النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ الجزء الثامن عشر ثم بين - سبحانه - موقف كل أمة من رسولها فقال: « كلما جاء أمة رسولها كذبوه .. » أى: كلما جاء رسول كل أمة إليها ليبلغها رسالة الله - تعالى -وليدعوها إلى عبادته وحده- سبحانه - كذب أهل هذه الأمة هذا الرسول المرسل إليهم. وأعرضوا عنه وأذوه ... قال ابن كثير: ((وقوله: ((كما جاء أمة رسولها كذبوه)) يعنى جمهورهم وأكثرهم، كقوله - تعالى - «ياحسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا کانوا به یستهز ئون ،(١). وأضاف - سبحانه - الرسول إلى الأمة، للإشارة إلى أن كل رسول قد أتى إلى الأمة المرسل إليها . وفى التعبير بقوله: ((كلما جاء . .. )) إشعار بأنهم قابلوه بالتكذيب. / بمجرد مجيئه إليهم ، أى: أنهم بادروه بذلك بدون تريث أو تفكر. فهاذا كانت عاقبتهم ؟ كانت عاقبتهم كما بينها - سبحانه - فى قوله: «فأتيعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث. فبعدا لقوم لا يؤمنون)). أى: فأقبعنا بعضهم بعضا فى الهلاك والتدمير ، وجعلناهم بسبب تكذيبهم لرسلهم أحاديث يتحدث الناس بها على سبيل التعجب والتلهى، ولم يبق بين الناس إلا أخبارهم السيئة. وذكرهم القبيح ((فبعدا، وهلاكا لقوم لا يؤمنون بالحق ، ولا يستجيبون للهدى . قال صاحب الكشاف: ((وقوله ((وجعلناهم أحاديث)) أى: أخبارا يسمر بها,ويتعجب منها والأحاديث تكون اسم جمع لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتكون جمعا للأحدوثه: التى هى مثل الأضحوكة (١) سورة بس الآية ٣٠. ٤٢ سورة المؤمنون والألعوبة والأعجوبة. وهى ما يتحدث به الخاص قلها وتعجبا وهو التراد هنا ، (١) . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانا من قصة موسى وهارون - عليهما السلام - فقال «ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين. إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عاليز » أى: ثم أرسلنا من بعد أولئك الأقوام المهلكين الذير جعلناهم أحاديث « موسى وأخاه هارون بآياتنا. الدالة على قدرتنا. وهى الآيات التسع وهى: العصا، واليد، والسنون، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم . وزودناه مع هذه الآيات العظيمة بسلطان مبين، أى: بحجة قوبة واضحة، تحمل كل عاقل على الإيمان به، وعلى الاستجابة له . وكان هذا الإرسال منا لموسى وهارون إلى فرعون وملته، أى: وجهاء قومه وزعمائهم الذين يتبعهم غير م . ((فاستكبروا، جميعا عن الاستماع إلى دعوة موسى وهارون - عليهما السلام، ((وكانوا قوما عالين، أى: مغرورين متكبرين، مسرفين فى البغى والعدوان ثم بين - سبحانه -مظاهر هذا الغرور والتكبر من فرعون وملته فقال: ((فقالوا)، أى: فرعون وحاشيته ((أتؤمن لبشرين مثلنا) وهما موسى وهارون ((وقوعهما، أى: بنو إسرائيل الذين منهم موسى وهارون , لنا عابدون) أى: مسخرون خاضعون منقادون لنا كما بنقاد الخادم لمخدومه. فأنت ترى أن فرعون وملآه، قد أعرضوا عن دعوة موسى وهارون ،. لأنهما - أولا - بشر مثلهم، والبشرية فى زعمهم الفاه - تتنافى مع الرسالة (١) تفسير الكتاف ج ٣ ص ٠١٨ ٤٣ الجزء الثامن عشر والنبوة، ولأنهما - ثانيا - من قوم بمنزلة الخدم لفرعون وحاشبته، ولا يليق - فى طبعهم المغرور - أن يتبع فرعون وحاشيته من كان من هؤلاء القوم المستعدمفين . قال الآلوسي: ((وقوله: ((فقالوا)) عطف على, استكبروا، وما بينهما إعتراض مقرر للاستكبار، والمراد: فقالوا فيما بينهم . وثنى البار لأنه يطلق على الواحد كقوله - تعالى - ((بشراسويا، وعلى الجمع، كما فى قوله - تعالى - ((فإما ترين من البشر أحدا .. ، ولم يثن ((مثل، نظرا إلى كونه فى حكم المصدر ، ولو أفرد البشر اصبح ، لأنه اسم جنس يطلق على الواحد وغيره، وكذا لو أنى المثل، فإنه جاء مثنى فى قوله: « يرونهم مثليهم رأى العين، ومجموعا كما فى قوله: ((ثم لا يكونوا أمثالكم، وهذه القصص - كما ترى - تدل على أن مدار شبه المنكرين للنبوة، قياس حال الأنبياء على أحوالهم، بناء على جهلم بتفاصيل شئون الحقيقة البشرية ، وتباين طبقات أفرادها فى مراقى المكمل .. ومن عجب أنهم لم يرضوا للنبوة ببشر ، وقد رضى أكثرهم الإلهية بحجر .. ،(١) . ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة فرعون وملئه فقال: فكذبوهما فكانوا من المهلكين » . أى: فكذب فرعون وأتباعه موسى وهارون - عليهما السلام - فيما جاء! به من عند ربهما - عز وجل - فكانت نتيجة هذا التكذيب أن أغرقنا فرعون ومن معه جمیعا . ثم بين - سبحانه - ما أعطاه لموسى بعد هلاك فرعون وقومه فقال : ((ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون)). والضمير فى قوله - تعالى - («لعلهم) يعود إلى قوم موسى عن بنى إسرائيل، لأنه من المعروف أن التوراة أنزات على موسى بعد هلاك فرعون وملئه .. (١) تفسير الآلوسي :١٨ ص ٠٣٦ ٤٤ سورة المؤمنون أى: ولقدآتينا موسى - بفضلنا وكرمنا - الكتاب المشتمل على الهداية والإرشاد، وهو التوراة، «لعلهم، أى: بنو إسرائيل ((يهتدون)) إلى الصراط المستقيم، بسبب اتباعهم لتعاليمه، وتمسكهم بأحكامه. فالترجى فى قوله , أملهم)). إنماهو بالنسبة لهم. وقريب من هذه الآية قوله - تعالى -: (ولقد آتيناموسى الكتاب من بعدها أهلكنا القرون الأولى، بصائر الناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون». ثمساق - سبحانه - ما یدل علی کالقدر ته، حیث أو جد عيسى من غير أب وجعل أمه مريم قلده من غير أن يمسها بشر، فقال - تعالى - ((وجعلنا ابن مريم وأمه آية .. ، أى: وجعلنا نبيناعيسى عليه السلام -، كما جعنا أمه مريم، آية واضحة، وحجة عظيمة ، فى الدلالة على قدرتنا النافذة التى لا يعجز ها شىء. قال أبو حيان: ((قوله: ((وجعلنا ابن مريم وأمه آية، أى: جعلنا قصتهما، وهى آية عظمى بمجموعها، وهى آيات مع التفصيل ، ويحتمل أن يكون حذف من الأول آية لدلالة الثانى، أى: وجعلنا ابن مريم آية، وأمه آية، (١). وقوله - تعالى - ((وأويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين، بيان لجانب ما أنعم به - سبحانه - على عيسى وأمه . ١ والربوة: المكان المرتفع من الأرض. وأصلها من قولهم: ربا الشىء يربو. إذا ازداد وارتفع، ومنه الربا لأنه زيادة أخذت على أصل المال. ومعين: اسم مفعول من عائه إذا أدركه وأبصره بعينه. فالميمزائدة. وأصله معيون كمتبوع ثم دخله الإعلال . والكلام على حذف مضاف. أى: وماء معين. أى: ومن مظاهر رعايتنا وإحساننا إلى عيسى وأمه، أننا آويفاهما وأسكناهما،. وأنزلناهما فى جهة مرتفعة من الأرض، وهذه الجهة ذات قرار «أى : ذات (١) تفسير البحر المحيط ج ٦ ص ٠٤٠٨ ٤٥ الجزء الثامن عشر استقرار لاستوائها وصلاحيتها للسكن لما فيها من الزروع والثمار، وهى فى الوقت ذاته ينساب الماء الظاهر للعيون فى ربوعها . قالوا: والمراد بهذه الربوة: بيت المقدس بفلسطين، أو دمشق، أومصر. والمقصود من الآية الكريمة: الإشارة إلى إبواء الله - تعالى - لهما، فى مكان طيب ، ينضر فيه الزرع، وتطيب فيه الثمار ، ويسيل فيه الماء، ويجدان خلال عيشهما به الأمان والراحة . ثم ختم - سبحانه - الحديث عن هؤلاء الأنبياء، بتوجيه خطاب إلى الرسل جميعا، أمرهم فيه بالأكل من الطيبات، وبالتزود من العمل الصالح ، فقال - تعالى -: ((يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا، إنى بما تعملون عليم)). ووجه - سبحانه - الخطاب إلى الرسل جميعا، مع أن الموجود منهم عند نزول الآية واحد فقط، وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم - للدلالة على أن كل رسول أمر فى زمنه بالأ كل من الطيبات التى أجلها تعالى، وبالعمل الصالح. وفى الآية إشارة إلى أن المداومة على الأكل من الطيبات التى أحلها اللّه، والتى لاشبهة فيها ، له أثره فى مواظبة الإنسان على العمل الصالح . قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية؛ يأمر الله - تعالى - عباده المرسلين بالأكل من الحلال ، والقيام بالصالح من الأعمال، فدل على هذا العمل الصالح، فقام الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بهذا أتم قيام، وجمعوا بين كل خير ، قولا وعملا، ودلالة ونصحا . ثم ساق - رحمه الله - عددا من الأحاديث فى هذا المعنى منها: أن أم عبدالله أخت شداد بن أوس ، بعثت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقدح لبن عند فطره وهو صائم ، وذلك فى أول النهار وشدة الحر ، فرد إليها رسولها : أنى كانت لك الشاة؟ أى: على أية حال تملكينها. فقالت: اشتريتها من مالى فتشرب منه فلما كان من الغد أقته أم عبدالله فقالت له : يارسول الله ، بعدت إليك بلبن، فرددت إلى الرسول فيه؟ فقال لها: بذلك أمرت الرسل. أن لاتأكل إلا طيبا ولا تعمل إلا صالحا . ٤٦ سورة المؤمنون ومنها : ماثبت فى صحيح مسلم .. عن أبى هريرة - رضى الله عنه -قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((يأيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ((يأيها الرسل كلوامن الطيبات واعملوا صالحا.، وقال: «بأبها الذين آمنواكلوا من طيبات مارزقناكم، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، ومطعمه من حرام، ومشربه من حرام، وملبسه من حرام، وغذى بالحرام، يمد يديه إلى السماء: يارب يارب (مانى يستجاب لذلك ،(١). وقوله - سبحانه -: (إني بماتعملون عليم. تحذير من مخالفة ما أمر به - تعالى ... أى: إني بما تعملون - أيها الرسل وأيها الناس - عليم فأجازيكم على هذا العمل بما تستحقرن . وقوله - سبحانه - ((وإن هذه أمتكم أمة واحدة .. ، جملة مستأنفة. والمراد: وإن شريمتكم - أيها الرسل - جميعا، هى شريعة واحدة، لا تختلف فى أصولها التى تتعلق بالعقائد والعبادات والمعاملات، وإن اختلفت الأحكام الفرعية . وقرأ بعض القراء السبعة: ((وأن هذه أمتكم .. بفتح الهمزة، على أن الآية من جملة ما خوطب به الرسل . والتقدير: واعلموا - أيها الرسل - أن ملتكم وشريعتكم، ملة واحدة، وشريعة واحدة فى عقائدها وأصول أحكامها . ((وأنا ربكم، لاشريك لى فى الربوبية ، فاتقون، أى:خافواعقابى، واحذروا مخالفة أسرى ، وصوفوا أنفسكم عن كل مانهيتكم عنه . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك حال المصرين على كفرهم وضلالهم من دعوة الرسل عليهم الصلاة السلام - فقال : (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٤٧١. ٤٧ الجزء الثامن عشر ((فَقَطّموا أمرَهُم بِينَهم زُبُراً، كلُّ حِزْبٍ بِمَلَ يهِم فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْمُ فِى غَمرتهِمْ حَتَّى حينٍ (٥٤) أيحسبُونَ أَنَّما تمُدُّمُ بِهِ مِنْ مالٍ وبنينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِى الْيراتٍ بَلْ لاَ يَشْمِرونَ (٥٦)». والفاء فى قوله - تعالى -: ((فتقطعوا، لترتيب حالهم وماهم عليه من تفرق وتنازع واختلاف ، على ماسبق من أمرهم بالتقوى، وإتباع ما جاءهم به الرسل . وضمير الجمع يعود إلى الأقوام السابقين الذين خالفوا رسلهم، وتفرقوا شيما وأحزابا . وقوله ((زبرا)) حال من هذا الضمير. ومفرده زبرة - كغرفة - بمعنى: قطعة . والمراد به هنا: طائفة من الناس . والمراد بأمرهم: أمر دينهم الذى هو واحد فى الأصل . أى: أن هؤلاء الأقوام الذين جاء الرسل لهدايتهم، لم يتبعوا دين رسلهم بل تفرقوا فى شأنه شيما وأحزابا، فمنهم أهل الكتاب الذين قال بعضهم : عزيز ابن الله، وقال بعضهم: المسيح ابن الله، ومنهم المشركون الذين عبدوا من دون الله - تعالى - أصناما لاتضر ولا تنفع، وصار كل حزب من هؤلاء المعرضين عن الحق، مسرورا بما هو عليه من باطل، وفرحا بما هو فيه من ضلال . والآية القرآنية بأسلوبها البديع، فوق هذا التنازع من هؤلاء الجاهلين فى شأن الدين الواحد، فى صورة حسية، يرى المتدير من خلالها، أنهم كأنهم تجاذبوه فيما بينهم، حتى قطعوه فى أيديهم قطعا، ثم مضى كل فريق منهم بقطعته وهو فرح مسرور، مع أنه - لو كان يعقل - ما انحدر إلى هذا الفعل القبيح، ولما فرح بعمل شىء من شأنه أن يحزن له كل عاقل . ٤٨ سورة المؤمنون والخطاب فى قوله - تعالى -: ((فذرهم فى غمر تمــم حتى حين ، الرسول - صلى الله عليه وسلم - والضمير المنصوب،هم، للمشر كين. والغمرة فى الأصل: الماء الذى يغمر القامة ويسترها، إذ المادة قدال على التغطية والستر. يقال: غمر الماء الأرض إذا غطاها وسترها. ويقال: مذا رجل غمر - بضم الفين وإسكان الميم - إذا غطاء الجهل وجعله لا تجربة له بالأمور. ويقال: هذا رجل غمر - بكسر العين - إذا غطى الحقد قلبه والمراد الغمرة هنا: الجهالة والضلالة والمعنى: لقد أديت - أيها الرسول - الرسالة، ونصحت لقومك . وبلغتهم ما أمرك الله - تعالى - بتبليغه، وعليك الآن أن تترك هؤلاء الجاحدين المعاندين فى جهالاتهم وغفلتهم وحيرتهم ((حتى حين)) أى: حتى يأتى الوقت الذى حدد ناه للفصل فى أمرهم بما تقتضيه حكمتنا. وجاء لفظ ((حين)) بالتنكير ، لتهويل الأمر وتنظيمه. ثم تأخذ السورة الكريمة بعد ذلك فى السخرية منهم لغفلتهم عن هذا المصير المحتوم، الذى سيفاجئهم ، الايتوقعون. فيقول: ((أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين. نسارع لهم فى الخيرات، بل لا يشعرون)). والهمزة فى قوله «أيحسبون، للاستفهام الإنكارى. و((ما)) موصوله، وهى اسم ((أن)) وخبرها جملة ((نسارع لهم ... )) والرابط مقدر أى: به. أى: أيظن هؤلاء الجاهلون. أن مانعطيهم إياه من مال وبنين، هو من باب المسارعة منا فى إمدادهم بالخيرات لرضانا عنهم وإكرامنا لهم؟ كلا: ما فعلنا معهم ذلك لتكريمهم، وإنما فعلنا ذلك معهم لاستدراجهم وإمتحانهم، ولكنهم لا يشعرون بذلك. ولا يحسون به، لا نطماس بصائرهم، ولاستيلاء الجهل والغرور على نفوسهم. (١) سورة القلم الآية ٤٥،٤٤. ٤٩ الجزء الثامن عشر فقوله - سبحانه - «بل لا يشعرون، اضراب انتقالى عن الحسبان المذكور وهو معطوف على مقدر ينسحب إليه الكلام . أى: ما فعلنا ذلك معهم لإكرامنا إياهم كما يظنون، بل فعلنا ما فعلنا : استدراجا لهم، ولكنهم لاشعور لهم ولا إحساس ، وماهم إلا كالأنعام بل هم أضل . لذا قال بعض الصالحين: من بعض الله - تعالى - ولم ير نقصانا فيما أعطاه - سبحانه - من الدنيا، فليعلم أنه مستدرج قد مكر به. وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى -: ، فذرنى ومن يكذب بهذا الحديث، سنستدرجهم من حيث لا يعلمون. وأملى لهم إن كيدى متين .. . .. وبعد أن صورت السورة الكريمة حالة أصحاب القلوب الى غيره، الجهل والعمى ، أتبعت ذلك بإعطاء صورة وضيئة مشرقة لأصحاب القلوب الوجلة المؤمنة ، المسارعة فى الخيرات فقال - تعالى -: (((إِنَّ الذينَ مَ مَن خَشْيَةٍ رَبِّهِم مَشْفِقُون (٥٧) والذينَ هُ بِآيَاتٍ ربِهِمُ يُؤْمِنُونَ (٥٨) والذينَ هُ بربهم لا يُشْرَكُونَ (٥٩) والذينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وقلوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهم إلى ربِّهم راجِعُونَ (٦٠) أولئِكَ يسارِعُونَ فى الخيراتِ وم لهاَ سَابِقُون (٦١) ولا نُكُلِّفُ نفساً إلاَّ وُسعَها ولديناَ كتابٌ ينطِقُ بالحقُّ وهُمْ يَظْلِمُونَ (٦٢))) . وقوله - سبحانه -: ((إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون، بيان للصفة الأولى من صفات هؤلاء المؤمنين الصادقين. والإشفاق: هو الخوف من الله - تعالى - والخشية منه - سحاه - مع شدة الرقة فى القلب وكثرة الخوف من عقابه . (٤ - سورة المؤمنون ) ٥٠ سورة المؤمنون أى : أنهم من خشية عقابه - عز وجل - حذرون خائفون، وهذا شأن المؤمنين الصادقين، كما قال الحسن البصرى: إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة، وإن المنافق جمع إساءة وأمنا . وقوله - تعالى -: ((والذين هم بآيات ربهم يؤمنون)، بيان للصفة الثانية. أى: أنهم يؤمنون إيمانا راسخا بجميع آيات الله - سبحانه -: الدالة على وحدانيته وقدرته ، سواء أكانت تلك الآيات تنزيلية أم كونية. وقوله - عز وجل -: (( والذين هم بربهم لا يشركون، صفة ثالثه لهم. أى: أنهم مخلصون العبادة لله - تعالى - وحده، ويقصدون بأقوالهم وأعمالهم وجهه الكريم، فهم يعيدون عن الرياء والمباهاة بطاعاتهم. ثم بين - سبحانه - صفتهم الرابعة فقال: ((والذين يؤتون ماآتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ) . قرأ القراء السبعة (يؤتون ماآتوا) بالمد، على أنه من الإتيان بمعنى الإعطاء والو جل : إستشعار الخوف . يقال : وجل فلان وجلا فهو واجل إذا غاف، أى: يعطون ما يعطون من الصدقات وغيرها من ألوان البر، ومع ذلك فإن قلوبهم خائفة أن لا يقبل منهم هذا العطاء، لأى سبب من الأسباب فهم كما قال بعض الصالحين: لقد أدر كنا أقواما كانوا من حسناتهم أن ترد عليهم أشفق منكم على سيئاتكم أن تعذبوا عليها. قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : « أى: يعطون العطاء وعم خائفون أن لا يتقبل منهم ، لخوفهم أن يكونوا قد قصروا فى القيام بشروط الإعطاء، وهذا من باب الإشفاق والاحتياط . كما روى الإمام أحمد عن عائشة أنها قالت يا رسول الله ((الذين يؤتون ما آتو وقلوبهم وجلة، هو الذى يسرق ويزنى ويشرب الخمر، وهو يخاف الله - عز وجل - ؟ ٥١ الجزء الثامن عشر قال: لا يا بنت الصديق، ولكنه الذى يصلح ويصوم ويتصدق . وهو يخاف أنه - تعالى -. ثم قال - رحمه الله - وقد قرأ آخرون: ((والذين يأتون ما أقوا .. ، من الإتيان - أى: يفعلون ما فعلوا وهم خائفون ... . والمعنى على القراءة الأولى - وهى قراءة الجمهور السبعة وغيرهم - أظهر لأنه قال - بعد ذلك - (أولئك يسارعون في الخيرات وهم لهاسابقون ، فجعلهم من السابقين، ولو كان المعنى على القراءة الأخرى، لأوشك أن لا يكونوا من السابقين ، بل من المقتصدين أو المقتصرين ،(١). وجملة («وقلوبهم وجلة، حال من الفاعل فى قوله - تعالى - ((يؤتون)». وجملة , أنهم إلى ربهم راجعون، تعليلية بتقدير اللام، وهى متعلقة بقوله : ((وجلة)). أى: وقلوبهم خائفة من عدم القبول لأنهم إلى ربهم راجعون، فيحاسبهم على بواعث أقوالهم وأعمالهم، وهم - لقوة إيمانهم - يخشون التقصير فى أى جانب من جوانب طاعتهم له - عز وجل -. وقد جاءت هذه الصفات الكريمة - كما يقول الإمام الرازى - فى نهايه الحسن، لأن الصفة الأولى دات على حصول الخوف الشديد الموجب للاحتراز عما لا ينبغى ، والثانية: دلت على قوة إيمانهم بآيات ربهم، والثالثة دلت على شدة إخلاصهم ، والرابعة: دات على أن المستجمع لتلك الصفات يأتى بالطاعات مع الوجل والخوف من التقصير، وذلك هو نهاية مقامات الصديقين، رزقا الله - سبحانه - الوصول إليها(٢). (١) تفسير ابن كثير = ٥ ص ٤٧٤. (٢) تفسبر الفخرانى الرازى ج ٦ ص ٢٠٠. ٥.٢ سورة المؤمنون واسم الإشارة فى قوله - تعالى -: «أولئك يسارعون في الخيرات، يعود إلى هؤلاء المؤمنين الموصوفين بتلك الصفات الجليلة . وهذه الجملة خبر عن قوله - تعالى -: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون)). وما عطف عليه، فإسم ((إن، أربع موصولات، وخبرها جملة , أولئك يسارعون في الخيرات .... أى : أولئك الموصوفون بتلك الصفات، يبادرون برغبة وسرعة إلى فعل الخيرات، وإلى الوصول إلى مايرضى الله - تعالى - وهم . لها، أى: لهذه الخيرات وما يترتب عليها من فوز وفلاح ((سابقون)) لغيرهم. ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة المشتملة على صفات المؤمنين الصادقين ، ببيان أن هذه الصفات الجليلة لم تكلف أصحابها فوق طاقتهم، لأن الإيمان الحق إذا خالطت بشاشته القلوب بحملها لا تحس بالمثقة عند فعل الطاعات ، وإنما يجعلها تحس بالرضا والسعادة والإقدام على فعل الخير بدون تردد، فقال - تعالى - ,ولا تكلف نفا إلا وسعها ... )). أى : وقد جرت سنتنا فيما شرعناه لعبادنا من تشريعات ، أننا لا نكاف ، نفسا من النفوس إلا فى حدود طاقتها وقدرتها، كما قال - تعالى -: ((لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ». والمراد بالكتاب فى قوله - تعالى -: ((ولدينا كتاب ينطق بالحق .. ، كتاب الأعمال الذى يحصيها لله - تعالى - فيه ويشهد لذلك قوله - سبحانه -: «هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق، إنا كنا نستنسخ ١٠ كنتم تعملون)(١) وقوله - تعالى - ((ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ... ،(٢). والمراد بنطق الكتاب بالحق: أن كل مافيه حق وصدق. أى : ولدينا (١) سورة الجائية الآية ٢٩. (٢) سورة الكهف الآية ٠٤٩ ٥٣ الجزء الثامن عشر صحائف أعمالكم، التى سجلها عليكم الكرام الكاتبون، وفيها جميع أقوالكم وأفعالكم فى الدنيا. بدون زيادة أو نقصان، بل هى مشتملة على كل حق وصدق فقد اقتضت حكمتنا وعدالتنا أننا لا نظلم أحدا وإنما نعطى كل إنسان ما يستحقه من خير ، ونعفو عن كثير من الهفوات . وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد مدحت المؤمنين الصادقين، ووصفتهم بما هم أهله من صفات كريمة . ثم تعود السورة مرة أخرى إلى الحديث عن أحوال الكافرين، فتوبيخهم على إستمرارهم فى غفلتهم، وتصور جزعهم وجوارهم عند ما ينزل بهم العذاب فتقول : ((بلْ قلوبُهُم فى غَمْرَةٍ مِنْ هذَا، ولَهُمْ أَعمَلٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ م لها عَمِلُونَ (٦٣) حتَّى إذا أخَذْنَا مُتْرفيهمْ بالعذَّابِ إذا مْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لا تجأُرُوا اليومَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُون (١٥) قد كانَتْ آبَابِى تَلَى عليكُم فكَنَ على أُمقَبِكُم تنكِمُونَ (٦٦) مُسْتَكُبرِینَ بِهِ آمراً تَهْجُرون (٦٧)». قال الجمل: قوله - تعالى -: («بل قلوبهم ... ، هذا رجوع الأحوال الكفار المحمكية فيما سبق بقوله: «أيحسبون أنما نمدم ... ، والجمل التى بينهما وهى قوله: ((إن الذين هم من خشية ربهم)) إلى قوله ((وهم لا يظلون)) إعتراض فى خلال الكلام المتعلق بالكفار (١). أى : هذه هى أوصاف المؤمنين الصادقين ، أما المكافرون فقلوبهم فى ((غمرة من هذا)) أى: فى جهالة وغفلة ما عليه هؤلاء المؤمنون من صفات حميدة، ومن إيمان باته وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . (١) حاشية الجمل على الجلالين = ٣ ص ١٩٦. ٠٤ سورة المؤمنون وهؤلاء الكافرون , لهم اعمال، سبتة كثيرة (( من دون ذلك، أى: من غير ما ذكرناه عنهم من كون قلوبهم فى غمرة وجهالة عن الحق وهم هاعاملون» أى: هم مستمرون عليها، ومعتادون لفعلها ومندفعون فى إرتكابها بدون وعی أو تدبر . ثم بين - سبحانه - عندما ينزل بهم العذاب فقال: «حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون)). وحتى هنا: ابتدائية، أى: حرف تبتدأ بعده الجمل، وجلة, إذا أخذنا، شرطية . وجوابها (((إذا هم يجأرون)). والجوار: الصراخ مطلقا، أو باستغاثة. يقال: جار الثور يجأر إذا صاح. وجأر الداعى إلى الله، إذا ضج ورفع صوته بالتضرع إلى الله عز وجل . أى: حتى إذا عاقينا هؤلاء المترفين الذين أبطرتهم النعمة. بالعذاب الذى يردعهم ويخزيهم وبذلهم، إذا هم يجأرون إلينا بالصراخ وبالاستغاثة. وعبر من عقابهم، بالأخذ، للإشعار بسرعة هذا العقاب وشدته، كما فى قوله - تعالى - ((أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون)). وخص المترفين بالذكر ، الإشارة إلى أن ما كانوا فيه من التنعم والتمتع والتطاول فى الدنيا، أن ينفعهم شيئاً عند نزول هذا العذاب بهم. وقوله - سبحانه: (( لاتجاروا اليوم إنكم منا لامنصرون، تأنيب وزجر لهم على جزارهم وصراخهم . والمراد باليوم: الوقت الذى فيه نزل العذاب بجم. أى : عندما أخذناهم بالعذاب المباغت المفاجىء، وضجرا بالاستغاثة والجوار، قلنا لهم على سبيل التقريع والزجر: لا تجاروا ولا تصرخو افى هذا بـ الجزء الثامن عشر الوقت الذى أصابكم ما أصابكم فيه من عذاب ، فإنكم لن تجدوا من ينجيكم من عذابنا، أو من يدفع عنكم هذا العذاب. ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أفضت بهم إلى هذا العذاب المهين. فقال - تعالى -: (قد كانت آياتى تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكسون ٠٠٠٠٠ والأعقاب: جمع عقب، وهو مؤخر القدم و«تنكصون)) من النكوص، وهو الرجوع إلى الخلف. يقال: فلان نكص على عقبيه، إذا رجع إلى الوراء، وهو هنا كناية عن الإعراض من الآيات. أى: لا تجاروا ولا تصرخوا، فإن ذلك أن يفيدكم شيئا، بسبب إصرارك على كفركم فى حياتكم الدنيا، فقد كانت آياتى الدالة على وحد انيتى تتلى على مسامعكم من نبينا - صلى الله عليه وسلم - ومن المؤمنين به، فكنتم تعرضون عن سماعها أشد الإعراض، وكنتم تستهزئون بها، وتكادون تسطون بالذين يتلونها عليكم . وقوله -تعالى -: ((مستکبرین به سامر اتهجرون ، مقرر لمضمونما قبله ، من إعراضهم عن آيات الله، ونكوصهم على أعقابهم عند سماعها. والضمير فى (( به)) يرى جمهور المفسرين أنه يعود إلى البيت الحرام، والباء للسببية . وقوله: (( سامرا)) اسم جمع كحاج وحاضر وراكب، مأخوذ من السمر وأصله ظل القمر وسمى بذلك أسمرته ، ثم أطلق على الحديث بالليل . يقال : سمر فلان يسمر - ككرم بكرم - إذا تحدث ليلا مع غيره بقصد المسامرة والتسلية .. وقوله: ((نهجرون)، قرأه الجمهور - بفتح التاء وضم الجيم - مأخوذ من ٥٦ سورة المؤمنون الهجر - بإسكان الجيم - بمعنى الصد والقطيعة، أو من الهجر - بفتح الجيم. بمعنى الجديان والنطق بالكلام الساقط ، بسبب المرض أو الجنون . وقرأ نافع ((تهجرون، - بضم التاء وكسر الجيم - مأخوذ من 'هر همارا إذا نطق بالكلام القبيح . والمعنى: قد كان داً انى تعلى علي كم ـ ابها المستغيثون من العذاب - فككنتم تعرضون عنها، ولم تكتفوا بهذا الإعراض، بل كنتم متكبرين على المسلمين بالبيت الحرام، وكنتم تتسامرون بالليل حوله، فتستهزئون بالقرآن ، وبالرسول - صلى الله عليه وسلم - وبتعاليم الإسلام وتنطقون خلال سمركم بالقول الباطل ، الذى يدل على مرض قلوبكم ، وفساد عقولكم، + سو. أدبكم. وقوله: ((مستكبرين)، و((صامرا، ومنهجرون)) أحوال ثلاثة مترادفة على الواز فى ((تنكمون)) أو متداخلة، بمعنى أن كل كلمة منها حال مما قبلها . قال الفرطى: (( مستكبرين، حال، والضمير فى ٠ به، ة ل الجمهور: هو عائد على الحرم، أو المسجد، أو البلد الذى هو مكة. وإن لم يتقدم اله ذكر لشهر ته فى الأمر . أى: يقولون نحن أهل الحرم فلا تخاف. وقيل: المعنى أنهم يعتقدون فى نفوسهم أن لهم بالمسجد والحرم أعظم الحقوق على الناس والمنازل فيستكبرون لذلك . وقالت فرقة: الضمير عائد على القرآن ، من حيث ذكرت الآيات . والمعنى: يحدث لكم سماع آياتى كبرا وطغيانا فلا تؤمنوا بى ... ) (١). والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة، يراها قصور حسرة المشركين وجوارهم (١) تفسير القرطبى جـ ١٢ ص ١٣٦. ٥٧ الجزء الثامن عشر يوم ينزل بهم العذاب تصويرا بديعا، كما تبين ما كانوا عليه من غرور وسوء أدب، ما جعلهم أهلا لهذا المصير الألم . ثم تنتقل السورة الكريمة من أنيهم وتينيسهم من الاستجابة جوارهم، إلى سؤالهم بأسلوب توبيخى عن الأسباب التى أدت بهم إلى الإعراض عما جاءهم به ر«.ولهم - صلى الله عليه وسلم - فنقول: ((أفْلَمْ يَدَّبِرُوا القولَ، أَمْ جاءهُ مالم يأتِ آباء همُ الأوَّلِينَ (٦٨) أم لم يَعْرِفوارسُولَهَمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُون (٦٩) أم يقولُونَ بِهِ جِئَّةٌ، بل جاءمُ بالحقِّ وأكثرهُم للحقْ كَارِهِونَ (٧٠) ولوِ اتّبعَ الحقُّ أَهْواءهُم لفَسَدَتِ السَّمواتُ والْأرْضُ ومَنْ فِيهِنَّ، بلْ أتَيْنَم بذِ كْرِم ، فهَمْ عن ذكْرِهِ مْرِضُونَ (٧١) أمْ تَسْأَلهُمْ خَرْجًا، فَرَاجُ ربَّكَ خيرٌ ، وهُو خيرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وإنَّكَ لتَدْعُومُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وإِنَّ الذينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصُّرَاطِ لِنَاَ كِبُونَ (٧٤) )) . قال الجمل: قوله - تعالى -: «أفلم يدبروا القول ... » شروع فى بان أسباب حاملة لهم على ما سبق من قوله - تعالى -: (فكتم على أعقابكم تتكون .... إلخ(١). والهمزة لإنكار ماهم فيه من ء.م التدير واستقباحه، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام . والراء بالقول: القرآن الكريم وما اشتمل عليه من مدايات . والمعنى: أفعلوا مافعلوا من النكوص على الأعقاب، ومن الغرور ومن الهذيان بالباطل من تقول ، فلم يتدبروا هذا القرآن، ولم يتفكروا فيما اشتمل عليه من توجيهات حكيمة .. (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ١٩٧ ٥٨ سورة المؤمنون إنهم لو تدبروه لوجدوا فيه من العظات، والآداب والأحكام، والقصص، والعقائد، والقشريعات ... ما يسعدهم ويهديهم إلى الصراط المستقيم فالجملة الكريمة تحضهم على تدبر هذا القرآن، لأنهم إن تدبروه تدبيرا" صادقا ، لعلموا أنه الحق الذى لا يحوم حوله باطل. وشبيه بهذه الجملة قوله - تعالى -: ((أفلا يتدبرون القرآن، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا،(١). وقوله - سبحانه -: « أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها،(٢). وبعد أن وبخهم - سبحانه - على تركهم الانتفاع بالقرآن. أتبع ذلك بتقريمهم على أن ما جاءهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - يتفق فى اسوله مع ماجا به الرسل السابقون لآ بائهم الأولين. أى : أكدبوا رسولهم لأنه جاءهم بما لم يأت به الرسل لآبائهم؟ كلا، فإن ما جاءهم به أرسول - صلى الله عليه وسلم - يطابق - فى جوهره - ماجاء به إبراهيم وإسماعيل وغيرهما، من آبائهم الأولين. قال - تعالى - ((شرع لكم من الدين ماوصى به فرحا، والذى أوحينا إليك وما وصيفا به إبراهيم وموسى وعيبى، أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا وقال - سبحانه -: قل ما كنت بدها من الرسل، وما أدرى ما يفعل بي ولا بكـ ٠٠ ،٤١). ويجوز أن يكون المعنى: أكتب هؤلاء الجاهلون رسولهم - صلى الله عليه وسلم - لأنهم فى أمان من العذاب، وهذا الأمان لم يكن في، آباؤهم الأولين؟ (١) سورة النساء الآية ٠٨٣ (٣) - ورة الشورى الآية ١٣. (٢) سورة محمد الآية ٣٤. (٤) سورة الأحقاف الآية ٠٩ ٠٩ الجزء الثامن عشر كلا، فإن من شأن العقلاء أنهم لا يأمنون مكر الله، فإنه لا يأمن مكراته إلا القوم الخاسرون. قال الألوسى: وأم فى ((قوله - تعالى - ,أم جاءهم مالم يأت آباءهم الأولين» منقطعة، وما فيها من معنى بل، الإضراب والانتقال من التوبيخ بما ذكر إلى التوبيخ بآخر . والهمزة لإنكارالوقوع لا لإنكار الواقع أى: بل أجاءهم من الكتاب مالم يأت آباءهم الأولين، حق استبعدوه فوقعوا فيما وقعوا فيه من الكفر والضلال . بمعنى أن مجىء الكتب من جهته - تعالى - إلى الرسل سنة قديمة له - تعالى - وأن مجىء القرآن جار على هذه السنة فماذا ينكرونه؟ وقيل المعنى: أفلم يدبروا القرآن ليخافوا عند تدبر آياته ، ما نزل بمن قبلهم من المكذبين، أم جاءهم من الأمن مالم يأت آباءهم الأولين، حين خافوا الله - تعالى - فآمنوا به وبكتبه ورسله، فالمراد بآبائهم: ((المؤمنون)) منهم كإسماعيل - عليه السلام -.. )،(١). ثم إنتقلت السورة إلى توبيخهم - ثالثا - على كفرهم مع علمهم: صدق الرسول وأمانته، فقال - تعالى- «أم لم يعرفوارسولهم فهم له منكرون)). أى: يكون سبب كفرهم أنهم لم يعرفوا رسولهم محمدا - صلى الله عليه وسلم -؟ كلا فإن هذا إلا يصلح سببا، إذهم يعرفون حسبه ونسبه، وأمانته، وصدقه، وكانوا يلقبونه بالصادق الأمين قبل بعثته، وأبو سفيان - قبل أن يدخل فى الإسلام - شهد أمام هرقل ملك الروم. بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان معروفا بصدقه وأمانته قبل البعثة. ثم إنتقلت السورة - للمرة الرابعة - إلى توبيخهم على أمر آخر، فقال - تعالى -: ((أم يقولون به جنة ... )). أى: أيكون سبب إصرارهم على كفرهم اتهامهم للرسول - صلى الله (١) تفسير الآلوسي ١٨ ص ٠٥٠ ٠٠ سورة المؤمنون عليه وسلم - بالجنون؟ كلا، فإنهم يعدون حق العلم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو اكمل النساس عقلا، وأرجحهم فكرا، وأثقبهم رأيا، وأوفرم رزانة . وقوله - تعالى - ((بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون)) إضراب عما بدل عليه ما سبق من اتهامات باطلة دارت على السنة المشركين . أى: ليس الأمر كما زعموا من أنه - صلى الله عليه وسل ـ ه جنة أو أنه أتاهم بما لم يأت لآبائهم الأولين ، بل الأمر الصدق ، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - جاءهم بالحق الثابت الذى لا يحوم حوله باطل، ولكن هؤلاء القوم أكثرهم كارهون للحق، لأنه يتعارض مع أنانيتهم وشهواتهم، وأهوائهم ... وقال - سبحانه -: (( وأكثرهم للحق كارهون)، لأن قله من هؤلاء المشركين ، كانت تعرف أن الرسول قد جاءهم بالحق، وتحب أن تدخل فى الإسلام، ولكن حال بينهم وبين ذلك، الخوف من تعبير أقوامهم لهم أنهم فارقوا دين آبائهم وأجدادهم، كأبى طالب - مثلا - فإنه مع دفاعه عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقى على كفره. ١٠ قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت: قوله، وأكثرهم)، فيه أن أقلهم كانوا لا يكرهون الحق؟ قلت: كان فيهم من يترك الإيمان به أنفه واستنكانا من توبيخ قومه، وأن يقولوا صبأ وترك دين آبائه، لا كرامة للحق، كما يحكى عن أبى طالب . فإن قلت: يزعم بعض الناس أن أبا طالب صح إسلامه ؟قلت: بالسبحان أه. كأن أبا طالب كان أخمل أعمام رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، حتى يشهر إسلام حمزة والعباس .. رضى الله عنهما .. ويخفى إسلام أبى طالب))(١) .. (١) تفسير الكشاف = ٣ س ٠١٩٥