النص المفهرس
صفحات 301-320
٢٠١
الجزء السابع عشر
والحرث : الزرع. قيل: كان كرما - أى عنبا - قدات عناقيده.
وقوله: «نفشت)، من النفش وهو الرعى الميل خاصة. يقال: نفشت
الغنم والإبل، إذا رعت ايلا بدون راع .
وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات روايات ملخصها : أن
ونجلين دخلا على داود - عليه السلام - أحدهما - : صاحب زرع، والآخر
صاحب غنم . فقال صاحب الزرع لداود: يا فى الله إن غنم هذا قد نفشت فى
حرئی، فلم تبق منه شيئاً .
فيكم داود - عليه السلام - لصاحب الزرع أن يأخذ غنم خصمه فى مقابل
{تلافها لزرعه ،
وعند خروجمما التقيا بسليمان - عليه السلام - فأخبراه بحكم أبيه. فدخل
سليمان على أبيه فقال له: يا فى الله، إن القضاء غير ماقضيت. فقال له: كيف؟
قال: ادفع الفتم إلى صاحب الزرع لينتفع بها ، وادفع الزرع إلى صاحب
الغتم ليقوم عليه حتى يعود كما كان. ثم يعيد كل منهما إلى صاحبه ما تحت بده.
فيأخذ صاحب الزرع زرعه، وصاحب الغنم غنمه ... فقال داود - عليه
السلام -: القضاء ماقضيت يا سلمان(١).
والمعنى: اذكر - أيها الرسول الكريم - قصة داود وسليمان، وقت أن
كانا يحكمان فى الزرع الذى ((تفشت فيه غنم القوم)، أى: تفرقت فيه وانتشرت
ليلا دون أن يكون معها راع فرعته وأفسدته.
قال القرطبى: ((ولم يرد - سبحانه - بقوله «إذ يحكان فى الحرث، الاجتماع
فی الحكم وإن جمعهما فى القول ، فإن حکمین علی حکم واحد لا يجوز. وإنما
حكم كل واحد منهما على انفراده، وكان سليمان الفاهم لها بتفهيم الله
- تعالى - له (٢).
(١) راجع تفسير ابن جرير = ١٧ ص ٣٨ وتفسير ابن كثير حـ ٥ ص ٣٤٩.
(٢) تفسير القرطبى : ١١ ص ٣٠٧
٢٠٢
سورة الأنبياء.
وقوله - تعالى -: ((وكنا لحكمهم شاهدين، جملة معترضة جىء بها ايبان
شمول علم الله - تعالى -، وإحاطته بكل شى.
أى: وكما لما حكم به كل واحد منهما عالمين وحاضرين، بحيث لا يغيب
عنا شىء ما قالاه.
وضمير الجمع فى قوله لحكمهم،: لداود وسليمان، واستدل ذلك من قال
إن أقل الجمع إثنان وقيل: ضمير الجمع يعود عليهما وعلى صاحب "زرع
وصاحب الحرث. أى: وكذا للحكم الواقع بين الجميع شاهدين.
والضمير المنصوب فىقوله تعالى -: ((ففهمناها سليمان، يعود إلى القضية
أو المسالة التى عرضها الخصمان على داود وسليمان.
أى: ففهمنا سليمان الحمكم الأنسب والأوفق فى هذه المسألة أو القضية،
وذلك لأن داود - كما يقول بعض العلماء - قد اتجه فى حكمه إلى مجردالتعويض
لصاحب الحرث ، وهذا عدل حسب . أما حكم سليمان فقد تضمن مع العدل
البناء والتعمير، وجعل العدل دافعا إلى البناء والتعمير. وهذا هو العدل الحى
الإيجابى فى صورته البيانية الدافعة، وهو فتح من الله وإهام يهبه من يشاء) (١).
وقوله - سبحانه - ((وكلا آتينا حكما وعلماء ثناء من الله - تعالى - على داود
وسليمان - عليهما السلام-، والمقصود من هذا الثناء دفع ماقد يتبادر إلى بعض:
الأذهان من أن داود لم يكن مصيبا فى حكمه .
أى: وكلا من داود وسليمان قد أعطيناه من عندنا «حكماء أى: نبوة وإصابة
فى القول والعمل «علما، أى: فقهاً فى الدين ، وفهما سليما للأمور.
وقد توسع بعض المفسرين فى الحديث عن هذا الحكم الذى أصدره داود
وسليمان فى قضية الحرث أكان بوحى من الله إليهما، أم كان باجتهاد منهما؟
وقد رجح بعض العلماء أنه كان باجتهاد منهما فقال: اعلم أن جماعة من
(١) فى ظلال القرآن = ١٧ ص ٥٥١.
٢٠٣
الجزء السابع عشر
العلماء قالوا: إن حكم داود وسليمان فى الحرث المذكور فى هذه الآية كان
بوحى، إلا أن ما أوحى إلى سليمان كان ناسخاً لما أوحر إلى داود.
وفى الآية فرينتان على أن حكمهما كان باجتهاد لا يوحى ، وإن سليمان
أصاب فاستحق الثناء باجتهاده وإصابته، وأن داود لم يصب فاستحق الثناء
باجتهاده، ولم يستوجب لوما ولاذما لعدم إصابته .
كما أثنى - سبحانه - على سليمان بالإصابة فى قوله ((ففهمناها سليمان، وأنى
عليهما فى قوله : (( وكلا آتينا حكما وعلماء.
فدل قوله (( إذ يحكمان)) على أنهما حكما فيها معاً، كل منهما بحكم مخالف
لحكم الآخر ، ولو كان وحياً لما ساغ الخلاف . ثم قال: « ففهمناها سليمان»
فدل ذلك على أنه لم يفهمها داود ، ولو کان حکمه فيها بوحی لکان مفهما
إياها كما ترى .
فقوله: (((إذ يحكان)) مع قوله، ففهمناها سليمان، قرينة على أن الحكم لم
يكن بوحى بل باجتهاد، وأصاب فيه سليمان دون داود بتفهيم الله إياه ذلك.
والقرينة الثانية: هى أن قوله - تعالى - وفقهمناها .. ، تدل على أنه فهمه
إياها من نصوص ما كان عندهم من الشرع، لا أنه - تعالى - أنزل عليه فيها
وحياً جديد ناسخاً، لأن قوله - تعالى -: « ففهمناها، أليق بالأول من الثانى
کاری ... )،(٢).
ثم بين - سبحانه - نماذج من النعم التى أنعم بها على داود - عليه السلام.
فقال: وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين .. )).
والتسخير: التذليل أى: وجعلنا الجبال والطير يسبحن الله - تعالى -
ويقدسنه مع داود، امتثالا لأمره - سبحانه -.
قال ابن كثير: ((وذلك لطيب صوته، بتلاوة كتابه الزبور، وكان إذا تر نم
١٠/١١حم نفسه أضاء الان جـ ٥ ص ٥٩٩ المرحوم الشيخ محمد الأمين الشنقيطى.
٣٠٤
سورة الأنبياء
به تقف الطير فى الهواء فتجاوبه، وترد عليه الجبال تأويبا. ولهذا لما مرالنى
- صلى الله عليه وسلم - على أبى موسى الأشعرى، وهو يتلو القرآن من الليل،
وكان له صوت طيب، فوقف واستمع إليه وقال: لقد أوتى هذا من مز أمير
آل داود(١).
وقال صاحب الكشاف: «فإن قلت: لم قدمت الجبال على الطير؟ قلت:
لأن تسخيرها وتسبيحها أهجب ، وأدل على القدرة، وأدخل فى الإعجاز،
لأنها جماد، والطبر حيوان، إلا أنه غير ناطق روى أنه كان يمر بالجبال
مسبحا وهى تجاوبه. وقيل: كانت تسير معه حيث سار ... ))(٢).
وتسبيح الجبال والطير مع داود - عليه السلام - هو تسبيح حقيقى،وا أن
بكيفية يعلمها الله - تعالى - كما قال - سبحانه -: « تسبح له السموات السبع
والأرض ومن فيهن ، وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا نفقهون
تسبيحهم ... ,(٢) .
وشبيه بالآية التى معنا قوله - تعالى -: ،ولقد أتينا داود منا فضلا با جمال
أودى معه والطير وألنا له الحديد ... ،(٤).
وقوله - سبحانه - «اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأبد
إنه أواب إذا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشى والإشراق. والطير محشورة
كل له أواب)»(٥) .
. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله:، وكنا فاعلين)) أى: وكنا فاعلين
ذلك لداود من تسخير الجبال والطير معه بسبحن الله وينزهنه عن كل سو .. على
سبيل التكريم له، والتأييد لنبوته، إذا أن قدرتنا لا يعجزها شىء، سواء أكان
هذا الشىء مألوفا للناس أم غير مألوف.
(١) تفسير ابن كثير + ٥ ص ٣٥٣
(٣) سورة الإسراء آية ٤٤
(٥) سورة ص الآيات ١٧ - ١٩
(٢) تفسير الكشاف ج ٣ ص ١٢٩
(٤) سورة سبأ آية ١٠
٣٠٠
الجزء السابع عشر
وقوله - تعالى -: ((وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم
شاكرون)» بيان لنعمة أخرى من النعم التى أنعم الله بها على داود .
واللبوس: كل ما يلبس كاللباس والملبس: والمراد به هنا: الدروع .
أى : وبجانب ما منحنا داود من فضائل، فقد علمفاه من لدنا صناعة الدروع
بحذق وإتقان، وهذه الصناعة التى علمناه إياها بمهارة وجودة , لتحصنكم
من بأسكم، .
أى: لتجعلكم فى حرز ومأمن من الإصابة بآلة الحرب. وتقى بعضكم
من بأس بعض ، لأن الدرع تقى صاحبها من ضربات السيوف ، وطعنات
الرماح .
يقال: أحصن فلان فلانا، إذا جعله فى حرز وفى مكان منيع من
العدوان عليه .
والاستفهام فى قوله: «فهل أنتم شاكرون)) للتحضيض والأمر. أى :
فاشكروا الله - تعالى - على هذه النعم، بأن تستعملوها فى طاعته - سبحانه ..
قال القرطبى - رحمه الله -: «وهذه الآية أصل فى اتخاذ الصنائع والأسباب،
وهو قول أهل العقول والألباب. لا قول الجهلة الأغبياء القائلين بأن ذلك
إنما شرع للضعفاء، فالسبب سنة الله فى خلقه، فمن طعن فى ذلك فقد طعن فى
الكتاب والسنة، وقد أخبر الله - تعالى-عن نبيه داود أنه كان يصنع الدروع
وكان - أيضاً - يصنع الخوص، وكان يأكل من عمل يده، وكان آدم
حراثا، وفوح نجارا، ولقمان خياطا، وطالوت دباغا ... فالصنعة يكف بها
الإنسان نفسه عن الناس ، ويدفع بها على نفسه الضرر والبأس. وفى الحديث
إن الله يحب المؤمن المحترف المتعفف، ويبغض السائل الملحف، (D).
(١) تفسير القرطبى ١١ ص ٢٢١:
(٢٠ - سورة الأنبياء )
٣٠٦
سورة الأنبياء
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من نعمه على سلمان بن داود فقال:
(((ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إن الأرض التي بار كنا فيها ... )).
وقوله: (( ولسليمان الريح ... ، معطوف على معمول ,سخرنا، فى قوله
- تعالى - قبل ذلك: ((وسخرنا مع داود الجبال يسبحن، وعاصفة حال من
الريح .
أى: وسخرنا لسليمان الريح حال كونها عاصفة أى: شديدة الحبوب، كما
سخرنا مع أبيه الجبال يسبحن والطير .
يقال: عصفت الريح تعصف، إذا اشتدت. فهى عاصف وعاصفة وعصوف
سميت بذلك لتحطيمها ماتمر عليه فتجعله كالعصف وهو التبن.
وقوله - تعالى -: ((تجرى بأمره إلى الأرض التى باركنا فيها، أى:
جعلناها مع قوتها وشدتها تجرى بأمر سلمان وإذنه إلى الأرض التي باركنا
فيها وهى أرض الشام . وقيل: يحتمل أن يكون المراد بها ما هو أعم من
أرض الشام .
ووصفت الريح هنا بأنها عاصفة. وفى آية أخرى بأنها رخاء قال- تعالى -:
(تجرى بأمره رخاء حيث أصاب)). لأنها تارة تكون عاصفة، وتارة تكون
لينة رخاء . على حسب ما تقتضيه حكمته - سبحانه - .
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: ((فإن قلت: وصفت هذه
الرياح بالعصف قارة وبالرخاوة أخرى ، فما التوفيق بينهما ؟
قات : كانت فى نفسها رضية طيبة كالنسيم ، فإذا مرت بكرسيه أبعدت
» فى مدة يسيرة ، على ماقال: (( غدوها شهر ورواحها شهر، فكان جمعها
بين الأمرين أن تكون رخاء فى نفسها وعاصفة فى عملها، مع طاعتها لسليمان
على حسب ما يريد ... )(١).
(١) تفسير الكشاف = ٣ ص ١٣٠
٣٠٧
الجزء السابع عشر
وقال - سبحانه - هنا: «تجرى بأمره إلى الأرض التى بار كنا فيها، أى
تجرى بأمره إلى تلك الأرض فى حال إيابه ورجوعه إليها، حيث مقر عمله
ومسكنه. فالمقصود من الآية الكريمة الإخبار عن جريانها فى حال عوده
إلى ملكته .
أما الآية الأخرى التى تقول: «فسخرنا له الريح تجرى بأمره رخاءحيث
أصاب)، أى: حيث أراد لها أن تجرى، فالمقصود منها الإخبار عن جريها
بإذنه فى غير حال عودته إلى مملكته، وبذلك أمكن الجمع بين الآيتين، إذ
الجهة فيهما منفكة .
وقوله - تعالى -: «وكنا بكل شىء عالمين، أى: وكنا بكل شىء یجری
فى هذا الكون عالمين علما مطلقا لا كعلم غيرنا من خلقنا. فإنه علم محدود بما
خماؤه وتقدره .
خالجهة الكريمة بيسان لإحاطة علم الله - تعالى - : كل شىء، والتنبيه بأن
ما أعطاه الله - تعالى - لسليمان - إنما كان بإرادته - سبحانه - وعلمه.
وقوله - سبحانه -: «ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملادون
ذلك ... )، بيان لمنة أخرى من المنن الكثيرة التى أمتن بها - سبحانه - على
عبده و نبيه سليمان .
ويغوصون من الغوص وهو النزول تحت الماء، ومنه الغواص الذى ينزل
تحت الماء لاستخراج الجواهر وغيرها .
وقوله: (( من يغوصون له، فى محل نصب عطفا على معمول ((سخر نا))،
السابق.
أى: وسخرفا - أيضا - اسليمان من يغوصون له، أى: لأجله، من
« شياطين، فينزلون تحت مياه البحار ليستخرجوا له منها الجواهر النفيسة
كالؤلؤ والمرجان .
٣٠٨
سورة الأنبياء
وفى التعبير بقوله: ((له)، إشعار بأن غوصهم لم يكن لمنفعة أنفسهم أو
باختيارهم، وإنما هم كانوا يغوصون من أجل مصلحة سليمان - عليه السلام-
وبأمره .
وقوله: (( ويعملون عملا دون ذلك، أى: لم تكن مهمتهم الغوص فقط
وإنما كان سليمان يسخرهم ويكلفهم بأعمال أخرى كثيرة كبناء المدائن والقصور
وصنع التماثيل والمحاريب ... كما قال - تعالى -: (ولسليمان الريح غدوما شهر
ورواحها شهر، وأسلنا له عين القطر، ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه
ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير . يعملون له ما يشاء من
محاريب وتماثيل وجفان كالجواب»، فاسم الإشارة فى قوله ((ويعملون عملا
دون ذلك، يعود إلى الغوص أى: ويعملون له عملا كثيرا سوى ذلك الغوص.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ((وكنالهم حافظين، أى: وكنا
لهؤلاء الشياطين حافظين لهم من أن يخرجوا عن طاعته . أو أن يوجد منهم
فاد لما م مسخرون له .
وتلك نعمة كبرى لسليمان - عليه السلام - حيث جعل - سبحانه - الشياطين
لا يستطيعون أن يزبغوا عن أمره.
هذا وقد ذكر بعض المفسرين عند تفسيرهم لهذه الآيات قصصا متعددة
منها قصة بساط الريح الذى قيل إن سليمان كان يجلس عليه هو وجنده ،
فيطير بهم إلى الشام فى وقت قصير ، ومنها صفة حمل الريح له . وصفة جنوده
من الجن والإنس والطير.
وقد رأينا عدم ذكر ذلك هنا ، لأنه لم يردما يؤيده من الآثار
الصحيحة .
ثم ساق - سبحانه - جانباً من قصة أيوب - عليه السلام - وهى قصة تمثل
الابتلاء بالضم فى أشد صوره. قال - تعالى -:
a
٣٠٩
الجزء السابع عشر
((وأُيُوب إِذْ نادَى ربَّهَ أنَّ مسَِّىَ الضُّرُ، وأنتَ أرْحَم الرَّاحينَ (٨٣)
فاسْتَجَيْنَ لَهُ فَكَشَفْنَا ما بهِ من ضُرِّ وَآتْناء أهْلُهُ ومِثْلَهُم معهم، رحمةٌ
مِنْ عندِنَ وذٍ كُرى للعابِدِينَ (٨٤))).
قال ابن كثير: (( يذكر الله - تعالى - عن أيوب - عليه السلام - ما كان
قد أصابه من البلاء فى ماله وولده وجسده ، وذلك أنه كان له من الدواب
والأنعام والحرث شى. كثير، وأولاد كثيرة، ومنازل مرضية. فابتلى فى ذلك
كله، وذهب عن آخره، ثم ابتلى فى جسده ... ولم يبق من الناس أحد يحنو
عليه سوى زوجته ... وقد كان فى الله أيوب غاية فى الصبر، وبه يضرب
المثل فى ذلك .... (١) .
وقال الآلوسي: ((وهو ابن أموص بن رزاح بن عيص بن إسحاق. وحكى
ابن عسا كر أن أمه بنت لوط، وأن أباه من آمن بإبراهيم فعلى هذا كانت
بعثته قبل موسى وهارون. وقيل: بعد شعيب، وقيل: بعد سلمان ... (٢).
والضر - بالفتح - يطلق على كل ضرر - وبالضم - خاص بما يصبب
الإنسان فى نفسه من مرض وأذى وما يشبههما .
والمعنى : واذكر - أيها الرسول الكريم أو أيها المخاطب - عبدنا أيوب
- عليه السلام - وقت أن نادى ربه، وتضرع إليه بقوله: يارب أنى أصابنى
ما أصابنى من الضر والتعب ، وأنت أجل وأعظم رحمة من كل من يتصف بها.
فأنت ترى أن أيوب - عليه السلام - لم يزد فى تضرعه عن وصف حاله
((أفى مسنى الضر)، ووصف خالقه - تعالى - بأعظم صفات الرحمة دون أن
(١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٤: ٣
*
، هـ . .
٣١٠
سورة الأنياء
يقترح شيئا أو يطلب شيئا، وهذا من الأدب السامى الذى - لمكه الأنبياء مع
خالفهم - عز وجل - .
قال صاحب الكشاف: ((ألطف - أيوب - فى السؤال، حيث ذكر نفسه
بما يجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة، ولم يصرح بالمطلوب. ويحكى
أن عجوزاتعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت: يا أمير المؤمنين، مشت
جرذان - أى فتران - بينى على العصى ! ! فقال لها: ألطفت فى السؤال ،.
لا جرم لأجعلنها تقب وقب الفهود، وملأ بيتها حبا ... ، (١).
وبعد أن دعا أيوب ربه - تعالى - بهذه الثقة، وبهذا الأدب والإخلاص،
كانت الإجابة المتمثلة فى قوله - تعالى -: ((فاستجبنا له، أى: دعاءه وأضرعه
((فكشفنا ما به من ضر، أى: فأزلنا ما نزل به من بلاء فى جسده، وجعلناه
سالما معافى. بأن أمرفاه أن يضرب برجله الأرض ففعل، فنبعت له عين
فاغتسل منها، فزال عن بدنه كل مرض أصابه بإذن الله - تعالى - .
قال - سبحانه -: ((واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى مسن الشيطان
بخصب وعذاب. أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب .... (٢).
وقال - تعالى -: « وآنیناء أهله ومثلهم معهم، أى: لم نخيب رجاء
أيوب حين دعانا، بل استجبنا له دعاءه، بفضلنا وكرمنا، فأزلنا عنه المرض.
الذى نزل به، ولم تكتف بهذا - أيضا - بل عوضناه عمن فقده من أولاده،
ورقناه مثلهم معهم .
قال الآلوسي ما ملخصه: (قوله: ((وآتيناه أهله ومثلهم معهم ... ، أخرج
إن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس قال: ساات النبى - صلى الله عليه وسلم -.
عن قوله:، وأنيناه أهله ومثلهم معهم، فقال: رد الله - تعالى - امر أته.
إليه، وزاد فى شبابها، حتى ولدت له متا وعشرين ذكرا)).
(١) تفسير المكناف ج ٢ ص ٠١٣٠
(٢) سورة ص الآية ٠٢،٤١.
٣١١
الجزء السابع عشر
١
فالمعنى على هذا: آ تبناه فى الدنيا مثل أهله عددا مع زيادة مثل آخر.
وعن قتادة: إن الله أحيا له أولاده الذين هلكوا فى بلائه ، وأوتى مثلهم
فى الدنيا ... »(١) .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله - تعالى -: «رحمة من
عندنا وذكرى للعابدين، أى: أجبنا له دعاءه, وفعلنا معه ما فعلناه من ألوان
الخيرات ، من أجل رحمتنا به، ومن أجل أن يكون ما فعلناه ٨٠٠ عبرة وعظة
وذكرى لغيره من العابدين، حتى يقتدوا به فى صبره على البلاء، وفى المداومة
على شكرنا فى السراء والضراء.
وخص - سبحانه - العابدين بالذكرى، لأنهم أكثر الناس بلاء وإمتحانا،
ففى الحديث الشريف: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل
الأمثل ».
وفى حديث آخر: ((يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان فى دينه صلابة
زید فی بلائه ،(٢) .
وقد كان أبوب آية فى الصبر ، وبه يضرب المثل فى ذلك .
هذا، وقصة أيوب - عليه السلام - ستأتى بصورة أكثر تفصيلا فى سورة
((ص)، وقد تركنا هنا أقوالا عن كيفية مرضه، وعن مدة هذا المرض ...
نظرا لضعفها، ومنافاتها لعصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - من
الأمراض المنفرة .
ثم أشارت السورة إشارات مجمله إلى قصة كل من إسماعيل وإدريس
وذى الكفل ، قل - تعالى -:
(١) تفسير ابن كثير جـه ص ٣٥٤.
(٢) تفسير الآأومى = ١٧ ص ٨١
٣١٢
سورة الأنبياء
(((وإسماعيلَ وإدريسَ وَذَا الكِفْلِ. كُلُّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥)
وأَدخلْنَام فى رَحْتِنَاَ إنَّهِم مِنَ الصَّالحِينَ (٨٦)).
وإسماعيل: هو الابن الأكبر لإبراهيم - عليهما السلام - وهو الذبيح
الذى افتداه الله - تعالى - بذبح عظيم .
وإدريس: هو واحد من أنبياء الله - تعالى -. قالوا: وهو جد نوح
- عليه السلام - وأنه ولد فى حياة آدم. وبعث بعد موته .
أما ذو الكفل: فقد قال الآلوسى فى شأنه ما ملخصه: ((ظاهر نظم ذى الكفل.
فى لك الأنبياء أنه منهم، وهذا ذهب إليه الأكثر. واختلف فى اسمه :
فقيل: بشر وهو ابن أيوب، بعثه الله - بعد أبيه، وكان مقيما بالشام ...
وقيل: هو إلياس بن ياسين وينتهى نسبه إلى هارون - عليه السلام -.
وقيل: هو زكريا والديحي - عليهما السلام - وسمى بذلك لكفالتهمريم.
وقيل: لم يكن نبيا وإنما كان عبدا صالحا ... »(١).
ثم مدح - سبحانه - هؤلاء الأنبياء فقال: ((كل من الصابرين)، أى: كل
واحد منهم من عبادنا الصابرين الذين تحملوا فى سبيلنا الكثير من المصاعب
والآلام.
((وأدخلناهم، بفضلنا وإحساننا ((فى رحمتنا)) التى وسعت كل شىء« إنهم
من)) عبادها((الصالحين)) لحمل رسالتنا، وتبليغها إلى أقوامهم بصدق وصبر
وأمانة .
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من قصة يونس -عليه السلام- فقال:
(((وذَا النُّونِ إذ ذَهبَ مُغَاضِباً فظنَّ أنْ إِلَنْ نقدِرَ عليهِ فنادَى فى
(١) تفسير الآلوسى =١٧ ص)
٣١٣
الجزء السابع عشر
الظلماتِ أن لا إلهَ إلاَّ أَنتَ سُبحانكَ إنَّى كنتُ مِنَ الظالمينَ (٨٧)
فاسْتَجَبْنا لَهُ وَجَيْنَاهُ من الغمّ، وكذلكَ تُنْجِى الؤْمِنِينَ (٨٨))).
والمراد بذى النون: يونس بن متى - عليه السلام - ، والفون : الحوت .
وجمعه فيتان وأنوان . وسمى بذلك لابتلاع الحوت له .
قال - تعالى -: (((إن يونس لمن المرسلين. إذ أبق إلى الفلك المشحون.
فساهم فكان من المدحضين، فالتقمه الحوت وهو مليم ... ، (١)
وملخص قصة يونس ((أن الله - تعالى - أرسله إلى أهل نينوى بالعراق فى
حوالى القرن الثامن قبل الميلاد، فدعاهم إلى إخلاص العبادة لله - عز وجل -
فاستعصوا عليه: فضاق بهم ذرعا، وتركهم وهو غضبان ليذهب إلى غيرهم،
فوصل إلى شاطىء البحر، فوجد سفينة فر كب فيها، وفى خلال سيرها فى البحر
مناقت بركابها، فقال ربانها: إنه لابد من أن أحد الركاب يلقى بنفسه فى البحر
لينجو الجميع من الغرق .. لجاءت القرعة على يونس. فألقى بنفسه فى "يم)،
فالتقمه الحوت .. ثم نبذه إلى الساحل بعد وقت يعده الله - تعالى -، فأرسله
- سبحانه - إلى قومه مرة أخرى فآمنوا ....
وسيأتى تفصيل هذه القصة فى سورة الصافات - بإذن الله -.
والمعنى: واذكر - أيها المخاطب لتعتبر وتتعظ - عبدنا ذا النون. وأت
أن فارق قومه وهو غضبان عليهم، لأنهم لم يسارعوا إلى الاستجابة له .
قال الجمل: ((وقوله: إذا ذهب مغاضبا، أى: غضبان على قوله، فالمفاصلة
ليست على بابها فلا مشاركة كعاقبت وسافرت، ويحتمل أن تكون على بابها
من المشاركة، أى غاضب قومه وغاضبوه حين لم يؤمنوا فى أول الأمر))(٢).
(١) سورة الصافات الآيات ١٣٩-١٤٢.
. (٢) حاعية الجمل على الجلالين = ٣ ص ١٤٣.
٣١٤
سورة الأنيا.
وقوله - تعالى -: ، فظن أن أن نقدر عليه، بيان لما ظنه يواس - عليه
السلام - حين فارق قومه غاضبا عليهم بدون إذن من ربه - عز وجل - .
أى: أن يونس قد خرج غضبان على قومه لعدم استجابتهم لدهو». فقان
أن لن نضيق عليه، عقابا له على مفارقته لهم من غير أمرنا، أو فظن أننا ان.
قفى عليه بعقوبة معينة فى مقابل تركه لقومه بدون إذننا.
فقوله: (( نقدر عليه)) بمعنى أضيق عليه ونعاقبه. يقال: قدر الله الرزق
يقدره - بكسر الدال وضمها - إذا ضيقه. ومنه قوله - تعالى -: «انه يسط
الرزق لمن يشاء ويقدر .... (١) وقوله: «وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه
رزق» .... (٢) أى : ضيقه عليه .
أم بين - سبحانه - ما كان يردده يونس وهو فى بطن الحوت فقال:
« فنادى فى الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين».
والفاء فى قوله (( فنادى ، فصيحة.
والمراد بالظلمات: ظلمات البحر ، وبطن الحوت ، والليل ...
أى: خرج يونس غضبان على قومه ، تحدث له ماحدث من التقام الحوت
له، فلما صار فى جوفه المظلم ، بداخل البحر المظلم ، أخذ يتضرع إلينا
بقوله: أشهد أن لا إله إلا أنت يا إلهى مستحق للعبادة، (( سبحانك، أى:
أنزمك تنزيها عظيما (( إنى كنت من الظالمين) لنفسى حين فارقت قومى بدون
إذن منك. وإنى أعترف بخطىء - يا إلهى - فتقبل توبتي، وأغسل حوبنى.
هذا وقد ذكر ابن جرير وابن كثير وغيرهما من المفسرين هنا روايات
متعددة عن المدة التى مكثها يونس فى بطن الحوت ، وعن فضل الدعاء الذى
(١) - ورة الرعد الآية ٢٦
(٢) سورة الفجر الآية ١٦
٣١٥
الجزء السابع عشر
تضرع به إلى الله - تعالى -، ومن ذلك مارواه ابن جرير عن سعد بن وقاص
- رضى الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: اسم
الله الذى إذا دعى به أجاب، وإذا سئل به أعطى، دهوة يونس بن مى. قال:
قلت : يا رسول الله، هى ايوفس خاصة أم جماعة المسلمين؟ قال: هى ايونس
ابن متى خاصة وللمؤمنين عامة، إذا دعوا بها. ألم تسمع قول الله - تعالى -:
(( فنادى فى الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا
له، ونجيناه من الغم، وكذلك نتجى المؤمنين، فهو شرط من الله لمن
دماء به (١).
ثم بين - سبحانه - أنه قد أجاب ايونس دعاءه فقال: ((فاستجبنا له)) أى:
دواءه وتضرعه ((ونجيناه من الغم، أى: من الحزن الذى كان فيه حين التقعه
الحوت وصار فى بطنه .
وقد بين - سبحانه - فى آية أخرى، أن يونس - عليه السلام-لو لم يسبح
الله للبث فى بطن الحوت إلى يوم البعث. قال - تعالى -: ((فلولا أنه كان من
المسبحین . للبث فى بطنه إلى يوم يبعثون).
وقوله - تعالى -: ((وكذلك فنجى المؤمنين، بشارة لكل مؤمن يقتدى
بیوس فى إخلاصه وصدق توبته ، ودعاءه لربه .
أى : ومثل هذا الإنجاء الذى فعلناه مع عبدنا يونس ، نتجى عبادنا
المؤمنین من کل غم، متی صدقوا فى إيمانهم ، وأخلصوا فى دعائهم.
٥
ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك جانبا من قصة زكريا ويح فقل
- تعالى -:
(،) .. إن . .. " = ١٧ ص ٦٥ .
٣١٦
سورة الأنبياء
(((وزكريا إذ نادَى ربَّهَ ربِّ لا تَذَرّبِى فَرْدًا وأنتَ خيرُ
الوارثينَ (٨٩) فاستَجَبْنالهُ ووهَبنا له يَحِ، وأصْلَحْنا لَهُ زوْجَهُ، إِنَّهم
كانوا يسارِعُون فى الخيراتٍ ويدُعُونَنَا رغَباً ورهَباً، وكانوالنًا
خاشِعِينَ (٩٠))).
وز كريا هو ابن آزن بن بركيا، ويتصل نسبه بسليمان - عليه السلام -.
وكان عيسى قريب العهد به، حيث كفل زكريا مريم أم عيسى.
أى، وأذكر - أيها المخاطب - حال زكريا - عليه السلام - وقت أن نادى
ربه وتضرع إليه فقال: يارب لا تتركنى فردا أى: وحيداًبدون ذرية «وأنت
خير الوارثين ، أى : وأنت خير حى باق بعد كل الأموات .
فكانت نتيجة هذا الدعاء الخالص أن أجاب الله لزكريا دعاءه فقال:
((فاستجبنا له، أى: دعاءه وتضرعه.
((ووهبنا له)) بفضلنا وإحساننا ابنه، يحمى)) - عليهما السلام -.
(( وأصلحنا له زوجه)، بأن جعلناها تلد بعد أن كانت عقيما تكريما له
ورحمة به .
وقوله: ((إنهم كانوا يسارعون في الخيرات)) تعليل لهذا العطاء الذى
منحه - سبحانه - لأنبيائه - عليهم الصلاة والسلام -. والضمير فى ((أنهم))
يعود الأنبياء السابقين . وقيل: يعود إلى زكريا وزوجه ويحي.
أى: لقد أعطيناهم ما أعطيناهم من ألوان النعم ، لأنهم كانوا يبادرون فى
فعل الخيرات التى ترتضينا ، ويجتهدون فى أداء كل قول أو عمل أمرناهم به .
((ويدعوننا رغبا ورهبا)) أى: ويحارون إلينا بالدعاء، راغبين فى آلائنا
ونعمنا وراهبين خائفين من عذابنا وفقمنا .
٣١٧
الجزء السابع عشر
فقوله: رغبا ورهبا، مصدران بمعنى اسم الفاعل، منصوبان على الحال،
وفعلهما من باب ((طرب)) ((وكانوا لنا خاشعين)) أى: مخبتين متضرعين
لا متكبربن ولا متجبر إن .
وبهذه الصفات الحميدة، استحق هؤلاء الأخيار أن ينالوا خيرنا وعطاء فا
ورضانا .
٥
ثم ختم - سبحانه - الحديث عن هؤلاء الأنبياء الكرام ، بذكر جانب
من قصة مريم وابنها عيسى فقال :
((والتى أُحْصَفَتْ فَرْجها فَنَفَخْنا فيها مِنْ رُوحِنا وجَعْلْنَاها وابْتَهَا
آيَةً لِلعَالمِينَ (٩١)))٤.
وقوله: «أحصفت)) من الإحصان بمعنى المنع ، يقال: هذه درع حصينة
أى: مانعة صاحبها من الجراحة. ويقال: هذه أمرأة حصينة، أى: مائعة نفسها
من كل فاحشة بسبب عفتها أو زواجها .
أى: واذكر - أيضا - أيها المخاطب خبر مريم ابنة عمران التى أحصات
فرجها، أى: حفظه ومنعته من النكاح منعا كليا. والتعبير عنها بالموصول
التفخيم شأنها، وتنزيها عن السوء.
,فنفخنا فيها من روحنا ، أى: فنفخنا فيها ،ن جهة روحنا، وهو جه ل
- عليه السلام - حيث أمرناء بذلك فامتثل أمرنا، فنفخ فى جيب درعها، فكان
بذلك عيسى ابنها، ويؤيد هذا التفسير قوله - تعالى - فى سورة مريم : (قال
- أى جبريل لمريم - ((إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاءا زكيا)).
أى: لأكون سببا فى هبة الغلام الك عن طريق النفخ فى درعك فيصل
هذا النفخ إلى الفرج فيكون الحمل بعيسى بإذن الله وإرادته.
٣١٨
سورة الأنبياء
والمراد بالآية فى قوله - سبحانه -: (( وجعلناها وابنها آية للعالمين)):
الأمر الخارق للعادة ، الذى لم يسبقه ولم يأت بعده ما يشابهبه .
أى: وجعلنا مريم وابنها عيسى آية بينة، ومعجزة واضحة دالة على كال
قدرتنا الناس جميعا، إذ جاءت مريم بعيسى دون أن يمسها بشر، ودون أن
تكون بغيا .
قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت: هلا قيل آبتين كما قال - سبحانه -:
((وجعلنا الليل والنهار آيتين،؟ قلت: لأن حالهما بمجموعهما آية واحدة .
وهى ولادتها إياه من غير لحل)،(١).
وبعد هذا الحديث المتنوع عن قصص عدد كبير من الأنبياء فى سورة
الأنبياء ، عقب - سبحانه - على ذلك ببيان أنهم - عليهم السلام - قد جاءوا
بعقيدة واحدة، هى إخلاص العبادة لله - تعالى - فقال :
(إنَّ هذهٍ أمّتُكُم أمةً واحدةً وأنا ربكم فاعبدُونِ (٩٢)).
ولفظ الأمة يطلق بإطلاقات متعددة. يطلق على الجماعة كما فى قوله - تعالى ..
(( ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ..... ويطلق على
الرجل الجامع للخير، كمافى قوله - تعالى -: ((إن إبراهيم كان أمة قانتافته
حنيفا ... ) .. ويطلق على الحين والزمان، كما فى قوله - سبحانه -: ((وقال الذى
نجا منهما وأذكر بعد أمة .. ، أى وتذكر بعد حين من الزمان.
والمراد بالأمة هنا: الدين والملة. كمافى قوله - تعالى -: ((إنا وجدنا
آباءنا على أمة ... ، أى: على دين وملة معينة.
والمعنى: إن ملة التوحيد التى جاء بها الأنبياء جميعا، هى ملتكم ودينكم أبها
الناس، فيجب عليكم أن تتبعوا هؤلاء الأنبياء، وأن تخلصواته - تعالى -
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٠١٣٣
٣١٩
الجزء السابع عشر
العبادة والطاعة ، فهو - سبحانه - ربكم ورب كل شىء، فاعبدوه حق العبادة
لتنالوا رضاه ومحبته .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك حال الناس من الدين الواحد الذى جاء به
الرسل، وعاقبة من اتبع الرسل وعاقبة من خافهم فقال :
(( وتقَّطَّوا أمرَم بينَهم. كلُّ إلينا راجِعُون (٩٣) فَنْ يعَمَلْ من
الصَّالِحَاتِ وهو مُؤْمِنٌ فلا كُغْرَانَ لِسَنيه وإنَّا لَهُ كَائِبُون (٩٤) وحرامٌ
عَلَى قربةٍ أهلكْنَاهَا أنَّهم لا يرجِعُونَ (٩٥) حتَّى إذا فُتِحَت يأُجُوجُ
ومأجوجَ ومُ من كلَّ حدّبٍ ينسِلُون (٩٦) واقتربَ الوعدُ الحقُّ
فإذا هيَ شاخِصَةٌ أبصارُ الذينَ كفرُوا ياويلنا قد كنَّا فى غفلةٍ من هذا
بلْ كِنَّا ظالِنَ (٩٧) إنكُم وما تعبدُونَ من دُونِ اللَّهِ حَصَب جَهَّ
أنتُم لها وارِدُونَ (٩٨) لو كانَ مَؤلاء آلهةً ما ورَدُوها وكلٌّ فيها
خالدُ ونَ (٩٩) لهمْ فيها زفيرٌ ومُ فيها لا يَسْمِعونَ (١٠٠))).
والضمير فى قوله - تعالى -: «وتقطعوا ... )) يعود للناس الذين تفرضوا
فى شأن الدين شيما وأحزابا . أى: وافترق الناس فى شأن الدين الحق فرقا
متعددة، وسنحاسبهم جميعا على أعمالهم حسابا دقيقا، يجازى فيه المحسن خير،
ويعاقب فيه المسىء على إساءته .
وقال - سبحانه -: ((فلا كفر ان لسعيه، بالنفى المفيد للعموم، لبيان كمال
عدالته - تعالى -،وتنزيهه - عز وجل - عن ظلم أحد، أو أخذ الشىء مما يستحقه.
وعبر عن العمل بالسعى، لإظهار الاعتداد به ، وأن صاحب هذا
العمل الصالح ، قد بذل فيه جهدا مشكورا، وسعى من أجل الحصول عليه
سعيا بذل فيه طاقته .
ثم أكد - سبحانه - بعد ذلك ماسبق أن قرره من أن الكل سيرجعون
إليه للحساب، فقال: ((وحرام على قرية أملكناها أنهم لا يرجعون)).
٣٢٠
سورة الأنبياء
والمفسرين فى تفسير هذه الآية الكريمة أقوال منها:
أن المعنى: وحرام - أى: ومتفع امتناعا تاما - على قرية أهلكنا أهلها
بسبب قسوتهم عن أمرنا، وتكذ بهم أرسلنا أنهم لا يرجعون إلينافى الآخرة
للحساب.
فالآية الكريمة تأكيد لما قررته الآيات السابقة ، من أن الذين تقطعوا
أمرهم بينهم، والذين آمنوا وعملوا صالحاً فى دنياهم، المكل سير جعون إلى الله
- تعالى - ليجازيهم بما يستحقون يوم القيامة .
وقد أكدت الآية الكريمة رجوعهم إليه - تعالى - يوم القيامة بأسلوب
يديع. حيث نفت عن الأذهان ما قد يتبادر من أن هلاك الكافرين بالعذاب
فى الدنيا ، قد ينجيهم من الحساب والعقاب يوم القيامة، وأثبتت أن الرجوع
يوم القيامة للحساب مؤكد .
قال صاحب فتح القدير: (قوله ((وحرام على قريه أهلكناها ... ، قرأ
أهل المدينة ((وحرام،، وقرأ أهل الكوفة (،وحرم)) - بكسر الحاءو إسكان
الراء - وهما لغتان مثل : حلال وحل ...
ومعنى ((أهلکناها،: قدرنا إهلا کها ، وجملة (( أُنهم لا يرجعون) فى محل
رفع مبتدأ، وقوله: ((حرام)) خبرها ... والمعنى: ويمتنع ألبتة عدم
رجوعهم إلينا للجزاء .... (!).
وقال بعض العلماء: «وجعل أبو مسلم هذه الآية من تتمة ماقبلها، و ((لا)
فيها على بابها. وهى مع لفظ «حرام)، من قبيل ففى النفى. فيدل على الإثبات،
والمعنى: وحرام على القرية المهلكة. عدم رجوعها إلى الآخرة ، بل واجب
رجوعها للجزاء، فيكون الغرض إبطال قول من ينكر البعث، وتحقيق ما تقدم.
من أنه لا كفران لسعى أحد وأنه - سبحانه - سيحييه وبعمله يجزيه»(٢).
(١) تفسير فتح القدير ج ٣ ص ٤٢٦ للشوكانى.
(٢) تفسير القاسمى ج ١٧ ص٠٤٣٠٩