النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ الجزء السابع عشر قوة الإنسان وشدته واشتعال حرارته. من الشدة بمعنى الارتفاع وثقوة. يقال: شدة النهار إذا ارتفع، وهو مفرد جاء بصيغة الجمع. أو جمع لاواحدله، أو جمع شدة - كأنعم وفعمة .. قال الآموسى: ((والجملة علة لنخرجكم، وهى معطوفة على علة أخرى مناسبة لها . كأنه قيل: ثم نخرجكم لتكبروا شيئا فدينا ثم لتبلغوا أشدكم، أى كما لكم فى الفوة والعقل والتمييز. وقيل: علة المحذوف. والتقدير: ثم تملكم لتبلغوا أشدكم ... وتقديم التيين « لنبين لكم، على ما بعده، مع أن حصوله بالفعل بعد الكل ، الإبذان بأنه غاية الغايات ومقصود بالذات . وإعادة اللام فى ((لتبلغوا، مع تجر بد نقر وتخرج عنها، للاشعار بأصالة البلوغ بالنسبة إلى الافرار والاخراج، إذ عليه يدور التكليف المؤدى إلى السعادة والشقاوة»(١) . و قوله - سبحانه -: « ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكى لا يعلم من يعد علم شيئا ، بيان للطور السابع والأخير. أى: منكم - أيها الناس - من يبلغ أشده فى هذه الحياة، ومنكم من يموت قبل ذلك ، ومنكم من يعيش إلى أرذل العمر أى: أخسه وأدونه، فيصير من بعد علمه بالأشياء وفهمه لها، لاعلم له ولا فهم، شأنه فى ذلك شأن الأطفال . قال - تعالى -: ((لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم . ثم رددناه أسفل سافلين ، فالآية الكريمة تصور أطوار خلق الإنسان ومراحل حياته أكمل تصوير، التنبيه على مظاهر قدرة الله - تعالى -، وعلى أن البعث حق وصدق. (١) تفسير الألوسى = ١٧ ص ١١٧. ٣٦٢ سورة الحج وبعد إقامة هذا الدليل من نفس الإنسان وتطور خلقه على صحة البعث، ساق - سبحانه - الدليل الثانى عن طريق مشاهدة الأرض وتنقلها من حال إلى حال، فقال - تعالى - «وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت ورہت وأنبتت من کل زوج ہیج ، وقوله: ((هامدة)، أى: يابسة. يقال: همدت الأرض تهمد - بضم الميم - حمودا، إذا يست . ومعنى: ((اهتزت»: تحركت. يقال: هزفلان الشىء فاهتز، إذا حر كه فتحرك . ومعنى: ((ربت)) زادت بسبب تداخل الماء والنبات فيها. يقال: ربا لشىء يربو ربوا، إذا زاد ونما . ومنه الربا والربوة. أى: وترى - أيها العاقل - يبصرك الأرض يابسة لا فيات فيها . فإذا ما أنزلنا عليها بقدرتنا الماء، تحركت بسبب خروج النبات منها، وانتفخت بسبب ما يتخللها من الماء والغبات، وأنبقت بعد ذلك من كل صنف بهيج فضر حسن المنظر . وشبيه بهذه الآية فى أن إحياء الأرض بعد موتها، دليل على إحياء الناس بعد موتهم، بقدرة الله - تعالى - وإرادته، قوله - عز وجل -: ((ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة - أى يابسة - فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت. وربت، إن الذى أحياها لمحى الموتى إنه على كل شيء قدير،(١). ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما يدل على وحدانيته وقدر ته فقال : , ذلك. بأن الله هو الحق، وأنه يحى الموتى، وأنه على كل شىء قدير)). واسم الإشارة يعود إلى المذكور من خلق الإنسان وإحياء الأرض بعد موتها . (١) سورة فصلت الآية ٣٩ ٣٦٣ الجزء السابع عشر أى: ذلك الذى ذكر ناه لكم دليل واضح، وبرهان قاطع، على أن الله - تعالى - هو الإله الحق، الذى يجب أن تخلصوا له العبادة والطاعة، لأنه هو وحده الخالق لكل شىء، ولأنه هو وحده الذى يعيد الموتى إلى الحياة، ولأنه هو وحده الذى لا يعجزه شى . . وخص - سبحانه - إحياء الموتى بالذكر، مع أنه من جملة الأشياء المقدور عليها. للتصريح بما هو محل النزاع وهو البعث، ولدحض شبه المنكرين له. ثم أكد - سبحانه - ذلك تأ كيداً دامغا فقال: ((وأن الساعة، وما تشتمل عليه من حساب وثواب وعقاب (( آنية لاريب فيها، أى: لا ريب ولا شك فى إتيانها فی الوقت الذی یر بده الله - تعالى - . ((وأن الله)) - تعالى - وحده ((يبعث من في القبور)) ليحاسبهم على أعمالهم. وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أقامت أعظم الأدلة وأوضحها على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، وعلى أن البعث حق وصدق وأنه لآت لا ريب فيه . ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك نموذجين لصنفين من الناس، أحدهما: متكبر مغرور، والآخر مذبذب لا ثبات له فى عقيدة فقال - تعالى -: ((ومِنَ الناسِ من يُجَادِلِ فى القُهِ بغيرِ عْمٍ ولا هُدّى ولا كتابٍ مُنير (٨) ثانِىَ عطفه ليُضِلَّ عن سبيلِ اللهِ لهُ فى الدُّنياَ خِزْىٌ وَنُذِيقه يوم القيامةِ عذابَ الحَرِيق (٩) ذلكَ بما قَدَّمت يَدَاكَ، وأنَّاللهَ لِيْسَ بظلامٍ للعبيدِ (١٠) ومِنَ الناسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْف فإنْ أصابَهُ خيرٌ المَأَنَّ به، وإِنْ أَصَابَتْهُ فَِْةٌ انقَلَب على وجْهِهِ خَسِرَ الدُّنيا والآخرَةِ ، ذلكَ هو السرانُ المبين (١١) يدعُو مِنْ دُونِ اللهِ مالا يضرُّهُ ومالاَ ينقَعُهُ، ذلكَ هوَ الضلالُ البعيدُ (١٢) إِدْعُو لمنْ ضرَّهُ أكبرُ من تَفْسِهِ، لِبْسَ المَوْلَى ولبْسَ العَشِيرُ (١٣))). ٣٦٤ سورة الحج قال ابن كثير - رحمه الله -: « لما ذكر - تعالى - حال الضلال الجهال المقلدين لغيرهم فى الآية الثالثة من هذه السورة وهى قوله - سبحانه -: «ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم ويقبع كل شيطان مريد»، ذكر فى هذه حال الدعاة إلى الضلال من ر.وس الكفر والبدع، فقال: ((ومن الناس من يجادل فى اله بغير علم ولاهدى ولا كتاب منير، أى: بلاعقل صحيح، ولا نقل صحيح صريح . بل بمجرد الرأى والهوى ، (١) . ولعل مما يؤيد ماذهب إليه ابن كثير من أن الآية الثالثة من هذه السورة فى شأن المقلدين لغيرهم، أنه - سبحانه - قال فيها فى شأنهم: ((ويقبع كل شيطان مريد». أما فى هذه الآية فقد قال فى شأن هذا النوع من الناس: , ثانى عطفه ليضل عن سبيل الله .. ، أى: ليضل غيره ويصرفه عن طاعة الله - تعالى - وإتباع طريقه الحق . وقد نفت الآية الكريمة عن المجادل، استناده إلى أى دليل أو ما يشبه الدليل، فهو يجادل فى ذات الله - تعالى - وفى صفاته ((بغير علم، يستند إليه وبغير (« هدى، يهديه وير شده إلى الحق وبغير (( كتاب منير)، أى: وبغير وحى بغير عقله وقلبه ، ويوضح له سبيل الرشاد فأنت ترى أن الآية قد جردت هذا المجادل من أى مستند إليه فى جداله سواء كان عقلياً أم نقليا، بل أثبت له الجهالة من جميع الجهات. ثم صورته السورة الكريمة بعد ذلك بتلك الصورة المزرية، صورة الجاهل المغرور المتعجرف، فقال - تعالى -: « تأبى عطفه ليعضل عن سبيل الله)). وقوله ( ثانى)) من الثنى بمعنى اللى والميل عن الإستقامة يقال: فلان ثنى الشىء إذا رد بعضه على بعض فانثنى أى : مال والتوى . (١) تفسير ابن كثير = ٥ ص ٢٩٤ ٣٩٥ الجزء السابع عشر والعطف - بكسر العين - الجانب وهذا التعبير كناية عن غروره وصلفه مع جهله ، أى : أنه مع جداله بدون علم، متكبر معجب بنفسه، معرض عن الحق، مجتهد فى إضلال غيره عن سبيل الله - تعالى - وعن الطريق الذى يوصل إلى الرشاد. ثم بين - سبحانه - سوء عافية هذا الجاهل المغرور المضل لغيره فقال: ((له فى الدنيا خزى)، أى: هو ان وذلة وصغار . (( ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق، أى: ونجعله يوم القيامة يدرك طعم العذاب المحرق. ويصطلى به جزاء غروره وشموخه فى الدنيا بغير حق. وتقول له ملائكتنا وهى تصب عليه ألوان العذاب «ذلك بما قدمت يداك)) أى : ذلك الذى تتذوقه من عذاب محرق سببه : جهلك وغرورك وإصرارك على الكفر ، وحرصك على إضلالك لغيرك . وأسند - سبحانه - سبب ما نزل بهذا الكافر من خزى وعذاب إلى يديه، لأنهما الجار حتان اللتان يزاول بهما أكثر الأعمال. وقوله - سبحانه - «وأن اللّه ليس بظلام للعبيد)، بيان لعدله - تعالى - مع عباده أى: وأن الله - تعالى - ليس بذى ظلم لعباده أصلا، حتى يعذبهم بدون ذنب ، بل هو عادل رحيم بهم ، ومن مظاهر عدله ورحمته أنه يضاعف الحسنات ، ويعاقب على السيئات ، ويعفو عن كثير من ذنوب عباده. ثم بين - سبحانه - فوعا آخر من الناس ، لا يقل جرما عن سابقه فقال - تعالى -: ((ومن الناس من يعبد الله على حرف ، فإن أصابه خير اطمأن به ، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه .... قال صاحب الكشاف: ((على حرف، أى: على طرف من الدين لا فى وسطه وقلبه. وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب فى دينهم: لا على سيكون وطمأنينه، كالذى يكون على طرف من العسكر، فإن أحس بظفر ٢٦٦ سورة الحجُ وغنيمة قرواطمأن، وإلا فر وطار على وجهه .. ))(١). وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها: ما أخرجه البخارى عن ابن عباس قال: كان الرجل يقدم المدينة ، فإذا ولدت امرأته غلاما، ونتجت خيله قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته، ولم تنتج خيله قال: هذا دين مو ..... (٢). والمتأمل فى هذه الآية الكريمة براما قد صورت المذبذبين فى عقيدتهم أكمل تصوير ، فهم يقيسون العقيدة بميزان الصفقات التجارية، إن ربحوا من ورائها فرحوا، وإن خسروا فيها أصابهم الغم والحزن . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى شأن المنافقين: ((ومنهم من يدزك فى الصدقات "إن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا م يسخطون ،(٣). والتعبير بقوله - سبحانه -((على حرف)) بصور هذا النوع من الناس، وكأنه بتأرجح فى عبادته كما يتأرجح من يكون على طرف الشىء. فهو معرض للسقوط فى أية لحظة . والمراد من الخير فى قوله تعالى -: « فإن أصا به خير اطمأن به، : الخير الدنيوى من صحة وغنى ومنافع دفوية . أى: فإن نزل بهذا المذبذب فى عبادته خير دنيوى ((إطمأن به، أى : ثبت على ما هو عليه من عبادة ثباتا ظاهريا، وليس ثباتا قلبيا حقيقيا كما هو شأن المؤمنين الصادقين الذين لا يزحزحهم عن إيمانهم وعد أو وعيد. ((وإن أصابته فتنة)، أى: مصيبة أو شر, انقلب على وجهه، أى: أرقد ورجع عن عبادته ودينه إلى الكفر والمعاصى . (١) تفسير الكشاف جم ص١٤٦ (٢) تفسير الآلوسى «١٧ ص ٠١٣٤ (٣) سورة النوبة الآية ٥٨. ٣٦٧ الجزء السابع عشر وقوله - تعالى -: «خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين)، بيان لسوء عاقبة صنيعة . أى : هذا الذى يعبد الله على حرف، جمع على نفسه خسارتين ، خسارة الدنيا بسبب عدم حصوله على ما يريده منها، وخسارة الآخرة بسبب إرتداده إلى الكفر وغثيان السيئات، وذلك الذى جمعه على نفسه هو الخسران الواضح، الذى لا ينازع فى شأن عاقلان، إذ لا خسران أشد وأظهر، من الخسران الذى ضيع دنياه وآخرته . ثم بين - سبحانه - مظاهر خسران هذا المذبذب، وأحواله القبيحة فقال: (( يدعو من دون الله مالا يضره ومالا ينفعه .. ». أى: يعبد سوى الله - تعالى - أو ثانا وأصناما، إن ترك عبادها لا تستطيع أن تضره، وإن عبدها فلن تستطيع أن تنفعه . و«ذلك)) أذى يفعله هذا الشقى من عبادته لما لا يضر ولا ينفع, هو الضلال البعيد، بعدا شاسعا عن كل صواب ورشاد . ثم أضاف - سبحانه - إلى تبكيت هذا المذبذب وتقريمه، تقريما آخر فقال: ((يدعو من ضره أقرب من نفعه، لبنس المولى ولبئس العشير)). والمولى: هو كل من انعقد بينك وبينه سبب، بجملك قواليه ويواليك، وتناصره ويناصرك. والعشير: هو من يعاشرك ويخالطك فى حياتك . أى يعبد هذا الإنسان الجاهل المضطرب، معبودا ضرره أقرب إمن منفعتة لبئس الناصر وليس الصاحب هذا المعبود . فإن قيل : كيف نجمع بين هذه الآية التى جعلت المعبود الباطل ضرره أقرب من نفعه، وبين الآبه السابقة عليها والتى نفت عنه الضر والنفع نفيا تاما. وقد أجاب العلماء عن هذا التساؤل بإجابات منها: أن لفظ ((يدعو ، فى الآية الثانية بمعنى بقول ٣٦٨ سورة الحج وقد صدر الآلومى تفسيره الآية بهذا الرأى فقال ما ملخصه :. قوله - تعالى - (يدعو من ضره أقرب من نفسه)). إستثناف يبين ما ل دعائه وعبادته غير أنه - تعالى -، ويقرر كون ذلك ضلالا بعيدا. فالدعاء هنا بمعنى القول. أى: يقول الكافر يوم القيامة برفع صوت، وصراخ حيزيرى تضرره بمعبوده ودخوله النار بسببه، ولا يرى منه أثرا مما كان يتوقعه منه من نفع أو دفع ضر: والله لبئس الذى يتخذ ناصرا - من دون الله - ولبئس الذى يعاشر ويخالط، فكيف بما هو ضرر محض، عار عن النفع بالكلية . وفى هذا من المبالغة فى تقبيح حال الصنم والإمعان فى ذمه مالا يخفى .. ،١١". ومنها ماذكره الإمام القرطى فقال: ((قوله - تعالى - : يدعو من ضره أقرب من نفعه، أى: هذا الذى انقلب على وجهه بدعو من ضره أدنى من نقعه فى الآخرة. لأنه بعبادته دخل النار. ولم ير منه نفعا أصلا، ولكنه قال: ضره أقرب من نفعه، ترفيعا للكلام، كقوله - تعالى -: «وإذا أو إياكم لعلی ھدی أو فى ضلال مبين ، (٢) . ومنها : ما ذكره بعض العلماء من أن الآية الأولى فى شأن الذين يعبدون الأصنام، إذ الأصنام لا تنفع من عبدها، ولا تضر من كفر بها، واذاقال فيها: مالا يضره ومالا ينفعه. والقرينة على أن المراد بذلك الأصنام. التعبير بلفظه: ما، فى قوله: (( مالا يضره وما لا ينفعه لأن لفظ ((ما، يأتى - غالبا - لما لا يعقل. والأصنام ك تعقل. أما الآية الثانية فهى فى شأن من عيد بعض الطغاة من دون الذ، كفرعون القائل لقومه: (( ما علمت لكم من إله غيرى)) فإن فرعون وأمثاله من الطعاة المعبودين، قد يغدقون نعم الدنيا على عابديهم . وهذا النفع الدنيوى بالنسبة (١) تفسير الآلوسى = ١٧ ص ٠١٢٥ (٢) تفسير القرطبى : ١٢ ص ٠١٨ ٣٦٩ الجزء السابع عشر لما سيلاقونه من عذاب لا شىء. فضر هذا المعبود بخلود عابده فى النار. أقرب من نفعه بعرض قليل زائل من حطام الدنيا . والقرينة على أن المراد بالمعبود الباطل فى الآية الثانية بعض الطغاة الذين هم من جنس العقلاء: هى التعبير ((بمن، التى تأتى - غالباً - لمن يعقل، كما قال - تعالى -: «يدعو من ضره أقرب من نفسه .. )) (١). ويبدو لنا أن هذا القول الأخير له وجه من القبول . وبذلك ترى السورة الكريمة قد ساقت لنا نماذج من أحوال الناس فى هذه الحياة، لكى يحذرهم المؤمنون ليهلك من هلك عن بينة ويحمى من حى عن بيئة . ثم بينت السورة الكريمة ما أعده الله - تعمالى - المؤمنين الصادقين من حسن الثواب ، بعد أن صرحت بما توعد ه - سبحانه - المجاداين فيه غير علم بسوء العقاب ، فقال - تعالى -: ((إِنَّ الَّهَ يُدخلُ الذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَاتِ جناتٍ تَجْرِى مِنْ تَحِها الأنهارُ ، إنَّ اللهَ يَفْعَل ما يرِيدُ (١٤)». أى: إن الله - تعالى - بفضله وكرمه، يدخل عباده، الذين آمنوا)، إيمانا حقا، ((وعملوا)، الأعمال ((الصالحات جنات تجرى من)) نحت أشجارها، ((الأنهار إن الله - تعالى - يفعل ما يريد فعله على حسب ماتقتضيه حكمته ومشيئته دون أن ينازعه فى ذلك منازع. أو يعارضه معارض، فهو - سبحانه-لا يسأل عما يفعل . ثم بين - سبحانه - أن نصره لنبيه - صلى الله عليه وسلم - آت لا شك فيه مهما كره ذلك الكارهون ، فقال - تعالى -: (١) أضواء البيان جه ص ٤٨ المرحوم الشيخ محمد الأمين الشنقيطى. (٢٤ - سورة الحج ) E ٣٧٠ سورة الحج ((مَنْ كَانَ يظُنُّ أنْ لنْ ينصرَه اللهُ فى الدُّنيا والآخرةِ، فَلَيَمدُد بسبَبٍ إلى السّماء ثم ليقْطَعْ فَلَيَنْظر هلْ يُذمِنَّ كَيدُهُ ما يَغْيظُ (١٥) وكذلكَ أنْزَ لْنَهُ آياتٍ بِينَتٍ وَأنَّ اللهَ يَهْدِى مَنْ يِرِيدُ (١٦)». والمعلماء فى تفسير الآية الأولى أقوال : أولها أن الضمير فى قوله ((يظن) يعود إلى أعداء النبى - صلى الله عليه وسلم- وفى قوله (( بنصره، يعود إليه - صلى الله عليه وسلم - والمعنى: ((من كان يظن، من الكافرين الكارهين للحق الذى جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - ((أن ان ينصره الله)). أى: أن ان ينصر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - «فى الدنيا والآخرة فليمدد، هذا الكافر ((بسبب، أى: بحبل، إلى السماء، أى: إلى سقف بيته، لأن العرب تسمی کل ماعلاك فهو سماء. ، ثم ليقطع، ثم ليختنق هذا الكافر بهذا الحبل، بأو يدده حول عنقه. ويتدلى من الحبل المعلق بالسقف حتى يموت . ((فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ، أى: وليتفكر هذا الكافر فى أمره، هل بزبل فعله هذا ما امتلأت به نفسه من غيظ لنصر الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ؟ كلا ، فإن ما يفعله بنفسه من الإختناق والغيظ ، أن يغير شيئاً من نصرافه - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم -، فليمت هذا الكافر بغيظه وكيده. فالمقصود بالآية الكريمة: بيان أن ما قدره الله - تعالى - من نصر لنبيه - صلى الله عليه وسلم - لن يحول بين تنفيذه حائل، مهما فعل الكافرون ، وكره المكارهون، فليموتوا بغيظهم، فإن الله - تعالى - ناصر نبيه لا محالة، وصح عود الضمير فى قوله ((أن أن ينصره)) إلى النبي - صلى الله عليه ٣٧١ الجزء السابع عشر وسلم - مع أنه لم يسبق له ذكر، لأن الكلام دال عليه فى الآيات السابقة ، إذ المراد بالإيمان فى قوله - تعالى - فى الآية السابقة (( إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ....: الإيمان بصدق النبى - صلى الله عليه وسلم - فيما جاء به من عند ربه - تعالى - . وعبر - سبحانه - عن إختناق هذا الحاقد بالحبل بقوله: ((ثم ليقطع، لأن قطع الشىء يؤدى إلى إتهائه وهلا كه. والمفعول محذوف. والتقدير: ثم ليقطع نفسه أو حياته . وقد صدر صاحب الكشاف تفسيره للآية بهذا القول فقال: «هــذا كلام قد دخله إختصار . والمعنى: إن الله ناصر رسوله فى الدنيا والآخرة، فمن كان يظن من عاسديه وأعاديه أن الله يفعل خلاف ذلك .. فليستقصى وسعه ، ليستفرغ مجهوده فى إزالة ما يغيظه. بأن يفعل ما يفعله من بلغ به الغيظ كل مبلغ، حتى مد حبلا إلى سماء بيته فاختنق، فلينظر - هذا الحاسد - وليصور فى نفسه أنه إن فعل ذلك مل يذهب نصر الله الذى يغيظه؟ وسهی - سبحانه - فعل هذا الكافر كيداً ، لأنه وضعه موضع الكيد ، حيث لم يقدر على غيره، أوسماه كذلك على سبيل الإستهزاء، لأنه لم يكد به محسود، إنما كاد به نفسه . والمراد : إنه ليس فى يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظه ... (١) وثانيها : أن الضمير فى قوله: (( ان ينصره» يعود إلى ((من، فى قوله ( من كان يظن،، وأن النصر هنا بمعنى الرزق. فيكون المعنى : من كان من الناس يظن أن الن يرزقه الله فى الدنيا والآخرة فليختنق ، وليقتل نفسه، إذ لا خير فى حياة ليس فيها رزق أنه وعونه، أو فليختنق، فإن إختناقه لن يغير شيئا مما قضاء الله - تعالى- قصر (١) تفسير الكشاف ج٣ ص ٠١٤٨ ٣٧٢ سورة الحج قال الآلوسي: ((واستظهر أبو حيان كون الضمير فى ((بنصره)) عائدا على ((من، لأنه المذكور، وحق الضمير أن يعود على مذكور ... وفسر النصر بالرزق .. قال أبو عبيدة: وقف علينا سائل من بنى بكر فقال: من ينصرنى نصره الله - أى : من رزقنی رزقه أنه . والمعنى: أن الأرزاق بيد الله - تعالى - لا تنال إلا بمشيئته، فمن ظن أن الله - تعالى - غير رازقه، ولم يصبر ولم يستسلم فليختنق، فإن ذلك لا يقلب القسمة ولا يرده مرزوقا . والغرض: الحث على الرضا بما قسمه الله - تعالى - لاكمن يعبده على حرف ... ))(١). وثالثها: أن الآية فى قوم من المسلمين إستبطأ وانصر الله - تعالى -، لاستعجالهم وشدة غيظهم وحنقهم على المشركين ، فنزلت الآية لبيان أن كل شىء عند الله بمقدار . ويكون المعنى : من كان من الناس يظن أن أن ينصره الله ، واستبطأ حدوث ذلك ، فليمت غيظا. لأن للنصر على المشركين وقتا لا يقع إلا فيه بإذن الله ومشيئته . ويبدو أن أقرب الأقوال إلى الصواب ، القول الأول ، وعليه جمهور المفسرين، ويؤيده قوله - تعالى -: ((إنا لننصر رسلنا الذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد،(٢). وقوله - سبحانه -: ((وإذا خلو عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ، قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور))(٣) . (١) تفسير الآلوسي ج ١٧ ص ٠١٢٧ (٢) سورة غافر الآية ١). (٣) سورة آل عمران الآية ١١٤ ٣٧٣ الجزء السابع عشر ثم مدح - سبحانه - القرآن الكريم فقال: « وكذلك أنزلناه آبات چينات ... ، أى: ومثل ذلك الإنزال البليغ الواضح ، أنزانا القرآن آيات بينات الدلالة على معانيها الحكيمة ، وتوجيهاتها السديدة . وأن الله - تعالى - يهدى من يريد هدايته إلى صراط المستقيم، فهو الهادى الذى ليس هناك من هاد سواه . ثم بين - سبحانه - أن مرد الفصل بين الفرق المختلفة إليه وحده، إذهو العليم بكل ما عليه كل فرقة من حق أو باطل ، فقال - تعالى - : ((إِنَّ الذينَ آمَنُوا، والذينَ هادُوا، والصَّابِئِينَ، والنَّصارَى، والمُجُوسَ، والذين أشركُوا، إنَّ اللهَ يفصِلُ بينَهُم يومَ القيامةِ، إِنَّ اللهَ عَلَى كلَّ شىءٍ شهيدٍ (١٧))). ففى هذه الآية الكريمة حدثنا القرآن عن ست فرق من الناس: أما الفرقة الأولى، فهى : فرقه الذين آمنوا. والمراد بهم: الذين آمنوا بالنى - صلى اقه عليه وسلم - وصدقوه واتبعوه. وابتدأ القرآن بهم، (الإشعار بأن دين الإسلام هو الدين الحق ، القائم على أساس أن الفوز برضا الله - تعالى - لاينال إلا الإيمان والعمل الصالح ، ولا فضل لأمة على أمة إلا بذلك، كما قال - تعالى -: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم). وأما الفرقة الثانية فهى ، الذين هادوا، أى: صاروا بهودا. يقال: هاد فلان وتهود أى : دخل فى اليهودية . وسموايهودا نسبة إلى ((يهوذا، أحد أولاد يعقوب - عليه السلام - ، وقلبت الذال دال عند التعريب . أو حموا يهودا حين قابوا من عبادة العجل مأخوذ من هاد يهود هودا بمعنى قاب. ومنه قوله - تعالى -: (إنا هدنا إليك، أى : تبنا إليك. ٣٧٤ سورة الحج والفرقة الثالثة هى فرقة « الصائبين، جمع صابىء، وهو الخارج من دين إلى آخر . يقال : صبأ الظلف والناب والنجم - كمفع و كرم - إذا طلع. والمراد بهم : الخارجون من الدين الحق إلى الدين الباطل . وهم قوم يعبدون الکوا کب والملائکا ويزعمون أنهم علی دین صابى. بن شيك ابن آدم . والفرقة الرابعة هى فرقة «النصارى، جمع نصر أن بمعنى نصرانى كندامى وقدمان. والياء فى نصرانى للمبالغة، وهم قوم عيسى - عليه السلام -، قيل: سمرا بذلك لأنهم كانوا أنصاراله: وقيل: إن هذا الإسم مأخوذ من الناصرة ، هى القر بة التی کان عيسى قد نزل بها . وأما الفرقة الخامسة فهى فرقه («المجوس، وهم قوم يعبدون الشمس والقمر والنار. وقبل: هم قوم أخذوا مندين النصارى شيئا ، ومن دين اليهود شيئا ، ويقولون: بأن العالم أصلين نورا وظلمة .. وأما الفرقة السادسة والأخيرة فهى فرقة الذين أشركوا. والمشهور أنهم عبدة الأصنام والأوثان. وقيل ما يشملهم ويشمل معهم كل من اتخذ مع الله - تعالى - إلها آخر . وقوله - سبحانه -: ((إن الله يفصل بينهم يوم القيامة أن الله على كل شىء شهيدا)، بيان لما سيكون عليه حالهم جميعا يوم القيامة ، من حكم عادل سيحكم اقه - تعالى - به عليهم . أى: إن الله بحكم بين هؤلاء جميعا بحكمة العادل يوم القيامة، إنه - سبحانه - على كل شىء شهيد، بحيث لا يخفى عليه شيء من أحوال خلقه . قال الجمل ما ملخصه: «ولهذه الآية قيل: الأديان سنة. واحد الرحمن وهو الإسلام. ٣٧٥ الجزء السابع عشر وخمسة الشيطان وهى ما عداه. وأن الثانية واسمها وخبرها فى محل رفع خبر لإن الأولى . وقوله: (( إن الله على كل شىء شهيد)، تعليل لقوله: «إن الله يفصل بينهم ... ، وكأن قائلا قال: أهذا الفصل عن علم أو لا؟ فقيل: إن الله على كل شىء شهيد. أى: علم به على مشاهدة،(١). ٥ ثم بين - سبحانه - أن الكون كله يخضع لسلطانه - تعالى - ويسجد لوجهه فقال : ((أَمْ تَرَّ أنَّ اللهَ يسجُدُ لهُ مَنْ فى السمواتِ ومَنْ فى الأرضِ، والشمس والقمرُ والنجومُ والجبالُ والشجَرُ والدوابُ، وكثيرٌ من الناس، وكثيرٌ حقّ عليهِ العذابُ، ومَنْ يُهن اللهُ فالهُ من مُكرم إِنَّ اللّهَ يفعلُ ما يشاء (١٨)». والاستفهام فى قوله (( ألم تر ... ، للتقرير، والرؤية هنا بمعنى العلم وذلك لأن سجود هذه الكائنات لله - تعالى - آمنا به عن طريق الإخبار دون أن ترى كيفيته . والسجود فى اللغة : التذلل والخضوع مع انخفاض بانحناء وما يشبهه . وخص فى الشرع بوضع الجبهة على الأرض بقصد العبادة . والمراد به هنا دخول الأشياء جميعها تحت قبضة انه - تعالى .. وتسخيره وانقيادها لكل ما يريده منا انقيادا تاما ، وخضوعها له - عز وجل - بكيفية (١) جاعية الجمل على الجلالين ج ٢ ص ١٥٨. ٠٠٠ ٣٧٦ سورة الحج هو الذى يعلمها. فنحن نؤمن بأن هذه الكائنات تسجد لله - تعالى - ونفوض كيفية هذا السجود له - تعالى - . والمعنى: لقد علمت - أيها العافل - أن أنه - تعالى - بسجد له، ويخضع لسلطانه جميع من فى السموات وجميع من فى الأرض . وقوله: ((والشمس والقمر والنجوم، عطف خاص على قوله: ((من فی السموات » . وقص - سبحانه - عليها مفردا إياها بالذكر، لشبهها، ولاستبعاد بعضهم حدوث السجود منها ، ولأن آخرين كانوا يعبدون هذه الكواكب ، فبين - سبحانه - أنها عابدة وساجدة لله ، وليست معبودة. وقوله - تعالى -: ((والجبال والشجر والدواب)) عطف خاص على ((من فى الأرض، وقص - سبحانه - عليها - أيضا - لأن بعضهم كان يعبدها، أو يعبد ما يؤخذ منها كالأصنام. وقوله - تعالى - ((وكثير من الناس، بيان الذين اهتدوا إلى طريق الحق. أى: ويسجد له - كذلك - كثير من الناس، وهم الذين خلصت عقولهم من شوائب الشرك والكفر، وطهرت نفوسهم من الأدناس والأوهام. وقوله: ((وكثير حق عليه العذاب، بيان لحال الذين استحبوا العمى على الهدى . أى : وكثير من الناس حق وثبت عليهم العذاب، بسبب إصرارهم على الكفر ، وإيثارهم الغى على الرشد . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على نفاذ قدرته، وعموم مشيئته فقال: ((ومن هن الله فما له من مكرم، إن الله يفعل ما يشاء). و«من، شرطية وجوابها , فما له من مكرم، ومكرم اسم فاعل من أكرم . ٣٧٧ الجزء السابع عشر أى: ومن يهنه الله ويخزه، فما له من مكرم يكرمه، أو منقذ ينقذه ما هو فيه من شقاء، إن الله - تعالى - يفعل ما يشاء فعله بدون حسيب يحاسبه، أو معقب بعقب على حكمه . قال - تعالى: ((والله يحكم لامعقب لحكمه وهو سريع الحساب)). ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك صورة فيها مافيها من وجوه المقارنات بين. مصير الكافرين ومصير المؤمنين. لكى ينحاز كل ذى عقل سليم إلى فريق الإيمان لا الكفر ، فقال - تعالى -: («هذَاذِ خَصِمان اخْتَصَمُوا فى ربِهم، فالدينَ كفرُوا قُطِّت لَهُمْ ثيابٌ مِنْ نارٍ، يصَبُّ من فوقٍ رُءُوسهمُ الحِيمُ (١٩) يُصْهَرُ به مافى بُطُونِهِمْ والجُلُود (٢٠) ولَهُم مقامِعٍ مِنْ حديدٍ (٢١) كُلِّا أرَادُوا أنْ يُخرُجُوا مِنْهَا مِنْ فَمَّ أُعيدُوا فيها وذُوقُوا عذابَ الحريق (٢٢) إِنَّ اللهَ إِدْخِلِ الذينَ آمَنُوا وعمِلُوا الصَّالحاتِ جناتٍ تَجْرِى مِنْ تحتها الأنهارُ يُحلّونَ فيها من أساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ ولؤلؤاً ولباسُهم فيها حَريرٌ (٢٣) وهُدوا إلى الطّيبِ من القَوْلِ وهُدوا إلى صِرَاط الحميدِ (٢٤))). ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى -,هذان خصمان اختصموا فى ربهم ... ، روايات أشار الإمام ابن كثير إلى معظمها فقال: « ثبت فى الصحيحين عن أبي ذر: أنه كان يقسم قسما أن هذه الآية ((هذان خصمان .. )) نزلت فى حمزة وصاحبيه. وعتبة وصاحبيه ، يوم برزوا فى بدر . وعن قتادة قال: اختصر المسلمون وأهل الكتاب ، فقال أهل الكتاب : ٣٧٨ سورة الحج فبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم، فنحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: كتابنا يقضى على المكتب كلها، ونبينا خاتم الأنيا، فنحن أولى باقه منكم ، فأفلح الله الإسلام على من ناوأه - أى فنصر الله الإسلام -، وأنزل الآية. وعن مجاهد فى الآية : مثل الكافر والمؤمن اختصما فى البعث. وهذا القول يشمل الأقوال كلها ، وينتظم فيه قصة بدر وغيرها، فإن المؤمنين يربدون نصر دين الله والكافرون يربدون إطفاء نور الإيمان))(١). أى : هذان خصمان اختصموا فىذات ربهم فى صفاته، بأن اعتقد كل فر بي منهم أنه على الحق ، وأن خصمه على الباطل . قال الجمل: ((والخصم فى الأصل مصدر ولذلك يوجد ويذكر غالبا، وعليه قوله - تعالى -: ((وهل أناك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب)). ويجوز أن يثنى ويؤنث، ولما كان كل خصم فريقا يجمع طوائف قال: ((اخصموا)، بصيغة الجمع كقوله - تعالى -: ((وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، فالجميع مراعاة المعنى ،(٢). وقوله - سبحانه -: ، فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ... ، تفصيل. وبيان لحال كل خصم وفريق . أى: فالذين كفروا جزاؤهم أنهم قطع الله - تعالى - لهم من النار ثيابا، وألبسهم إياها . قال الألوسى: ((أى أعد الله لهم ذلك، وكأنه شبه إعداد النار المحيطة بهم. بتقطيع ثياب وتفصيلها لهم على قدر جئهم . ففى الكلام استعارة تمثيلية تهكمية ، وليس هناك تقطيع ثياب ولا ئياب حقيقية. وكان جمع الثياب الإيذان. (١) تفسير ابن كثير جـ ٥ س٤٠١. (٢) حاشية الجمل على الجلالين = ٣ س ١٥٩. ٣٧٩ الجزء السابع عشر بتراكم النار المحيطة بهم، وكون بعضها فوق بعض ... وعبر بالماضى، لأن الإعداد قد وقع، فليس من التعبير بالماضى لتحققه ... ،(١). وقوله: ((يصب من فوق رءوسهم الحميم، زيادة فى عذابهم ((أى: لم تقطع لهم ثياب من قار فحسب، وإنما زيادة على ذلك يصب من فوقرءوسهم «الجيم، أى: الماء البالغ أقصى درجات الشدة فى الحرارة. وقوله: ((يصهر به ما فى بطرنهم والجلود)). بيان للآثار التى تترتب على هذا العذاب . والفعل («يصهر، مأخوذ من الصهر بمعنى الإذابة. يقال: صهر فلان الشحم يصهره إذا أذابه . أى : فذلك الحميم الذى يصب من فوق رءوسهم من آثاره أنه يذاب به ما فى بطونهم من الشحوم والأحشاء ، كما تذاب به جلودهم - أيضاً -. فقوله: (( والجلود، عطف على ((ماء الموصولة فى قوله، ما فى بطونهم)، أى: يذاب به الذى فى بطونهم عذاب به أيضا جلودهم . وقيل: إن لفظ الجلودمرفوع بفعل محذوف معطوف على ((يصهر)). والتقدير: يصهر به ما فى بطونهم من أحشاء وشحوم، وتحرق به الجلود . قالوا: وذلك لأن الجلود لانذاب وإنما تنقيض وتنكش إذا أصليت بالنار. والضمير فى قوله - سبحانه -: ((ولهم مقامع من حديد، يعود إلى الكفرة المعذبين بهذا الحيم الذى تصهر به البطون . والمقامع: جمع مقمعة - بكسر الميم وسكون القاف وفتح الميم الثانية-، وهى آلة تستعملى فى القمع عن الشىء، والزجر عنه، يقال: قمع فلان فلانا إذا قهره وأذله . (١) تفسير الألوسى :١٧ ص ٠١٣٤ ٣٨٠ سورة الحج أى: وخصصت لهؤلاء الكافرين مضارب من حديد تضربهم بها الملائكةـ على رءوسهم زيادة فى إذلاهم و قهر هم ... وقيل: إن الضمير فى «لهم ، يعود على خزقة النار. أى: ولخزنة النار مضارب من حديد يضربون بها هؤلاء الكافرين. وعلى كلا القولين فالآية تصور هو ان هؤلاء الكافرين أكمل تصوير . وقوله - سبحانه -: ، كذا أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها، بيان لما يقابلون به عندما يريدون التزحزح عن النار . أى : كما أراد هؤلاء الكافرون أن يخرجوا من النار ومن غمها وكربها وسعیرها ، أعيدوا فيها مرة أخرى ، کما قال - تعالى -: «یر یدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم ،(١). وقوله - تعالى -: ((وذوقوا عذاب الحريق)) مقول لقول محذوف. أى: أعيدوا فيها وقيل لهم على لسان خزفة النار: ذوقوا العذاب المحرق لأبدانكم. هذا هو حال فريق الكافرين، وهو حال يزازل القلوب ويرهب المشاعر، ويفزع النفوس . ولكن القرآن كعادته فى قرن الترهيب بالترغيب، لا يترك النفوس فى هذا الفزع، بل يتبع ذلك بما يمسح عنها خوفها ورعبها عن طريق بيان حال المؤمنين فيقول : (( إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار ..... وغير - سبحانه - الأسلوب فلم يقل: والذين آمنوا على سبيل العطف على الذين كفروا .. تعظيم لشأن المؤمنين، وإشعار بمبايعة حالطم لحال خصماتهم الكافرين . (١) سورة المائدة آية ٣٧