النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ الجزء السابع عشر فقتق الله - تعالى - السماء بأن جعل المطر ينزل منها، وفتق الأرض بأن جعل النبات يخرج منها . وهذا التفسير منسوب إلى ابن عباس ، فقد سئل عن ذلك فقال: كانت السموات رتقا لا تمطر، وكانت الأرض رتقا لا تنبت، فلما خلق - سبحانه - للأرض أهلا، فتق هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات .. (١) ومنهم من يرى أن المعنى: كانت السموات والأرض متلاصقتين كالشىء الواحد ، ففتقهما الله - تعالى - بأن فصل بينهما، فرفع السماء إلى مكانها، وأبقى الأرض فى مقرها، وفصل بينهما بالهواء .. قال قتادة: قوله (( كانتا رتقا، يعنى أنهما كانا شيئا واحداً ففصل الله بينهما بالهواء(٢). ومنهم من يرى أن معنى ((كانتا رتقا، أن السموات السبع كانت متلاصقة بعضها ببعض ففتقها الله - تعالى - بأن جعلها سبع سموات منفصلة، والأرضون كانت كذلك رتقا، ففصل الله - تعالى - بينها وجعلها سبعا. قال مجاهد: كانت السموات طبقة واحدة مؤتلفة ، ففتقها جعلها سبع سموات، وكذلك الأرضين كانت طبقة واحدة ففتقها تجعلها سبعا،(٢). وقد رجح بعض العلماء المعنى الأول فقال ماملخصه: كونهما ,كانتا رتقا)، بمعنى أن السماء لا ينزل منها مطر، والأرض لا تنبت ، ففتق - سبحانه - السماء بالمطر والأرض بالنبات ، هو الراجح وقدل عليه قرائن من كتاب الله - تعالى - منها : أن قوله - تعالى -: ((أو لم ير الذين كفروا .. )) يدل على أنهم رأوا ذلك (١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٣٢٢ (٢) تفسير القرطبى : ١١ ص٤٨٣ (٣) تفسير القرطبي جـ ١١ ص ٢٨٣ ٢٦٢ سورة الأنبياء لأن الأظهر فى رأى أنها بصرية ، والذى يرونه بأبصارهم هو أن السماء تكون لا ينزل منها «طر، والأرض لا نبات فيها. فيشاهدون بأبصارهم نزول المطر من السماء، وخروج النبات من الأرض . ومنها: أنه - سبحانه - أتبع ذلك بقوله: ( وجعلنا من الماء كل شىء حى، والظاهر اتصال هذا الكلام بماقبله . أى: وجعلنا من الماء الذى أنزلناه بفتقنا السماء وأنبتنا به أنواع النبات بفتقنا الأرض ، كل شىء حى. ومنها : أن هذا المعنى جاء موضحا فى آيات أخرى، كقوله - تعالى -: ((والسماء ذات الرجع. والأرض ذات الصدع، والمراد بالرجع: نزول المطر من السماء تارة بعد أخرى والمراد بالصدع: إنشقاق الأرض عن النبات . واختار هذا القول ابن جرير وابن عطيه والفخر الرازى .. فإن قيل : هذا الوجه مرجوح، لأن المطر لا ينزل من السموات، بل من سماء واحدة وهى سماء الدنيا ؟ قلنا : إنما أطلق عليه لفظ الجمع، لأن كل قطعة فيها سماء . كمايقال: أوب أخلاق - أى: قطع . (١). والآية الكريمة مسوقة لتجهيل المشركين وتوبيخهم على كفرم ، معأنهم يشاهدون بأعينهم ما يدل دلالة واضحة على وحدانية اله - تعالى - وقدرته، ويعدون أن من كان كذلك ، لا يصح أن تترك عبادته إلى عبادة حجر أو نحوه، ما لا يضر ولا ينفع. والمعنى : أو لم يشاهد الذين كفروا بأبصارهم ، ويعلموا بعقولهم، أن السموات والأرض كانتا رتقا، بحيث لا ينزل من السماء مطر، ولا يخرج من الأرض نبات، ففتق الله - تعالى - السماء بالمطر، والأرض بالنبات. (١) راجع تفسير أضواء البيان ج ٤ ص ٥٦٢ الشيخ محمد الأمين الشنقيطى. ٢٦٣ الجزء السابع عشر إنهم بلا شك يشاهدون ذلك، ويعقلونه بأفكارهم. ولكنهم لاستيلاء الجحود والعناد عليهم ، يعبدون من دونه - سبحانه - مالا ينفع من عبده، ولا يضر من عصاه ... وقال - سبحانه -: ((كانتا)، يالتثنية، باعتبار النوعين اللذين هما نوع السماء، وفوع الأرض، كما فى قوله - عز وجل: ((إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ... )). وقوله - تعالى -: ((وجعلنا من الماءكل شىء حى ... ) تأكيد لمضمون ما سبق، وتقرير لوحدانيته ونفاذ قدرته - سبحانه - والجعل بمعنى الخلق . و، من، ابتدائية . أى: وخلقنا من الماء بقدرتنا النافذة ، كل شىء متصف بالحياة الحقيقية وهو الحيوان ، أو كل شىء نام فيدخل النبات، ويراد من الحياة ما يشمل النمو. وهذا العام مخصوص بما سوى الملائكة والجن مما هو حى، لأن الملائكة - كما جاء فى بعض الأخبار - خلقوا من النور، والجن مخلوقون من النار . قال - تعالى -: « خلق الإنسان من صلصال كالفخار . وخلق الجان من مارج من نار ، . قال القرطبى: «وقى قوله - تعالى -: (وجعلنا من الماء كل شىء حى .)) ثلاث تأويلات : أحدها: أنه خلق كل شىء من الماء . قاله قتادة. الثانى: حفظ كل شىء بالماء . الثالث: وجعلنا من ماء الصلب - أى: النطفة - كل شىء حتى ... ،(١) . وقوله : ((أفلا يؤمنون)، إنكار لعدم إيمانهم مع وضوح كل ما يدعو إلى الإيمان الحق ، والفاء للعطف على مقدر يستدعيه هذا الإنكار . (١) تفسير القرطبى :١١ ص ٢٨٤. ٢٦٤ سورة الأنبياء أى: أيشاهدون بأعينهم ما يدل على وحدانية الله وقدرته. ومع ذلك لا يؤمنون؟ إن أمرهم هذا لمن أعجب العجب، وأغرب الغرائب !!. ثم ساق - سبحانه - أدلة أخرى على وحدانيته وقدرته فقال: (وجعلنا فى الأرض رواسى أن تميد بهم .. ،. الروامى: جمع رأسية ، من رسا الشىء إذا ثبت ورسخ، والمرادبها الجبال الثابتة الراسخة فى الأرض . أى: وجعلنا فى الأرض جبالا ثوابت، كراهة أن ((تمبد بهم، أى: أن تضطرب وتتحرك بهم الأرض. يقال: ماد الشىء يميد هيدا - من باب باع- إذا تحرك واهتز . (( وجعلنا فيها نجاجا سيلا لعلهم يهتدون)» والفجاج. جمع فج وهو الطريق الواسع . والسبل: جمع سبيل وهو الطريق، وهو بدل من ((جاجا). أى: وجعلنا فى الأرض طرقا واسعة، ومنافذ متعددة، لعلهم بذلك يهتدون وبتوصلون إلى الأماكن التى يربدون الوصول إليها، ويعلمون أن الذى وهبهم كل هذه النعم، هو الله - تعالى - الذى يجب أن يخلصوا له العبادة والطاعة. ,وجعلنا السماء سقفا محفوظاً وهم عن آياتها معرضون، أى: وجعلنا السماء سقفا الأرض كما يكون السقف للبيت، وجعلناه محفوظاً من السقوط ومن التشقق ، ومن كل شيطان رجيم ، وهم - أى المشركون - عن آياتها الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا وعلمنا. معرضون ذاهلون، لا يتعظون ولا يتذكرون. ومن الآيات الدالة على حفظ السماء من السقوط، قوله - تعالى -: ((ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، إن الله بالناس ار،وف رحيم)،(١). (١) سورة الحج الآية ٦٥. ٢٦٥ الجزء السابع عشر ومن الآيات الدالة على حفظها من التشقق والتفطر قوله - سبحانه - : «أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج ... ،(١). وعلى حفظها من الشياطين قوله - تعالى -: ((وحفظناها من كل شيطان رجيم،(٢). ومن الآيات الدالة على إعراض هؤلاء المشركين عن العبر والعظات قوله - سبحانه -: «وكأين من آية فى السموات والأرض يمرون عليها وم عنها معرضون،(٣). ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الدالة على قدرته ووحدانيته بقوله -تعالى- (( وهو الذى خلق الليل والنهار، والشمس والقمر، كل فى ذلك يسبحون». أى: وهو وحده - سبحانه - الذى خلق بقدرته الليل والنهار بهذا النظام البديع، وخلق الشمس والقمر بهذا الإحكام العجيب ((كُلّ، أى: كل واحد من الشمس والقمر يسير فى فلكه وطريقه المقدر له بسرعة وانتظام، كالسابع فى الماء. وقوله: (( يسبحون)) من السبح وهو المر السريع فى الماء أو الهواء. وجاء يسبحون بضمير العقلاء. لكون السباحة المسندة إليهما من فعل العقلاء، كما فى قوله - تعالى -: ((والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين)). هذا والمتأمل فى هذه الآيات يراها قد ساقت جملة من الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وعلى كال قدر ته . ثم بين - سبحانه - أن مصير البشر جميعاً إلى الفناء، وأن كل نفس ذائقة (١) سورة ق الآية ٦. (٢) سورة الحجر الآية ٠١٧ (٣) سورة يوسف الآية ٠١٠٥ ٢٦٦ سورة الأنبياء الموت، وأن من طبيعة الإنسان تعجل الأمور قبل أوانها ، وأن المشركين لو علموا المصير السىء الذى ينتظرهم يوم القيامة، لما قالوا ما قالوه من باطل، ولما فعلوا ما فعلوه من قبائح، قال - تعالى -: (( وما جَعَلْنَ لبشَرِمن قبلِكَ أَخْلِ، أفإنْ متَّ فهم الخالدُ ونَ(٣٤) كلُ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموتِ ونَبْلُوكُم بالشرِّ والخيرِ فِنة وإليناَ تُرجَعُونَ (٣٥) وإذا رآكَ الذينَ كَفرُوا إِنْ يَتَّخْذونَكَ إِلَّهُزُواً، أهذَا الذِى يذكُر المتكُم وهُم ◌ِذَكْر الرحمنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الإنسانُ من عَجَلٍ ، سأُورِيُكُمْ آيَاتِ فَلاَ تَستعجِلُونَ (٣٧) ويقولُونَ مَتَى هذَا الوعدُ إنْ كَثْ صادِقِينَ (٣٨) أو يعلَمُ الذينَ كَفَرُوا حينَ لاَ يَكْفُونَ عن وجُوهِهِم النارَ وَلاَ تَنْ ظُهورِمٍ وَلَا هُمُ يُنْصَرُونَ (٣٩) بلْ تَأْتِهِمْ بِنْثَةً فَتَبْتَهم، فلا يستطيعُونَ ردَّهَا ولا هم يُنْظُرُونَ (٤٠) ولقّدِ استَّهزىءٍ بِرسَلِ مِنْ قَبِلِكَ فَمَاقَ بالذينَ سَخِرُوا مِنْهُم، ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِ ئُونَ (٤١))). قال القرطبى:( قوله - تعالى -: (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد .... أى : دوام البقاء فى الدنيا . نزلت حين قالوا: نتر ص بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ريب المنون. وذلك أن المشر کین کانو ا يدفعون نبوته ویقولون: شاعر تتر بص به ريب المنون، ولعله يموت كما مات شاعر بنى فلان ، فقال الله - تعالى - ,قد مات. الأنبياء قبلك يا محمد ، وتولى الله دينه بالنصر والحياطة، فهكذا تحفظ دينك. وشرعك ... ، (١). والاستفهام فى قوله - سبحانه -: ((أفإن مت فهم الخالدون، الانكار والنفى ... (١) تفسير القرطبى : ١١ ص ٢٨٧. ٢٦٧ الجزء السابع عشر والمعنى: وما جعلنا - أيها الرسول الكريم - لبشر من قبلك - كائنا من كان - الخلود فى هذه الحياة، وأنت إن مت فهم - أيضا - سيموتون فى الوقت الذى حدده الله - تعالى - لانقضاء عمرك وأعمارهم، وما دام الأمر كذلك فذرهم فى جهالتهم يعمهون، ولا تلتفت إلى شمانتهم فيك، أو إلى تربصهم بك ، فإنك ميت وإنهم ميتون(وكل شىء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون)) ورحم الله الإمام الشافعى حيث يقول : فتلك سبيل لست فيها بأوحد تمنى أناس أن أموت ، وإن أمت تهيأ لأخرى مثلها ، وكان قد فقل للذییبغی خلاف الذى مضى وقال شاعر آخر : كلا كلة أناخ بآخرينا إذا ما الدهر جر على أناس سيلقى الثامنون كما لفينا فقل للشامتين بنا أفيقوا ثم أكد - سبحانه - عدم خلود بشر فى هذه الحياة فقال: « كل نفس ذائقة الموت ٢٠٠٠ أى: كل نفس أوجدها الله - تعالى - فى هذه الحياة، ستذوق مرارة نزول الموت بها ، ومفارقة روحها لجسدها . قال الآلوسي ما ملخصه: «والموت عند الأشعرى، كيفية وجودية تضاد الحياة. وعند كثيرين غيره: أنه عدم الحياة عما من شأنه الحياة بالفعل ... وقال بعضهم: المراد بالنفس هنا: النفس الإنسانية لأن الكلام مسوق لنفى خلود البشر . واختير عمومها لتشمل نفوس البشر والجن وسائر نفوس الحيوان)(١). (١) تفسير الألوسى = ١٧ ص ٤٥. ٢٦٨ سورة الأنبياء وقوله - تعالى -: ((ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون)) بيان لسنة من سننه - تعالى - فى معاملة عباده. وقوله - سبحانه -: ((ونبلوكم)) من البلو بمعنى الاختبار والامتحان. يقال: فلان بلاه الله بخير أو شر يبلوه بلوا، وأبلاه وابتلاه ابتلاء، بمعنى امتحنه » (١) . وقوله: (( فتنة)) مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه. أى : كل نفس ذائقة الموت ، وتختبركم فى هذه الحياة بألوان من النعم وبألوان من المحن ، انرى أنشكرون عند النعمة، وتصبرون عند المحنة، أم يكون -الكم ليس كذلك؟ وفى جميع الأحوال فإن مرجعكم إلينا لا محالة، ومنجازيكم بما تستحقون من ثواب على شكركم وصبركم، وسنجازى غير الشاكرين وغير الصابرين بما يستحقون من عقاب، ولا يظلم ربك أحدا . قال بعض العلماء : والابتلاء بالشر مفهوم أمره ليتكشف مدى احتمال المبتلى، ومدى صبره على الضر، ومدى ثقته فى ربه ، ورجائه فى رحمته .. فأما الابتلاء بالخير فهو فى حاجة إلى بيان . إن الابتلاء بالخير أشد وطأة .. فكثيرون يصمدون أمام الابتلاء بالشر ولكن القلة القليلة هى التى تصمد للابتلاء بالخير. كثيرون يصبرون على الابتلاء بالمرض والضعف ، وقليلون هم الذين يصبرون على الابتلاء بالصحة والقدرة . كثيرون يصبرون على الفقر والحرمان ، فلا تتهاوى نفوسهم ولا تذل . وقليلون هم الذين يصبرون على الثراء ومغرياته وما يثيره من أطماع .. كثيرون يصبرون على الكفاح والجراح ، وقليلون هم الذين يصبرون على الدعة ، ولا يصابون بالحرص الذى يذل أعناق الرجال ... (١) المصباح المنير ص ٨٦ ٢٦٩ الجزء السابع عشر إن الابتلاء بالشر قد يثير الكبرياء، ويستحث القامة ، ويجند الأعصاب لاستقبال الشدة ... أما الرخاء فقد يرخى الأعصاب ويفقدها المقاومة ... إلا من عصم الله وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول: عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له )(١) . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: (ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذنام بالبأساء والضراء لعلكم يتضرعون،(٢). وقوله - سبحانه -: «موبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون)(٣). ثم حكى - سبحانه - جانبا من السفاهات التى كان المشركون يقابلون بها النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((وإذا رأك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا ..... أى: وإذا أبصرك المشركون - أيها الرسول الكريم - سخروا منك، واستخفوا بك وقالوا على سبيل التهوين من شأنك ((أهذا الذى يذكر آلهتكم)) أى: أهذا هو مدعى النبوة الذى يذكر آلهتكم بسوء ويعيبها، وينفى شفاعتها لنا . وأنها تقربنا إلى الله زلفى . وقوله - سبحانه -: ((وهم بذكر الرحمن هم كافرون)) فى محل نصب حال من ضمير القول المقدر . أى: أنهم يقولون فيما بينهم أهذا هو الرسول الذى يذكر آلهتكم بسوء، (١) فى ظلال القرآن ج ١٧ ص ٥٢٣ للأستاذ سيد قطب رحمه الله . (٢) سورة الأنعام الآية ٤٢. (٣) سورة الأعراف الآية ١٦٨ ٢٧٠ سورة الأنباء والحال أن هؤلاء المشركين الجاهلين، كافرون بالقرآن الذى أنزله الله - تعالى- عليك - أيها الرسول الكريم - لتخرج الناس به من الظلمات إلى النور. فالآية الكريمة تنعى على هؤلاء المشركين جهالاتهم وسفاهاتهم. حيث استكثروا على الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يذم آلهتهم التى لا تنفع ولا تضر ولم يستكثروا على أنفسهم. أن يكفروا بخالقهم ويذكره الذى أنزله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ليكون رحمة لهم. قال صاحب الكشاف: ((الذكر يكون بخير وبخلافه. فإذا دات الحال على أحدهما أطلق ولم يقيد. كقولك للرحمن: سمعت فلانا يذكرك ، فإن كان الذاكر صديقا فهو ثناء، وإن كان عدوا فهو ذمٍ، ومنه قوله: «أهذا الذى بذكر آلهتكم ، . والمعنى: أنهم عاكفون على ذكر آلهتهم بهممهم، وبما يجب أن لا تذكر به من كونهم شفعاء وشهداء، ويسومهم أن يذكرما ذاكر بخلاف ذلك . وأما ذكر الله - تعالى - وما يجب أن يذكر به من الوحدانية ، فهم به كافرون لا يصدقون به أصلا، فهم أحق بأن يتخذوا هزوا منك، فإنك محق وم مبطلون .. فسبحان من أضلهم حتى تأدبوا مع الأوثان، وأساءوا الأدب مع الرحمن،(١). ثم بين - سبحانه - ما جبل عليه الإنسان من تسرع وتعجل فقال: (( وخلق الإنسان من مجل ... ». والعجل : طلب الشىء وتحربه قبل أوانه ، وهو عند البطء . والمراد بالإنسان : جنسه والمعنى. خلق جنس الإنسان مجبولا على العجلة والتسرع، فتراه يستعجل حدوث الأشياء قبل وقتها المحدد لها، مع أن ذلك قد يؤدى إلى ضرره. (١) تقدير الكشاف ج ٣ ص ٠١١٦ ٢٧١ الجزء السابع عشر قالمراد من الآية الكريمة وصف الإنسان بالمبالغة فى تعجل الأمور قبل وقتها، حتى لكأنه مخلوق من نفس التعجل والعرب تقول: فلان خلق من كذا، يعنون بذلك المبالغة فى اتصاف هذا الإنسان بما وصف به، ومنه قولهم خلق فلان من كرم ، وخلقت فلانة من الجمال . وقوله : (« سأريكمآ ياتى فلا تستعجلون، تهديد وزجر لا ولئك الكافرين الذين كانوا يستعجلون العذاب. أى: سأريكم عقابى وافتقامى منكم - أيها المشر كون - فلا تتعجلوا ذلك فإنهآت لا ريب فيه . قال ابن كثير: والحكمة فى ذكر عجلة الإنسان هنا. أنه - سبجانه - لما ذكر المستهزئين بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وقع فى النفوس سرعة الانتقام منهم . فقال - سبحانه -: ((خلق الإنسان من عجل)، لأنه - تعالى- يملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، يؤجل ثم يعجل، وينظرثم لا يؤخر، ولهذا قال: « ساريكم آياتى، أى: نقمى واقتدارى على من عصانى (((فلا تستعجلون))(١). وقال الألوسى: ((والنهى عن استعجالهم إياه - تعالى - مع أن نفوسهم جبات على العجلة، لمنعوها عما تريده، وليس هذا من التكليف بما ي طاق . لأنه .. سبحانه - أعطاهم من الأسباب ما يستطيعون به كف النفس عن مقتضاها، ويرجع هذا النهى إلى الأمر بالصبر))(٢). ثم أكد - سبحانه - ما يدل على تعجلهم لما فيه هلاكهم فقال: «ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ». أى: أن هؤلاء المشركين بلغ من طفيانهم وجهلهم أنهم كانوا يتعجلون (١) تفسير ابن كثير جه ص٠٣٣٦ (٢) تقدير الألوسى ج١٧ ص ٤٩. ٢٧٣ سورة الأنبياء العذاب الذى توعدهم الله - تعالى - به إذا ما استمروا على كفرهم. وبقولون الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولأ صحابه - على سبيل التهكم والاستهزاء .. متى يقع هذا العذاب الذى توعدتمونا به. إننا مترقبون له، فإن كنتم صادقين فی وعدكم، فأسرعوا فى إنزاله. وأسرعوا فى دعوة ربكم - سبحانه - أن يأتى بالساعة . وجواب الشرط لقوله ((إن كنتم صادقين)) محذوف، لدلالة ما قبله عليه. أى : إن كنتم صادقين فى وعدكم بأن هناك عذابا ينتظرنا ، فأتوا به بسرعة. وهنا يسوق القرآن ما يدل على غفلتهم وسوء تفكيرهم، وعلى أنهم لو كانوا يعلمون ما ينتظرهم من عذاب يوم القيامة ، لما تفوهوا بما تفوهوا به. فيقول - سبحانه ـ (( لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم . ولاهم ينصرون)). وجواب «لو) محذوف. و «يعلم، بمعنى يعرف، و «حين، مفعوله. أى: لو عرف الكافرون وقت وقوع العذاب بهم. وما فيه من فظائع تجعلهم يعجزون عن دفع النار عن وجوههم وعن ظهورهم ... لو يعرفون ذلك لما استعجلوه. ولما استخفوا بالنبى - صلى الله عليه وسلم - وبأصحابه، لكن عدم معرفتهم هى التى جعلتهم يستعجلون ويستهزئون. وخص - سبحانه - الوجوه والظهور بالذكر، لكونهما أظهر الجوانب ، ولبيان أن العذاب سيغشاهم من أمامهم ومن خلفهم دون أن يملكوا له دفعا. وقال - سبحانه - «ولاهم ينصرون، لبيان أنهم مع عجزهم عن دفع العذاب بأنفسهم . فإن غيرهم - أيضا - لن يستطيع دفعه عنهم. قال صاحب الكشاف: ((جواب ((لو) محذوف. و«حين، مفعول به ليعلم. أى: لو يعدون الوقت الذى يستعدون عنه بقولهم: ((متى هذا الوعد)) وهو وقت صعب شديد تحيط بهم فيه النار من وراء وقدام ، فلا يقدرون على ٢٧٣ الجزء السابع عشر دفعها ومنعها من أنفسهم، ولا يجدون ناصرا ينصرهم، لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم به هو الذى هو ه عندهم، ويجوز أن يكون (( يعلم ) متروكا بلا تعديه، بمعنى: لو كان معهم علم ولميكونوا جاهلين، لما كانوا مستعجلين ، وحين: منصوب بمضمر. أى حين، لا يكفون عن وجوههم النار ، يعلمون أنهم كانوا على الباطل ... ، (١) وقوله - سبحانه - «بل تأتيهم بغتة فتبهتهم، ... بيان لسرعة قيام الساعة، ومفاجئتها لهم. أى: بل تأتيهم الساعة الموعود بها، وبعذابهم فيها، مفاجأة من غير شعور بمجيئها ، ((فتبهتهم، أى: فتدهشهم وتحيرهم . والبهت: الانقطاع والحيرة . , فلا يستطيعون ردها، أى: فلا يستطيعون دفع الساعة أوردها عنهم « ولا هم ينظرون، أى: ولاهم يمهلون لتوبة أو معذرة. ثم ختم - سبحانه - الآيات الكريمة بتسلية النبى - صلى الله عليه وسلم- عما أصابه من هؤلاء المشركين. فقال: (ولقد استهزىء برسل من قبلك، تفاق بالذين سخروا منهم . ما كانوا به يستهزئون)). أى: ولقد استهزىء - أيها الرسول الكريم - برسل كثيرين من قبلك، فنزل هؤلاء المشركين المستهزئين برسلهم ، العذاب الذى كانوا يستهزئون به فی الدنیا ، ويستعجلون وساهم فى نزوله . وصدرت الآية الكريمة بلام القسم وقد ، لزيادة تحقيق مضمونها وتأ كيده وتغوين الرسل: التفخيم والتكثير. أى: والله لقد استهزى. برسل كثيرين ذری شأن خطير كائنين فى زمان قبل زمانك . (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٠١١٨ ( ١٨ - سورة الأنبياء ) ٢٧٤ سورة الأنبياء وعبر - سبحانه - بالفعل حاق، لأن هذه المادة تستعمل فى إحاطة المكروه، فلا يقال: فلان حاق به الخير، ولأنها تدل على الشمول والازوم . أى : فزل بهم العذاب الذى كانوا يستهزئون به فى الدنيا نزولا شاملا، أحاط بهم من كل جهة إحاطة قامة . وبذلك تكون الآيات الكريمة، قد بينت جانبا من سنن الله - تعالى - فى خلقه ، وحكت بعض الأفعال القبيحة التى كان المشركون يفعلونها مع النبى - صلى الله عليه وسلم - وحددتهم عليها تهديدا شديدا، وسلمت الغبى - صلى الله عليه وسلم - عما ارتكبوه فى حقه . ثم أمر - سبحانه - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يذكر هؤلاء الجاحدين بنعمه - تعالى -، وأن ينذرهم بأسه وعقابه إذا ما استمروا فى كفرهم ، فقال - عز وجل - : ((قُلْ من يكلؤُ كُم بِالليلِ والنَّارِ مِنَ الرحمنِ، بلْ م عن ذِكْر ربهم مُعْرِضُون (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلهةٌ تَنَعُهُم من دُونِناَ لا يَستَطِيعُونَ نَصْرَ أنفُسِهِم ولا م منَّا يُصحبُونَ (٤٣) بلْ متَّعناَ هؤلاء وآباءمُ حتَّى طالَ مَلَيْهِمَ الْعُر، أفلاَ يرَوْنَ أنَّا نأتى الأرضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطرافِا أفَهُم الغالبُونَ (٤٤) قل إنَّا أَنذِرُ ثُ بَلوَخى ولا يسْمَع الصمُّ الدّعاء إذَا ما يُنْذَرونَ (٤٥) ولكنْ مَّتْهم نفحَةٌ مِنْ عذابٍ رَبِّكَ لِيَقُولُن يا وَيْلَنا إنَّا كُنَّا ظَالِينَ (٤٦) ونضَعُ الموازينَ القسطَ لَيَوْمِ القيامةِ فلا تُظَمِ نَفْسٌ شيئًا، وإنْ كانَ مثقَلَ حِبَّةٍ من خَرْدَلٍ أَذّْنَا بها وكفَى بنا حاسبينَ (٤٧))). وقوله - تعالى -: ((يكلؤكم، أى: يرعاكم ويحفظكم. يقال: فلأن كلاً ٢٧٥ الجزء السابع عشر فلانا كلاً وكلاءة - بالكسر - إذا حرسه، واكتلا فلان من غيره، إذا أحترس منه . والاستفهام للافكار والتقريع . أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المستهزئين بك وبما جئت به من عند ربك: قل لهم من الذى يحرسكم ويحفظكم ((بالليل، وأنتم نائمون ((والنهار)) وأنتم متيقظون ((من الرحمن)) أى: من عذاب الرحمن وبأسه إذا أرادأن المككم بسبب عكوفكم على كفركم وشر ككم. وتقديم الليل على النهار، لما أن الدواهى فيه أكثر، والأخذ فيه أشد، واختار - سبحانه - لفظ الرحمن، للاشعار بأنهم يعيشون فى خيره ورحمته ، ومع ذلك لا يشكرونه - تعالى - على نعمه . ولذا ۔ أخبر - سبحانه - عنهم بقوله: « بل م عن ذکر ربهم معرضون، أى : بل هم بعد كل هذا الإنكار عليهم، والتنبيه لهم. عن ذكر ربهم وكتابه الذى أنزله لهدايتهم . معرضون شاردون، لايحاولون الانتفاع بتوجيهاته ، ولا يستمعون إلى إرشاداته . فالجملة الكريمة تنفى عنهم الانتفاع بما يوجهه الرسول - صلى الله عليه وسلم- من هدايات وعظات . ثم وجه - سبحانه - إليهم سؤالا آخر فقال: ((أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا .... ؟ و((أم) هنا هى المنقطعة التى بمعنى بل والهمزة، فهى مشتملة على معنى الإضراب والإفكار . والمعنى: وسلهم - أيها الرسول الكريم - مرة أخرى: ألهؤلاء الجاحدين آلهة أخرى تستطيع أن تحرسهم وترعام سوانا نحن ؟ كلا لير لهم ذلك . ٢٧٦ سورة الأنبياء فالجملة الكريمة إضراب عن وصفهم بالإعراض إلى توبيخهم على جهالاتهم بسبب اعتمادهم على آلهة لا تنفع ولا تضر. وقوله: « لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا م منا يصحبون، نفى على أبلغ وجه لأن تكون هناك آلهة ترعاهم سوى الله - تعالى -. أى: كلا ليس لهم آلهة تمتعهم من عذابنا إن أردنا إنزاله بهم، فإن هؤلاء الآلهة لا يستطيعون نصر أنفسهم فضلا عن نصر غيرهم ولاهم منا يصحبون أى يجارون ويمنعون من نزول الضر بهم . قال ابن جرير: ((وقوله ((يصحبون، بمعنى يجارون، تقول العرب: أنا لك جار وصاحب من فلان. بمعنى أجيرك وأمنعك منه. وهؤلاء إذا لم يصحبوا بالجوار ، ولم يكن لهم مانع من عذاب الله ، مع سخط الله عليهم، فلم يصحبوا بخير ولن ينصروا،(١). ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن فعمة أخرى من نعم الله عليهم لم يحسنوا شكرها، فقال - تعالى -: ((بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر ٢٠٠٠. أى: لا تلتفت - أيها الرسول الكريم - إلى هؤلاء المشركين الذين أعرضوا عن ذكر ربهم ، والذين زعموا أن آلهتهم تضر أو تنفع، فإننا قد كلأنام برعايتنا بالليل والنهار، ومتعناهم وآباءهم من قبلهم بالكثير من متع الحياة الدنيا ، حتى طالت أعمارهم فى رخاء ونعمة ، تحملهم ذلك على الطغيان والبطر والإصرار على الكفر. وسنأخذهم فى الوقت الذى نريده أخذ عزيز مقتدر، فإن ما أعطيناه لهم من نعم إنما هو على سبيل الاستدراج لهم. ثم يلفت - سبحانه - أنظارهم إلى الواقع المشاهد فى هذه الحياة فيقول: (((أفلا يرون أن فأتى الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون)). (١) تفسير ابن جرير جـ ١٧ ص ٢٣. ٢٧٧ الجزء السابع عشر والعلماء فى تفسير هذه الجملة الكريمة أقوال النهار: أن المراد بنقص الأرض من أطرافها : إهلاك المشركين السابقين الذين كذبوا وسلهم، كقوم نوح وعاد وثمود، وهم يمرون على قرى بعض هؤلاء المكذبين، وبرون آثارهم وقد دمرت ديارهم . والمعنى : أفلا ينظر هؤلاء المشركون الذين كذبوك با محمد ، فيرون بأعينهم ماحل بأمثالهم من كذبوا الرسل من قبلك. وكيف أننطوينا الأرض بهم، وجعلناهم أثرا بعد عين . والاستفهام فى قوله: ((أفهم الغالبون، الإنكار. أى: لم تمكن الغلبة والعاقبة فى يوم من الأيام لمن كذبوا رسل الله - تعالى-، وإنما الغابة والظفر وحسن الساقية لمن آمن بالرسل وصدقهم واتبع ما جاءوا به من عند ربهم . وقد أشار الإمام ابن كثير إلى هذا المعنى بقوله: «أفلا يعتبرون بنصر الله لأوليائه على أعدائه، وإهلاكه الأمم المكذبة والقرى الظالمة، وإنجائه لعباده. المؤمنين، ولهذا قال : « أفهم الثالبون». يعنى: بل هم المغلوبون الأسفلون الآخرون الأرذلون)،(١). ومنها أن المراد بنقص الأرض من أطرافها: نقص أرض الكفر ودار الغرب ، وتسليط المسلمين عليها وانتزاعها من أيديهم ، بدليل الاستفهام الإنكاری فی قو له , أنهم الغالبون ، أى لا ليسوا هم الذیی يغلبون جندنا، وإنما جندنا هم الغالبون . وقد صدر الألوسى تفسيره بهذا القول فقال: ((أفلايرون أن نأتي الأرض» أى: أرض الكفرة , تنقصها من أطرافها، بتسليط المسلمين عليها، وحوز مايحوزون منها، ونظمه فى سلك ملكهم ... ((أفهم الغالبون)) على رسول الله - صلى أقه عليه وسلم - والمؤمنين . (١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٣٣٨. ٢٧٨ سورة الأنبياء والمراد إنكار ترتيب الغالبية على ماذكر من نقص أرض الكفر بتسليط المؤمنين عليها، كأنه قيل: أبعد ظهور ماذكر ورؤيتهم له يتوهم غلبتهم ، وفى التعريف تعريض بأن المسلمين هم المتعينون الغلبة المعروفون فيها،(١). وقال صاحب الكشاف: ((فإن قلت: أى فائدة فى قوله ((فأتى الأرض))؟ قلت: فيه تصوير ما كان الله يجريه على أيدى المسلمين، وأن عساكرهم وسر ا يام كانت تغزو أرض المشركين وقاتيها غالبة عليها، ناقصة من أطرافها. (٢). وهذان الرأيان مع وجاهتهما، إلا أن الرأى الأول الذى ذهب إليه ابن كثير أكثر شمولا، لأنه يتناول ما أصاب المكذبين للرسل السابقين من عقاب كما يشمل التهويد للمسكدبين المعاصرين للعهد النبوى، بأنهم إذا استمروا فى طفيانهم فسيحل بهم ماحل بمن سبقوم . وهناك من يرى أن المراد بنقص الأرض من أطرافها : موت العلماء، أو خرابها عند موت أهلها ، أو نقص الأنفس والثمرات .... ولكن هذه الآراء ليس معها ما يرجحها . ثم أمر الله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يوجه إلى هؤلاء المشركين إنذاراً حاسما، فقال - تعالى -: «قل إنما أنذركم بالوحى .: ، أى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إنى بعد أن بينت ما بينت من هدايات وإرشادات أنذركم عن طريق الوحى الصادق، بأن الساعة آتية لا ريب فيها، فلا تستعجلوا ذلك فكل آت قريب. وسترون فيها ما ترون من أهوال وعذاب . وقوله ((ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون، توبيخ لهم وتجهيل. أى: ولا يسمع الصم دعاء من يدعوهم إلى ما ينفعهم، ولا يلتفتون إلى إنذار من ينذرهم وذلك لكمال جهلهم؛ وشدة عنادهم ، والطماس بصائرم. (١) تفسير الآلوسى = ١٧ ص ٥٣ (٢) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ١٢٠ ٢٧٩ الجزء السابع عشر ثم بين - سبحانه - حالهم عندما ينزل بهم شىء من العذاب فقال: ( ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين». أى: ولئن أصاب هؤلاء المشركين شىء قليل من عذاب ربك يا محمد . ليقولن على سبيل التفجع والتحسر وإظهار الخضوع: يا ويلنا أى : ملاكنا إنا كنا ظالمين، ولذلك نزل بنا هذا العذاب وفى هذا التعبير ألوان من المبالغات منها: ذكر المس الذى يكفى فى تحققه إيصال ما، ومنها: ما فى النفح من النزارة والقلة ، يقال: نفح فلان فلانا نفحة ((أى: نفحة واحدة من عذاب ربك والمقصود من الآية الكريمة بيان سرعة تأثر هؤلاء المشركين ، بأقل شىء من العذاب الذى كانوا يستعجلونه ، وأنهم إذا ما نزل منهم شىء منعه. أصيبوا بالهلع والجزع ، وتنادوا بالويل والثبور واعتراف بالظلم وتجاوز الحدود . ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر عدله مع عباده يوم القيامة فقال : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً .... أى: ونحضر الموازين العادلة لمحاسبة الناس على أعمالهم يوم القيامة ولإعطاء كل واحد منهم ما يستحقه من ثواب أو عقاب، دون أن يظلم ربك أحداً من خلقه . ((وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين، أى: وإن كانت الأعمال التى عملها الإنسان فى نهاية الحقارة والقلة ، أتينا بها فى صحيفة عمله لتوزن ، وكفى بنا عادين وعصين على الناس أعمالهم ، إذا لا يخفى علينا شىء منها سواء أ كان قليلا أم كثيراً . قال ابن كثير: ((قوله: ((ونضع الموازين ... ، الأكثر على أنه ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه، (١). وقال القرطبى: ((الموازين: جمع ميزان، فقيل: إنه يدل بظاهره على أن (١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص٠٣٢٩ ٢٨٠ سورة الأنبياء لكل مكلف ميزانا توزن به أعماله، فتوضع الحسنات فى كفه ، والسيئات فى كفه. وقيل: يجوز أن يكون هناك موازين العامل الواحد، بوزن بكل ميزان منها صنف من أعماله ... وقيل: ذكر الميزان مثل وليس ثم ميران وإنما هو العدل والذى وردت به الأخبار، وعليه السواد الأعظم القول. الأول. و«القسط، صفة الموازين ووحد لأنه مصدر ... ،(!). واللام فى قوله (( ليوم القيامة، قيل للتوقيت. أى للدلالة على الوقت، كقولهم : جاء فلان خمس ليال بقين من الشهر. وقيل هى لام كى، أى: لأجل يوم القيامة ، أو بمعنى فى أى : فى يوم القيامه . وقوله - سبحانه - فلا تظلم نفس شيئا ... )) بيان للعدل الإلهى، وأنه - سبحانه - لا يظلم أحدا شيئا ما له أو عليه. أى: فلا تظلم نفس شيئا من الظلم لا قليلا ولا كثيرا . وقوله ((وإن كان مثقال حبة من خردل أنينا بها، تصوير لدقة الحساب، وعدم مغادرته لشىء من أعمال الناس. إذ الخردل حب فى غاية الصغر والذقة، ومثقال الشىء : وزنه . وأنث الضمير فى قوله ((بها، وهو راجع إلى المضاف الذى هو (مثقال)) وهو مذكر. لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه الذى هو ((حبة من خردل)). وقوله - سبحانه -: «وكفى بنا حاسبين، بيان الإحاطة الله - تعالى - بعلم كل شىء . كما قال - تعالى -: ((إن الله لا يخفى عليه شيء فى الأرض ولا في السماءعة. وفى معنى هذه الآبة وردت آيات كثيرة منها قوله - تعالى -: ((إن الله لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها، ويؤت من لدنه أجراعظيما)(٢). وقوله - سبحانه -: « يا بنى إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن فى صخرة أو فى السموات أو فى الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير)(٣). (١) تفسير القرطبى : ١١ ص٠٢٩٤ (٢) سورة النساء الآية ٤٠. (٣) سورة لقمان الآية ٠١٦