النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
الجزء السادس عشر
وما الأمر العظيم الذى جعلك تفعل ما فعلت؟ مصدر خطب بخطب ـ كمقعد
يقعد - ومنه قولهم: هذا خطب يسير أو جلل، وجمعه خطوب . وخصه
بعضهم بما له خطر من الأمور. وأصله: الأمر العظيم الذى يكثر فيه
التخاطب والتشاور، ويخطب الخطيب الناس من أجله .
وقد رد السامرى على موسى بقوله: ( يصرت بما لم يصروا به)) أى :
علمت ما لم يعلمه القوم ، وفطنت لما لم يفطنوا له ، ورأيت ما لم يروه .
قال الزجاج: بقال: بصر بالشىء يصر - ككرم وفرح - إذا علمه،
وأبصره إذا نظر إليه .
وقيل : هما بمعنى واحد .
((فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها، روى أن السامرى رأى جبريل
- عليه السلام - حين جاء إلى موسى ليذهب به إلى الميقات لأخذ التوراة عن
ألله - عز وجل - ولم ير جبريل أحد غير السامرى من قوم موسى، ورأى
الفرس كلما وضعت حافرها على شىء اخضرت، فعلم أن للتراب الذى تضع عليه
الفرس حافرها شأنا ، فأخذ منه حفنة وألقاها فى الحلى المذاب فصار عجلا
جداً له خوار .
والمعنى: قال السامرى لموسى: علمت ما لم يعلمه غیری ((فأخذت حفنة من
تراب أثر حافر فرس الرسول وهو جبريل - عليه السلام - فألفيت هذه الحفنة
فى الحلى المذاب (( فصار عجلا جدا له خوار)).
(« وكذلك حولت لى نفسى، أى: ومثل هذا الفعل -ولته لى نفسى، أى
زينته وحسنته إلى نفسى ، لأجعل بنى إسرائيل يتركون عبادة إلهك ياموسى،
ويعبدون العجل الذى صنعته لهم.
وعلى هذا التفسير الذى سار عليه كثير من المفسرين، يكون المراد بالرسول:

١٨٢
سورة
٢.٠.٠
جبريل - عليه السلام - ، ويكون المراد بأره: التراب الذى أخذه من موضع
حافر فرسه .
هذا، وقد نقل الفخر الرازى عن أبى مسلم الأصفهانى رأيا آخر فى تفسير
الآية فقال ما ملخصه : «ليس فى القرآن ما يدل على ما ذكره المفسرون، فهذا
وجه آخر ، وهو أن يكون المراد بالرسول: موسى - عليه السلام - وبأثر .:
سنته ور سه الذى أمر به ، فقد يقول الرجل: فلان يقص أثر فلان ويقتص
أثره إذا كان يمتثل رسمه ، والتقدير: أن موسى لما أقبل على السامرى بالتوبيخ
وبسؤاله عن الأمر الذى دعاه إلى إضلال القوم بعبادة العجل ، رد عليه بقوله :
((بصرت بما لم يبصروا به، أى: عرفت أن الذى أتم عليه ليس بحق، وقد
كنت قبضت قبضة من أثرك أيها الرسول، أى : أخذت شيئا من عدك
ودينك فنبذته، أى: طرحته ... ، (١).
وعلى هذا التفسير الذى ذهب إليه أبو مسلم يكون المراد بالرسول: موسى
- عليه السلام - ويكون المراد بأثره: دينه وسنته وعلمه.
ويكون المعنى الإجمالى للآية: أن السامرى قال لموسى - عليه السلام -:
كنت قد أخذت جانبا من دينك وعدك، ثم تبين لى أنك على خلال فنبذت
ما أخذته عنك وسولت لى نفسى أن أصفع الناس عجلا لكى يعبدوه، لأن
عبادته أراما هى الحق.
وقد رجح الإمام الرازى فى تفسيره ما ذهب إليه أبو مسلم فقال: وأعلم
أن هذا القول الذى قاله أبو مسلم ليس فيه إلا مخالفة للفسرين، ولكنه أقرب
إلى التحقيق لوجوه :
١ - أن جبريل ليس مشهورا باسم الرسول، وإيجر له فيما تقدم ذكر
حتى تجعل لام التعريف إشارة إليه .
(١) راجع تفسير الفخر الرازى ج ٦ ص ٧٠.

١٨٣
الجزء السادس عشر
٢ - أنه لابد فيه من الإضمار، وهو قبضة من أثر حافر فرس الرسول،
والإضمار خلاف الأصل .
٣ - أنه لا بد من التعسف فى بيان أن السامرى كيف اختص من بين
جميع الناس برؤية جبريل ومعرفته؟ ثم كيف عرف أن اتراب حافر فرسه
هذا الأثر؟ والذى ذكروه من أن جبريل هو الذى رباه بعيد ... ))(١).
وقدرد الإمام الآلومى على الإمام الفخر الرازى - رحمهما الله - فقال
١ - عهد فى القرآن الكريم إطلاق الرسول على جبريل، كما فى قوله
- تعالى - ((إنه لقول رسول كريم)). وعدم جريان ذكره فيما تقدم لا يمنع
أن يكون معهوداً، وبحوز أن يكون إطلاق الرسول عليه كان شائعا فى
بنى إسرائيل .
٢ - تقدير المضاف فى الكلام أكثر من أن يحصى ، وقد عهد ذلك فى
كتاب الله غير مرة .
٣ - رؤية السامرى دون غيره لجبريل، كان ابتلاء من الله - تعالى -
ليقضى اله أمرا كان مفعولا ومعرفته تأثير ذلك الأثر دون غيره كانت
بسبب ما ألقى فى روعه من أنه لا يلفيه على شىء فيقول له كن كذا إلا كان
- كمافى خبر ابن عباس - أو كانت لما شاهد من خروج النبات بالوط . - كما
فى بعض الآثار .... (٢).
ويبدو لنا أن ما ذهب إليه أبو مسلم، أقرب إلى ما يفيده ظاهر القرآن
الكريم، إذا ما استبعدنا تلك الروايات التىذكرها المفسرون فى شأن السامرى
وفى شأن رؤيته جبريل .
ولا نرى حرجا فى استبعادها، لأنها عارية عن السند الصحيح إلى التى
(١) راجع تفسير الفخر الرازى ج ٦ ص ٠٧١
(٢) راجع تفسير الآلومى ج ٦ ص ٠٢:٤

١٨٤
سورة طه
٤٤:٠٠
- صلى الله عليه وسلم - أو إلى أصحابه، ويغلب على ظننا أنها من الإسرائيليات
التى ترد العلم فيها إلى الله - تعالى -.
وقوله - سبحانه -: ((قال فاذهب فإن لك فى الحياة أنتقول لامساس ... ))
حكاية لما قاله موسى - عليه السلام - السامرى .
والمساس: مصدر مس - بالتشديد - کقتال من قال ، وهو منفى بلا التى
لنفى الجنس .
والمعنى: قال موسى للسامرى: مادمت قد فعلت ذلك فأذهب ، فإن لك
فى مدة حياتك، أن تعاقب بالنبذ من الناس، وأن تقول لهم إذا ما اقترب
أحد منك: ((لامساس)) أى: لا أمس أحدا ولا يمسنى أحد، ولا أغالط
أحدا ولا يخالطنى أحد .
قال صاحب الكشاف: ((عوقب فى الدنيا بعقوبة لاشىء أطم منها وأوحش
وذلك أنه منع من مخالطة الناس منعا كليا، وحرم عليهم ملاقاته ومكالمته ومبايعته
ومواجهته، وكل ما يعايش به الناس بعضهم بعضا. وإذا اتفق أن مس أحدا
أو امرأة، حم الماس والممسوس - أى: أصيبا بمرض الحمى - فتحامى
الناس وتحاموه، وكان يصيح : لا مساس . وعاد فى الناس أوحش من القاتل
اللاجئ إلى الحرم، ومن الوحش النافر فى البرية ... )) (١) .
وقال الألوسى ما ملخصه: ((والسر فى عقوبته على جنابته بما ذكر. أنه
ضد ما قصده من إظهار ذلك ليجتمع عليه الناس ويعززوه ، فكان مافعله سبباً
لبعدم عنه وتحقيره وقيل : عوقب بذلك ليكون الجزاء من جنس العمل ،
حيث فيذ فنيذ، فإن ذلك التحامى عنه أشبه شيء بالنيذ .... (٢).
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٠٨٥
(٢) تفسير الآلوسى ج ١٦ ص ٢٥٦.

١٨٥
الجزء السادس عشر
قالوا: وهذه الآية الكريمة أصل فى نفى أهل البدع والمعاصى وجيرانهم
وعدم مخالطتهم .
ثم بين - سبحانه - عقوبة السامرى فى الآخرة ، بعد بيان عقوبته فى الدنيا
فقال: (( وإن لك موعداً لن تخلفه)).
وقوله: «تخلفه، قرأها الجمهور بضم التاء وفتح اللام. أى: وإن لك
موعداً فى الآخرة لن يخلفك الله - تعالى - إباه. بل سيتجزه لك، فيعاقبك
يومئذ العقاب الألم الذى نستحقه بسبب ضلالك وإضلالك ، كما عاقبك فى
الدنيا بعقوبة الطرد والنفور من الناس .
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ((لن تخلفه)، بضم التاء وكسر اللام أى: وإن
- لك موعداً فى الآخرة لن تستطيع التخلف عنه، أو المهرب منه، بل ستأتيه
وأنت صاغر ...
، ثم بين - سبحانه - ما فعله موسى - عليه السلام - بالعجل الذى صنعه
السامرى الإضلال الناس. فقال: ((وانظر إلى إلهك الذى ظلت عليه عاكفا)).
أى: وقال موسى - أيضا - السامرى: وانظر إلى معبودك العجل الذى
أقت على عبادته أنت وأتباعك فى غيبتى عنكم .
((لتحرقنه، بالنار أمام أعينكم. والجملة جواب لقسم محذوف، أى:
والله لنحرقته «ثم لننسفنه فى الم تسفاً، أى: ثم لنذريته فى البحر تذرية،
بحيث لا يقى منه عين ولا أثر .
يقال : نسف الطعام بنفه نفاً. إذا فرقه وذراه بحيث لا يبقى
عنه شى . .
وقد نفذ موسى - عليه السلام - ذلك. حتى يظهر الأغبياء الجاهلين
الذين عبدوا العجل، أنه لا يستحق ذلك. وإنما يستحق الذبح والتذرية،
وأن عبادتهم له إنما هى دليل واضح على انطماس بصائرهم، وشدة جهلهم .
وقوله - تعالى -: ((إنمما إلا ان" :. لا إله إلا هو وسع كل شىء علماء

١٨٦
سورة طه
استئناف مسوق لإحقاق الحق وإبطال الباطل. أى: إنما المستحق للعبادة
والتعظيم هو الله - تعالى - وحده، الذي وسع علمه كل شىء. ولا تخفى عليه
خافية فى الأرض ولا فى السماء .
وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد قصت علينا بأسلوب بليغ حكيم،
جوانب من رعاية الله - تعالى - لنبيه موسى - عليه السلام - ورحمته به، كما
قصت علينا ذلك المحاورات التى تمت بين موسى وفرعون، وبين موسى
والسحرة كما حدثنا عن جانب من النعم التى أنعم الله - تعالى - بها على بنى
إسرائيل، وكيف أنهم قابلوها بالجحود والكنود وإيداء نديهم ، وسى
- عليه السلام - .
ثم أشار - سبحانه - بعد ذلك إلى العبرة من قصص الأولين، وإلى التنويه
بشأن القرآن الكريم، وإلى أن يوم القيامة آت لا ريب فيه، فقال - تعالى -:
((كذلكَ نقصُ عليكَ مِنْ أنباء ما قد سبق وقد آتيناكَ من لدُنَّا
ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أعرضَ عَنْهُ فإنّه يحيلُ يومَ القيامةِ وِزراً (١٠٠) خالدينّ
فيهِ وساء لهُم يومَ القيامةِ خْلاً (١٠١) يومَ يُنْفِعُ فى الصُّورِ ونحشُرُ
الْمُجرِمينَ يومئذٍ زُرفاً (١٠٢) يَتَخَفَتُونَ بَينَهم إنْ لِتُم إلّ عَشْراً (١٠٣)
نحنَّ أعلمُ بما يقُولُون إذ يقولُ أَمْثَلُهم طريقةً إِنْ لِبِقْتُم إلّ
يوماً (١٠٤))).
والمكاف فى قوله - تعالى -, كذلك، فى محل نصب نعت لمصدر محذوف ..
أى: نقص عليك - أيها الرسول الكريم - من أنباء ماقد سبق من أحوال
الامم الماضية ، قصصا مثل ماقصصناه عليك عن موسى وهارون . ومادار
بينهما و بین فرعون وبین بنى إسرائيل .
و ((من)، فى قوله ((من أنباء ماقد سبق، للتبعيض، ويشهد لذلك أن
القرآن قد صرح فى كثير من آياته، أن الله - تعالى - لم يقص على الرسول.

١٨٧
الجزء السادس عشر
- صلى الله عليه وسلم - جميع أحوال الأمم السابقة، ومن ذلك قوله - تعالى-
((ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك .....
ومن فوائد ما قصه الله - عليه من أنباء السابقين: زيادة علمه - صلى الله
عليه وسلم، وتكثير معجزاته، وتثبيت فؤاده، وتسليته عما أصابه من سفهاء
قومه، وتذكير المؤمنين بأحوال لمك الأمم السابقة ليعتبروا ويتعظوا ...
وقوله - سبحانه -: ((وقدآً تيناك من لدنا ذكرا)) تنويه وتعظيم لشأن
القرآن الكريم .
أى: وقد أعطيناك ومنحناك من عندنا وحدنا (,ذكرا)، عظيما، وهو
القرآن الكريم، كماقال - تعالى -، وهذاذكر مبارك أنزلناه أفا نتم له مفكرون).
قال الفخر الرازى: «وفى تسمية القرآن بالذكر وجوه:
أحدها : أنه كتاب فيه ذكر ما يحتاج إليه الناس من أمر دينهم ودنياهم.
وثانيها: أنه يذكر أنواع آلاء الله ونعمائه على الناس، ففيه التذكير
والوعظ ..
وثالثها: أنه فيه الذكر والشرف لك ولقومك، كما قال - سبحانه - (دوإنه
لذكر لك ولقومك وسوف تسألون»(٢).
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من يعرض عن هداية هذا القرآن فقال:
(( من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا. خالدين فيه وساء لهم يوم
القيامة حملا ».
والوزر فى الأصل يطلق على الحمل الثقيل، وعلى الإثم والذنب ، والمراد
به هنا العقوبة الثقيلة الأليمة المترتبة على تلك الأثقال والآثام .
قال صاحب الكشاف : والمراد بالوزر : العقوبة الثقيلة الباهظة ، سماها.
(١) سورة النساء الآية ١٦٤
(٢) تفسير الفخر الرازى ج ٦ ص ٧١

١٨٨
سورة طه
وزرا تشبيها فى نقلها على المعاقب، وصعوبة احتمالها، بالحمل الذى يفدح
الحامل . وينقض ظهره، أو لأنها جزاء الوزر وهو الإثم))(١).
وقد أخبرنا القرآن فى كثير من آياته ، أن الكافرين يأتون يوم القيامة
وهم يحملون أوزارهم ، أى : أنقال ذنوبهم على ظهورهم ، ومن ذلك قوله
- تعالى - ,ليحملوا أو زارهم كاملة يوم القيامة، ومن أوزار الذين يضلونهم بغير
على، ألا ساء ما يزرون))(٢) .
أى: من أعرض عن هذا الذكر وهو القرآن الكريم، فإنه بسبب هذا
الإعراض والترك، بحمل يوم القيامة على ظهره آ ثاما كثيرة، تؤدى به إلى
العقوبة المهيئة من الله - تعالى - .
وقوله: ((خالدين، أى: فى العذاب المترقب على هذا الوزر.
((وساء لهم يوم القيامة حملا، أى: وبتس ماحملوا على أنفسهم من الإثم
بسبب إعراضهم عن هداية القرآن الكريم.
قال الآلوسي: ((قوله: (( وساءلهم يوم القيامة حملاء إنشاء الذم، على أن
(((ساء، فعل ذم بمعنى بئس ... وفاعله على هذا هنا مستقر يعود على ((حملا)»
الواقع تمييزا ... والمخصوص بالذم محذوف، والتقدير. ساء حملهم حملا
وزرم ،(٢) .
ثم بين - سبحانه - أحوال المجرمين عند الحشر فقال: ((يوم ينفخ فى
الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا،.
أى: اذكر - أيها العاقل - يوم ينفخ إسرافيل فى الصور النفخة الثانية،
(١) تفسير الكشاف = ٣ ص ٠٨٦
(٢) سورة النحل الآية ٢٥
(٣) تفسير الآلوسى = ١٦ ص ٥٩

١٨٩
الجزء السادس عشر
ونحشر المجرمين يومئذ ونجمعهم للحساب حالة كونهم زرق العيون من شدة
الهول، أو حالة كونهم («زرقا)) أى: عميا، لأن العين إذا ذهب ضوؤها
"أزرق ناظرها. أو ((زرقا، معنا -: عطاشا، لأن العطش الشديد يغير سواد
العين فيجعله كالأزرق .
قال - تعالى -: ((ونفخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن في الأرض
إلا من شاء الله. ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون,(١).
وقوله - سبحانه: «يتخافتون بينهم إن لمتتم إلا عشراء استئناف لبيان
ما يقوله بعضهم لبعض على سبيل الهمس وخفض الصوت .
أى: إن هؤلاء المجرمين يتهامسون فيما بينهم فى هذا اليوم العصيب، قائلين
ما ليقتم فى قبوركم إلا عشرا من الليالى أو الأيام.
ومقصدهم من هذا القول : - استقصار المدة، وسرعة انقضائها ، والندم
على ما كانوا يزعمونه من أنه لا بعث ولا حساب، بعد أن تبين لهم أن البعث
حق، وأن الحساب حق، وأن الأمر على عكن ما كانوا يتوهمون.
وقوله - تعالى -: («نحن أعلم بما يقولون ... ، بيان لشمول علمه
- سبحانه -.
أى: نحن وحدنا أعلم بما يقولونه فيما بينهم، لا يخفى عليناشىء ما يتخافتون به
فى شأن مدة لبثهم فىقبورهم أوفى الدنيا ،
(( إذ يقول أمثلهم طريقة، أى: أعدلهم رأيا، وأرجحهم عقلا «إن لبثتم
إلا يوما، واحقيل المدا. وراد باليوم: مطلق الوقت، وتفكيره للتقليل
والتحقير . أى: مالبقتم فى قبوركم إلا زمنا قليلا .
ونسبة هذا القول إلى أمثلهم لا لكونه أقرب إلى الصدق ، بل لكونه
أدل على شدة الهول .
(١) سورة الزمر الآية ٠٦٨

١٩٠
سورة طه
قال - تعالى -: ((كأنهم يوم : ونها - أى الساعة - لم يلبثوا إلا عيشة
أو ضحاها ،.
ثم بين - سبحانه - أحوال الناس يوم القيامة فقال - تعالى -:
((ويَسْلُونَكَ عن الجبالِ فَقُلْ يفسِفُهَ رَبِى نَسْقاً (١٠٥) فيذرُها:
قاعاً صَفْصفاً (١٠٦) لا تَرَى فيها عِوَجاً ولا أَمْتَّاً (١٠٧) يومئذٍ يتّبعون
الداعِىَ لا عِوَجَ له، وخَشَعَتِ الْأصْوَاتُ الرَّحْمنِ فلا نسَعُ إلا
هَمْسًا (١٠٨) يومئذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاءةُ إلَّ مَن أَذِن لَهُ الرَّحمنُ وَرَضِىَ لَهُ
قولاً (١٠٩) يعلمُ ما بينَ أَيْدِيهِمْ وما غَلْفَهُمْ ولاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (١١٠)
وعنَتِ الوجُوهُ لِلْحَىِّ القيومِ وقد خابَ مَنْ حَل ظُلَا (١١١) ومَنْ يعمَلْ
من الصالحاتِ وهُوْ مُؤْمِنٌ فلا يَخَافُ ظلماً ولا هَضْماً (١١٢))).
والسائلون عن أحوال الجبال يوم القيامة كفار مكة، روى أنهم قالوا
للرسول - صلى الله عليه وسلم - على سبيل الاستهزاء: يا محمد إنك قدعى أن
هذه الدنيا تفنى، وأننا فبعث بعد الموت، فأين تكون هذه الجبال ، فنزل
قوله - تعالى -: ((ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربى نفا)).
وقيل : السائلون هم المؤمنون على سبيل طلب المعرفة والفهم.
وقوله: ((ينسفها)) من الضسف بمعنى القلع. يقال: نسفت الربح التراب
نسفا - من باب ضرب - إذا اقتلعته وفرقته .
أى ويسلك أيم: ١١ - الرسول الكريم - بعض الناس عن أحوال الجبال
يوم القيامة ، فقل لهم: ينسفها ربى نسفا، بأر يفلعها من أصولها، ثم يجعلها
كالرمل المتناز، أو كالصوف المنفوش الذى تفرقه الرياح.

١٩١
الجزء السادس عشر
والفاء فى قوله: ((فقل، للمسارعة إلى إزالة ما فى ذهن السائل من قوم
أن الجبال قد تبقى يوم القيامة .
والضمير فى قوله «فيذره١ قاعا صفصفا، يعود إلى الجبال باعتبار أجزائها
السفلى الباقية بعد النسف، ويصح أن يعود إلى الأرض المدلول عليها بقرينة
الحال. لأنها هى الباقية بعد قلع الجبال. والقاع: هو المنكشف من الأرض
دون أن يكون عليه نبات أو بناء.
والصفصف: الأرض المستوية الملساء حتى لكأن أجزاءها صف واحد
من كل جهة .
أى . فيتركها بعد الغسف أرضا منكشفة متساوية ملساء، لا فيات فيها ولا بناء.
(( لا ترى فيها عوجا ولا أمنا، أى: لا ترى فى الأرض بعد اقتلاع الجبال
منها، مكانا منخفضا، كما لا ترى فيها, أمناء أى: مكانا مرتفعا، بل تراماكلها
مستوية ملساء كالصف الواحد .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: قد فقوا بين العوج والعوج، فقالوا:
العوج بالكسر فى المعانى، والموج بالفتح فى الأعيان، والأرض عين ،
فكيف صح فيها المكسور العين ؟
قلت: اختيار هذا اللفظ له موقع حسن بديع فى وصف الأرض بالاستواء
والملاسة، ونفى الاعوجاج عنها على أبلغ ما يكون، وذلك أنك لو عمدت إلى
قطعة أرض فسويتها ، وبالغت فى التسوية على عينك وعيون البصراء، واتفقتم
على أنه لم يبق فيها اعوجاج قط ، ثم استطلعت رأى المهندس فيها، وأمرته أن
يعرض استواءها على المقاييس الهندسية. لمثر فيها على عوج فى غير موضع،
لا يدرك ذلك بحاسة البصر ولكن بالقياس الهندسى، فنفى الله ذلك الموج
الذى دق ولطف عن الإدراك، اللهم إلا بالقياس الذى يعرفه صاحب التقدير
والهندسة، وذلك الاعوجاج لما لم يدرك إلا بالقياس دون الإحساس لحق

١٩٢
سورة طه
بالمعانى، فقيل فيه، عوج بالمكسر. والأمت: النتوء اليسير، يقال: مدحبله
حتى ما فيه أمت ،.
ثم بين - سبحانه - أحوال الناس يوم القيامة فقال: ((يومعد يتبعون
الداعى لاعوج له .....
والمراد بالداعى: الملك الذى يدعوهم إلى المثول للحساب
قيل بناديهم بقوله: أيتها العظام البالية، والجلود المتخرة ، واللحوم
المتفرقة ... قومى إلى ربك للحساب والجزاء، فيسمعون الصوت ويتبعون.
من يناديهم للحساب والجزاء، دون أن يحيدوا عن هذا المنادى. أو أن يملكوا
مخالفته أو عصيانه، بل الجميع يسمع دعاءه ويستجيب لأمره
كما قال - تعالى -,فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شىء ذكر. خشما
أبصارهم يخرجون من الأجداث كأهم جراد منتشر. مهطين إلى الداع بقول
الكافر، ن هذا يوم عسر).
وقوله: «وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساء أو: وخفتت
وسكنت الأصوات كلها هيبة وخوفا من الرحمن - عز وجل - فلا تسمع-
أيها المخاطب - فى هذا اليوم الهائل الشديد، (( إلا هما، أى: إلا صوتا
خفيا خافتا. يقال: همس الكلام يهمه همسا، إذا أخفاه . ويقال الأسد
الهموس ، لخفاء وطنه .
(« يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن. ورضى له قولا، أى:
فى هذا اليوم الذى تخشع فيه الأصوات لا تنفع الشفاعة أحدا كائنا من كان،
إلا شماعة من أذن له الرحمن فى ذلك ((ورضى له قولا، أى: ورضى سبحانه.
قول الشافع فيمن يشفع له .
قال الإمام ابن كثير : ((وهذه الآية كقوله - تعالى -: ((من ذا الذي يشفع
عنده إلا بإذنه)، وكقوله: « وكم من ملك فى السموات ((لاتغنى شفاعتهم شيئا

١٩٣
الجزء السادس عشر
إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، وكقوله: «ولا يشفعون إلا لمن
ارتضى ....
وفى الصحيحين من غير وجه، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه
قال: آبى تحت العرش، وأخر لله ساجدا، ويفتح على بمحامد لا أحصيها
الآن، ثم يقول - سبحانه -: يا محمد، ارفع رأسك. وقل يسمع قولك،
واشفع تشفع. قال - صلى الله عليه وسلم -: فيحد لى حدا، فأدخلهم الجنة،
ثم أعود. فذكر أربع مرات - صلوات الله عليه وعلى سائر الأنيا ...
وفى الحديث: يقول - تعالى -: أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال
حبة من إيمان، فيخرجون خلقا كثيرا. ثم يقول - سبحانه -: أخرجوا
من النار من كان فى قلبه نصف مثقال من إيمان . أخرجوا من النار من كان
فى قلبه ما یزن ذرة ، من كان فى قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من
إيمان ... .١) .
وقوله - تعالى ـ ((يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماء بيان
لشمول علمه - سبحانه - لكل شىء.
أى: الله - تعالى - وحده هو الذى يعلم جميع أحوال خلقه سواء ما كان
منها يتعلق بما بين أيديهم من أمور الآخرة وأهوال الموقف . أم ما كان منها
يتعلق بما خلفهم من أمور الدنيا أمام فإنهم لا يحيط علمهم لا بذاته - تعالى-
ولا بصفاته ، ولا بمعلوماته.
فالضمير فى قوله «ما بين أيديهم وما خلفهم، يعود على المتبعين للداعى،
وم الخلق جميعا .
وقيل : يعود للشافعين ، وقيل للملائكة، والأول لعمومه .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٠٣١١
( ١٣ - سورة طه)

١٩٤
سورة طه
وقوله - سبحانه -: ((وعنت الوجوه الحى القيوم ... ، مؤكد ومقرر
لما قبله من خشوع الأصوات يوم القيامة للرحمن، ومن عدم الشفاعة لأجد
إلا بإذنه- عز وجل -.
والفعل (( عنت)) بمعنى ذات يقال: عنا فلان يعفو عنوا - من باب سماء
إذا ذل لغيره وخضع وخشع ، ومنه قيل للأسير : عان لذله وخضوعه
لمن أمره.
أى: وذات وجوه الناس وخضعت فى هذا اليوم قه- تعالى - وحده
((الحى، أى: الباقى الذى له الحياة الدائمة التى لا فناء معها «القيوم، أى: الدائم
القيام بتدبير أمر خلقه وإحیائهم وإما تتهم ورزقهم ... وسائر شئونهم.
وهذا اللفظ مبالغة فى القيام. وأصله قيووم بوزن فيعول، من قام بالأمر
إذا حفظه ودبره .
وخصت الوجوه بالذكر، لأنها أشرف الأعضاء، وآثار الذل أكثر
ما تكون ظهوراً عليها .
وظاهر القرآن يفيد أن المراد بالوجوه جميعا، سواء أ كانت للمؤمنين
أم لغير هم، فالكل يوم القيامة خاضع لله - تعالى - ومستسلم لقضائه، فالألف
واللام للاستغراق .
قال ابن كثير: ((قوله - تعالى - ((وعنت الوجوه الحى القيوم)) قال ابن
عباس وغير واحد - من السلف -: خضعت وذلت واستسلمت الخلائق
لخالقها وجبارها الحى الذى لا يموت .. »(١).
ويرى بعضهم أن المراد بالوجوه التى ذلت وخشعت فى هذا اليوم، وجوه
الكفار والفاسقين، وإلى هذا المعنى اتجه صاحب الكشاف فقال: المراد بالوجوه
وجوه العصاة، وأنهم إذا عاينوا - يوم القيامة - الخيبة والشقولا وسوه
(١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ١١م.

١٩٠
الجزء السادس عشر
الحساب (( صارت وجوههم عاتية)) أى: ذليلة خاشعة، مثل وجوه العناة وهم
الأسارى، ونحوه قوله - تعالى -: (فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين
کفروا ،(١) .
ويبدو لنا أن القول الأول أقرب إلى الصواب. لأن جميع الوجوه يوم
القيامة تكون خاضعة لحكم الله - تعالى - ومستسلمة لقضائه.
وقوله: ((وقد خاب من حمل ظنا، جملة حالية، أى: ذات جميع الوجوه
لله - تعالى - يوم القيامة، والحال أنه قد خاب وخسر من حمل فى دنياه ظلما ،
أى: شركا بالله - تعالى - أو فسوقا عن أمره - سبحانه - ولم يقدم العمل الصالح
الذى ينفعه فى ذلك اليوم العسير .
ثم بشر - سبحانه - المؤمنين بما يشرح صدورهم فقال: ،ومن يعمل من
الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا مضما)).
أى: ومن يعمل فى دنياه الأعمال الصالحات ، وهو مع ذلك مؤمن بكل
ما يحب الإيمان به، فإنه فى هذه الحالة ((لا يخاف ظلما)، ينزل به، ولا يخاف
(((بضما، لشىء من حقوقه أو ثوابه.
بقال: هضم فلان حق غيره، إذا انتقصه حقه ولم يوفه إياه .
قالوا : والفرق بين الظلم والهضم : أن الظلم قد يكون بمنع الحق كله ،
أما الهضم فهو منع لبعض الحق . فكل هضم ظم، وليس كل ظلم مضما.
فالآية الكريمة قد بشرت المؤمنين، بأن الله - تعالى - بفضله وكرمه
سيوفيهم أجورهم يوم القيامة ، بدون أدنى ظلم أو نقص من نوابهم، وانتنكير
فى قوله « ظنا ومضماء للتقليل.
ثم فوه - سبحانه - بشأن القرآن الكريم الذى أنزله على نبيه محمد - صلى
الله عليه وسلم، وبير بعض الحكم من إنزاله، وطلب من نبيه - صلى الله عليه
وسلم - أن يسأله المزيد من العلم فقال - تعالى -:
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٨٩

١٩٦
سورة طه
((وكَذَلِكَ أَنْزَلْنَهُ قُرآنًا عَربِيًّا وَصَرَّفناَ فيهِ من الوعيدِ لَعَلَّهم
يتقونَ أوْ يحدِث لَهُمْ ذِكْراً (١١٣) فتعالَى اللهُ الملِثُ الحقَّ، ولا تعجّلْ
بالقُرآنِ من قبلِ أن يُقْضَى إليكَ وَحْيُّهُ وَقُلْ رَبِ زِدْ عِلْماً (١١٤)».
وقوله - سبحانه - ((وكذلك أنزلناه ... )، معطوف على قوله:, كذلك.
فقص عليك من أنباء ما قد سبق ... )) والكاف للتشبيه ، واسم الإشارة بعود
على إنزال ما سبق من آيات .
أى : ومثل ما أنزلنا الآيات السابقة المشتملة على الآداب والأحكام
والقصص ، أنزلنا عليك يا محمد القرآن كله ، فما نزل منه متأخراً يشبه فى هدايته
وإعجازه ما نزل منه متقدما .
فه وقد اقتضت حكمتنا أن نجعله ,قرآنا عربيا، أى: بلغة العرب، لكى
يفهموه ويقعوا على ما فيه من مدايات وإرشادات وإعجاز للبشر.
وقوله: (( وصرفنا فيه من الوعيد، معطوف على ((أنزلناه)، أى: أنزلناه
قرآنا عربيا وكررنا ونوعنا فيه ألوانا من الوعيد على سبيل التخويف والتهديد.
(( لعلهم يتقون، أى: لعل الناس يتقون بسيب ذلك الوقوع فى الكفر
والفسوق والعصيان ، ويحتذبون الآنام والسيئات، ويصونون أنفسهم عن
الموبقات فعمول ((يتقون)) محذوف.
وقوله - سبحانه - ((أو يحدث لهم ذكرا، بيان لحكمة أخرى من الحكم
التى من أجلها أنزل الله القرآن الكريم.
أى: أنزلناه بهذه الصفة، وجعلناه مشتملا على ضروب من الوعيد ، لعل
قومك - أيها الرسول الكريم - يتقون الكفر والمعاصى، أو أهل القرآن
يحدث فى نفوسهم , ذكراً)).
ـن

١٩٧
الجزء السادس عشر
أى: اتعاظا واعتباراً يصرفهم عن التردى فيما ترددت فيه الأمم السابقة
آثام وموبقات أدت إلى هلاكها .
وقال - سبحانه ــ ,أنزلناه، بالإضرار مع أن القرار لم يسبق له ذكر
فى الآيات السابقة، للإيذان بنباهة شأنه، وعلو قدره، وكونه مركوزا فى
البقول، حاضرا فى الأذهان والقلوب .
ثم أثنى - سبحانه - على ذانه بما يستحقه من صفات كريمة فقال :
( فتعالى الله الملك الحق)).
أى: مجمل وعظم شأن الله - سبحانه - عن إلحاد الملحدين، وإشراك
المشركين، فإنه هو وحده , الملك) المتصرف فى شئون خلقه، وهو وحده
الإله (, الحق ، وكل ما سواه فهو باطل.
ثم أرشد الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - إلى كيفية تلقى القرآن
من جبريل - عليه السلام - فقال: «ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى
إليك وحيه .)).
أى : ولا تتعجل بقراءة القرآن من قبل أن ينتهى جبريل من إبلاغه
إليك، قالوا : وكان النبى - صلى الله عليه وسلم - كلما قرأ عليه جبريل آية
قرأها معه، وذلك لشدة حرصه على حفظ القرآن ، ولشدة شوقه إلى سماعه ،
فأرشده الله - تعالى - فى هذه الآية إلى كيفية تلقى القرآن عن جبريل. ونهاء
. 2
من التعجل فى القراءة .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: (( لا تحرك به لسانك لتعجل به. إن
علينا جمعه وقرآنه . فإذا قرأناء فاتبع قرآنه. ثم إن علينا بيانه)).
ثم أمر - سبحانه - نبيه - صلى الله عليه وسلم -: أن يسأله المزيد من
العلم فقال : ((وقل رب زدنى علماً، .
أی: وقل - أيها الرسول الكريم - مخاطبا ربك ومتوسلا إليه ، يارب
زدنى من علمك النافع .

١٩٨
سورة طه
قال الآلوسي: «واستدلوا بالآية على فضل العلم حيث أمر - صلى الله عليه.
وسلم - بطلب الزيادة منه وذكر بعضهم أنه - صلى الله عليه وسلم - ما أمر
بطلب الزيادة من شىء سوى العلم، وكان - صلى الله عليه وسلم - يقول: اللهم
انفعنی بما علمتنى، وعلینی ماینفعنی، وزدنى علما، وكان بقول: « اللهم زدفى
إيمانا وفقها ويقينا وعلما))(١).
ثم ساق - سبحانه - جانبا من قصة آدم - عليه السلام - فذكر لنا كيفد
أنه فى عهد ربه له، فأكل من الشجرة التى نهاه الله - تعالى - من الأكل منها:
ومع ذلك فقد قبل - سبحانه - توبته، وغسل حوبته ... قال - تعالى -:
((وَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قبلُ فَسِىَ ولمْ تَجِدْ لُهُ عَزْمًا (١١٥)
وإذْ قُلنَا للملاَئِكَةِ اسجُدُوا لآدمَ فسجدوا إلاَّ إبليسَ أَبَّى (١١٦)
فقُلنَ يا آدمُ إِنَّ هذَا عدوٌّ لكَ ولزَوْجِكَ فلا يُخْرِجِنكُمَاً من الجنَّةِ
فَتَشْفِى (١١٧) إنّ لكَ أَلاَّ تَجُوعَ فيها ولا تَعْرَى (١١٨) وأنَّكَ لا تَأُ
فيها ولا تَضْحَى (١١٩) فَوَسْوسَ إليهِ الشيطانُ قالَ يا آدمُ هَلْ أداك
على شَجَرَةٍ اللَّهِ وَمُلْكِ لاَ يَبْلَى (١٢٠) فأكلا منها فبدت لهما
سَوْءاتها وطَفِقِاَ بُخْصِفَذِ عليهما من وَرَقِ الجنَّةِ وعصى آدمُ ربَّ
فنوَى (١٢١) ثم اجْتَبَاه ربُّه فتابَ علَّيْهِ وحَدَى (١٢٢) قالَ اهْبِطه
منها جَيْعاً بعضُكُم لِبَعْضٍ عَدُوٌ، فإمَّا يَأْتِنكُم مِنْ هُدَى فَنِ اتّبعَ
هُدَاى فلا يَضِلُّ ولا يَشْقى (١٢٣))).
واللام فى قوله - تعالى -: ((ولقد عهدنا .. )) هى الموطئة للقسم، والمعهود.
محذوف، وهو النهى عن الأكل من شجرة معينة ، كما وضحه فى آيات أخرى
منها قوله - تعالى -: «ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين».
(١) تفسير الألوسى = ١٦ ص ٢٦٩.

١٩٩
الجزء السادس عشر
أى: والله لقد عهدنا إلى آدم - عليه السلام - وأوصيناه ألا يقرب تلك
الشجرة (( من قبل، أن يخالف أمرنا فيقربها ويأكل منها، أو قبل أن تخبرك
بذلك - أيها الرسول الكريم-
والفاء فى قوله, فنى، للتعقيب، والمفعول محذوف . أى: فنسى ٦عهد
الذى أخذناه علیه بعدم الأكل منها.
والنسيان هنا يرى بعضهم بمعنى أنه الترك، وقد ورد النسيان بمعنى الترك
فى كثير من آيات القرآن الكريم، ومن ذلك قوله - تعالى - ((وقيل اليوم
تنساكم كمانسيتم لقاء يومكم هذا، أى: نترككم كما تركتم لقاء يومكم هذا وهو
يوم القيامة .
وعليه يكون المعنى: ولقد عهدنا إلى آدم من قبل بعدم الأكل من الشجرة
فترك الوفاء بعدنا ، وخالف ما أمرنا به .
وعلى هذا التفسير فلا إشكال فى وصف الله - تعالى - له بقوله: ((وعصى
آدم ربه فغوى، لأن آدم بمخالفته لما نهاه الله - تعالى - عنه - وهو الأكل من
الشجرة - صار عاصيا لأمر ربه .
ومن العلماء من يرى أن النسيان هنا على حقيقته، أى : أنه ضد التذكرة
. فيكون المعنى: ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ما عاهد ناه عليه، وغاب
من ذهنه ما نهيناه عنه ، وهو الأكل من الشجرة .
فإن قيل: إن النامى معذور. فكيف قال ان - تعالى - فى حقه: «ودمى
آدم ر به قنوی ،؟
فالجواب: أن آدم - عليه السلام - لم يكن معذورا بالنسيان، لأن العذر
بسبب الخطأ والنسيان والإكراه. من خصائص هذهالأمة الإسلامية، دليل
قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله تجاوز لى عن أمتى الخطأ والنسيان
وما استكرهوا عليه».

٢٠٠
سورة طه
قال القرطى ما ملخصه: ((قوله - تعالى -: ((ولقد عهدنا إلى آدم من قيل
فنسى ... والنسيان معنيان: أحدهما: الترك، أو ترك الأمر والعهد ، وهذا
قول مجاهد وأكثر المفسرين، ومنه (( نسوا الله فنسيهم)). وثانيها: قال ابن
عباس: ((نى، هنا من السهو والنسيان، وإنما أخذ الإنسان من أنه عهد إليه.
فنسى ... وعلى هذا القول يحتمل أن يكون آدم فى ذلك الوقت مؤاخذا
بالنسيان ، وإن كان النسيان عنا اليوم مرفوعا .
والمراد تسلية النبى - صلى الله عليه وسلم - أى: أن طاعة بنى آدم للشيطان
أمى قديم أى: إن نقض هؤلاء، المشركون - العهد، فإن آدم - أيضا-عهدنا
إليه فنى .. ،(١).
وقوله: (( ولم يجد له عزما، مقرر لما قبله من غفلة آدم عن الوفاء بالعهد.
قار الجمل: ((وقوله: (( نجد، يحتمل أنه من الوجدان بمعنى العلم: فينصب
مفعولين ، وهما (( له وعزما). ويحتمل أنه من الوجود الذى هو ضد العدم
فينصب مفعولا وهو«عزما، والجار والمجرور متعلق بنجد،(٢).
والعزم: توطين النفس على الفعل، والتصميم عليه، والمعنى فى التنفيذ
الشى . ..
أى: نسى آدم عهدنا، ولم نجد له ثبات قدم فى الأمور، يجعله يصبر على
عدم الأكل من الشجرة . بل لانت عربكته، وفترت همته بسبب خديمة
الشيطان له .
ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك بشيء من التفصيل، الأسباب التى أدت إلى
نسيان آدم وضعف عزيمته فقال: «وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا
إلا إبليس أبى ».
(١) تفسير القرطبى : ١١ ص ٢٥١.
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ١١٣