النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ الجزء السابع عشر وقد ففى القرآن عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كل هذه الدعاوى الباطلة، ومن ذلك قوله - تعالى -: « وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون. ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون. تنزيل من رب العالمين .. ،(١). وقوله - سبحانه - ((وما علمناه الشعر وما ينبغى له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين . لينذر من كان حيا وبحق القول على الكافرين،(٢). ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله ورحمته بهؤلاء الذين أرسل إليهم رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناه) أنهم يؤمنون ). أى: أن هؤلاء الجاهلين من قومك - أيها الرسول الكريم - قد طلبوا منك آية كوفية كالتى جاء بها موسى وعيسى وصالح .. وهذه الخوارق عندما جاء بها هؤلاء الرسل ولم يؤمن بها أقوامهم أهلكنا هؤلاء الأقوام. وفقا لسنتنا التى لا تتخلف فى إهلاك من يكذبون بآياتنا . ولو أنا أعطيناك هذه الخوارق ولم يؤمن بها قومك لأملكنام كما أهلكنا السابقين ، لذا اقتضت حكمتنا ورحمتنا أن تمنع عنهم ماطلبوه، لأنهم بشر كالسابقين . وما دام السابقون لم يؤمنوا بهذه الخوارق فيؤلاء أيضاً لن يؤمنوا بها. فالاستفهام فىقوله: ((أفهم يؤمنون، الإنكار. أى: أنهؤلاء الكافرين من أمتك - أيها الرسول الكريم - أن يؤمنوا بهذه الخوارق التى طلبوها متى جاءتهم لأنهم لا يقلون عتوا وعنادا عن السابقين الذين لم يؤمنوابها فأهلكهم الله. وصدق الله إذ يقول: ((إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم)، (٣). (١) سورة الحاقة الآيات ٤١ - ٤٣ (٣) سورة يونس الآية ٩٧،٩١ (٢) سورة يس الآية ٦٩، ٧٠ ( ١٦ - سورة الأنبياء) ٢٤٢ سورة الأنبياء ثم بين - سبحانه - أن حكمته قد اقتضت أن يكون جميع الرسل من البشر وأن يعيشوا الحياة التى تقتضيها الطبيعة البشرية، وأن يؤيدهم أنه - تعالى - بالمعجزات الدالة على صدقهم، فقال - تعالى -: (( وما أرسلْنَ قَبْلَكَ إلاَّ رجالاً نوحِى إليهِمْ، فاسألُوا أهلَ اللَ كُرٍ إنْ كَنُم لا تعلَمُونَ (٧) وما جَعلنام جسداً لا يأكُلُونَ الطعامَ وما كَانُوا خَلَدِينَ (٨) ثم صدَقَنَمُ الوَعْدَ فَأَنْجِيْنَمُ ومَنْ نشاء وأَهْلِكْناً المُسْرِفِينَ (٩)). أى : وما أرسلنا قبلك - أيها الرسول الكريم - إلى الأمم السابقة إلا رسلا من البشر، ليعيشوا حياة البشر، ويتمكنوا من التعامل والتخاطب والتفاهم مع من ثم من جنسهم ، ولو كان الرسل من غير البشر لما كانت هناك وشيبة ورابطة بينهم وبين أقوامهم . وهذه الجملة رد مفحم على المشركين الجاهلين الذين استبعدوا أن يكون الرسول بشرا وقالوا قبل ذلك: (( ما هذا إلا بشر مثلكم ... ) وقوله - تعالى - ((فوحى إليهم)) استئناف مبين لكيفية الإرسال. أى : اقتضت حكمتنا أن يكون الرسل من الرجال ، وأن نبلغهم مانكلفهم به عن طريق الوحى المنزل إليهم من جهتنا .. وقوله - سبحانه -: ((فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)) توبيخ لهم وتجهيل ، لأنهم قالوا ما قالوا بدون تعقل أو قدير. والمراد بأهل الذكر: علماء أهل الكتاب الذين كان المشر كون يرجعون إليهم فى أمور دينهم . والفاء فى قوله: ((فاسألوا ٠٠.، لترتيب ما بعدها على ما قبلها. وجواب الشرط محذوف لدلالة الكلام عليه . ٢٤٣ الجزء السابع عشر أى: ماداهت قد بلغت بكم الجهالة أن تستبعدوا أن يكون الرسول بشرا. فاسألوا أهل العلم فى ذلك ، فيبينون لكم أن الرسول السابقين لم يكونوا إلا ريالا . قال القرطى: (قوله - تعالى -: ((فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون، يربد أهل التوراة والإنجيل الذين آمنوا بالنبى - صلى الله عليه وسلم - وسماهم أهل الذكر، لأنهم كانوا يذكرون خبر الأنبياء، ما لم تعرفه العرب، وكان كفار قريش راجعون أهل الكتاب فى أمر النبى - صلى الله عليه وسلم -. وقال ابن زيد: أراد بالذكر: القرآن. أى: فاسألوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن .... (١). ثم أكد - سبحانه - هذه الحقيقة وهى كون الرسل من البشر فقال: « وما جعلناهم جدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين)). والضمير فى ((جعلناهم، يعود إلى الرسل، والجسد مصدر جسد الدم يجد - من باب فرح - إذا التصق بغيره، وأطلق على الجسم جسد، لالتصاق أجزائه بعضها ببعض، ويطلق هذا اللفظ على الواحد المذكر وغيره ولذلك أفرد، أو هو أفرد الإرادة الجنس . أى: وما جعلنا الرسل السابقين عليك يا محمد أجسادا لاتا كل ولا تشرب کالملائکا وإنما جعلناهم مثلك يأكلون ويشربون ویتزوجون ويتناسلون ويعتريهم ما يعترى البشر من سرور وحزن، ويقظة ونوم ... وغير ذلك مما يحسه البشر. وما جعلناهم - أيضا - خالدين فى هذه الحياة بدون موت، وإنما جعلنا لأعارم أجلا محددا تنتهى حياتهم عنده بدون تأخير أو تقديم (١) تفسير القرطبى : ١١ ص ٢٧٢ ٢٤٤ سورة الأنبياء قال - تعالى -: («إنك ميت وإنهم ميتون، ثم إذكم يوم القيامة عند ربكر تقتصمون ، (١) . وقوله - سبحانه -: « ثم صدقناهم الوعد ... ، بيان اسنة الله - تعالى ... الجارية مع رسله - عليهم الصلاة والسلام -. أى: ثم صدقنا هؤلاء الرسل ماوعد ناهم به من جعل العاقبة لهم ((فأنجينام)) من العذاب الذى أنزلناه بأعدائهم، وأنجينا معهم ((من نشاء) إنجاءهم من المؤمنين بهم ... . وأهلكنا المسرفين، الذين تجاوزوا الحدود فى كهرم وتطاولهم على الرسل الكرام ، وإعراضهم عن دعونهم. وإلى هنا زى الآيات الكريمة من أول السورة إلى هنا، قد أنذرت الناس باقتراب يوم الحساب، وحذرتهم من الغفلة عنه، ومن الإعراض عن الاستعداد له بالإيمان والعمل الصالح، وحكت ما قاله المشركون من تهم باطلة تتعلق بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وبما جاء به من عند وبه - تعالى - وردت عليها بما يزهقها، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون . ثم بين - سبحانه - أن ما أنزله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - هو خير الآيات وأخادها وأشرفها، وأن يشرف الأمة التى تنتسب إليه، وأن الأمم السابقة التى كدبت بالخوارق والمعجزات التى جاء بها الرسل - عليهم السلام" - أهلكها الله - تعالى -. هلاك استئصال، فقال - تعالى ..: ((لقدْ أَنزَلْنا إليكُم كتاباًفيهِ ذِكْرِ كُم أفلا تعقِلُون (١٠) وَلَمْ قَصَمِنَاً من قريةٍ كَانَتْ ظَالِةً وأنشَأْنَاَ بعدَها قوماً آخرينَ (١١) فلمًا (١) سورة الزمر الآية ٢٠، ٢١ ٢٤٠ الجزء السابع عشر أُحِشُوا بأسَّنَ إذا هُم منها يركِضُونَ (١٢) لا تركُضُوا وارجعُوا إلى ما أُتْرِفْتُم فيه ومَا كِنِكُم لعلكم تُسأَلُونَ (١٣) قالوا يا وَيَنَاَ إِنَّا كَنَّا ظالمِنَ (١٤) فمازالَتْ تِكَ دعواهُم -تَّ جعلنَهُم حَصِيداً خامِدِينَ (١٥)). قال الآلوسى: ((قوله - تعالى -: " لقد أنزلنا إليكم كتابا ... ، كلام مستأنف لتحقيق حقية القرآن العظيم، الذى ذكر فى صدر السورة إعراض الناس عما يأتيهم من آياته ، واستهزاؤهم به، واضطرابهم فى أمره، وبيان على مر قبته، إثر تحقيق رسالته - صلى الله عليه وسلم - دبيان أنه كائر الرسل الكرام، وقد صدر الكلام بالتوكيد القسمى، إظهاراً لمزيد الاعتناء بمضمونه وإيذانا، بأن المخاطبين فى أقصى مراتب الفكير والخطاب لقريش . وجوز أن يكون لجميع العرب .. ، (٤). والمعنى: لقد أنزلنا إليكم يا معشر العرب عن طريق رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - كتابا عظيم الشأن، غير البرهان ، مشتملا على ما يسعدكم وهذا الكتاب وفيه ذكركم، أى: فيه شرفكم، وعلو منزلتكم، وحسن موعظتكم، وشفاء مدوركم ... ( أفلا تعقلون، ذلك، مع أن هذا الأمر واضح، ولا يحتاج إلى جدال أو مناقشة . فالاستفهام الإنكار عدم قدبرهم فى شأن هذا الكتاب الذى أنزله الله - تعالى - ليظفروا بسببه بالذكر الجميل، وبالموعظة الحسنة، كما قال - تعالى - ((وإنه لذكر لك ولفومك وسوف تسألون، (٢). وأن من مظاهر كون القرآن الكريم فيه ذكر العرب وشرفهم، أنه نزل (١) تفسير الآلوسى ج١٧ ص١٤. (٢) سورة الزخرف الآية ٤٤. ٠٠ ٢٤٦ سورة الأنبياء باغتهم ، وأنه المعجزة الباقية الخالدة بخلاف غيره من المعجزات التى أيد أنه - تعالى - بها الرسل السابقين، وأنه الكتاب الذى قادوا به البشرية قرونا طويلة . عندما حملوه إلى الناس ، فقر.وه عليهم ، وشر حو الهم أحكامه وآدابه وتشريعاته .... وما أصيب العرب فى دينهم ودنياهم إلا يوم أن تخلوا ص العمل بهدايات هذا الكتاب، وقصروا فى تبليغه إلى الناس ... ثم بين - سبحانه - ما أنزله بالقوم الظالمين فقال: «وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين». و((كم)) هنا خبرية مفيدة للتكتير ، وهى فى محل نصب على أنها مفعول مقدم (( اقصمنا)). وأصل القصم: كسر الشىء حتى يغقطع وينفصل عن غيره. يقال: فهم فلان ظهر فلان ، إذا كسره حتى النهاية ، بخلاف القصم فهو صدع الشىء من غير قطع وانفصال . قال القرطبى: «والقصم: الكسر، يقال: قصمت ظهر فلان، وأنقصمت سته، إذا انكسرت. والمعنى ها هنا به الإهلاك. وأما الفهم - بالفاء - فهو الصدع فى الشىء من غير بينونة )،(١) . أى: وكثيرا من القرى الظالمة، التى تجاوز أملُهَا حدود الحق، ومردوا على الكفر والضلال ، أبدناها مع أهلها ، وعذبناها عذابا تمكرا، بسبب ظلهم. وبغيهم ، وأنشأنا من بعدهم قوما آخرين ليسوا مثلهم. وأوقع - سبحانه - فعل القصم على القرى، للإشعار بأن الهلاك قه أصابها وأصاب أهلها معها . فالكل قد دمره - سبحانه - قدميراً. (١) تفسير القرطبى :١١ ص ٠٢٧٤ ٢٤٧ الجزء السابع عشر أما عند الإنشاء فقد أوقع الفعل على القوم فقال: ((وأنشأنا بعدها قوما آخرين، للإيماء إلى أن هؤلاء القوم الآخرين، الذين لم يكونوا أمثال السابقين، هم الذين ينشئون القرى ويعمرونها . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : «وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيراً بصيراً ،(١). ثم صور - سبحانه - حال هؤلاء الظالمين عندما أحسوابالعذاب وهو نازل بهم فقال: ((فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون)). وقوله: «أحسواء من الإحساس. وهو إدراك الشىء بالحاسه. يقال: أحس فلان الشىء، إذا علمه بالحس وشعر به بحاسته . وقوله: «يركضون، من الركض، وهو السير السريع: وأصله: أن يضربه الرجل دابته برجله ليحثها على الجرى لقسرع فى المشى. والمقصود به هنا: الهروب بسرعة . أى: فلما أحس هؤلاء الظالمون عذابنا المدمر، وأيقنوا نزوله بهم، وعلموا ذلك عدما مؤكدا، إذا هم يخرجون من قريتهم(يركضون،أی: بهر بون بسرعة وذعر، حتى لكأنهم من اضطر أبهم وخوفهم يظنون أن ذلك -ينجيهم. وإذا هنا بجائية. والجملة بعدها جواب (( لما). وقوله - سبحانه -: ((لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم، حكاية لما تقوله لهم الملائكة - وهم يركضون هربا - على سبيل التحكم والاستهزاء . أى: يقال لهم من جهة الملائكة أو من جهة المؤمنين، لا تركة وأمار بين (١) سورة الإسراء الآية ١٧. ٢٤٨ سورة الانبياء ((وأرجعوا إلى)، قربتكم وإلى (( ما أرفتم فيه، أى: وإلى ما نعمتم فيه من العيش الهنىء . والخير الوفير ، الذى أبطركم وجعلكم تجحدون النعم: ولم تستعملوما فيما خلقت له . فقوله: ((أنرفتم، من الترفة - بالتاء المشددة مع الضم - وهى النعمة والطعام الطيب. يقال: ترف فلان - كفرح - إذا تنعم. وفلان أترفته النعمة ، إذا أطفته أو نعمته . وقوله : ((ومساكنكم)) معطوف على ,ماء. أى: لا تهربوا وارجعوا إلى ما نعمتم فيه من العيش الهنىء، وإلى مساكنكم التى كنتم تسكنونها ، وتتفاخرون بها . ((لعلكم تسألون، أى: يقصدكم غير كم لسؤالكم عما نزل بكم، فتجيبوه عن علم ومشاهدة . قال صاحب الكشاف: ((قوله ((لعلكم تسألون، تهكم بهم وتوبيخ. أى: ارجعوا إلى نعيمكم ومسا كنكم لعلكم تسألون غدا عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم. فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة. أو ارجعوا واجلسوا كما كنتم فى مجالسكم، وترتبوا فى مراتبكم حتى يسألكم حشمكم وعبيدكم، ومن تملكون أمره. وينفذ فيه أمركم ونهيكم، ويقول لكم : بم تأمرون؟ وبماذا ترسمون؟ وكيف نأنى ونذر كعادة المنعمين المخدمين . أو يسألكم الناس فى أنديتكم ... ويستشيرونكم فى المهمات. ويستضيفون بآرائكم. أو يسألكم الوافدون عليكم، ويستمطرون سحائب خبركم ... قيل لهم ذلك فكما إلى تهكم، وتوبيخا إلى توبيخ)،(١). (١) تفسير المكشاف ج ٣ ص ٠١٠٦ ٢٤٩ الجزء السابع عشر وهنا أدرك هؤلاء الظالمون، أن الأمر جد لا هزل، وأن العذاب نازل بهم لا محالة، وأن القائلين لهم لا تر كضوا .. إنما يتهكمون بهم. فأخذ أولئك الظالمون يتفجعون ويتحسرون قائلين: (( يا ويلنا إنا كناظالمين)). والوبل : الفضيحة والبلية والمصيبة التى يعقبها الهلاك. وهى كلمة جزع وتنحسر . وتستعمل عندما تحيط بالإنسان داهية عظيمة ، وكأن المتحر لنزول مصيبة به ، ينادى ويلته ويطلب حضورها بعد تنزيلها منزلة من ينادى ... أى: قالوا عندما يقنوا أن الهلاك نازل بهم: يا هلا كنا إنا كنا ظالمين لأنفسنا، مستوجين العذاب. بسبب إعراضا عن الحق. وتكذيبنا لمن جاء به . ((واسم الإشارة فى قوله - تعالى -: ((فما زالت تلك دعواهم، يعود إلى الكلمات التى قالوها على سبيل التحسر عندما يشوا من الخلاص والهرب ، وتأكدوا من الهلاك، وهى قولهم: ((يا ويلنا إناكنا ظالمين». أى: فما زالوا يرددون تلك الكلمات بتفجع وتحسر واستعطاف. وسميت هذه الكلمات دعوى ، لأن المولول كأنه يدعو الويل قائلا : أيها الويل هذا أوانك فأقبل نحوى. وقوله ((حتى جعلناهم حصيدا خامدين)) بيان لماآل إليه حالهم. وغامدين: من الخمود بمعنى الهمود والانطفاء والانتها .. يقال : خمدت النار تحمد خدا وخمودا، إذا سكن لهيبها، وانطفاء شررها. أى: فما زالت تلك كلمانهم حتى جعلناهم فى الهمود والهلاك كالنبات . المحصود بالمناجل، وكالنار الخامدة بعد اشتعالها. وهكذا تكون عاقبة الظالمين. وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلون . ٢٥٠ سورة الأنبياء °م ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدل على قدرته ووحدانيته ، و علىانمن فى السموات والأرض لايستكبرون عن عبادته - تعالى -، فقال -عز وجل -: ((وما خَلَقْاَ السمواتِ والأرضَ وما يَبْنَهماَ لاعِبِينَ (١٦) لو أرَدْنَاَ أن تَتَّخِذِ لَّهْواً لاتَّخذنَهُ مِنْ لُنَّا إنْ كَنَّ فاعِلِينَ (١٧) بلْ تَقْذِفُ بالحقِّ على الباطلِ فَيَدمَنُه فإذَا هُو زاهِقٌ ، ولِكُم الويلُ مما تَصِفُونَ (١٨) ولَهُ مَنْ فى السمواتِ والأرضِ، ومَنْْ عِندَه لا يَستكُبِرونَ عن عبادَتِهِ ولا يَسْتحسِرُونَ (١٩) يُسَبُّونَ الليلَ والنهارَ لَا يَفْتَرونَ (٢٠) » . والمعنى : إننا لم تخلق السموات والأرض وما بينهما من مخلوقات لا يعلمها إلا الله، لم تخلق ذلك عبثا. وإنما خلقنا هذه المخلوقات بحكمتنا السامية، وقدر تنا النافذة ، ومشيئتنا التى لا يقف فى وجهها شى .. وقوله - تعالى -: ((لو أردنا أن نتخذ له وا لاتخذناه مزلدنا إن كنافاعلين، استئناف مقرر لمضمون ما قبله، من أر خلق السموات والأرض وما بينهما لم يكن عبثا، وإنما لحكم بالغه، مستقبعة لغايات جليلة، ومنافع عظيمة. و «لو، هنا حرف امتناع لامتناع. أى: امتناع وقوع فعل الجواب لامتناع وقوع فعل الشرط . واللهو: الترويح عن النفس بما لا نقضيه الحكمة، ولا يتناسب مع الجده وهو قريب من العبث الباطل تقول لهوت بهذا الشىء الهو لهموا)) إذا تشاغلت به عن الجد ، ويطبقه بعضهم على الولد والزوجة والمرأة ... أى: لو أردنا - على سبيل الفرض والتقدير - أن نتخذ ما نقلهى به، لاتخذفاه من عندنا ومن جهتنا دون أن يمنعظ أحد ما نريده. ولكنها لم تزد ذلك لأنه مستحيل علينا إستحالة ذاتية، فيستحيل علينا أن نريده. ٢٥١ الجزء السابع عشر فالآية الكريمة من باب تعليق المحال على المحال، لأن كلا الأمرين يقنافى مع حكمة الله - تعالى - ومع ذاته الجليلة. وقوله: (( إن كنا فاعلين، تأكيد لامتناع إرادة اللهو. و((إن، نافية. أى: ما كنا فاعلين ذلك، لأن اتخاذ اللهو يستحيل علينا. وقوله - سبحانه -: ((بل تقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذاهو زاهق.)) إضراب عن إرادة اتخاذ اللهو، وإثبات لما تقتضيه ذاته - تعالى - ما يخاف ذلك . والقذف: الرمى بسرعة . والاسم القذاف - ككتاب -، وهو سرعة السير ، ومنه قولهم: فاقه قذاف - بكسر القاف - إذا كانت متقدمة على غيرما فى السير . ويدمغه: أى: بمحقه ويزيله . قال القرطبى: وأصل الدمغ شج الرأس حتى يبلغ الدماغ . أى: ليس من شأننا أن نتخذ لهوا، وإنما الذى من شأننا وحكمتنا، أن نلقى بالحق الذى أرسلنا به رسلنا، على الباطل الذى تشبث به الفاسقون ((فيدمنه)، أى: فيقهره ويهلكه ويزيله إزالة قامة. والتعبير القرآنى البليغ، يرسم هذه السنة الإلهية فى صورة حسية متحركة حتى لكأنما الحق قذيفة تنطلق بسرعة فتهوى على الباطل فتشق أم رأسه، فإذا هو زاهق زائل . قال الألوسى: «وفى إذا الفجائية، والجملة الاسمية، من الدلالة على كمال المسارعة فى الذهاب والبطلان ما لا يخفى ، فكأنه زاهق من الأصل، (١). وقوله - تعالى .: ((ولكم الويل مما تصفون)) وعيد شديد أولئك (١) تفسير الآلوسي :١٧ س ٠٢٠ ٢٠٢ سورة الأنبياء الكافرين الذى نسبوا إلى الله - تعالى - ما لا يليق به، ووصفوه بأن له صاحبة وولدا سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيراً .. أى: ولكم - أيها الضالون المكذبون - الويل والهلاك، من أجل وصفكم له - تعالى - بما لا يليق بشأنه الجايل. وقوله - تعالى -: ((وله من فى السموات والأرض ... ، استئناف، ؤكد 11 قبله من أن جميع المخلوقات خاضعة لقدرته - تعالى -. أى: وله وحده - سبحانه - جميع من فى السموات والأرض، خلقا، وملكا، وتدبيرا، وتصرفا. وإحياء، وإمانة، لا يخرج منهم أحدعن علمه وقدر ته. عز وجل .. ثم بين - سبحانه - نماذج من عباده الطائعين له، بعد أن حكى أقوال أولئك الضالين، فقال: «ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحبرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون)). والاستحسار: الكلل والتعب. يقال: حسر البصر يحسر حسوراً -من باب قعد - إذا تعب من طول النظر، ومنه قوله - تعالى -: «ثم أرجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير، أى : كليل متعب . أى: ومن عنده من مخلوقاته وعلى رأسهم الملائكة المقربون، لا يستكبرون عن عبادته - سبحانه - بل يخضعون له خضوعاً تاماً , ولا يتحسرون)، أى: ولا يكلون ولا يتعبون ... بل هم ((يسبحون، الله - تعالى - ويحمدونه ويكبرونه، طوال الليل والنهار بدون فتور أو تراخ أو تقصير. يقال: فتر فلان عن الشىء يفتر فتورا، إذا سكن بعد حدة، ولان بعد شدة، ويقال: فتر الماء - من باب قعد - إذا سکن حره فهو فاتر . قالوا: وذلك لأن تسبيح الملائكة لله - تعالى - يجرى منهم مجرى التنفس ٢٥٣ الجزء السابع عشر منا ، فهو سجية وطبيعة . وكما أن اشتغالنا لا يمنعنا من الكلام، فكذلك اشتغالهم بالتسبيح لا يمنعهم من سائر الأعمال.(١). وبعد أن بین - سبحانه - أن من مخلوقاته من يقوم بتسبيحه وعبادته بدون انقطاع أوفتور، أقبع ذلك بتوبيخ المشركين وبإقامة الأدلة على وحدانيته، واستحالة أن يكون هناك من يشاركه فى ألوهيته فقال - تعالى -: (( أَم اتخذُوا وآلهةً من الأرضِ م ينشِرُونَ (٢١) لو كانَ فيهِاَ آلمةٌ إلاَّ اللهُ لفسدَتَا، فسبحانَ اللَّهِ ربِّ العَرشِ عما يَصِفُونَ (٢٢) لا يُسألُ عما يَفْعَل وهُم بسأَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخِذُوا من دُونِهِ آلمةً، قُلْ ماتُوا برهَاَنكُم مِذَا ذِ كْرُ مَنْ مَتِى وَذِكْر مَنْ قَبِىِ، بلْ أكثرُهُمْ لا يعلُّون الحقَّ فُهُم مُعرضُونَ (٢٤) وما أَرسَّلناً قبلكَ مِنْ رسُولٍ إلاّ نُوحِى إليه أنَّه لا إِلَهَ إلا أناَ فاعُبُدُون (٢٥)» . قال الإمام الرازى: (( أعلم أن الكلام من أول السورة إلى ههنا كان فى النبوات وما يتصل بها من الكلام سؤالا وجوابا، وأما هذه الآيات فإنها فى بيان التوحيد ونفى الأضداد والأنداد ... ،(٢). والاستفهام فى قوله (( أم اتخذوا ... )) الإنكار والتوبيخ. وقوله: (((ينشرون، من النشر بمعنى الإحياء والبعث. يقال: أنشر الله - تعالى - المونی إذا بعثهم بعد موتهم . والمعنى: إن هؤلاء الضالين قد أشر كوا مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة، فهل هذه الآلهة التى اتخذوها تستطيع أن تعيد الحياة إلى الأموات؟ (١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٣ ص ٠١٢٣ ٢٥٤ سورة الأنبياء كلا إنها لا تستطيع ذلك بإقرارهم ومشاهدتهم، ومادام الأمر كذلك فكيف أباحوا لأنفسهم أن يتخذوا آلهة لا تستطيع أن تفعل شيئا من ذلك أو من غـ يره؟ إن اتخاذهم هذا لمن أكبر الأدلة وأوضحها على جهالاتهم وسفاهاتهم وسوء تفكيرهم . قال صاحب الكشاف ما ملخصه: «فإن قلت: كيف أنكر عليهم اتخاذ آلهة تنشر. وما كانوا يدعون ذلك لآلهتهم، لأنهم كانوا ينكرون البعث أصلا ويقولون: من يحبنى العظام وهي رميم؟ قلت : الأمر كماذكرت ولكنهم بادعائهم لها الإلهية، يلزمهم أن يدعوا لها الإنهار، لأنه لا يستحق هذا الاسم. إلا القادر على كل مقدور، والإنشار من جملة المقدورات . وفيه باب من التهكم بهم، والتوبيخ والتجهيل، وإشعار بأن ما استبعدوه من الله - تعالى. لا يصح استبعاده، لأن الإلهية لما صحت صح معها الاقتدار على الإبداء والإعادة))(١). وقوله - سبحانه - : من الأرض، متعلق باتخذوا، و(من)) ابتدائية، أى اتخذوها من أجزاء الأرض كالحجارة وما يشبهها، ويجوز أن يكون الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة الآلهة. أى: اتخذوا آلهة كائنة من الأرض .. وعلى كلا التقديرين ، فالمراد بهذا التعبير التحقير والتجهيل. ثم ساق - سبحانه - دليلا عقليا مستمدا من واقع هذا الكون فقال: ((لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ... )). أى: لو كان فى السموات والأرض آلهة أخرى سوى الله - تعالى -، تدبر أمرهما، لفسدتا ولخرجتا عن نظامهما البديع ، الذى لا خلل فيه ولا اضطراب . (١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ١٠٩ ٢٥٥ الجزء السابع عشر وذلك لأن تعدد الآلهة يلزمه التنازع والتغالب بينهم ... فيختل النظام لهذا الكون، ويضطرب الأمر ، ويعم الفساد فى هذا العالم . ولما كان المشاهد غير ذلك إذ كل شىء فى هذا الكون يسير بنظام محكم دقيق - دل الأمر على أن لهذا الكون كله، إلها واحدا قادرا حكما لا شريك له . قال صاحب الكشاف: ((والمعنى لو كان يتولاهما ويدبر أمر هما آلهة شتى غير الواحد الذى هو فاطر مما لفسدتا . وفيه دلالة على أمرين: أحدهما : وجوب أن لا يكون مدبرهما إلا واحدا. الثانى: أن لا يكون ذلك الواحد إلا إياه وحده، لقوله ، إلا انه). فإن قلت: لم وجب الأمران؟ قلت: لعلمنا أن الرعية تفسد بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف. قال عبد الملك بن مروان حين قتل عمرو بن سعيد الأشدق : كان واقه أعز على من دم ناظرى ، ولكن لا يجتمع فلان فى شوال - أى : فى عدد مع النياق -،(١) . وقوله - تعالى -: ((فسبحان الله رب العرش عما يصفون، تنزيه الله - تعالى - عما قاله الجاهلون فى شأنه - عز وجل -. أى: فتنزيهالله وتقديسا وتبرئة لذاته عن أن يكون له شريك فى ألوهيته، وجل عما وصفه به الجاهلون . وقوله - تعالى -: (( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون)) تأكيد لوحدانيته وقدرته - سبحانه - أى: لا يسأه سائل - سبحانه - عما يفعله بعباده من إعزاز وإذلال، وهداية وإضلال ، وغنى ومقر، وصحة ومرض، وإسعاد وإشقاء .... لأنه هو الرب المالك المتصرف فى شئون خلقه، وهم يسألون (١) تفسير الآلومى جـ ١٧ ص ٣١ ٢٥٦ سورة الأنبياء يوم القيامة عن أعمالهم وأقوالهم لأنهم عبيده، وقد أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين ، فمنهم من اتبع الرسل فسعد وفاز، ومنهم من أستحب العمى على الهدى فشقى وملك . وبعد أن ساق - سبحانه - دليلا عقليا على وحدانيته، أقبعه بدليل آخر نقلى، فقال - تعالى -: «أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم، هذا ذكر من معى وذكر من قبلى ... ، قال الألومى ما ملخصه: «هذا إضراب وانتقال من إظهار بطلان كون ما اتخذوه آلهة، لخلوها من خصائصها التى من جملتها الإنشار .. إلى تبكيتهم ومطالبتهم بالبرهان على دعواهم الباطلة ، وتحقيق أن جميع المكتب السماوية قاطقة بحقية التوحيد ، وبطلان الإشراك ...! ) . أى: إن هؤلاء الكافرين قد أشر كوا مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة ، بسبب جهلهم وعنادهم وجحودهم للحق .،. قل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل التبكيت والتوبيخ, هاتوا برهانكم)) على أن مع الله - تعالى - آلهة أخرى تستحق مشاركته فى العبادة والطاعة؟ ولا شك أنهم لا برهان لهم على ذلك . وقوله - تعالى - : ((هذا ذكر من معى وذكر من قبلى» زيادة فى تبکیتهم وفى إظهار عجزهم أى: هذا الوحى الإلهى الناطق بتوحيد الله - تعالى - موجود فى القرآن الكريم المشتمل على ذكر المعاصرين لى من أتباعى ، وموجود فى كتب الأنبياء السابقين، كالتوراة التى أنزلها الله على موسى، والإنجيل الذى أنزله على عيسى، فمن أين أتيتم أنتم بهؤلاء الشر كاء، وكيف اتخذتموم آلهة مع أنهم لا برهان عليهم لا من جهة العقل ولا من جهة النقل؟ فاسم الإشارة (( هذا)، فى قوله: ((هذا ذكر من معى، مبتدأ، مشار به (١) تفسير الآلوسي جـ ١٧ ص ٢٠ ٢٥٧ الجزء السابع عشر إلى الوحى الإلهى، وقد أخبر عنه - سبحانه - - بخبرين - كما يقول الشيخ الجمل -: ((فبالنظر للخبر الأول يراد به القرآن، وبالنظر للخبر الثانى يراد به ما عداه من الكتب السماوية)، (!). وقوله - تعالى -: ((بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون)) إضراب من جهته - تعالى - عن مناقشتهم ومطالبتهم بالبرهان، وانتقال من الأمر بتبكيتهم إلى الأمر بإهمالهم استصغارالثأنهم. أى: دعهم - أيها الرسول الكريم - فى باطلهم يعمهون، إنهم قوم أكثرم يجهلون الحق، ولا يستطيعون التمييز بينه وبين الباطل. فهم لأجل ذلك منصرفون عن الهدى ؛ ومتجهون إلى الضلال ، ومن جهل شيئا عاداه ... ثم بين - سبحانه - أن جميع الرسل - عليهم الصلاة والسلام - قد أمروا أقوامهم بإخلاص العبادة لله، ونبذ الشرك والشركاء . فقال - تعالى -: ((وما أرسلنا من قبلك من رسول إلافوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون)). أى: وما أرسلنا من قبلك من رسول يا محمد إلا وأفهمناه عن طريق وحينا أنه لا إله يستحق العبادة والطاعة إلا أنا ، فعليه أن يأمرقومه بطاعتى وعبادتى والخضوع لى وحدى . هذا، والمتدبر لهذه الآيات الكريمة، يراهاقد أقامت أحكم الأدلة العقلية والنقلية على وجوب إخلاص العبادة لله الواحد القهار. وعلى أن الذين يتخذون معه آلهة أخرى سفهاء جادلون . ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك شبهة من الشبهات الباطلة التى تفوه بها المشركون ، ورد عليهم ردا مفحما ، فقال - تعالى -: ((وقالُوا اتَّخِذَ الرَّحَنُ ولداً سُبحانَه، بل عبادٌ مُكَرَهُونَ (٢٦) (١) سامية الجمل على الجلاابن جـ م ص ١٢٤ (١٧ - سورة الأنبياء ) ٢٥٨ سورة الأنيا. لا يَسْبِقُونَهُ بالقَوْلِ وهُم بِأَمْرِهِ يعَمَلُونَ (٢٧) يعلمُ ما بينَ أَيديهِم وما خَلْفهم ولا يَشْفِعُون إلاَّ لمن ارتَفَى، وهم من خَشْبَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) ومَنْ يَقُل مِنْهُمْ إِنِّى إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نجزِيهِ جَهِّ كَذلِكَ نَجْزِى الظالمين (٢٩))) . قال الألوسى ما ملخصه: ((قوله - تعالى -: ((وقالوا اتخذ الرحمن ولدا،، حكاية لجناية فريق من المشركين لإظهار بطلانها ، وبيان تنزهه - سبحانه . عن ذلك، إثر بيان تنزهه - جل وعلا - على الإطلاق. وهم حى من خزاعة قالوا: الملائكة بنات الله، ونقل الواحدى أن قريشا وبعض العرب قالواذلك. والآية مشتملة على كل من نسب إليه ذلك كاليهود والنصارى .. )،(١). أى: وقال المشر كون الذين انطمست بصائرهم عن معرفة الحق, انخذ الرحمن ولدا سبحانه ». أى : تنزه وتقدس الله - تعالى - عن ذلك جل وعلا عما يقولونه علوا كبيرا. وقوله: (( بل عباد مكرمون)، إضراب عما قالوه، وإبطال له، وثناء على ملائكته الذين زعم فريق من المشر كين أنهم بنات الله . وعباد: جمع عبد، والعبودية لله - تعالى - معناها: إظهار التذلل له - سبحانه -، والخضوع لذاته. ومُكرَمَ : اسم مفعول من أكرم . وإكرام الله - تعالى - لعبده معناه: إحسانه إليه وإنعامه عليه . أى: لقد كذب هؤلاء المشركون فيزعمهم أن الملائكة بنات الله، والحق أن الملائكة هم عباد مخلوقون له - تعالى -، ومقربون إليه ومكرمون عنده. (١) تفسير الآلوسى = ١٧ ص ٢ ٢٥٩ الجزء السابع عشر وقوله: ((لا يسبقونه بالقول، أى: لا يتكلمون إلا بما يأمرهم به، ولا يقولون شيئا بدون إذنه ، كما هو شأن العبيد الطائعين لسيدهم . وأصل الكلام: لا يسبق قولهم قوله - عز وجل - إلا أنه - سبحانه - أسند السبق إليهم، تنزيلا لسبق قولهم لقوله، منزلة سبقهم إياه، للإشعار بمزيد طاعتهم و تزیہہم عن کل قول بغير إذنه - تعالى - وقوله: (( وهم بأمره يعملون)) بيان لتبعيتهم له - تعالى - فى الأعمال. إثر بیان قبعیتهم له - سبحانه - فى الأقوال . أى: وهم بأمره وحده يعملون لا بأمر أحد سواه، ولا بأمر أنفسهم، كما قال - تعالى - فى آية أخرى: ((يأيها الذين آمنوا قوا أنفسهكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة. عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون))(١). ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر عليه الشامل، وحكمه النافذ. فقال: (( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ... ، أى: يعلم - سبحانه - أحوالهم كلها صغيرها وكبيرها، متقدمها ومتؤخرها، ((ولا يشفعون، لأحد من خلقه إلا لمن ارتضى الله - تعالى - شفاعتهم له. (( وثم من خشيته مشفقون)، أى: وهم لخوفهم من الله ومن عقابه حذرن وجلون . فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف الملائكة فى هذه الآيات بجملة من الصفات الكريمة التى تدل على طاءتهم المطلقة لله - تعالى - وعلى إكرامه - سبحانه -هم. ثم بین - سبحانه - بعد ذلك أنهم مع کر امتهم عند الله - تعالى - لو ادعى أحد منهم - على سبيل الفرض - أنه إله، لعاقبه الله عقاباً شديداً، فقال (١) سورة التحريم آية ٦. ٢٦٠ سورة الأنبياء - تعالى -: ((ومن يقل منهم: إنى إله من دونه، فذلك نجزبه جهنم ، كذلك نجزى الظالمين » . أى: ومن يقل من الملائكة - على سبيل الفرض والتقدير - « إنى إله من دونه، أى: من دون الله - عز وجل - ،فذلك)) الذى أدعى هذا الادعاء الكاذب (( نجزيه جهنم)) أى: نجعل جزاءء الإلقاء فى جهنم كسائر المجرمين الكاذبين ، ولا يغنى عنه ماسبق له من طاعة وتكريم ((كذلك نجزى الظالمين)) أى : مثل هذا الجزاء الرادع الفظيع فجزى كل ظالم يضع الأمور فى غير موضعها، إذ أن حقوق الله - تعالى - لا يجوز لأحد - كائنا من كان - أن ينسبها لنفسه، سواء أ كان ملكا مقربا، أم نبياً مرسلا . وبعد أن ساق - سبحانه - ألوانا من الأدلة الكونية الشاهدة بوحدانيته، ومن الأدلة النقلية النافية للشركاء، ومن الأدلة الوجدانية التى تهيج القلوب نحو الحق ... أقبع ذلك بتحريض الكافرين على التدبر فى ملكوت السموات والأرض. لعل هذا التدبر يهديهم إلى الإيمان، فقال - تعالى -: (أَوَ لم يَرِ الذينَ كَفَرُوا أن السَّمواتِ والأرض كانتاَ رَثقاً فَفَتَقْنَهَا، وَجَعَلناَ من الماء كلِّ شىءٍ حَىّ أفلا يُؤْمِنُون (٢٠) وجعلْنا فى الأرْضِ رواسِىَ أنْ تَيدَ بهم، وجَعَلنَاَ فيها فَجاجاً سُبُلاً لعلَّهم يهتدُونَ (٣١) وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً وم عن آياتِها مُعْرضونَ (٣٢) وهُو الذِى خَلَق الليلَ والنَّهَارَ والشمس والقمرَ كُلِّ فِى فَلَكٍ يَسْبحونَ (٣٣))). وقوله ((رتقا)) مصدر رققه رتقا: إذا سده. يقال: رقق فلان الفتق رنقا ، إذا ضمه وسده، وهو ضد الفتق الذى هو بمعنى الشق والفصل. وللعلماء فى معنى هذه الآية أقوال أشهرها: أن معنى , كانتا رتقا، أن السماء كانت صماء لا يغزل منها مطر، وأن الأرض كانت لا يخرج منها نبات،