النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
الجزء الثامن عشر
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما كان سينزل بالعالم من فساد، فيما لو اتبع
الحق - على سبيل الفرض - أهواء هؤلاء المشركين، فقال - تعالى -: ((ولو انبع
الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن ... »
والمراد بالحق هنا - عند كثير من المفسرين - هو الله - عز وجل - إذ
أن هذا اللفظ من أسمائه - تعالى -.
والمعنى: ولو أجاب الله -تعالى-هؤلاء المشركين إلى مابهو ونه ويشتهو نه
من باطل وقبيح، لفسدت السموات والأرض ومن فيهن، لأن أهواءهم
الفاسدة من شرك، وظم، وحقد، وعند ... لا يمكن أن يقوم عليها نظام
هذا الكون البديع ، الذى أقناه على الحق والعدل ...
ويرى بعض المفسرين أن المراد بالحق هنا ما يقابل الباطل، ويدل على ذلك
قوله - تعالى -: ((بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون)).
فيكون المعنى: ولو انبع الحق الذى جاءهم به الرسول - صلى الله عليه
وسلم - أهواء المشركين، لفسدت السموات والأرض ومن فيهن، وذلك
لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم . جاءهم بالتوحيد وهم يريدون الشرك،
وجاءهم بمكارم الأخلاق، وهم يريدون ما ألفوه من شهوات، وجاءهم
بالتشريعات العادلة الحكيمة، وهم يريدون التشريعات التى ترضى غرورهم
وأوضاعهم الفاسدة، والتى منها تفضيل الناس بحسب أحسابهم وغناهم، لا بحسب
إيانهم وتقواهم ...
ومع وجاهة الرأبين، إلا أننا نميـ ل إلى الرأى الثانى، لأنه أقرب إلى
سياق الآيات ، كما يدير إلى ذلك قوله .. تعالى ..: «بل جاءهم بالحقوأكثرهم
لاحق كارهون ».
وقوله .. سبحانه .. («بل أقيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون))

٦٢
سورة المؤمنون
انتقال من توبيخهم على كراهيتهم للحق ، إلى توبيخهم على نفورهم ما فيه
ءزهم وفخرهم .
والمراد بذكرهم: القرآن الذى هو شرف لهم، كما قال - تعالى ..: «وإنه
لذكر لك واقومك ».
أى: كيف يكرهون الحق الذى جاءهم به رسولهم .. صلى الله عليه وسلم"
مع أنه قد أتاهم بالقرآن الكريم الذى فيه شرفهم ومجمدهم؟ إن إعراضهم عن
هذا القرآن ليدل دلالة قاطعة، على غبائهم ، وجهلهم ، لأن العاقل لا يعرض
عن شىء رفع منزلته ، ويكرم ذاته .
ثم إنتقلت السورة الكريمة .. المرة الخامسة .. إلى توبيخهم على كفرهم،
مع أن الرسول .. صلى الله عليه وسلم - لم يسألهم أجرا على ما ينقذهم من ظلمات
هذا الكفر إلى نور الإيمان، فقال - تعالى -: ((أم تساهم خرجا ... ))
أى : أجرا وجعلا وجزاء.
أى: أيكون السبب فى عدم إيمانهم بك - أيها الرسول الكريم - أنك"
تسألهم أجرا على دعوتك لهم إلى إخلاص العبادة لنا ؟
لا، ليس الأمر كما يتوهمون، فإنك لم تسألهم أجرا على دعوتك إياهم
إلى الدخول فى الإسلام .
والجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك ,أم يقولون به
جنة ... )، وما بينهما اعتراض وقوله - سبحانه - : «خراج ريك خير،
وهو خير الرازقين ، تعليل لنفى سؤاله إياهم الأجر على دعوتهم إلى الحق.
أى: أنت - أيها الرسول الكريم - ماطالبتهم بأجر على دعوتك إياهم
إلى الإيمان بالقه - تعالى - وحده، لأن ما أعطاك الله - تعالى- من خير.
وفضل . أكبر وأعظم من عطاء هؤلاء الضعفاء الذين لا يستغنون أبدا عن
عطائنا. والله - تعالى - هو خير الرازقين، لأن رزقه دائم ورزق غيره
مقطوع، ولأنه هو المالك لجميع الأرزاق ، وغيره لا يملك منه شيئاً.

٦٣
الجزء الثامن عشر
قال بعض العلماء: المراد بالخرج والخراج منا: الأجر والجزاء والمعنى:
أنك لا تسألهم على مابلغتهم من الرسالة المتضمنة لخيري الدنيا والآخرة أجرا:
وأصل الخرج والخراج: هو ما نخرجه إلى كل عامل فى مقابلة أجرة أوجعل.
وفرأ ابن عامر: ((أم تساهم خر جا فرج ربك خير، - بإسكان الراء
فيهما معا وحذف الألف ..
وقرأ حمزة والكائى: «أم تسألهم خراجا فراج ربك خير : - بفتح
الرأء بعدها ألف فيهما معا ..
وقرأ الباقون: ((أم تسألهم خرجا فراج ربك خير، بإسكان الراء
وحذف الألف فى الأول وفتح الراء وإثبات الألف فى الثانى.
والتحقيق: أن معنى اللفظين واحد، وأنهما لفتان فصيحتان ، وقراءتان
سبعيتان، خلافا لمن زعم أن بين معناهما فرقا. زاغما أن الخرج ما تبرعت به،
وأن الخراج مالزمك أداره ،١١).
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة، ببيان أن الرسول - صلى الله
عليه وسلم - لا بدءو إلا إلى الحق، وأن المعرضين عن دعوته عن طريق الحق
خارجون، فقال - تعالى - ((وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم .. )).
أى: وإنك ـ أيها الرسول الكريم - لتدعو هؤلاء المشركين إلى طريق
واضح قويم ، تشهد العقول باستقامته وسلامته من أى عوج .
((وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة، ككفار قريش ومن لف لفهم (عن
الصراط، المستقيم ((لناكبون)) أى: لمائلون وخارجون.
يقال: فکب فلان عن الطریق ینکب نكوبا - من باب دخل -، إذا
عدل عنه، ومال إلى غيره .
(١) فسير أضواء البيان ج • ص ٨٠٦

٦٤
سورة المؤمنون
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة. قد شهدت الرسول - صلى اقه
عليه وسلم - بالبراءة من كل تهمة تفوه مبا المشركون، وقطعت معاذيرهم،
وردت عليهم بما يخرس ألسنتهم، حيث حكمت شبهاتهم بأمانة ثم كرت عليها
بالإبطال ، وأثبتت أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنما جاءهم ليدعوهم
إلى الصراط المستقيم.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك، أن هؤلاء المشركين. ق. قست قلوبهم،
وفسدت نفوسهم ، ومانت ضمائرهم، وصاروا لا يؤثر فيهم الابتلاء بالخير
أو الشر ، فقال - تعالى -:
((ولوْ رَحِنَمٍ وكَثَفنَاَ ما بهم من ضُرِّ، للَجُوا فى طُغَياِم
يَعْمَهُونَ (٥٧) ولقدْ أخَذْنام بالعذابِ فما استكانُوا لربهم
وما يَتَضَرَّعونَ (٧٦) حتَّى إذا فتحناً عليهم بابَا ذَا عَذَابٍ شَديدٍ إذَا
ثُمُ فيهِ مُبِلِسُون (٧٧) » .
أى: «ولو وحمنا، هؤلاء المشركين الذين تنكبوا الصراط المستقيم
((وكشفنا مانهم من ضر)».
أى: من سوء حال بسبب ما نزل بهم من قحط وجدب وفقر.
· للجوا فى طغيانهم يعمهون)) أى: لتمادر! فى طغيانهم، وتجاوزوا الحدود
فى كفرهم وضلالهم ، وفى تحيرهم وترددهم بدون تمييز بين الحق والباطل.
والتعبير بقوله - تعالى - ((للجوا)) يشعر بأنهم لقسوة قلوبهم، صاروا
لا تؤثر فيهم المصاقب بل يزدادون بسببها طغيانا وكفرا، إذ الفعل (((جوا)»
مأخوذ من اللجاج. وهو التمادى والعناد فى إرتكاب المنهى عن إرتكابه.
بق ل: لج فلان فى الأمر يلج لحجا واجاجة، إذا لازمه وواظب عليه.
ومنه (( اللجة، - بفتح اللام - لكثرة الأصوات، واجة البحر - بضم اللام -
لتردد أمواجه ...

٦٥
الجزء الثامن عشر
وقوله : يعمهون من العمة، بمعنى التردد والتحير، وهو للقلوب بمنزلة
العمى العيون .
وهو مأخوذ من قولهم: أرض عمهاء، إذا لم يكن فيها علامات ترشد إلى
الخروج منها .
وقوله - سبحانه -: (ولقد أخذناه بالعذاب فما استكانوا لربهم
وما يتضرعون، مؤكد لما قبله من وصف هؤلاء المشركين بالجحودوالعناد.
والمراد بالعذاب هنا: العذاب الدنيوى كالجوع والقحط والمصائب.
والاستكافة: الانتقال .، كون إلى كون، ومن حال إلى حال. ثم غلب
استعمال هذه الكلمة فى الانتقال من حال الكبر والغرور إلى حال التذلل
والخضوع :
أى: ولقد أخذنا هؤلاء الطغاة، بالعذاب الشديد، كالفقر، والمصائب،
والأمراض فماخضر الربهم - عز وجل - وما انقادوا له وأطاعوه،
وما تضرعوا إليه - سبحانه - بالدعاء الخالص لوجهه الكريم، لكى يكشف
عنهم - عز وجل - ما نزل بهم من ضر.
ولفظ (( حتى)) فى قوله - تعالى -،حتى إذا فتحنا عليهم باباذا عذاب
شديد ٠٠٠، يقصد به ابتداء الكلام، وإذا الأولى شرطية. والثانية وهى أوله
((إذا م فيه مبلسون)) رابطة للجواب.
أى: هم مستمرون على جحودهم وعنادهم، حتى إذا فتحنا عليهم بابا
ذا عذاب شديد، من أبواب عذاب الآخرة المعد لهم إذا هم فيه مبلسون،
ى: سا كتون من شدة الحيرة، وآيسون من كل جاه. يقال: أبلس فلان
بلاسا ، إذا سكت فى حيرة ويأس من الخلاص مما هو فيه من عذاب وبلاء .
وقريب من هذه الآيات فى المعنى قوله - تعالى -: ((إن شر الدواب
(٥ - سورة المؤمنون )

٦٦
سورة المؤمنون
عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون. ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم،
ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون)(١).
وقوله - عز وجل - : ((بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا
لعادوا لما نهوا عنه وإنهم الكاذبون،(٢) .
وقوله - سبحانه -: ((ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك، فأخذناهم بالبأساء
والضراء لعلهم يتضرعون. فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا، ولكن قست
قلوبهم، وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون، (٣).
ثم تأخذ السورة الكريمة بعد ذلك فى تذكيرهم بنعم الله عليهم ، لعلهم
يتوبون أو يتذكرون ، فتقول:
((وهُو الذِى أَنشَأْ لُكُم السَّمعَ والْأبْصَار والأفئِدَةَ قليلاً
ما تشكُرونَ (٧٨) وهُو الذِى ذَرَأْ كُمْ فى الأرْضِ وإليه تحشرُونَ (٧٩)
وهُو الذِى يحيى ويميتُ، ولهُ اختلافُ الَّيلِ والنهارِ أَفَلا تَعْقِلِونَ (٨٠)».
أى: ((وهو، الله - تعالى - وحده، «الذى أنشألكم، أيها الناس بفضله
ورحمته «السمع، الذى تسمعون به ((والأبصار)) التى تبصرون بها «والأفئدة)
التى بواسطتها تفهمون وتدركون ...
ولو تدير الإنسان هذه النعم حق التدبر، لاهتدى إلى الحق ، ولآمن بأن
الخالق لهذه الحواس وغيرها، هو الله الواحد القهار.
. ولكن الإنسان - إلا من عصم الله - قليل الشكر لله - تعالى - ولذا قال
- سبحانه -: ((قليلا ما تشكرون، أى: شكراً قليلا ما تشكرون هذه
(١) سورة الأنفال الآية ٠٢٣،٢٢
(٢) سورة الأنعام الآية ٢٨.
(٣) سورة الأنعام الآية ٤٢، ٠٤٣

٦٧
الجزء الثامن عشر
النعم الجليلة، بدليل أن أكثر الناس فى هذه الحياة، كافرون بوحدانية
انه - تعالى - ،
فلفظ ((قليلا)) صفة لموصوف محذوف، و «ما، لتأكيدهذه القلة وتقريرها.
وقوله - سبحانه -: ((وهو الذى ذراكم فى الأرض وإليه تحشرون))
بيان لنعمة أخرى من نعمه التى لا تحصى .
أى: وهو - سبحانه - الذى أوجدكم من الأرض، ونشركم فيها عن.
طريق التناسل ، وإليه وحده تجمعون يوم القيامة للحساب.
ثم ذكر ما يدل على كمال قدرته فقال: (( وهو الذى يحي ويميت ، بدون أن
يشاركه فى ذلك مشارك، « وله، وحده التأثير فى اختلاف الليل والنهار
[وتعافيهما، وزيادة أحدهما ونقص الآخر، ((أفلا تعقلون)، وتدركون مافى
هذاكله من دلائل واضحة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته؟
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك أن هؤلاء المشركين، لم يقابلوا نعم الله
- تعالى - عليهم بالشكر، وإنما قابلوها بالجحود، وبإنكار البعث والحساب،
وأمر - سبحانه - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم فقال - تعالى -:
(«بلْ قَالُوا مِثْل ما قالَ الأوَّلون (٨١) قالوا: أَئِذَا مِثْنَاَ وكَنَّا تُراباً
وعِظاماً، أَثِنَّا لمبعُوتُونَ (٨٢) لقدْ وُعِدْنا نحنُ وَآبَاؤُ نَاَهذَا مِنْ قبلُ،
إِنْ هذَا إلَّ أَساطيرُ الأوَّلِينَ (٨٣) قُلْ لَمَنِ الأرضُ ومَنْ فيها إِنْ كُنَّم
تَعلَمُونَ (٨٤) سَيقولونَ لله، قُلْ أَفَلا تَذَكَرُونَ (٨٥) قُلْ: مَزْ ربُ
السَّمواتِ السَّيْعِ وربُ العَرشِ العظيمِ (٨٦) سَيقولونَ لُّهِ، قل: أَفَلاَ.
تَثَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ نِيَدِهِ ملكوتُ كَلَّ شَرْءٍ، وهُو يجيرُ ولا يُجار
عليهِ إِنْ كَنْتُمْ تَعلَونَ (٨٨) سَيقولونَ ﴿ فَلَ فَأَنَّى تُسحرونَ (٨٩)).

٦٨
سورة المؤمنون
ولفظ ((بل)، فى قوله - تعالى -: «بل قالوا مثل ماقال الأولون، الإضراب.
الانتقالى . وهو معطوف على مضمر يقتضيه المقام.
أى : لقد سفنا لهم ألوانا من النعم، وسقنا لهم ما يدل على قدرتنا. ومع
ذلك فلم يؤمنوا. بل قالوا مثل ما قال من هم على شاكلتهم فى الكفر من
الأقوام الأولين .
ثم حكى - سبحانه - ما قالوه فقال: ((قالوا)» على سبيل التعجب والإنكار
((أئذا متنا، وكنا ترابا وعظاما أثنا لمبعوثون)).
فهم يرون - لجهلهم وغبائهم - أنه من المستحيل أن يعادوا إلى الحياة بعد
أن يموتوا ويصير واترابا وعظاما نخرة.
وهذا الذی قالوه هنا . قد حکی القرآن عنهم مثله فىآيات كثيرة ، من
ذلك قوله تعالى - ((أنذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد»(١).
وقوله - سبحانه -: ((يقولون أننا لمردودون فى الحافرة. أندا كنا عظاما
فخرة. قالوا تلك إذاً كرة خاسرة)،(٢).
٠
ثم بين - سبحانه - أنهم لم يكتفوا بإنكارهم للبعث، بل أضافوا إلى ذلك
سوء الأدب، والسخرية ممن يؤمن به فقال: ((لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا
من قبل ، ...
أى: لقد وعدنا على لسان هذا الرسول - صلى الله عليه وسلم- بأن البعث
حق ، كما وعد آباؤنا قبل ذلك على ألسنة الرسل السابقين ، ونحن لا نصدق
هذا الرسول ، ولا أولئك الرسل .
• إن هذا إلا أساطير الأولين، أى: ما هذا البعث الذى وعد نا جميعابه،
إلا أساطير الأولين. أى: أكاذيبهم التى سطر وها من عند أنفسهم فى كتبهم.
(١) سورة ق الآية ٣.
(٢) سورة النازعات الآيات ١٠ - ٠١٢

٦٩
الجزء الثامن عشر
والأساطير : جمع أسطورة، كأحدوثة ، وأعجوبة، وأكذوبة .
وهكذا الجهلاء المغرورون، لا يقفون من الحق موقف المنكرله تحسب
بل يضيفون إلى ذلك سره الأدب، وقبح المنطق، والقول بغير علم .
وقد أمر الله - تعالى - رسوله أن يرد على أباطيلهم، وأن يلزمهم بثلاث
حجج، تدل على أن الله - تعالى - قادر على إعادتهم إلى الحياة بعد موتهم.
أما الحجة الأولى فتتجلى فى قوله - سبحانه -: ((قل لمن الأرض ومن فيها
إن كنتم تعلمون)، أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - لمن هذه الأرض
ملكا ونصرفا، ولمن هذه المخلوقات التى عليها ، خلقا وتدبيرا، إن كنتم من
أهل العلم والفهم؟ أو كنتم عالمين بذلك فأخبرونى من خالقهما ؟ جواب الشرط
محذوف لدلالة الاستفهام عليه .
((سيقولون لله)) ولا يملكون أن يقولوا غير ذلك، لأن بداهة لعقل
تضطرهم إلى أن يعترفوا بأن الأرض ومن فيها لله - تعالى - .
. قل أفلا تذكرون، أى : قل هم فى الجواب على اعترافهم هذا، أتعلمون
ذلك، فلا تتذكرون بأن من خلق الأرض ومن فيها قادر على إحياء الناس
بعد موتهم .
وأما الحجة الثانية فهى قوله - سبحانه -: ((قل من رب السموات السبع
ورب العرش العظيم، وهو كرسيه الذى وسع السموات والأرض؟
(((سيقولون الله)) فهو رب كل شىء. (( قل أفلا تتقون، أى: قل لهم على
قيل التبكيت والتقريع، أتقولون ذلك، ومع هذا لا تتقون اله . ولا تخافون
عقابه، بسبب عبادتكم لغيره، وإنكاركم لما نها كم عن إنكاره ؟
وأما الحجة الثالثة ، فتتجلى فى قوله - عز وجل -: ((قُل من بيده ملكوت
كل شىء .. ، أى: قل لهم من بيده, ملك كل شىء كائنا ما كان)).
فالملكوت من الملك، وزيدت الواو والتاء للمبالغة فى هذا الملك .

٧٠
سورة المؤمنون
(((وهو يجير ولا يجار عليه، أى: وهو - سبحانه - يغيث من يشاء من
خلقه فلا يستطيع أحد أن يناله بسوء، أما من يريد الله - تعالى - أن ينزل به
عقابه، فلن يستطيع أحد أن يمنع هذا العقاب عنه.
يقال : أجرت فلانا على فلان، إذا أغثته وأنقذته منه . وعدى على
لتضمینه معنی النصر .
((إن كنتم تعلمون، أى: إن كنتم - أيضا - من أهل العلم والفهم.
(((سيقولون قه)) أى: سيقولون ملك كل شى ءقه، والقدرة على كل شى لقه.
((قل فأنى تسحرون)) أى: قل لهم فى الجواب عليهم ، مادمتم قد اعتر فتم
بأن كل شىء تحت قدرة الله وسيطرته، فكيف تخدءون وتصرفون عن الحق
وعن الرشد مع علمكم بهما، إلى ما أنتم عليه من باطل وغی !!
يقال: سحر فلان غيره، بمعنى خدعه، أو أتى عمل السحر . والمسحور
هو الشخص المخدوع أو من تأثر بما عمل له من سحر ..
وبهذه الحجج الدامغة ، أخرس الله - تعالى - ألسنة المنكرين للبعث،
وأثبت لهم أنه - سبحانه - لا يعجزه شىء.
وبعد أن أثبت - سبحانه - أن البعث حق ، أتبع ذلك بإثبات وحدانيته،
وإبطال مايزعمون له - تعالى - من الولد والشريك، فقال:
((بلْ أَتَيْنَمُ بالحَقِّ وَإِنَّهُمْ لكاذبونَ (٩٠) ما اتَّخَذَ اللهُ مِنْ ولدٍ،
وما كانَ معهُ من إليهٍ، إِذَا لذهَبَ كُلُّ إلهِ بما خَلقَ ، ولَعَلَا بعضهم
على بَعضٍ، سُبحان القُهِ ممَّا يَصِفُونَ (٩١) عَلَم الغَّيْبِ والشَّهادةِ فَتَعَلَى
مما يُشْرِكُونَ (٩٢).
وقواه - سبحانه - «بل أتيناهم بالحق ... ، إضراب عن قول أولئك
الكافرين , إن هذا إلا أساطير الأولين).

٧١
الجزء الثامن عشر
أى : ما كان ما أخبر ناهم به من أن هناك بعثا وحسابا، أساطير الأولين
بل أخبر نام وأتيناهم بالحق الثابت، والوعد الصادق ، وإنهم لكاذبون فى
دعواهم أن البعث غير واقع، وأن مع الله - تعالى- آلهة أخرى، وأن الرسول
- صلى الله عليه وسلم - لم يجتهم بالحق الذى يريدونه .
ثم وبخهم - سبحانه - على قولهم إن لله ولدا وشريكا فقال: ((ما اتخذ الله من
ولد، وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم إعلى
بعض .....
أى : لم يتخذ الله - تعالى - ولدا - كما يزعم هؤلاء الجاهلون-لأنه- سبحانه-
منزه عن ذلك . ولم يكن معه من إله يشاركه فى ألوهيته ودبوبيته
- عز وجل - .
ولو كان الأمر كما يزعمون، إذا لذهب كل إله بما خلق واستقل به عن
غيره : ((ولعلا بعضهم على بعض، أى: ولحدث بينهم التحاوب والتغالب ...
ولفسد هذا الكون، كما قال - تعالى -: ((لو كان فيهما آلهة إلا الله
لقدنا .. ،
((سبحان الله عما يصفون)، أى: تنزه الله - تعالى - وتقدس عما يصفه به
هؤلاء الجاهلون. فهو - سبحانه - الواحد الأحد. الفرد الصمد، الذى لم يلد
ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد.
(( عالم الغيب والشهادة، أى: هو العليم بما يغيب عن عقول الناس ومداركهم
وهو العليم - أيضا - بما يشاهدونه بأبصارهم وحواسهم.
(فتعالى ، الله - عز وجل - وتقدس معما يشر كون جمعه من آلهة أخرى،
لا تضر ولا تنفع، ولا تملك لما بديها موتا ولا حياة ولا نشورا.

٧٢
سورة المؤمنون
ثم تترك السورة الحديث مع هؤلاء المشركين، وتوجه حديثها إلى النبى
- صلى الله عليه وسلم - فتأمره أن يلتجئ إلى خالقه، وأن يستعيذ ، من
شرور الشياطين .. قال - تعالى -:
((قُلْ ربِّ إما ترِيِّى ما يوعَدونَ (٩٣) ربِّ فلا تَجَعَانى فى القَوَمِ
الَّالِينَ (٩٤) وإنَّا عَلَى أنْ نريكَ ما نَمِدُمْ لقادِرُون (٩٥) ادفَعْ بالتى
هىَ أَحْسَنِ السَّيْئَةَ، نحنُ أَعْلَم بما يَصِفُون (٩٦) وقلْ ربٌ أعوذ بِكَ
من معَزاتِ الشِّيَاطِينِ (٩٧) وأعوذُ بِكَ ربِّ أن يَحْضِرُونِ (٩٨))).
قال الجمل: دلما أعلم الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - بأنه منزل
عذابه بهؤلاء المشركين ، إما فى حياته - صلى الله عليه وسلم -، أو بعد مماته،
علمه كيفية الدعاء بالتخلص من عذا بهم فقال - تعالى -: (قل رب إما تربنى
ما يوعدون)، وقوله :. ترينى فعل مضارع مبنى على الفتح لاتصاله بنون
التوكيد، وهما، مفعول به، ورأى بصرية تعدت لمفعولين بواسطة الهمزة،
لأنه من أرى الرباعى، فياء المتكلم مفعول أول، وما الموصولة المفعول
الثانى ١١،٠٠).
أى : قل - أيها الرسول الكريم - يارب إن تطلعنى وتربنى العذاب الذى
توعدت به هؤلاء المشركين، «أسألك - يا إلهى - أن لا تجعلنى قرينا لهم فيه،
وأبعدنى عن هؤلاء القوم الظالمين، حتى لا يصدنى ما يصيبهم.
ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى عصمة من الله - تعالى - من أن
يجعله مع القوم الظالمين ، حين ينزل بهم العذاب ، ولكن جاءت الآية بهذا
الدعاء والإرشاد، للزيادة فى التوقى، والتعليم المؤمنين أن لا يأمنوا مكر انه،
وأن يلوذوا دائما بحماء.
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٣ ص ٢٠١.

٧٣
الجزء الثامن عشر
و قوله - سبحانه -: « وإنا علی أی تریك مانعدم لقادرون ، بیان اکےل
قدرة الله - تعالى - التی لا یعجز ها شی.
أى: نحن قادرون - يا محمد - على إطلاعك على العذاب الذى أعددناه لهم
ولكن لحكمة فعلمها ، لم نطلعك عليه. بل سنؤخره عنهم إلى الوقت الذى تريده،
قال - تعالى -: «وإما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك، فإنما عليك
البلاغ وعلينا الحساب)) (١).
ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالصبر على أذاهم.
وبمقابلة سيئاتهم بالخصال الحسنة، فقال: «ادفع بالتى هى أحسن السيئة، نحن
أعلم بما يصفون)).
أى : قابل - أيها الرسول الكريم - سيئات هؤلاء المشركين الجاهلين،
بالأخلاق والسجابا التى هى أحسن من غيرها، كأن تعرض عنهم، وتصبر
على .. أخلاقهم، فأنت صاحب الخلق العظيم، ونجن أعلم منك بما يصفوفنا
به من صفات باطلة. وما يصفوك! من صفات ذميمة، وسنجازيهم على ذلك
بما يستحقون، فى الوقت الذى تريده.
فالآية الكريمة توجيه حكيم من الله - تعالى - انديه -، وتسلية له عما أصابه
من أعدائه، وهميه بهذه الآية قوله - تعالى -: ((خذ العفو، وأمر بالعرف،
وأعرض عن الجاءلين».
ثم أمره الله - تعالى - بأن يستعيذبه من وساوس الشياطين ونزعاتهم فقال:
((وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين. وأعوذ بك رب أن يحضرون)).
وقوله: ((همزات)) جمع همزة وهى المرة من الهمزة. وهى فى اللغة النخس
والدفع باليد أو بغيرها. يقال: همزه بهمزه - بضم الميم وكسرها - إذا مخسه
ودفنه رغره .
(١) سورة الرعد آية ٠٤٠

٧٤
سورة المؤمنون
ومنه المهماز، وهو حديدة تكون مع الراكب الدابة يحتها بها على السير.
والمراد بهمزات الشياطين هنا: وساوسهم لبنى آدم وحضهم إياهم على
ارتكاب ما نهاهم الله - تعالى - عنه.
أى: وقل - أيها الرسول الكريم - يارب أعوذ بك، واعتصم بحماك،
من وساوس الشياطين، ومن نزغاتهم الأليمة، ومن همزاتهم السيئة، وأعوذ
بك يا إلهى وأتحصن بك، من أن يحضر نى أحد منهم فى أى أمر من أمور دبنى
أو من أمور دنياى، فأنت وحدك القادر على حمايتى منهم .
وفى هذه الدعوات من الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو المعصوم من
همزات الشياطين - تعليم للمؤمنين، وإرشاد لهم، إلى اللجوء - دائما - إلى
خالفهم ، لكى يدفع عنهم وساوس الشياطين ونزغاتهم .
ثم تنتقل السورة بعد ذلك إلى بيان أقوال هؤلاء المشركين عندما ينزل بهم
الموت، وعند ما تلفح وجوههم النار، وكيف أنهم يلتمسون العودة بذلة ولكن
لا يجذبون إلى خليهم ، لأنه جاء فى غير وقته ...
استمع إلى السورة الكريمة وهى تصور أحوالهم عند الاحتضار، وعند
الإنماء بهم فى النار فتقول :
(حتَّى إِذَا جاء أحدّم الموتُ قَالَ رَبُّ ارْجِعُونِ (٩٩) لعلّى أعملُ
صالحاً فيما تركتُ، كلاً، إنّها كلمةٌ هُو قائِلُها، ومِنْ وَرَاْهِمْ بِرَزَعٌ
إلى يومٍ يُبْثونَ (١٠٠) فإِذَا تُفِخَ فى الصُّورِ فلا أَنسابَ بيْنَهم يومئذٍ
ولا يتسَاءلُونَ (١٠١) فَنْ تَقُلَتْ مَوازِينُه فَأُولَئِكَ مَ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢)
ومَنْ خَفَتْ موازِينُهُ فأُولَئِكَ الذينَ خَسِرُوا أَنفُسَهم فى جَهَنَّمَ

٧٥
الجزء الثامن عشر
خالدُونَ (١٠٣) تلفَحُ وجوههم النارُ ومُ فيها كالِحُونَ (١٠٤) ألم تُكُنْ
آياتِىِ ثْلَى عَلَيْكُمْ فكُنتُ بها تَكَذٌبونَ (١٠٥) قالوا ربناَ غَلَبَتْ عَلَيْاَ
شِقْوتَنَا وكنّا قوماً ضَأَلِّنَّ (١٠٦) ربّنا أَخْرِجْنا مِنْها فإنْ عُدنا فإنّا
ظالمُونَ (١٠٧) قالَ اخسأُوا فيها ولا تَكّون (١٠٨) إِنَّه كانَ فَرِيقٌ
مِنْ عَبَادى يُولُونَ، ربَّ آمِنًا فاغفِرْ لَنَا وازْتَهْنا وأنتَ خيرُ
الرَّاحِين (١٠٩) فاتخذتمومُ سِخْرِياً حتَى أنْسَوُ ذكْرِى وَكَثُم
منهم تضحكُونَ (١١٠) إنّى جزَيْتُهم اليَومَ بما صَبَرُوا أَنْهم مُ
الفائزُون (١١١))).
وقوله - تعالى -: « حتى إذا جاء أحدهم الموت ... » بيان لحال الكافرين
عندما يدركهم الموت. و((حتى): حرف ابتداء. والمراد بمجىء الموت: مجىء
علاماته .
أى: أن هؤلاء الكافرين يستمرون فى لجاجهم وطغيانهم، حتى إذا فاجأهم
الموت ، ونزلت بهم سكراته، ورأوا مقاعدهم من النار، قال كل واحد منهم
يارب أرجعنى إلى الدنيا، ((لعلى أعمل صالحا فيما تركت، أى: لمكى أء! عملا
صالحا فيما تركت خافى من عمرى فى أيام الدنيا، بأن أخاص لك العبادة والطاعة
وأتبع كل ماجاء به نبيك من أقوال وأفعال .
وجاء لفظ ((ارجعون) بصيغة الجمع. لتعظيم شأن المخاطب، وهو اله
- تعالى -، وإستدرار عطفه - عز وجل -.
أى أن هذا الكافر استغاث بالله - تعالى - فقال: رب ثم وجه خطابه بعد
ذلك إلى خزنة النار من الملائكة فقال: ((ارجعون).
و((لعل) فى قوله - تعالى -: «لعلي أعمل صالحا، للتعليل. أى: ارجعون
لكى أعمل عملا صالحا.

٧٦
سورة المؤمنون
=
وفی معنی هذه الآية وردت آيات كثيرة، منها قوله - تعالى -: (دونوى
الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل ،(١)
وقوله - سبحانه -: « ولو ترى إذ المجرمون فاكسوا رءوسهم عندربهم.
ربنا أبصرنا وسمعنا، فارجعنا نعمل صالحا إناموقنون)، (٢).
١
ثم بين - سبحانه - الجواب عليهم فقال: ((كلا إنها كلمة هو قائلها، ومن
ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ».
و«كلا)) حرف زجر وردع. والبرزخ: الحاجز والحاجب بين الشيئين
لكى لايصل أحدهما إلى الآخر. والمراد بالكامة: ما قاله هذا المكافر أى:
رب أرجعون .
أى: يقال لهذا المكافر الخادم: كلا، لارجوع إلى الدنيا، إنهاء أىقوله
رب رجعون، («كلة هو قائلها، ولن تجدبه شيئا، لأنه قالها بعد فوات
الأولى لنفعها، ( ومن ورائهم، أى: ومن أمام هذا الكافر وأمثاله، حاجز
يحول بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا، وهذا الحاجز مستمر إلى يوم البعث
والنشور .
فالمراد بالبرزخ : تلك المدة التى يقضيها هؤلاء الكافرون منذ موتهم
إلى يوم يبعثون .
وفى هذه الجملة الكريمة . زجر شديد لهم من طلب العودة إلى الدنيا.
وتيقيس وإقناط لهم من التفكير فى المطالبة بالرجعة ، وتهديد لهم بعذاب
القبر إلى يوم القيامة .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن ما ينفع الناس يوم القيامة إنماهو إيما فهم.
وعملهم، لا أحسابهم ولا أنسابهم ، فقال - تعالى -: ( فإذا نفخ فى الصور
فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون)).
(١) سورة الشورى الآية ٤٤.
(٢) سورة السجدة الآية ٠١٢

٧٧
الجزء الثامن عشر
والأنساب : جمع نسب. والمراد به القرابة. والمراد بالنفخ فى الصور:
النفخة الثانية التى يقع عندها البعث والنشور. وقيل: النفخة الأولى التى عندها
يحي اله الموتى .
والمراد بنفى الأنساب: انقطاع آثارها التى كانت مترتبة عليها فى الدنيا ،
من التفاخر بها ، والانتفاع بهذه القرابة فى قضاء الحوائج .
أى: فإذا نفخ إسرافيل - عليه السلام - فى الصور - وهو آلة نفوض
هيثنها إلى الله - تعالى -، فلا أنساب ولا أحساب بين الماسر يافعة لهم فى هذا
الوقت ، إذ النافع فى ذلك الوقت هو الإيمان والعمل الصالح.
«ولاهم يتساءلون، فيما بينهم لشدة الهول، واستيلاء الفزع على النفوس
ولا تنافى بين هذه الآية، وبين قوله - تعالى -: ((وأقبل بعضهم على بعض
يتساءلون، فإن كل آية تحكى حالة من الحالات، ويوم القيامة له مواقف
متعددة، فهم لا يتساءلون من شدة الهول فى موقف ، ويتساءلون فى آخر عندما
يأذن الله - تعالى - لهم بذلك ،
وقوله - سبحانه -: « فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ... ، بيان
لما يكون بعد النفخ فى الصور من ثواب أو عقاب .
أى: وجاء وقت الحساب بعد النفخ فى الصور، «فمن ثقلت موازينه)»
أى: موازين أعماله الصالحة («فأولئك هم المفلحون، فلاحا ليس
بعده فلاح .
(((ومن خفت)) موازين أعماله الصالحة ,فأولئك الذين خسروا أنفسهم،
. بأن ضيعوها وألقوا بها إلى النهلكة، فهم ((فى جهنم خالدون إدا أبديا.
((تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون)، واللفح: الإحراق الشديد يقال:
فلان لفحته النار تلفحه لفحا ولفحانا. إذا أحرقته.
والبكلوح، هو أن تتقلص الشفتان، وتتكشف الأسنان ، لأن
النار قد أحرقت الشفتين ، كما يشاهد - والعياذ بالله - رأس الشاة بعد شويها.

٧٨
سورة المؤمنون
أى: تحرق النار وجوه هؤلاء الأشقياء، وهم فيها متقلصو الشفاه عن
الأسنان، من أثر ذلك الإحراق واللفح .
ثم يقال لهم كل هذا العذاب المهين على سبيل التقريع والتوبيخ:
(( ألم تكن آياتى، الدالة على وحدانيتى وقدرقى وصدق رسلى ((قتلى عليكم،
فى الدنيا على ألسنة هؤلاء الرسل الكرام ((فكنتم بها)، أى: بهذه الآيات
((تكذبون)) هؤلاء الرسل فيما جاؤوكم به من عندى من هدايات وإرشادات.
وكأنهم قد خيل إليهم - بعد هذا السؤال التويخى، أنهم قد أذن لهم فى
الكلام، وأن اعترافهم بذنوبهم قد ينفعهم، فيقولون .. كماحكى القرآن عنهم -:
((قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا ... ، أى: ياربنا تغلبت علينا أنفسنا الأمارة
بالسوء، فصرفتنا عن الحق، وتغلبت علينا ملذاتنا وشهواتنا وسيئاتنا التى
أفضت بنا إلى هذا المصير المؤلم ((وكنا قوما ضالين)) عن الهدى والرشاد،
بسبب شقائنا وتعاستنا .
((ربنا أخرجنا منها، أى: من هذه النار التى تلفح وجوهنا ، فإن عدنا)،
إلى ما نحن عليه من الكفر وإرتكاب السينات ((فإنا ظالمون، أى: فإنا
متجاوزون لكل حد فى الظلم، ونستحق بسبب ذلك عذابا أشد ما نحن فيه.
وهكذا يصور القرآن بأسلوبه البديع المؤثر ، أحوال الكافرين يوم
القيامة ، تصويرا ترتجف له القلوب، وتهتز منه النفوس ، وتقشعري
هوله الأبدان .
وقوله - سبحانه -: ((قال اخسأوا فيها ولا تكلمون)) جواب على طلبهم
الخروج من النار ، والعودة إلى الدنيا .
أى: قال الله - تعالى - لهم على سبيل الزجر والتيئيس: ((أخطؤا فيها،
اسكنوا وانزجروا انزجار الكلاب، وامكثو فى تلك النار ,ولا تكلمون))
فى شأن خروجكم منها، أو فى شأن عودتكم إلى الدنيا.

٧٩
الجزء الثامن عشر
وقوله - تعالى - «إنه كان فريق من عبادى يقولون .. ، تعليل لزجرم
عن طلب الخروج أى : اخسأوا فى النار ولا تكلمون ، لأنه كان فى الدنيا
فريق كبير من عبادى المؤمنين يقولون بإخلاص ورجاء: «ربنا آمنا، بك
واتبعنا وسلك ,فاغفر لنا، ذنوبنا ,وارحمنا، برحمتك التى وسعت كل شىء
(( وأنت خير الراحمين».
وقوله - سبحانه -: ((فاتخذ تموهم سخريا ... )) هو محط التعليل، أى:
فكان حالكم معهم أنكم سخر تم واستهزُتهم بهم.
((حتى أنسوكم ذكرى)، أى: فاتخذ تموهم سخريا، وداومتم على ذلك،
وشغلكم هذا الاستهزاء ، حتى أنوك - لكثرة انهماكم فى السخرية بهم -
تذكر عقابى لكم فى هذا اليوم، ((وكنتم منهم تضحكون، فى الدنيا،
وتتغامزون عندما ترونهم استخفافا بهم .
فلهذه الأسباب ، اخسارا فى الغار ولا تكلمون ، أما هؤلاء المؤمنون
الذين كنتم تستهزئون بهم فى الدنيا. فإنى ((جزيتهم اليوم، الجزاء الحسن
((بما صبروا أنهم هم الفائزون، فوزا ليس هناك ماهو أكبر منه.
وبعد هذا الرد الذى فيه ما فيه من الزجر للكافرين وبعد بيان أسبابه .
وما اشتمل عليه من تبكيت وتقريع ، يوجه إليهم - سبحانه - سؤالا يريدهم
حسرة على حسرتهم ، فيقول :
(قَالَ كَ لِّثُم فى الأرْضِ عددَ سنِنَ (١١٣) قالُوا لِلْنا يوماً أو بعض يوم
فاسْأَل العادِّينَ (١١٣) قالَ إن ليْتُمْ إِلاَّ قليلاً لو أَنكُم كُنْتُم تعلَونَ (١١٤)
أُفَحَسبُم أنَّا خَلقنا كُمْ عِبْثَ، وَأَنْكُمْ إِلَيْاَ لا تُرْجُمُونَ (١١٥) فِعَلَى
الهُ الملكُ الحقُّ، لا إلهَ إلاَّ هوَ رَبُ العَرشِ الكريمِ (١١٦) ومَنْ
يدِعُ مَعَ اللهِ إِلَا آخرّ لا برهاَنَ لهُ بهِ، فإِنَّا حسابهُ عندَ ربِّهِ، إنَّه

٨٠
سورة المؤمنون
لا يفلِحُ الكَافِرُونَ (١١٧) وقُلْ ربِّ اغْفِرْ وازْحَم وأنتَ
خيرُ الراحِينَ (١١٨))).
أى: قال الله - تعالى - لهم بعد أن زجرهم وأمرهم أن يسكتوا سكوت
هو ان وذلة: كم عدد السنين الى لبثتموما فى دنياكم التى تريدوز الرجوع إليها ؟
ولاشك أن الله - تعالى - يعلم مقدار الزمن الذى لبثوه، ولكه -الهم
ليبين لهم قصر أيام الدنيا، بالنسبة لما هم فيه من عذاب مقيم، وليزيد فى
حسرتهم وتوبيخهم.
وهنا يقولون فى يأس وذلة: « لبقنا يوما أو بعض يوم، وهو جواب
يدل على استصغارهم المدة التى لبثوها فى الدنيا، بجانب ماهم فيه من عذاب.
وقوله - تعالى -,فاسأل العادين، يشعر بذهولهم عن التحقق من مقدار
المدة التى لبثوها فى الدنيا
أى: فاسأل المتمكنين من معرفة المدة التى مكتناها فى الدنيا .
فيرد الله - تعالى - عليهم بقوله ((قال إن لبثتم)) أى: ما لبثتم فى الدنيا. إلا
قليلا، أى : إلا وقتا قليلا « لو أنكم كنتم تعلمون، شيئا من العلم لأدركتم
أن ما لبثتموه فى الدنيا، هو قليل جدا بالنسبة إلى مكتكم فى النار بسبب إصراركم
على كفركم فى حياتكم الدنيا . جواب لو محذوف، لدلالة الكلام عليه.
ولا يتعارض قولهم هنا , لبثنا يوما أو بعض يوم، مع آيات أخرى
ذكرت بأنهم , يتخافتون بينهم إن ليقتم إلا عشرا)،(١) وبأنهم (ماليشوا
غير ساعة، كمافى قوله - تعالى -:. ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون مالبثوا
غير ساعة .... (٢).
لأن كل فريق منهم قد أخبر بما تبادر إلى ذهنه، فبعضهم قال لبثنا عشرات
وبعضهم قال لبثما يوما أو بعض يوم، وبعضهم أقسم بأنه مالبث فى الدنيا غير ساعة.
(١) سورة طه الآية ١٠٣.
(٢) سورة الروم الآية ٥٥.