النص المفهرس
صفحات 441-448
٤٤١ الجزء السابع عشر وقبل: ((الطالب الذباب يطلب ما يسلبه من الآلهة، والمطلوب: الآلهة. على معنى المطلوب منه ما يسلب ... )،(!) . وعلى أية حال فإن هذا التعليل يدل دلالة واضحة على عجز كل معبود " باطل . وأنه قد تساوى فى عجزه مع أضعف مخلوقات الله وأحقرها. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن هؤلاء المشركين ، قد وضعوا الأمور فى غير موضعها، لجهلهم وغبائهم فقال: ((ما قدروا الله حق قدره ... )). أى : ما عظموا الله حق تعظيمه، وماعرفوه حق معرفته، حيث تركوا عبادة الواحد القهار ، وعبدوا ما يعجز عن رد ما سلبه الذباب منه .. (((إن الله لقوى)) على خلق كل شىء «عزيز، لا يغالبه مغالب، ولا يدافعه مدافع . ثم بين -سبحانه - أن له مطلق التصرف فى إختياررسله فقال: «أه يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس ... )). أى: الله - تعالى - وحده هو الذى يختار من بين ملائكته رسلا يرسلهم لتبليغ وحبه إلى أنبيائه، كما إختار جبريل - عليه السلام - لهذه الوظيفة. وهو الذى يختار من بين الناس رسلا ، كما إختار إبراهيم وموسى وغيسى ومحمد وغيرهم لهذه المهمة ، فهو - سبحانه - أعلم حيث يجعل رسالته. ((إن الله، تعالى - ((سميع)) لأقوال عباده ((بصير» بأحوالهم، لا تخفى عليه خافية من شئونهم . (( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، أى: يعلم ما قدموا من أعمال، وما يعملون. الآن، وما سيعملونه فى المستقبل، إذ أن علمه - سبحانه - ليس مقيدا بزمان أو مكان («وإلى الله، تعالى وحده («ترجع الأمور، كلها لا إلى غيره، ثم وجه - سبحانه - فى نهاية السورة نداء إلى عباده المؤمنين، أمرهم فيه بالمداومة على طاعته ، وبالإخلاص فى عبادته ، وبالجهاد فى سبيله ، وبالإعتصام بحبله، فقال - تعالى -: (١) تفسير الآلوسى = ١٧ ص ٢٠٢. ٤٤٢ سورة الحج ((يَأْيُهاَ الذينَ آمنُوا اركَموا واسْجدُوا، واعبدُوا رَبَّكُم، واقعُلُوا الخیر آملگُم تُغُلُون (٧٧) وجاهِدُوا فی اللهِ حقًّ جهادِه هو اجْتبا مُ، وما جَعل عليكُم فى الدِّينِ من حَرجٍ ، مَلَّةَ أبيكم إبراهيمَ هُوّ. ◌َما كُ المسلِمِينَ من قبلُ، وفى هذَا ليكون الرَّسَولُ شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على النَّاسِ، فأقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزكاةَ، واعتصِمُوا . بالقُهِ هو مَوْلاكُ، فَنِعْمَ المولَى ونِيْم النصيرُ (٧٨))). والمراد بالركوع والسجودهنا: الصلاة ، وعبر عنها مهما، لأنهما أم أركانها وناداهم - سبحانه - بصفة الإيمان، لحضهم على الامتثال لما أمروا به. أى: يا من آمنتم باقه - تعالى- وبملائكته وبكتبه وبرسله وباليوم الآخر حافظوا على أداء الصلاة فى مواقيتها بخشوع وإخلاص، لأن هذه الصلاة من شأنها أن تهاكم عن الفحشاء والمنكر، وأن ترفع درجاتكم عند خالقكم. وقوله - تعالى -: ((واعبدوا ربكم)، أى: واعبدوا ربكم الذى تولاكم برعايته وتربيته فى كل مراحل حياتكم، عبادة خالصة لوجهه الكريم. وقوله: ((وأفعلوا الخير، تعميم بعد التخصيص، إذ فعل الخير يشمل كل قول عمل يرضى الله - تعالى - كإنفاق المال فى وجوه البر، وكصلة الرحم وكالإحسان إلى الجار، وكغير ذلك من الأفعال التى حضت عليها تعاليم الإسلام. وقوله - تعالى -: ((لعلكم تفلحون)، قدييل قصد به التحريض على امتثال. ما أمرهم الله - تعالى - به والفلاح: الظفر بالمطلوب. أى أدوا الصلاة بخشوع ومواظبة، واعبدوا ربكم عبادة خالصة، وإفعلوا الخير الذى يقربكم من خالفكم، لكى تنالوا رضاه ونوابه - عز وجل -. فكلمة (( لعل، لتعليل، ويصح أن تكون على معناها الحقيقي وهو الرجاء ٤٤٣ الجزء السابع عشر ولكن على تقدير صدوره من العباد، فيكون المعنى: وافعلوا الخير حالة كونهم راجين الفلاح، ومتوقعين الفوز والنجاح . والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها أنها قد جمعت أنواع التكاليف الشرعية ، وأحاطت بها من كل جوانها . قال الألوسى ما ملخصه: ((وهذه الآية آية سجدة عند الشافعى وأحمد ، أظاهر ما فيها من الأمر بالسجود، والحديث عقبة بن عامر قال: قلت يارسول اله، أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسحدتين؟ قال: نعم. فمن لم إسجدهما فلا يقرأهما . وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنها ليست آية سجدة. لأنها مقرونة بالأمر بالركوع، والمعمود فى مثله من القرآن، كونه أمرا بما هو ركن للصلاة ، كما فى قوله - تعالى -: ((يامريم أقنى لربك واسجدى وإر كعى مع الراكعين، وماروى من حديث عقبة إسناده ليس بالقوى.))(١). وبعد أن أمر - سبحانه - بالصلاة وبالعبادة وبفعل الخير ، أتبع ذلك بالأمر بالجهاد فقال - تعالى - : « وجاهدوا فی الله حق جهاده». والجهاد مأخوذ من الجهد ، وهو بذل أقصى الطاقة فى مدافعة العدو . وهو أنواع: أعظمها : جهاد أعداء الله - تعالى - من الكفار والمنافقين والظالمين والمبتدعين فى دين الله - تعالى - ما ليس منه . كذلك من أنواع الجهاد: جهاد النفس الأمارة بالسوء وجهاد الشيطان. وإضافة حق إلى جهاد فى قوله: «حق جهاده، إضافة الصفة إلى الموصوف أى: وجاهدوا - أيها المؤمنون - فى سبيل الله - تعالى - ومن أجل إعلاء كلمته، ونصر شريعته، جهادا كاملا صادقا لا تردد معه ولا تراجع. قال صاحب الكشاف : (قوله: ((وجاهدوا٠٠، أمر بالغزو ومجاهدة (١) تقسیر الآلوسى + ١٧ ص ١٠٢٠٨ ٤٤٤ سورة الحج النفس والهوى. وهو الجهاد الأكبر. عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه رجع من بعض غزواته فقال: ((رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر فى الله، أى: فى ذات الله ومن أجله . يقال: هو حق عالم، وجد عالم، ومنه. « حق جهاده ». •إن قلت: ماوجه هذه الإضافة وكان القياس حق الجهاد فيه، أو حق جهادكم فيه، كما قال: ((وجاهدوا فى الله، ؟ قلت الإضافة تكون بأدنى ملابسة وإختصاص . فلما كان الجهاد مختصا بالله من حيث إنه مفعول لوجهه ومن أجله، صحت إضافته إليه .. )) (١). وجملة (( هو إجتباكم، مستأنفة، لبيان علة الأمر بالجهاد. والاجتباء: الاختيار والاصطفاء. أی: جاهدوا - أيها المؤمنون - من أجل إعلاء كلمة القه ، لأنه - سبحانه - هو الذى اختياركم الذب عن دينه، واصطفاكم لحرب أعدائه وجدير بمن إختاره الله واصطفاه . أن يكون مطيعا له. ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر لطفه بعباده فقال: ،وما جعل عليكم فى الدين من حرج، . أى: ومن مظاهر رحمته بك - أيها المؤمنون - أنه سبحانه - لم يشرع فى هذا الدين الذى تدينون به ما فيه مشتقة بكم، أو ضيق عليكم، وإنما جعل أمر هذا الدين، مبنى على اليسر والتخفيف ورفع الحرج، ومن قواعده التى تدل على ذلك: أن الضرر يزال . وأن المشقة تجلب التيسير، وأن اليقين لا يرفع بالفك، وأن الأمور تقبع مقاصدها، وأن التوبة الصادقة النصوح تجب ما قبلها من ذنوب. ومن الآيات التى تدل على أن هذا الدين مبنى على التيسير ورفع الحرج قوله - تعالى -: ((لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)، وقوله - سبحانه -: « يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر». (١) تفسير الكشاف ج٢ ص ٠١٧٣ -- ٤٤٥ الجزء السابع عشر وفى الحديث الشريف: «بعثت بالحنيفية السمحاء)). قال بعض العلماء: ((وأنت خبير بأن هناك فرقا كبيرا، بين المشقة فى الأحكام الشرعية، وبين الحرج والعسر فيها، فإن الأولى حاصلة وقلما يخلو منها تكليف شرعى ، إذ التكليف هو التزام مافيه كلفة ومشقة، أما المشقة الزائدة عن الحد التى تصل إلى حد الحرج ، فهى المرفوعة عن المكلفين . فقد فرض الله الصلاة على المكلف، وأوجب عليه أداءها، وهذا شىء لا حرج فيه. ثم هو إذا لم يستطع الصلاة من قيام، فله أن يؤديها وهو قاعد أو بالإيماء ... وهكذا جميع التكاليف الشرعية ... ))(١). والخلاصة أن هذا الدين الذى جاءنا به محمد- صلى الله عليه وسلم -من عنده - عز وجل - مبنى على التخفيف والتيسير، لا على الضيق والحرج، والذين يجدون فيه ضيقا وحرجا، هم التاكبون عن هديه، الخارجون على تعاليمه. ورحم الله الإمام القرطبى فقد قال: «رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع، وأما السراق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج، وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدين ... )،(٢). والمراد بالملة فى قوله - تعالى -: «ملة أبيكم إبراهيم، الدين والشريعة. ولفظ «ملة، هنا منصوب بنزع الخافض . أى: ماجعل عليكم - أيها المؤمنون - فى دينكم من حرج، كما لم يجعل ذلك - أيضاً - فى ملة أبيكم إبراهيم. ويصح أن يكون منصوبا على المصدرية بفعل دل عليه ما قبله من فى الحرج، بعد حذف المصدر المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه . أى: وسع عليكم فی دینکم آو سعة ملة أبيكم. (١) تفسير آيات الأحكام ج٣ ص٩٨ المرحوم الشيخ محمد على السايس. (٢) تقسم الق طب. جـ ١٢ م، ٠١٠١ ٤٤٦ سورة الحج ١ ووصف - سبحانه - إبراهيم - عليه السلام - بالأبوة لهذه الأمة، لأن رسول هذه الأمة - صلى الله عليه وسلم - ينتهى نسبه إلى إبراهيم. ورسول هذه الأمة - صلى الله عليه وسلم - كالأب لها،من حيث إنه - صلى الله عليه وسلم- جاءها من عند ربه - عز وجل - بما يحييها ويسعدها. والضمير (( هو)) فى قوله - تعالى -: « هو سماكم المسلمين من قبل وفى هذاء يعود إلى الله - تعالى - أى: هو - سبحانه - الذى سماكم المسلمين من قبل نزول القرآن، وسماكم - أيضا - بهذا الإسم فى هذا القرآن. وقيل: الضمير (هو) يعود إلى إبراهيم. أى: إبراهيم هو الذى. سماكم المسلمين. ومن وجوه ضعف هذا القول: أن الله - تعالى - قال: « وفی هذا » أى سماكم المسلمين فى هذا القرآن، وإبراهيم - عليه السلام -لحق بربه قبل نزول هذا القرآن فأزمان طويلة , وأيضا فإن السباق يؤيد أن الضمير« هو» يعود إلى الله - تعالى - لأن الأفعال السابقة كقوله («هو اجتباكم وماجعل عليكم فى الدين من حرج ، تعود إليه - عز وجل -. ثم بين - سبحانه - أسباب هذا الاحتباء والاصطفاء فقال: ((ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس» .. والمراد بشهادة الرسول على أمته : الإخبار بأنه قد بلغهم رسالة ربه . والمراد بشهادة هذه الأمة على غيرها من الناس: الإخبار بأن الرسل الذين أرسلهم الله - تعالى - إلى هؤلاء الناس، قد بلغوهم رسالة ربهم، ونصحوهم .وإخلاص العبادة لله وحده . ويؤيد ذلك مارواه البخارى عن أبى سعيد الخدري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((يدعى نوح - عليه السلام - يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يارب. فيقال له: هل باغت ما أرسلت به؟ فيقول: نعم. ٠ ٤٤٧ الجزء السابع عشر فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير. فيقال له: من يشهد لك؟ فيقول: محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ. وشبيه بهذه الجملة قوله - تعالى -: ((وكذلك جعلنا كم أمة وسطالتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ،(١). والمعنى: فعلنا ما فعلنا من اجتبائكم، والتيسير عليكم، وتسميتكم بالمسلمين، ليكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - شهدا عليكم يوم القيامة بأنه قد بلغكم ما أمر بقبليغه إليكم، ولتكونوا أتم شهداء على الناس بأن رسلهم قد باخوم رسالة ربهم . ومادام الأمر كذلك , فأقيموا الصلاة، أيها المؤمنون بأن تؤدوها فى أوقاتها بإخلاص وخشوع ((وآتوا الزكاة ، التى كلمكم الله - تعالى - إبتائها إلى مستحقيها ((واعتصموا بالله، أى: التجئوا إليه، واستعينوا به فى كل أموركم، فإنه - سبحانه - «هو مولا كم، أى: ناصركم ومتولى شؤونكم، ومالك أمركم، وهو - تعالى - ((نعم المولى ونعم النصير، أى: هو - عز وجل - نعم المالك العظيم لأمركم، ونعم النصير القوى لشأنكم . وبعد: فهذه سورة الحج ، وهذا تفسير محرر لها . 1 نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده. وصلی اقه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟ د / محمد سيد طنطاوى القاهرة - مدينة نصر . مفتى جمهورية مصر العربية الثلاثاء ٢٧ من صغر سنة ١٤٠٥ هـ الموافق ١٩٨٤/١١/٣٠ م (١) سورة البقرة آية ١٤٣ . فهرس إجمالى لتفسير ((سورة الحج)) رقم الآية الآية المفسرة رقم الصفحة ١ • من الناس من يجادل فى الله بغير علم ... 1 ٣٥٤ يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث ... ٣٥٦ ٥ ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم ... ٣٦٣ ٨ ١٤ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات . من كان يظن أن لن ينصره الله فى الدنيا والآخرة ... ٠١٥ إن الذين آمنوا والذين هادوا ... ١٧ ١٨ ١٩ ألم تر أن الله يجده من فى السموات ومن في الأرض .. هذان خصمان اختصموا فى ربهم ... إن الذين كفروا ويصدون ... ٢٥ ذلك ومن يعظم حرمات الله ... ولكل أمة جعلنا منسكا أيذكروا ... إن الله يدافع عن الذين آمنوا ... ٠٢ وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم ... ٢٠ ٢٤ ٣٨ ٤٢ ، وما أرسلنا من ذلك من رسول ولا نى ... ولا يزال الذين كفروا فى مرية منه ... ٠٥ ذلك ومن عاقب بمثل ماءوقب ٩٠ ... ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء ... ٦٠ ٦٣ لكل أمة جلا منكا ... ٤٢٧ ٤٣٠ ٤٣٣ ٤٣٦ ٤٣٩ ٤٤٢ ١ -- ٣٦٩ ٣٧٠ ٣٧٣ ٣٧٥ ٣٧٧ ٣٨٢ ٣٩١ ٣٩٨ ٤٠٤ ٤١٠ ٤١٧ ٤٢٤ ٦٧ وبعيدون من دون الله مالم ينزل به سلطانا ... ٧١ يأيها الناس ضرب مثل فاستعوا ه ... ٧٣ بأيها الذين آمنوا اركموا واسجدوا ... ٧٧ المقدمة والمهند ٣٤١ ٣٥٠ أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة ...