إلى صاحبى لحملته إلى المدينة.،
فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يارسول الله، أنكح عناقا؟
أنكح عناقا؟ - مرتين -، فأمسك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يرد
شيئاً حتى نزلت هذه الآية: «الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة .. ، فقال:
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يامرثد، «الزانى لا ينكح إلا زائية
أو مشركة ... ، فلا تفكحها ، (!).
هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هاتين الآيتين مايأتى:
١ - ظاهر قوله - تعالى -: «الزانية والزانى فاجلد وا كل واحد منهما
مائة جلدة ... ، يفيد أن هذا الجلد لكل من إرتكب هذه الفاحشة، سواء
أ كان محصنا أم غير محصن .
ولكن هذا الظاهر قد فصلته السنة الصحيحة ، حيث بينت أن هذا الحد ،
إنما هو لغير المحصن. أما الحصن - وهو المتزوج أو من سبق له الزواج -
فإن حده الرجم حتى يموت .
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: « هذه الآية
الکریمة فيها حكم الز انی فی الحد ».
والعلماء فيه تفصيل ونزاع، فإن الزانى لا يخلو إما أن يكون بكرا، وهو
الذى لم يتزوج أو محصنا وهو الذى قد وطىء فى نكاح صحيح ، وهو حر
بالغ عاقل .
(١) تفسير ابن كثير - ٩ ص١٩