النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
الجزء السابع عشر
إذا ذكر الله وجلت قلوبهم. وبين قوله - تعالى - فى آية أخرى: ((ألا بذكر
الله تطمئن القلوب)).
فالجواب: أنه لا تنافى بين الآيتين ، لأن من شأن المؤمن الصادق أنه إذا
استحضر وعيد الله وحسابه لعباده يوم القيامة، امتلأ فليه بالخشية والخوف
والوجل .
فإذا ما استحضر بعد ذلك رحمته - سبحانه - وسعة عفوه، اطمأن قلبه
وسكن روعه، وثبت يقينه، والشرح صدره، واستسلم لقضاء الله وقدره
بدون تردد أو تشكك أو جزع.
فالوجل والاطمئنان أمران يجدهما المؤمن فى قلبه، فى وقتين مختلفين .
وفى حالتين متمايزتين .
ويؤخذ من هاتين الآيتين : أن التواضع لله - تعالى -، والمراقبة له
- سبحانه - والصبر على بلائه، والمحافظة على فرائضه ... كل ذلك يؤدى
إلى رضاه - عز وجل، وإلى السعادة الدنيوية والأخروية .
ثم أكد - سبحانه - ما سبق الحديث عنه من وجوب ذكر اسمه - تعالى -
عند الذبح، ومن وجوب شكره على نعمه فقال: (والبدن جعلناها لكم من
شعائر الله)).
والبدن: جمع بدنة . وهى الإبل خاصة التى تهدى إلى البيت الحرام
للتقرب بها إلى الله - تعالى - وقيل: المدن تطلق على الإبل والبقر.
وسميت بهذا الإسم لبدافتها وضخامتها. يقال: بدن الرجل - بوزن
كرم - إذا كثر حه، وضخم جسمه.
أى: وشرعنا لكم، أيها المؤمنون - التقرب إلينا بالإبل البدينة السمينة
وجعلنا ذلك شعيرة من شعائر ديننا، وعلامة من العلامات الدالة على قوة
إيمان من ينفذ هذه الشعيرة بتواضع وإخلاص.
( ١٦ - سورة١.ج )

٤٠٢
سورة الحج
وقوله - تعالى -(( لكم فيها خير) جملة مستأنفة مقررة لما قبلها. أى: لكم
فيها خير فى الدنياعن طريق الانتفاع بألبانها ووبرها ... ولكم فيها خير فى
الآخرة عن طريق الثواب الجزيل الذى تنالونه من خالقكم بسبب استجابتكم
لما أرشدكم إليه .
وقوله - تعالى -: ((فاذكروا اسم الله عليها صواف)، إرشاد لما يقوله
الذابح عند ذبحها .
وصواف: جمع صافة. أى: قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن.
استعدادا للذبح .
أى: إذا ما هياتم هذه الإبل الذبح، فاذكروا اسم الله عليها، بأن تقولوا
عند نحرها : بسم الله والله أكبر، اللهم منك وإليك .
وقوله - سبحانه -: ((فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا للقانع
والمعتر، بيان لما ينبغى عليهم فعله بعد ذبحها.
ووجبت بمعنى سقطت: وهو كتابة عن موتها . يقال: وجب الجدار
إذا سقط ، ووجبت الشمس إذا غابت .
والقانع: هو الراضى بما قدره الله - تعالى - له، فلا يتعرض لسؤال
الناس مأخوذمن قنع يقنع - کرضی يرضى - وزنا ومهنى.
والمعتر: هو الذى يسأل غيره ليعطيه. يقال: فلان يعترى الأغنياء، أى:
يذهب إليهم طالبا عطاءم .
وقيل: القائع هو الطامع الذى يسأل غيره، والمعتر: هو الذى يتعرض
للعطاء من غير سؤال وطلب .
أى: فإذا ماسقطت جنوب هذه الإبل على الأرض، وأعدد تموها للأكل
فكلوا منها، وأطعموا الفقير القانع الذى لا يسألكم، والفقير المعتر الذى
يتعرض لكم بالسؤال والطلب.

٤٠٣
الجزء السابع عشر
ثم بين - سبحانه - مظاهر فضله عليهم، حيث ذلل هذه الأنعام لهم
فقال : ((كذلك سخر ناها لكم لعلكم تشكرون)).
وقوله ((كذلك، نعت لمصدر محذوف. أى: مثل ذلك التسخير البديع
سخرنا لكم هذه الأنعام، وذللناها لكم، وجعلناها منقادة لأمركم، لعلكم
بعد أن شاهدتم هذه النعم، وانتفعتم بها، تكونون من الشاكرين لنا،
المستجيبين لتوجيهاتنا وإرشادنا .
قال صاحب الكشاف: ((من الله على عباده واستحمد إليهم، بأن سخرهم
البدن مثل التخير الذى رأوا وعلموا. يأخذونها منقادة للأخذ طيعة،
فيعقلونها ويحبسونها صافة قوائمها، ثم يطعنون فى لبانها . ولولا تسخير اته
لم تطعن، ولم تكن بأعجز من بعض الوحوش التى هى أصغر منها جرما،
وأقل قوة، وكفى بما يتأبد من الإبل مشاهداً على ذلك ،(١).
ثم ختم - سبحانه - الحديث عن شعائر الحج، بتوجيه عباده إلى وجوب
بالإخلاص له، والاستجابة لأمره، وشكره على نعمه، فقال - تعالى -:
(( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ... )).
أى: ان يصل إلى الله - تعالى - لحم هذه الأنعام ودماؤه، من حيث هى
لحوم ودماء، ولكن الذى يصل إليه - سبحانه - ويڤيبكم عليه، هو تقواكم
ومراقبتكم له - سبحانه - وخوفكم منه، واستقامتكم على أمره وإخلاصكم
العبادة له .
قالوا: وفى هذا إشارة إلى قبح ما كان يفعله المشركون، من تقطيعهم
للحوم الأنعام، ونشرها حول الكعبة، وتلطيخها بالدماء، وتحذير للمسلمين
من أن يفعلوا فعل هؤلاء الجهلاء، إذ رضا الله - تعالى - لا ينال بذلك،
وإنما ينال بتقوى القلوب .
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ١٥٩.

٤٠٤
سورة الحج
ثم كرر - سبحانه - تذكيره إياهم بنعمه، ليكون أدعى إلى شكره وطاعته
فقال: ((كذلك سخر ناها لكم، لتكبروا الله على ماهدا كم وبشر المحسنين)).
أى: كهذا التسخير العجيب الذى ترونه سخرنا لكم هذه الأنعام، لكى
تكبروا الله وتعظموه وتقدسوه بسبب هدايته لكم إلى الإيمان.
وبشر - أبها الرسول الكريم - المحسنين لأقوالهم وأفعالهم، بثوابنا
الجزيل وبعطائنا الواسع ...
وبذلك نرى أن سورة الحج قد سبحت بهاسبحا طويلا فى حديثها عن
البيت الحرام ، وعن آداب الحج ومناسكه وأحكامه، وعن الجزاء الحسن الذى
أعده - تعالى - للمستجيين لأمره.
وبعد هذا الحديث عن الشعائر والمناسك، أذن - سبحانه - للمؤمنين
بالقتال فى سبيله، للدفاع عن دينه وشعاره، ووعدهم - عز وجل - بالنصرمن
نصروه وحافظوا على فرائضه ... فقال - تعالى -:
((إنَّ اللهَ يَدَافعُ عن الذِينَ آمَنُوا، إنَّ الله لا يحبُ كلَّ خوَّانٍ
كُفُور (٣٨) أُذِنَ لَّذِينَ يقاتَلُونَ بأنّهم ظلِمُوا، وإنّ الله على نَصْرمُ
القديرٌ (٣٩) الذينَ أُخرِجُوا من ديارِ بِغَيرِ حقَّ إلَّ أَنْ يَقُولُوا رَبًِّا
الله، ولولاً دفعُ اللهِ النساسَ بَعْضهم يَبَعْضٍ لهُدَّمَتْ صوامعُ وبَيَعٌ
وصلواتٌ ومساجِدُ يذكَرُ فيها اسم اللهِ كثيراً، ولينصُرنَّ الله من
يَنْصُره إنَّ اللهَ لقوِىٌّ عزِيزٌ (٤٠) الذينَ إنْ مكّنَاهُم فى الأرضِ أقاموا
الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بالمعروفِ ونَهوا عن المنكر ولله
عاقبةُ الأمورِ (٤١))).

٤٠٠
الجزء السابع عشر
قال الفخر الرازى: ((أعلم أنه - تعالى - لما بين ما يلزم فى الحج ومناسكه
وما فيه من منافع الدنيا والآخرة، وما كان من صد الكفار عنه ، أتبع ذلك
ببيان مايزيل الصد. ويؤمن معه التمكن من الحج فقال - تعالى - ((إن الله
يدافع عن الذين آمنوا ... )(١).
ومفعول . يدافع، محذوف. وجاء التعبير بقوله - تعالى - «يدافع،
بصيغة المفاعلة، للمبالغة فى الدفاع والدفع، أو الدلالة على أن ذلك حاصل
للمؤمنين كلما حصل من الكافرين عدوان عليهم.
أى: لأن الله - تعالى - بفضله وكرمه يدافع عن المؤمنين أعداءهم
وخصومهم ، فيرد كيدهم فى نحورم .
ويصح أن يكون (( يدافع، بمعنى يدفع، ويؤيده قراءة أبن كثير
وأبي عمرو. أى: إن الله - تعالى - يدفع السوء عن عباده المؤمنين الصادقين،
ويجعل العاقبة لهم على أعداءهم .
فالجملة الكريمة بشارة للمؤمنين ، وتقوية لعزائمهم، حتى يقبلوا على ماشرعه
الله لهم من جماد أعدائهم، بثبات لا تردد معه. وبأمل عظيم فى نصر أنه وتأييده.
وقوله سبحانه -: «إن الله لا يحب كل خوان كفور» تعليل لوعده
- سبحانه - للمؤمنين بالدفاع عنهم ، ويجعل العاقبة لهم.
والخوان: هو الشديد الخيانة. والكفور: هو المبالغ فى كفره وجحوده،
فاللفظان كلاهما صيغة مبالغة .
قال الألوسى: ((وصيغة المبالغة فيهما لبيان أن المشركين كذلك ، لا للتقييد
المشعر بمحبة الخائن والكافر .... (٢).
(١) تفسير الفخر الرازى ج٦ ص١٦٢.
(٢) تفسير الآلوسي جـ١٧ س ١٩١

١
٤٠٦
سورة الحج
ســ
أى: إن الله - تعالى - يدافع عن المؤمنين لمحبته لهم، ويبغض هؤلاء
الكافرين الذى بلغوا فى الخيانة والكفر أقصى الدركات.
وأوثر التعبير بقوله - تعالى - ((لا يحب، على قوله : يبغض أو يكره،
الإشعار بأن المؤمنين هم أحباء الله - تعالى -، والتعريض بهؤلاء الكافرين
الذين تجاوزوا كل حد فى كراهيتهم الحق .
ثم رخص - سبحانه - للمؤمنين بأن يقاتلوا فى سبيله فقال: (( أذن الذين
يقاتلون بأنهم ظلموا .... )).
وقوله - تعالى -«أذن)) فعل ماض مبنى للمجهول مأخوذ من الإذن بمعنى
الإباحة والرخصة . والمقصود إباحة مشروعية القتال ، وقد قالوا: بأن هذه
الآيات ، أول مانزل فى شأن مشروعية القتال .
أخرج الإمام أحمد والترمذى عن ابن عباس قال: لما خرج النبى -صلى الله
عليه وسلم - من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم ليهلكن. فنزلت هذه
الآيات .
وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائى ((أذن)) بالبناء للفاعل.
والمأذون لهم فيه هو القتال، وهو محذوف فى قوة المذكور بدليل قوله
(• يقاتلون)) والباء فى قوله «بأنهم ظلواء السببية.
أى: أذن الله - تعالى - للمؤمنين، ورخض لهم، بأن يقاتلوا أعداء هم الذين
ظلوهم، وأذوهم ، واعتدوا عليهم، بعد أن صبر هؤلاء المؤمنون على أذى
أعدائهم صبرا طويلا.
قال الآلوسى: ((والمراد بالموصول أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم -
الذين فى مكة ، فقد نقل الواحدى وغيره، أن المشركين كانوا يؤذونهم ،
وكانوا يأتون النبى - صلى الله عليه وسلم - بين مضروب ومشجوج ويتظلمون
إليه فيقول لهم: اصبروا فإنى لم أومر بالقتال حتى هاجر - صلى الله عليه وسلم -،

٤٠٧
الجزء السابع عشر
فنزلت هذه الآية . وهى أول آية نزلت فى القتال بعد مانهى عنه فى نيف وسبعين
آبة ،(١).
وقوله - تعالى -: ((وإن الله على نصرهم لقدير)، وعد منه - سبحانه -
للمؤمنين بالنصر وحض لهم على الإقدام على الجهاد فى سبيله بدون ترددأووهن.
أى: وإن الله - تعالى - لقادر على أن ينصر عباده المؤمنين. وعلى أن
يمكن لهم فى الأرض، وعلى أن يجعلهم الوارثين لأعدائهم الكافرين.
قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: ((وقوله: ((وإن الله على نصرهم لقدير»
أى: هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكن هو يريد من
عباده أن يبلو جهدهم فى طاعته، كما قال - تعالى -: ((فإذا لقيتم الذين كفروا
فضرب الرقاب ، حتى إذا أمختموهم فشدوا الوثاق فإمامنا بعد وإما فداء حتى
تضع الحرب أوزارها، ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم، ولكن ليبلوا
بعضكم بعض ... »
وإنما شرع -سبحانه - الجهاد فى الوقت الأليق »، لأنهم لما كانوا بمكاه
كان المشركون أكثر عددا. فلو أمر المسلمون بالقتال لشق ذلك عليهم ..
فلما استقروا بالمدينة، وصارت لهم دار إسلام، ومعقلا يلجأون إليه
شرع الله جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أول مانزل فى ذلك ... )،(٢).
وقوله - سبحانه -: ((الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا
ربنا الله ... )) بيان لبعض الأسباب التى من أجلها شرع الله الجهاد فى سبيله.
أى: إن الله - تعالى - لقدير على نصر المؤمنين الذين أخرجهم الكافرون
من ديارهم بغير حق . وبغير أى سبب من الأسباب، سوى أنهم كانوا يقولون
ربنا ان - تعالى - وحده)) وان نعبد من دونه إلهاً آخر.
(١) تفسير الآلوسى +١٧ ص١٦٢.
(٢) تفسير ابن كثير جه ص ٠٤٣١

٤٠٨
سورة الحج
أى: ليس هناك ما يوجب إخراجهم - فى زعم المشركين - سوى قولهم
ربنا الله .
ثم حرض- سبحانه - المؤمنين على القتال فى سبيله، بأن بين لهم أن هذا
القتال يقتضيه نظام هذا العالم وصلاحه، فقال - تعالى -: «ولولا دفع الله
الناس بعضهم ببعض هدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم
الله كثيرا)).
والمراد بالدفع: إذن الله للمؤمنين فى قتال المشركين. والمراد بقوله:
(«بعضهم، الكافرون. وبقوله: «ببعض، المؤمنون.
والصوامع: جمع صومعة، وهى بناء مرتفع يتخذه الرهبان معابد لهم.
والبيع : جمع بيعه - بكسر الباء - وهى كنائس النصارى التى لا تختص
بالرهبان .
والصلوات : أماكن العبادة لليهود.
أى: ولولا أن الله - تعالى-أباح للمؤمنين قتال المشركين، لماث المشركون
فى الأرض فسادا، وهدموا فى زمن موسى وعيسى أماكن العبادة الخاصة
بأتباعهما، وهدموا فى زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - المساجد التى تقام
فيها الصلاة .
قال القرطى: ((قوله - تعالى -: ((ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ... )
أى: ولولا ما شرعه الله - تعالى- للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء. لاستولى
أهل الشرك . وعطلوا ما بناه أهل الديانات من مواضع العبادات، ولكنه دفع
بأن وجب القتال ليفرغ أهل الدين للعبادة . فالجهاد أمر متقدم فى الأمم.
وبه صلحت الشرائع، واجتمعت المتعبدات، فكأنه قال: أذن فى القتال ،
فليقاتل المؤمنون، ثم قوى هذا الأمر فى القتال بقوله: ((ولولا دفع الله
الناس ... الآية، أى: لولا الجهاد والقتال لتغلب أهل الباطل على أهل الحق.

٤٠٩
الجزء السابع عشر
فى كل أمة ... .(١) .
فالآية الكريمة تفيد أن الله - تعالى - قد شرع القتال لإعلاء الحق
وإزهاق الباطل. ولولا ذلك لاختل نظام هذا العالم. وانتشر فيه الفساد.
والتعبير بقوله - تعالى -: هدمت» بالتشديد الإشعار بأن عدم مشروعية
القتال ، يؤدى إلى فساد ذريع ، وإلى تحطيم شديد لأماكن العبادة والطاعة فيه
- عز وجل - .
وقدم الصوامع والبيع والصلوات على المساجد ، باعتبار أنها أقدم منها
فى الوجود، أو الانتقال من الشريف إلى الأشرف.
ثم ساق - سبحانه - بأسلوب مؤكد سنة من سنته التى لا تتخلف فقال:
((ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوى عزيز)).
أى: ووافقه لينصرن - سبحانه - من ينصر دينه وأو الياءه، لأنه - تعالى-
هو القوى على كل فعل يريده، العزيز الذى لايغالبه مغالب، ولا ينازعه
منازع .
وقد أنجز - سبحانه - وعده وسنته، فسلط عباده المؤمنين من المهاجرين
والأنصار، على أعدائه، فأذلوا الشرك والمشركين، وحطموا دولتى الأكاسرة
والقياصرة ، وأورثهم أرضهم وديارهم .
ثم وصف - سبحانه - هؤلاء المؤمنين الذين وعدهم بنصره بأكرم الصفات
ليميزهم عن غيرهم فقال: «الذين إن مكناهم فى الأرض أقاموا الصلاة، وآنوا
الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور)).
أى: ولينصر ناقه - تعالى - هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين أخرجوا من
ديارهم بغير حق، والذين من صفاتهم أنهم إذا ما مكنا لهم فى الأرض، ونصر ناهم
على أعدائهم، شكروا لنا ما أكرمناهم به، فأقاموا الصلاة فى مواقيتها
(١) تفسير القرطبى : ١٢ ص ٠٧٢

٤١٠
سورة الحج
بخشوع وإخلاص، وقدموا زكاة أموالهم للمحتاجين، وأمروا غيرهم
بالمعروف ونهوه عن المنكر ولله - تعالى - وحده عاقبة الأمور ومردها
ومرجعها فى الآخرة، فيجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب.
فالآية الكريمة قبين أن أولى الناس بنصر الله، هم هؤلاء المؤمنون
الصادقون ، الذين أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن
المنكر ...
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ((إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى
الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد )).
وقوله - تعالى -: ((يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت
أقدامكم .....
وبعد أن أذن الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين فى
القتال، وبشرم بالنصر ... أتبع ذلك بتسليته - صلى الله عليه وسلم - عما
أصابه من حزن بسبب تكذيب المشركين له ووبخ -سبحانه - أولئك المشركين
على اعتبارهم بمن سبقهم فقال - تعالى -:
(((وإنْ يكذّبُوك فقَدْ كَذَّبَتْ قبلَهُم قوم نوحٍ وعادٌ ونَمُودُ (٤٢)
وقوم إبراهيمَ وقَومُ لوطِ (٤٣) وأصحابُ مدينَ وكُذِّب موسَى
فأمليتُ الكافرِينَ ثم أخذتهم فكيفَ كانَ نكير (٤٤) فكأيّنْ مِنْ
قريةٍ أَملكنَها وهىَ ظالمةٌ فعِيَ خَاوِيةٌ على عروشِها ، وبئرٍ معَطّلةٍ
وَقَصْرٍ مشيدٍ (٤٥) أفْلَمْ يَسِيروا فى الأرضِ فتكونَ لَهُم قلوبٌ .
يُعْقِلُونَ بها، أو آذانٌ يسمَعُون بها، فإنَّا لا تَعْعَى الأبصارُ ولكِنْ
تَعْمَى القلوب التى فى الصُّدُور (٤٦) ويستعجِلُونَكَ بالعذابٍ ولن

٤١١
الجزء السابع عشر
يُخْلِفُ الله وعدَهُ، وإنَّ يوماً عندَ ربِّكَ كألفٍ سنةٍ ثُمّ تَعدُّونَ (٤٧)
وكأيْن مِنْ قريةِ أملَيتُ لَهَا وهِىَ ظَمةٌ ثم أَخَذتها وإلىَّ المَصِيرُ (٤٨)
قلْ يَا أَيُّها الناسُ إِنَّا أنَا لِكُمْ نَذِيرٌ مبين" (٤٩) فالذينَ آمَنُوا وعمِلُوا
الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مغفرةٌ ورزقٌ كريم (٥٠) والذينَ سَعَوا فى آياتِناً
مُعَاجِزِينَ أُوْلِكَ أصحابُ الْجحيم (٥١)).
والمعنى: لا تحزن- أيها الرسول الكريم - لأن هؤلاء المشركين قد كذبوك
فيما جئتهم به من عند ربك، وأعرضوا عنه، فإن قوم نوح ، وقوم هود.
وقوم صالح، وقوم إبراهيم ، وقوم لوط ، وقوم شعيب، وقوم موسى، قد
كذبوا هؤلاء الأنبياء الكرام، وما يقال لك من هؤلاء المشركين ، قد قيل
للرسل من قبلك .
قال - تعالى -: (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر
أو مجنون. أنواصوا به بل هم قوم طاغون. فتول عنهم فما أنت بملوم. وذكر
فإن الذكرى تنفع المؤمنين،(١).
واستغنى فى عاد ونمود عن ذكر القوم ، لاشتهارهم بهذا الاسم الذى يدل
دلالة واضحة على هؤلاء الظالمين .
وقال - سبحانه - وأصحاب مدين، ولم يقل وقوم شعيب، لأنهم هم الأسبق
فى التكذيب له - عليه السلام - على أصحاب الأيكة، ولأنهم م أهله أما أصحاب
الأ یکد فكانوا غرباء عنه.
قال - سبحانه - ((و كذب موسى، لأنه لم يكذب من جميع قومه وم
بنو إسرائيل. وإنما كان المكتب له هو فرعون وملأه، والإشارة إلى أن موسى
(١) سورة الذاريات الآيات من ٥٢ - ٠٤٣

٤١٢
سورة الحج
- عليه السلام - قد جاء إلى الناس بآيات واضحات تدل على صدقه، ومع ذلك
فقد قوبل بالتكذيب من فرعون ومثله .
ثم بين - سبحانه - ماحل بهؤلاء من عقوبات فقال: ((فأمليت للكافرين
ثم أخذتهم فكيف كان فكير . .
والإملاء: الإمهال « وفى الصحيحين عن أبي موسى الأشعرى أن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته».
والفكير : اسم مصدر بمعنى الإنكار . يقال: أنكرت على فلان فعله،
إذا ردعته وزجرته عنه.
أى: هؤلاء الأقوام الذين كذبوا أنبياء هم، لم أعاجلهم بالعقوبة، بل أمهلتهم
وأمليت لهم، ثم أخذتهم أخذ عزيز مقتدر، فانظر - أيها العاقل - كيف كان
إنكارى عليهم؟ لقد كان إنكارا مخيفا مهلكا، فكلا أخذنا بذنبه فمنهممن
أرسلنا عليه حاصبا، ومنهم من أخذتة الصيحة ، ومنهم من خسفنابه الأرض،
ومنهم من أغرقنا، وما كان الله ليظلمهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)، (١).
وقال - سبحانه -«فأمليت للكافرين، بالإظهار دون الإضمار، لزيادة
التشنيع عليهم، والاستفهام فى قوله - تعالى -: ((فكيف كان نكير)) للمتهو يل
والتعجيب . أى: لقد كان إنكارا فظيما حول حياتهم إلى موت، وعمرانهم
إلى خراب، وغردرهم إلى ذلة وهو ان ... فعلى مشركى قريش أن يعتبروا
بذلك ويتعظوا ... وإلا فالعاقبة معروفة هم.
وبعد هذا البيان المشتمل على سوء عاقبة هذه الأمم التى كدبت رسلها ...
أتبع ذلك - سبحانه - ببيان مصير كثير من الأمم الظالمة فقال: ((فكان
من قرية أهلكناها وهى ظالمة، فهى خاوية على عروشها وبئر معطلة، وقصر
مشيد».
(١) سورة العنكبوت الآية ٠٤٠

٤٠٣
الجزء السابع عشر
وكلمة ((كأين)) مركبةمن، كان التشبيه، ومن أى الاستفهامية المدونة،
ثم هجر معنى جزميها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية المفيدة التسكثير،
ويكنى بها عن عدد مبهم فتفتقر إلى تميز بعدها. ومميزها غالبا ما يجرى بمن كمافى
هذه الآية وفى غيرها. قال - تعالى -: ((وكأن من فى قائل معربيون كثير))
(((وكاين من آية فى السموات والأرض بمرون هليها وهم عنها معرضون».
قال الآلوسي: «وقوله, فكاين من قربة، منصوب بمضمر يفسره قوله
- تعالى -,وأهلكاها، أي: فأهلكنا كثيرامن القرى أهلكناها .. أو مرفوع
على الابتداء، وجملة («أهلكناها، خبره.
أى: فكثير من القرى أهلكناها .. وقوله: ((وهى ظالمة، جملة حالية
من مفعول أهلكنا ... ،(١).
ولفظ «خاوية، بمعنى ساقطه أو خالية. يقال خوى البيت بحوى إذاسقط
"أو خلا ممن يسكنه .
والعروش: جمع عرش. وهو سقف البيت. ويسمى العريش. وكل
مايهدأ ليستظل به فهو عريش.
وبئر معطلة أى: مهجورة هلاك أهلها، يقال بأر فلان الأرض إذا حفرها
ليستخرج منها الماء.
والمشيد : الحصص بالشيد وهو الجص . يقال شاد فلان بيته يشيده.
إذا طلاء بالشيد .
والمعنى: وكثير من القرى أهلكنا بسبب ظلهم وكفرهم ، فإذا ما نظرت
إليها وجدتها خالية من أهلها، وقد سقطت سقوفها على جدرانها . وكثير من
الآبار التى كانت تنفجر بالماء عطلناها وصارت مهجورة، وكثير - أيضا -
(١) تفسير الآلوسى =١٧ ص ١٦٦.

١٤ ٤
٠
سورة الحج
من القصور المشيدة الفخمة أخليناها من أهلها. وذلك لأنهم كذبوا رسلنا،
وجحدوا نعمنا، فدمر ناهم تدميراً. وجعلنا مساكنهم من بعدهم أثرا بعدعين.
فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على أشد ألوان الوعيد
والتهديد لكفارقريش الذين كذبوا الرسول - صلى الله عليه وسلم-وأعرضوا
عن دعوته .
وشيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ((وكأين من قرية عنت عن أمر ربها
ورسله فاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا فكرا. فذاقت وبال أمرها
وكان عاقبة أمرها خسرا»(١).
ثم ينتقل القرآن الكريم من هذا التهديد الشديد، إلى التوبيخ والتقريع
هؤلاء المشركين، الذين لا يعتبرون ولا يتعظون فيقول: أفلم يسيروا فى
الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها ، أو آذان يسمعون بها ... ؟
والاستفهام للتوبيخ والإنكار، والفاء للعصف على مقدر يستدعيه المقام.
والمعنى: إن مصارع الغايرين وديارهم ، يمر بها كفار قريش، ويعرفونها،
فهم يرون فى طريقهم إلى الشام قرى صالح. وقرى قوم لوط ... قال- تعالى :-
((وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون)).
والشأن فى هذه الرؤية أن تجعل صاحبها يعتبر ويتعظ، متى كان عنده
قلب يعقل ما يجب فهمه أو أذن تسمع ما يجب سماعه وتنفيذه، ولكن هؤلاء
الجاهلين يرون مصارع الغايرين فلا يعقلون ولا يعتبرون ويسمعون الأحاديث
عن تلك الآبار المعطلة ، والقصور الخالية من سكانها، والمنازل المهدمة،
فلا يتعظون .
وقوله - تعالى- «فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور،
بيان لسبب انطماس بصائرهم ، وقسوة قلوبهم .
(١) سورة الطلاق الآيتان ٩،٨

٤١٥
الجزء السابع عشر
والضمير فى قوله «فإنها، للقصة. أى: فإن الحال أنه لا يعتد بعمى
الأبصار، لكن الذى يعتد به هو عمى القلوب التى فى الصدور، وهـ ؤلاء
.المشركون قد أصيبوا بالعمى الذى هو أشفع عمى وأقبحه. وهو عمى القلوب
عن الفهم وقبول الحق .
وذكر - سبحانه - أن مواضع القلوب فى الصدور ، لزيادة التأكيد،
ولزيادة إثبات العمى لتلك القلوب التى حدد - سبحانه - موضعها
تحديدا دقيقا .
قال الألوسى: ((فالكلام تذييل لتمويل مانزل بهم من عدم فقه القلب، وأنه
العمى الذى لاعمى بعده، بل لاعمى إلا هو، أو المعنى: إن أبصارهم صحيحة سالمة
لاعمى بها. وإن العمى بقلوبهم، فكأنه قيل: أفلم يسيروا فى الأرض فتكون
لهم قلوب ذات بصائر، فإن الآفة بصائر قلوبهم لا بأبصار عيونهم، وهى الآفة
التى كل آفه دونها. كأنه يحثهم على إزالة المرض وبنعى عليهم تقاعدهم عنها)،(١).
ثم أكد - سبحانه - إنظماس بصائرهم، حيث بين أنهم بدل أن يتوبوا
إلى الله ويستغفروه، استعجلوه لعذاب فقال: ((ويستعجلانك بالعذاب، و ان
يخلف الله وعده. وإن يوما عند ربك كألف سنة ما تعدون)).
أى: أن هؤلاء الطغاة بدل أن يسيروا فى الأرض فيعتبروا ويتعظوا،
أخذوا يطلبون منك - أيها الرسول الكريم - نزول العذاب عاجلا، على سبيل
الاستهزاء بك والاستخفاف بما هددناهم به، ويقولون لك: متى هو ؟
فالجملة الكريمة ((ويستعجلونك بالعذاب)) خبرية فى اللفظ، إستفهامية
فی المعنى .
وقوله - سبحانه -: ((ولن يخلف الله وعده، جملة حالية جىء بها
لتهديدهم على استعجالهم العذاب. أى: والحال أن الله - تعالى - لن يخلف
(١) تفسير الألوسى جـ١٧ ص ٠١٦٧

٤١٦
سورة الحج
ماوعدهم به من العذاب. بل هو منجزه فى الوقت الذى يريده هو وليس الذى
بريدونه م .
وقوله - سبحانه -: «وإن يوما عند ربك كانف سنة مما تعدون) جملة
مستأنفة سيقت لبيان أن حساب الأزمان فى تقدير الله - تعالى - يخالف
ما يقدره البشر .
أى دعهم - أيها الرسول الكريم - يستعجلون العذاب، فذلك دأب الظالمين
فى كل حين ، وسبيل الجاهلين فى كل زمان، وأعلمهم أن الله - تعالى - أن
يخلف وعده إياهم به فى الوقت المحدد لذلك ، وإن يوما عنده - تعالى - كألف
سنة ما بعده هؤلاء فى دنياهم ، وسيأنيهم هذا اليوم الذى يطول عليهم طولا
شديدا ، لما يرون فيه من عذاب مهين .
قال القرطبى: (قوله - تعالى -: (وإن يوما عند ربك كألف سنة مما
تعدون ، قال ابن عباس ومجاهد: يعنى من الأيام التى خلق فيها السموات .
والأرض . وقال عكرمة: يعنى من أيام الآخرة، أعلمهم الله إذا استعجلوه
بالعذاب فى أيام قصيرة وأنه يأتيهم به فى أيام طويلة .. وقال الفراء: هذا
وعيد لهم بامتداد عذابهم فى الآخرة
وقبل المعنى: وإن يوما فى الخوف والشدة فى الآخرة كألف سنة من سنى
الدنيا فيها خوف وشدة ... ،(١).
ثم أكد - سبحانه - أن إملاءه للظالمين، سيعقبه العذاب الأليم))، فقال:
((وكأين من قرية أمليت لها وهى ظالمة ثم أخذتها وإلى المصير)).
أى: وكثير من القرى الظالمة أمهلت عقوبة أهلها إلى أجل مسمى، ثم
أخذتها بعد ذلك أخذا شديدا، جعلهم فى قراهم جائمين كأن لم يغنوا فيها،
وسيرجعون إلينا فيجدون عذاباً أشد وأبقى، إذ أن مصيرهم إلى غيرى.
(١) تفسير القرطبى : ١٣ ص ٧٨.

٤١٧
الجزء السابع عشر
وبعدهذا العرض لمصارع الغابرين، وبيان سنة الله - تعالى - فى المكذبين،
يأمر - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يرشد الناس إلى مصيرهم
فيقول: ((قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مين)).
أى: قل - أيها الرسول الكريم - للناس إن وظيفتى أن أنذركم وأخوفكم
من عذاب الله ، بدون التباس أو غموض .
((فالذين آمنوا، وعملوا الأعمال الصالحات لهم من ربهم مغفرة واسعة ،
ورزق كريم ، لا انقطاع معه ولا امتناع.
( والذين سعوا فى آياتنا معاجزين، أى: والذين بذلوا كل جهودهم فى
إبطال آياتنا الدالة على وحدانيقنا وقدرتنا وصدق رسلنا، وأسرعوا فى تكذيبها
وغالبوا المؤمنين وعارضوهم ليظهروك بمظهر العاجز عن الدفاع عن دبهتم
وعن عقيدتهم .
, أولئك، الموصوفون بهذا السعى الأثيم (. أصحاب الجحيم)) أى:
الملازمون النار المناجحة ملازمة المالك لما يملكه
ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن فضل الله - تعالى-
على أنبيائه ورسله حيث عصمهم من كيد الشيطان ووسوسته، وحفظ دعونهم
من تكذيب المكذبين ،، عبث العابشين ... فقال - تعالى -:
((وَمَا أَرْسَلاَ مِنْ قَبْلِكَ من رَسُولٍ ولا نِىَّ إلَّ إذا تَعَّى أَلْقَى
الشَّيْطَانُ فى أُمْنِتَه، فينفسَخُ اللهُ ما يَلِى الشَّيْطَانَ، ثم يُحكِمُ اللهُ
آيَاتِهٍ واللهُ عليمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لَيَجْعَل ما يُلْقِ الشَّيْطَانُ فِئَةً لَّذِينَ
فى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالقَسِيَة قُلُوبُهُمْ، وَإِنَّ الََّالِنَ لَفِى شَقٍ
بعِدٍ (٥٣) وليَعلم الذينَ أُوتُوا العِلْمَ أَنَّه الحقُّ من رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ،
٢٧١ - سورة الحج)
١

٤١٨
سورة الحج
فَتَخْبِت لهُ قلوبُهم، وإنَّ اللهَ لهادِى الذينَ آمَنُوا إلى صِرَاط
مسْتَقِيمٍ (٥٤))).
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات: (وقد ذكر كثير من
المفسرين ما هنا قصة الغرانيق (١)، وما كان من رجوع كثير من المهاجرين
إلى أرض الحبشة، ظنا منهم أن مشركي قريش قد أسدوا .
ولكنها من طرق كلها مرسلة ، ولم أرما مسندة من وجه صحيح .
ثم قال - رحمه الله - : قال ابن أبى حاتم: حدثنا يونس بن حبيب ، حدثنا
أبو داود، حدثنا شعبة، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله
صلى الله عليه وسلم - بمكة سورة النجم، فلما بلغ هذا الموضع: (( أفر أيتم اللات
والعزى . ومناة الثالثة الأخرى)).
قال: فألقى الشيطان على لسانه: ((تلك الغر انيق العلا وإن شفاعتهن ترتجى)).
قالوا : - أى المشركون -: ماذكر الهتنا بخير قبل اليوم، فسجد وسجدوا
فأنزل الله - تعالى - هذه الآية: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا في إلا
إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته .. ،(٢) .
وجمع - سبحانه - بين الرسول والنى. لأن المقصود بالرسول من بعث
بكتاب، وبالغى من بعث بغير كتاب. أو المقصود بالرسول من بعث بشرع
جديد، وبالنى من بعث لتقرير شرع من قبله .
ولفظ ((تمنى)) هنا: فسره العلماء بتفسرين:
أولهما : أنه من التمنى، بمعنى محبة الشىء، وشدة الرغبة فى الحصول عليه
(١) الغرانيق: المراد بها هنا الأصنام. وهى فى الأصلى تطلق على الذكور من
طير الماء، واحدها: غرفوق - بضم فسكون فضم ـ سمى به الطائر لبياضنه. وقد كان
المشركون يزعمون أن الأصنام تشفع لهم عند الله - تعالى - فسموها بالغرانيق نشبيها
لها بالطيور التى ترتفع نحو السماء .
(٢) راجع تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ١٢٨ طبعة دار الشعب.

٤١٩
الجزء السابع عشر
ومفعول , ألقى، محذوف، والمراد بإلقاء الشيطان فى أمنيته: محاولته صرف
الماس عن دعوة الحق، عن طريق إلقاء الأباطيل فى نفوسهم، وتثبيتهم على
ماهم فيه من ضلال .
والمعنى: وما أرسلنا من قبلك- يا محمد - من رسول ولا نبى، إلا إذاتمنى
هداية قومه إلى الدين الحق الذى جاءهم به من عندربه، ألقى الشيطان الوساوس
والشبهات فى طريق أمنيته لكى لا تتحقق هذه الأمنية، بأن يوهم الشيطان الناس
بأن هذا الرسول أو النبى ساحر أو مجنون، أو غير ذلك من الصفات القبيحة
التى برا الله - تعالى - منها رسله وأنبيا ...
قال - تعالى -:. كذلك ماأتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر
أو مجنون. أنواصوا به، بل هم قوم طاغون. (١).
والآية الكريمة على هذا التفسير واضحة المعنى، ويؤيدها الواقع، إذ
أن كل رسول أو نبى بعثه الله - تعالى - كان حريصا على هداية قومه، وكان
يتمنى أن يؤمنوا جميعا، بل إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كاديهلك نفسه
هما وغما بسبب إصرار قومه على الكفر.
قال - تعالى -: «فلملك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا
الحديث أسفا،(٢).
إلا أن قوم كل رسول أو نبى منهم من آمن به ، ومنهم من أعرض عنه
بسبب إغواء الشيطان لهم، وإيهامهم بأن ماهم عليه من ضلال هو عين الهدى.
وإلى هذا التفسير أشار صاحب الكشاف بقوله: ((قوله - تعالى -: ((من
رسول ولا نبى)» دليل بين على تغاير الرسول والنبى. والفرق بينهما أن
الرسول من الأنبياء: من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه والنبى غير
(١) سورة الذاريات الآية ٥٣،٥٢ .
(٢) سورة الكهف الآية٠٦

٤٢٠
سورة الحج
الرسول: من لم ينزل عليه كتاب، وإنما أمر أن يدعوا الناس إلى شريعة
من قبله .
والسبب فى نزول هذه الآية أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -لم أعرض
عنه قومه وشاقوه، وخالفته عشيرته ولم يشايعوه على ماجاء به : تمنى لفرط
عنجره من إعراضهم، ولحرصه وتهالكه على إسلامهم أن لا ينزل عليه ماينفرهم،
لعله يتخذ ذلك طريقا إلى استمالتهم واستفزالهم عن غيهم .... (١).
أما التفسير الثانى للفظ « تمنى، فهو أنه بمعنى قرأ وتلا. ومنه قول حسان
ابن ثابت ، فی رئاء عثمان - رضى الله عنه:
وآخرها لاقى حمام المقادر
هنی كتاب الله أول ليلة
أى : قرأ وتلا کتاب الله فى أول الليل . وفى آخر الليل و فاه أجله .
ومفعول ((ألقى)) على هذا المعنى محذوف - أيضا -. والمراد بما يلق )
الشيطان فى قراءته : ما يلقيه فى معناها من أكاذيب وأباطيل، ليصد الناس عن
أتباع ما يقرؤه الرسول وما يتلوه، وليس المراد أنه يلقى فيه ما ليس منها ١
بالزيادة أو بالنقص ، فإن ذلك محمال بالنسبة لكتاب الله- تعالى -. الذى تكفل
- سبحانه - يحفظه فقال: ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون))(٢).
والمعنى: وما أرسلنا من قبلك - أيها الرسول الكريممن رسول ولا فى
إلا إذا قرأ شيئا م) أنزلناه عليه، ألقى الشيطان فى معنى قراءته الشبه والأباطيل،
ليصد الناس عن اتباع ما يتلوه عليهم هذا الرسول أو النبى.
قال الآلوسى - رحمه الله -: ((والمعنى: وما أرسلنا من قبلك رسولا ولا
قبيا. إلا وحاله أنه إذا قرأ شينا من الآيات، ألقى الشيطان الشبه والتخيلات
فيما يقرؤه على أوليائه، ليجادلوه بالباطل، ويردوا ماجاء به، كما قال - تع الى-
(١) تفسير الكتاف ج ٣ ص ٠١٦٤
(٢) سورة الحجر الآية ٩.