النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ الجزء السادس عشر آخر والأصل على جذوع النخل. والثانى: أنه شبه تمكنهم بتمكن من حواء الجذع واشتمل عليه . وقال الكرخى «فى، بمعنى على مجازا، من حيث إنه شبه تمكن المصلوب بالجذع، يتمكن المظروف فى الظرف وهذا هو المشهور(١). وقوله: ((ولتعلن أيف أشد عذابا وأبقى، تهديد فوق تهديد، ووعيد إر وعبد. أى: وواقه لتعلن أيها السحرة أبنا أشد تعذيبا لكم، وأبقى فى إنزال الهلاك بكم ، أنا أم موسى وربه . : وكأنه بهذا التهديد بريد أن يهون من كل عذاب سوى عذابه لهم، ومن كل عقاب غير عقابه أيام . وهذا التهديد الذى حكاه الله - تعالى- هنا، قد جاء ما يشبههه فى آيات أخرى منها قوله - تعالى -:. قال فرعون آمنتم به قبل أن آ ذن لكم؛ إنه لمكرمكر تموه فى المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون. لأقطن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم الأصلينكم أجمعين،(٢). : ثم حكى - سبحانه - أن السحرة بعد أن استقر الإيمار فى قلوبهم، قد قابلوا تهديد فرعون لهم بالاستخفاف وعدم الاكتراث فقال: ((قالوا لن فؤ ثرك على ما جاءنا من البينات، والذى فطر نا فاقض ما أنت قاض .... أى: قال السحرة فى ردهم على تهديد فرعون لهم: أن تختارك يافرعون ولن ترضى بأن تكون من حزبك؛ وأن نقدم سلامتنا من عذابك ... على ما ظهر لنا من المعجزات التى جاءنا بها موسى، والتى على رأسها عصاء التى ألقاه! فإذا مى تبتلع حبالنا وعصينا . (١) حاشية الجمل على الجلالين =٣ ص ٠١٠١ (٢) سورة الأعراف الآيتان ٠١٢٤،١٢٣ (١١ - سورة طه) F' ١٦٢ سورة طه وجملة ((والذى فطرة!)) الواو فيها للعطف على ((ماء فى قوله ((ما جاءنا)). أى: لن نختارك يا فرعون على الذى جاءنا من البينات على بد موسى، ولا على الذى فطرنا أى : خلقنا وأوجدنا فى هذه الحياة. ويصح أن تكون هذه الواو للقسم، والموصول مقسم به ، وجواب القسم محذرف دل عليه ما قبله، والمعنى: وحتى الذى فطر نالن تؤثرك يافرعون على ما جاءنا من البينات . وقوله : « فاقض ما أُنت قاض ، تصریح منهم بأن تهديده لهم لا وزن له عندهم، ورد منهم على قوله: ((لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف)). أى: لن نقدم طاعتك على طاعة خالقنا بعد أن ظهر لنا الحق، فافعل ما أفهم ما فعله ، ونفذ ما تريد تنفيذه فى جوارحنا، فهى وحدها التى تملكها، أما قلوبنا فقد استقر الإيمان فيها: ولا تملك شيئا من صرفها عما آمنت به. قال بعض العلماء: واعلم أن العلماء اختلفوا: هل فعل بهم فرعون مانوعدم به ، أو لم يفعله بهم ؟ فقال قوم: قتلهم وصلبهم، وقوم أنكروا ذلك وأظهرهما عندى: أنه لم يقتلهم، وأن الله عصمهم منه لأجل إيما فهم الراسخ بالله - تعالى-، لأن الله قال لموسى وهارون: ((أنتما ومن اتبعكما الغالبون،(١). وقوله: إنما تقضى هذه الحياة الدنيا. إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطا يانا .. )) تمليل لعدم ميالاتهم بتهديده لهم . أى: افعل يا فرعون ما أنت فاعله بأجسامنا، فإن فعلك هذا إنما يتعلق بحياتنا فى هذه الحياة الدنيا، وهى سريعة الزوال، وعذابها أهون من عذاب الآخرة . (١) تفسير أضواء البيان جـ ٥ ص٤٧٤ الشيخ الشنقطبى. ١٦٣ الجزء السادس عشر ((إنا آمنا بربنا، وغالقنا ومالك أمرنا «ليغفر لنا خطايانا) السالفة، التى اقترفناها بسبب الكفر والإشراك به - سبحانه -، وليغفر لنا «ما أكرهتنا عليه عن السحر، لكى نعارض به موسى - عليه السلام- معارضة من هو على الباطل لمن هو على الحق، وقد كنا لا تملك أن نعصيك. وخصوا السحر بالذكر مع دخوله فى خطاياهم ، للإشعار بشدة نفورم منه، وبكثرة كرامينهم له بعد أن هداهم الله إلى الإيمان . وقوله ((والله خير وأبقى، تذييل قصدوا به الرد على قول فرعون لهم: (( ولتعلمن اينا أشد عذابا وأبقى)). أى: والله - تعالى - خير ثوابا منك يا فرعون، وأبقى جزاء وعطاء، فإن ثوابه - سبحانه - لا نقص معه، وعطاءه أبقى من كل عطاء. وقوله - عز وجل -: ((إنه من يأت ربه مجرما .. ، يصح أن يكون كلاماً مستأنفاً ساقه الله - تعالى - لبيان سوء عاقبة المجرمين، وحسن عاقبة المؤمنين . ويصح أن يكون من بقية كلام السحرة فى ردهم على فرعون . والمعنى: ((إِنه، أى الحال والشأن ، من يأت ربه، يوم القيامة فى حال کونه « مجر ما ). أى: مرتكباً لجريمة الكفر والشرك بالله - تعالى - ((فإن له، أى: لهذا المجزم (( جهم)) يعذب فيها عذابا شديدا من مظاهره أنه ((لا يموت فيها)) فيتريح ((ولا بحي)) حياة فيها راحة . كما فال ـ تعالى ــ((والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها، كذلك نجزى كل كفور». ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين فقال: ((ومن يأته مؤمناء به إيمانا حقاً، و((قد عمل، الأعمال ((الصالحات، بجانب إيمانه . فأولئك، ﴿ الموصوفون بتلك الصفات ((لهم، بسبب إيمانهم وعملهم الصالح ((الدرجات أتصلى ، أى : المنازل الرفيعة، والمكانة السامية . ١٦٤ سورة طه وقوله: (( جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار، بدل من الدرجات العلى. أى: لهم جنات باقية دائمة تجرى من تحت أشجارها وثمارها الأنهار (خالدين فيها ، خلودا أبديا. خشـ ((وذلك)) العطاء الجزيل الباقى، جزاء من تزكى)، أى من تطهر وتجرد من دنس الكفر والمعاصى . وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد صورت لنا بأسلوبها البليغ المؤثر ، تلك المحاورات الطويلة التى دارت بين موسى وفرعون والسحرة ٠٠٠ والتى انتهت بانتصار الحق وإندحار الباطل. ثم ساق - سبحانه - جانبا من النعم التي أنعم بها على فى إسرائيل، وحذرم من جحودها، فقال - تعالى - : ((ولقدْ أو حَيْتَ إلى موسى أنْ أسْرٍ بعبادِى فاضْرِب لهم طريقاً فيه البحرِ يبساً لا تخافُ دركماً ولا تختَى (٧٧) فأتبعهم فرعونُ بجنودِه. فغشيهم من اليمِّ ما غَشِيهِم (٧٨) وأضلَّ فرعونُ قومهُ وما هدَى (٧٩) يا بنى إسرائيلَ قَد أَنجينا ◌ُم من عدولُ وواعد ناكُ جانبَ الطور الأيمنَ وَنُزْلناَ عليكُم المنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠) كِلُوا من طيباتٍ مارزقناكُم ولا تطغوا فيه فيحِلَّ عليكم غضبى، ومن يحلِلْ عليه غضبى فقد هوَى (٨١) وإني لغفار لمن تابَ وآمن وعمل صالحاً ثم اعتدى (٨٢)). · قال الألوسى ما ملخصه: ((وقوله - سبحانه -: ((ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادی .... ، حكاية إجمالية لما انتهى إليه فرعون وقومه، وقــ طوى - سبحانه - ذكر ماجرى عليهم بعد أن تغلب موسى على السحرة ٠,٠ وبعد أن مكث موسى يبلغهم معه ... )) (١). (١) تفسير الألومى ج ١٦ س ٠٢١٥ ١٦٥ الجزء السادس عشر وصدرت الآية الكريمة باللام الموطئة للقسم وقد، تأكيداً لهذا الإيحاء، وتقريراً له. أى: والله لقد أوحينا إلى عبدنا موسى - عليه السلام - وقلنا له: صر بعبادى من بنى إسرائيل فى أول الليل متجها بهم من مصر إلى البحر الأحمر فإذا ما وصلت إليه ((فأضرب لهم طريقا فى البحر يبا،. أى: فاجعل لهم طريقا فى البحر يابا، فالضرب هنا بمعنى الجمل كما فى قولهم: ضرب له فى ماله سهما، إذا جعل له سهما . والمراد بالطريق جنسه. فإن الطرق التى حدثت بعد أن ضرب موسى بعصاه البحر ، كانت اثنى عشر طريقا بعدد أسباط بنى إسرائيل. وعبر - سبحانه - عن بنى إسرائيل الذين خرجوا مع موسى بعنوان العبودية لله - تعالى - للإشعار بعطفه - عز وجل - عليهم ورحمته بهم، والتنبيه على طغيان فرعون حيث استعبد واستذل عبادا للخالق - سبحانه -، وجعلهم عيدا له . نشيد :٠ ٠١ ٠١٠ قال الجمل: ((وقوله((يبساء صفة لقوله «طريقا، وصف به لما يؤول إليه، لأنه لم يكن ببسا بعد، وإنما مرت عليه الصبا تخففته. وقيل: هو فى الأصل مصدر وصف به للمبالغة . أو على حذف مضاف، أو من يابس كخادم وصف به الواحد مبالغة ،(١) وقوله - سبحانه -: (( لا تخاف دركا ولا تخشى)) تذبيل قصد به تثبيت فؤاد موسى - عليه السلام - وإدخال الطمأنينة على قلبه. والدرك اسم مصدر بمعنى الإدراك. والجملة فى محل نصب على الخال من فامل (( أُضرب» . أى: أضرب لهم طريقا فى البحر يابسا، حالة كونك غير خائف من أن (١) جاعية الجمل على الجلالين = ٣ ص ٠١٠٢ ١٦٦ سورة طه يدركك فرعون وجنوده من الخلف؛ وغير وجل من أن يغرقكم البحر من أمامكم . :. فالآية الكريمة قد إشتملت على كل ما من شأنه أن يغرس الأمان والاطمئنان فى قلب موسى ومن معه . ثم بين - سبحانه - موقف فرعون بعد أن علم بأن موسى قد خرج بقو من مصر فقال - تعالى -:. فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ماغشيهم» .. أى: وبعد أن علم فرعون بخروج موسى وبنى إسرائيل من مصر، جمع جنوده وأسرع فى طلب موسى ومن معه، فكانت نتيجة ذلك ، أن أغرق. الله - تعالى - فرعون وجنوده فى البحر. وأهلكهم عن آخرم . والتعبير بالاسم المبهم الذى هو الموصول فى قوله: « فنشيهم من البم ما فشيهم، يدل على تعظيم ما غشيهم وتهويله، أى: فعلاهم وغمرثم من ماء البحر مالا يعلم كنهه إلا انه - تعالى - بحيث صاروا جميعا فى طيات أمواجه. ونظيره قوله - تعالى -: ((إذا يغشى السدرة ما يغشى، وقوله: «فأوحى إلى عبده ما أوحى ». قال - صاحب السكشاف: (قوله - تعالى - «ماغشيهم، من باب الاختصار ومن جوامع الكلم التى تستقل مع قلتها بالمعانى الكثيرة. أى: غشيهم مالا يعلم كنهه إلا الله - تعالى -إ. وقرىء فنشاهم من اليم ما غشام، والتغعية: التغطية ... ، (١). وقوله - سبحانه - ((وأضل فرعون قومه وما هدى) بيان لحال فرعون قبل أن يهلكا الله - تعالى - بالفرق . أى : وأضل فرعون فى حياته قومه عن طريق الحق ، وما هدام إليها وإنما مدام إلى طريق الغى والباطل، فكانت عاقبتهم جميها. الاستئصال والدمار . (١) تفسير الكشاف =٣ ص ٠٧٨ ١٦٧ الجزء السادس عشر وما اشتملت عليه الآيتان من إجمال بالنسبة لتلك الأحداث: قد ماء مفصلا فى آيات أخرى ومن ذلك قوله - تعالى - فى سورة الشعراء: ((وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون. فأرسل فرعون فى المدائن ـاشرين إن هؤلاء لشرذمة قليلون. وإنهم لنا لفائظون. وإنا لجميع حاذرون. فأخر جناهم من جنات وعيون. وكنوز ومقام كريم. كذلك وأورثناها بنى إسرائيل. فأتبعوهم مشرقين. فلما تراءى الجمعان قال أصحاب مومى أنا لمدركون . قال كلا إن معى ربي سيهدين. فأوحينا إلى موسى أن أضرب بعصاك البحر فانغلق ، فكان كل فرق كالطود العظيم. وأزلفنا ثم الآخرين وأنجينا موسى ومن معه أجمعين. ثم أغرقنا الآخرين)). ثم ذكر - سبحانه - بنى إسرائيل بنعمه عليهم فقال: « يابنى إسرائيل قد أنجينا كم من عدوكم، فرعون وجنده ، بأن أغرقناهم أمام أعينكم وأنتم لنظرون إليهم ، بعد أن كانوا يومونكم سوء العذاب. , وواعدةاكم جانب الطور الأيمن، أى : وواعدنا نبيكم موسى فى هذا المكان لإعطائه التوراة لحمايتكم وإصلاح شأنكم، وهذا الوعد هو المشار إليه بقوله - تعالى -: ((وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر قم ميقات وبه أربعين ليلة)). قال صاحب الكشاف: ذكرهم النعمة فى نجمانهم وهلاك عدوهم، وفيما واعد موسى من المناجاة بجانب الطور، وكتب التوراة فى الألواح. وإنما عدى المواعدة إليهم لأنها لا بستهم واتصلت به، حيث كانت لنيهم ونقبائهم، وإليهم رجعت منافعها الى قام بها دينهم وشرعهم ، وفيما أفاض عليهم من سائر نهمه وأرزاقه .. ،(١) وقال الفرطى ما ملخصه: «وقوله: (جانب، نصب على المفعول الثانى لقوله وأعدنا ... (١) تفسير الكشاف حـ ٢ ص ١٩ ١٦٨ سورة طه و«الأيمن، نصب لأنه نعت للجانب، إذ ليس للجبل يمين ولاشمال .. وتقدير الآية: وواعدناكم إنمان جانب الطور ثم حذف المضاف: أى: أمرنا موسى أن يأمركم بالخروج معه ليكلمه بحضرتكم فتسمعوا الكلام. وقيل: وعد موسى بعد إغراق فرعون أن يأتى جانب الطور الأيمن فيؤتيه التوراة ، فالوعد كان لموسى، ولكن خوطبوا به لأن الوعد كان لأجلهم ... »(١) وقوله:(ونزلنا عليكم المن والسلوى) نعمة ثالثة من نعمه - سبحانه - عليهم. والمن: مادة حلوة لزجة تشبه العسل كانت تسقط على الشجر من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس . والسلوى: طائر لذيذ الطعم ، يشبه الطائر الذى يسمى السمانى ، كانوا يأخذونه ويتلذذون بأ كله . وقيل : هما كناية عما أنعم الله به عليهم. وهما شىء واحد، سمى أحدهما ((هنا)) لامتنان الله - تعالى - عليهم، وسمى الثانى سلوى لتسليتهم به. أى: ونزلنا عليكم بفضلنا ورحمتنا وأنتم فى التيه تلك المنافع والخيرات التى تأخذونها من غير كد أو تعب . والأمر فى قوله - سبحانه -: «كلوا من طيبات مارزقناكم، للإباحة، والجملة مقول القول محذوف . أى: وقلنا لهم كلوا من طيبات مارزقنا كم من المن والسلوى، ومن غيرهما من اللذائذ الى أجلها الله لكم . وقوله - تعالى -: (ولا قطفوا فيه فيحل عليكم غضبى ومن يحلل غضبى فقد هوى)) تحذير لهم من تجاوز الحدود التى شرعها الله - تعالى - لهم، إذ الطغيان جاوزة الحد فى كل شىء . والضمير فى قوله ((فيه)) يعود إلى الموصول الذى هو ((ما)، فى قوله : (١) تفسير القرطبى : ١١ ص ٠٢٣٠ ١٦٩ الجزء السادس عشر « مارزقناكم، ويحل - بكسر الحاء - بمعنى يجب. يقال: حل أمر الله على فلان يحل حلالا بمعنى وجب . وقرأ الكسائى (فيحل، بضم الحاء بمعنى نزل. يقال: حل فلان بالمكان يحل - بالضم - حلولا ، إذا نزل به . والمعنى: كلوا يا بنى إسرائيل من الطيبات التى رزقكم الله إياها واشكروه عليها، ولا تتجاوزوا فيما رزقنا كم الحدود التى شر عناها لكم ، فإنكم إذا فعلتم ذلك حقی علیکمغضی، و نزل بكم عقابى ، و منحق عليه غضی و نزل به عقابى ((فقد هوى)) أى: هلك وصار إلى الهاوية أى: إلى النار . وأصله السقوط من مكان مرتفع كجبل ونحوه. يقال: هوى فلان - بفتح الواو - يهوى - بكسرها - إذا سقط إلى أسفل، ثم استعمل فى الهلاك لزومه له . ثم فتح - سبحانه - باب الأمل اسباده فقال : .وإني لغفار)) أى: الكثير المغفرة(( لمن تاب، من الشرك والمعاصى , وآمن، بكل ما يجب الإيمان "به ((وعمل صالحا)، أى: وعمل عملا مستقيما برضى الله - تعالى - د ثم اهتدى)) أى: ثم واظب على ذلك ، وداوم على استقامته وصلاحه إلى أن لقى الله - تعالى - . وثم فى قوله (( ثم اهتدى، للتراخى النسبي، إذ أن هناك فرقا كبيرا بين من يتوب إلى الله - تعالى - ويقدم العمل الصالح، ويستمر على ذلك إلى أن یلقی الله - تعالى - وبين من لا يداوم على ذلك . ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن فتنة قوم موسى - عليه السلام - بعد أن ذهب لمناجاة ربه، وكيف انقادوا لخديعة السامرى لهم .. فقال - تعالى - : ((وما أعجلكَ عن قومِكَ يا موسى (٨٣) قالَ مُ أُولاَء على أتَرَى ١٧٠ سورة طه وعجلتُ إليكَ ربى لترضَى (٨٤) قالَ فإنَّا قد فتنا قومّك مِنْ بعدِكَ وأمضلّهم السامرى (٨٥) فرجعَ موسَى إلى قَومِه غضبان أسفاً، قالَ يا قومٍ ألم يعدُ ربكم وعداً حسناً أفطالَ عليكم العهدَ أمْ أردتم أن يُحِلّ عليكم غضبٌ مِنْ ربُكُمْ فَأَخْلَفَتُمْ مَوْعِدى (٨٦) قالوا ما أَخلَفْناً موعِدَك ملكنا ولكِنا حملنا أوزاراً مِنْ زينة القومِ فقَذَفْناَها فكذلك ألْقَى السامِرِئُ (٨٧) فأخرجَ لهمْ عجلاً جسداًلهُ خوارٌ فقالوا هذَا إلهكم وإلهُ موسى فنسى (٨٨) أفلاَ يرونَ ألاَّ يرجعُ إليهمْ قولاً ولا يملك لهم ضراً ولا تَفْعاً (٨٩)». وهذه الآيات الكريمة تحكى قصة ملخصها : أن موسى عليه السلام بعدد أن أهلك الله تعالى فرعون وجنوده ، سار بنى إسرائيل متجها ناحية جبل الطور، ثم تركهم مستخلفا عليهم أخاه هارون، وذهب لمناجاة ربه ومعه سبعون من وجهائهم، ثم عجل من بينهم شوقا للقاء ربه ، فأخبره - سبحانه - بما أحد: قومه فى غيبته عنهم. وجملة ((وما أعجلك عن قومك ياموسى» مقول لقول محذوف . والمعنى: وقلنا لموسى: أى شىء جعلك تتعجل المجىء إلى هذا المكان ، قبل قومك وتخلفهم وراءك ، مع أنه ينبغى لرئيس القوم أن يتأخر عنهم. فى حالة السفر ، ليكون نظره محيطا بهم ونافذاً فيهم ؟ فأجاب موسى معتذراً لربه - تعالى - بقوله: ((هم أولاء على أثرى، أى: على مقربة منی، وسیلحقون بی بعد زمن قليل (( وعجلت إليك ربي لترضى)). أى: وقد حملنى على أن أحضر قبلهم، شوقى إلى مكالمتك - يا إلهى - وطمعى فى زيادة رضاك عنى . ١٧١ الجزء السادس عشر فموسى - عليه السلام - قد علل تقدمه على قومه فى الحضور بعلتين: الأولى : أنهم كانوا على مقربة منه. والثانية : حرصه على رضى ربه عنه. قال صاحب الكشاف: (فإن قلت: ((ما أعجلك)) سؤال عن سبب العجلة، فكان الذى ينطبق عليه من الجواب أن يقال. صلب زيادة رضاك أو الشوق إلى كلامك .. وقوله: ((هم أولاء على أثرخ)، كما ترى غير منطبق عليه ؟ قلت : قد تضمن ما واجهه رب العزة شيئين : أحدهما: إنكار المجلة فى نفسها، والثانى: السؤال عن سببها الحامل عليها، فكان أم الأمرين إلى موسى بسط العذر، وتمهيد العلة فى نفس ما أفكر عليه، فاعتل بأنه لم يوجد منى إلا تقدم يسير، مثله لا يعتد به فى العادة ، ولا يحتفل به، وليس بينى وبين من سبقته إلا مسافة قريبة، يتقدم بمثلها الوفد رئيسهم ومقدمتهم . ثم عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال («وعجلت إليك ربي لترضى))(١). وقوله - تعالى -: ((قال فإما قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامرى» إخبار منه - سبحانه - بما فعله قومه بعد مفارقته لهم . وكلمة « فتنا، من الفتن ومعناه لغة: وضع الذهب فى النار ليقبين أهو خالص أم زائف . والفتنة تطلق فى القرآن بإطلاقات متعددة منها : الدخول فى النار كما فى قوله - تعالى -: ((يومهم على النار يفتنون). ومنها الحجة كما فى قوله - تعالى -: (( ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا واقه ربنا ماكنا مشر كين)). ومنها: الاختبار والامتحان، كمافى قوله - تعالى ((إنما أموالكم وأولادكم فتنة)، ومنها: الإضلال والإشراك كمافى قوله - تعالى -: ((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، وقوله - سبحانه -: ((ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شياً ..... (١) تفسير الكشاف = ٣ ص ٠٨١ ١٧٢ سورة طه ويبدو أن المراد بالفتنة هذا المعنى الأخير وهو الإضلال والشرك، لأن فتنتهم كانت بسبب عبادتهم للعجل فى غيبة موسى - عليه السلام -. ويدل على هذا قوله - تعالى -«واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ٠ ٠٠. والسامرى: اسم الشخص الذى كان سبباً فى ضلال بنى إسرائيل. قيل: كان من زعماء بنى إسرائيل وينسب إلى قبيلة تعرف بالسامرة. وقيل: إنه كان من قوم يعبدون البقر، وقيل غير ذلك من أقوال مظنونة غير محققة . أى: قال الله - تعالى - لموسى: «فإنه قد أضللنا قومك من بعد مفارقتك لهم، وكان السبب فى ضلالهم السامرى، حيث دعاهم إلى عبادة العجل فانقادوا له وأطاعوه . و قوله - تعالى - « فر جع موسی إلی قومه غضبان أسفا ، بیان لما كان منه - عليه السلام - بعد أن عم بضلال قومه . وكان رجوع موسى إليهم بعد أن ناجى ربه، وتلقى منه التوراة . قال الآلوسي ما ملخصه: «فرجع موسى إلى قومه، عندرجوعه المعهود أى : بعد ما استوفى الأربعين ذى القعدة وعشر ذي الحجة، وأخذ التوراة لاعقيب الإخبار المذكور ، فسببية ما قبل الفاء لما بعدها إنما هى باعتبار قيد الرجوع المستفاد من قوله «غضبان أسفا، لا باعتبار نفسه، وإن كانت داخلة عليه حقيقة ، فإن كون الرجوع بعد تمام الأربعين أمر مقرر مشهور لا يذهب الوهم إلى كونه عند الإخبار .... (١). والمعنى: فرجع موسى إلى قومه - بعد مناجاته لربه وبعد تلقيه التوراة حالة كونه غضبان أسفا، أى : غضبان شديد الغضب. فالمراد بالأسف شدة الغضب ، وقيل المراد به الحزن والجزع . (١) تفسير الآلومى : ١٦ ص ٢٤٤. ١٧٣ الجزء السادس عشر ثم بين - سبحانه - ما قاله موسى لقومه بعد رجوعه إليهم فقال: « قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً ... ، أى: قال لهم على سبيل الزجر والتوبيخ يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حبنا لا سبيل لكم إلى إنكاره، ومن هذا الوعد الحسن : إنزال التوراة لهدايتكم وسعادتكم وإهلاك عدوكم أمام أعينكم ... فلماذا أعرضتم عن عبادته وطاعته مع أنكم تعيشون فى خيره ورزقه ... ؟ ثم زاد فى تأنيبهم وفى الإنكار عليهم فقال: ، أفطال عليكم العهد أم أردتم إى يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدى، فالاستفهام فى قوله (( أفطال ... ، للنفى والإنكار و(أم )) بمعنى بل والمعنى: أفطال عليكم الزمان الذى فارقتكم فيه؟ لا إنه لم يطل حتى تنسوا ما أمرتكم به ، بل إنكم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم ، فأخلفتم موعدى الذى وعدتمو نى إياه وهو أن تثبتوا على إخلاص العبادة لله - تعالى - ومعنى إرادتهم حلول الغضب عليهم ، أنهم فعلوا ما يستوجب ذلك وهو طاعتهم السامرى فى عبادتهم للعجل . قال ابن جرير: (( كان إخلافهم موعده: عكوفهم على عبادة العجل، وتركهم السير على أثر موسى للموعد الذى كان الله وعدهم ، وقولهم لهارون إذنهاهم عن عبادة العجل ودعاهم إلى السير معه فى أثر موسى: «لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى،(١). ثم حكى - سبحانه - معاذيرهم الواهية التى تدل على بلادة عقولهم ، وإنتكاس أفكارهم، وتفاهة شخصيتهم فقال - تعالى -: «قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ... » (١) تفسير ابن جرير ج ٦، ص ١٤٦ ١٧٤ سورة طه وقوله ( بملكنا) قرأه نافع عن عاصم - بفتح الميم وسكوناللام - أى: بأمرنا. وقرأه حمزة والكائى (بملكنا) بكسر الميم وسكون اللام - أى: بطاقتنا: وقرأه الباقون - بضم الميم وسكون اللام - أى : بسلطاننا، وهو مصدر مضاف لفاعله ومفعوله محذوى، أى : بملكنا أمرنا. أى: قال بنو إسرائيل لنبيهم ،ومى على سبيل الاعتذار الذى هو اقبح من ذنب ما أخلفنا موعدك فعبدنا العجل بأمرنا وطاقتنا وإختيارنا، فقد كان الحال أكبر من أن يدخل تحت سلطاننا، ولو خلينا بيننا وبين أنفسنا ولم يسول لنا السامرى ما سول لبقينا على العهد الذى عاهد ناك عليه، وهو أن نعبد الله - تعالى - وحده . وقوله: «ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقدفناءا فكذلك ألقى السامرى، حكاية لبقية ما قالوه من أعذار قبيحة ولفظ: ( حملنا، قرأه ابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم - بضم الحاء وتشديد الميم - على أنه فعل ونائب فاعل، وقرأه الباقون - بفتح الحاء والميم - على أنه فعل وفاعل. قال الألوسى ما ملخصه: ((والمراد بالقوم: القبط، وبالأوزار: الأحمال وتسمى بها بالآثام، وقصدوا بذلك ما استعاروه من القبط من الحلى فى عيد لهم قبيل الخروج من مصر، وقيل: إستعاروه باسم العرس. وقيل: هى ما ألقاه البحر على الساحل ٠ما كان على الذين غرقوا وهم فرعون وجنوده فأخذ بةوٍ إسرائيل ذلك على أنه غنيمة مع أنها لم تكن حلالا لهم (!). أى: قال بنو إسرائيللموسى: ما أخلفنا عهدك بأمرنا ولكنا حلنا أنقالا وأحمالا من زينة القبط التى أخذناها منهم بدون حق ((فقد فناها) فى النار بتوجيه من السامرى، ((فكذلك، أى: فكما ألقينا مامعنا (( ألقى السامرى، ما معه من تلك الزينة . (١) تفسير الألوسى ج ١٦ ص ٢٤٦ ١٧٥ الجزء السادس عشر قال ابن كثير: ((وحاصل ما اعتذر به هؤلاء الجهلة أنهم تورعوا عن زينة القبط. فألقوها عنهم، فعبدوا العجل ، فتورعوا عن الحقير، وفعلوا الأمر الكبير ... (١) . ثم بين - سبحانه - ماصفعه لهم السامرى من تلك الحلى فقال: «فأ خرج طم عجلا جدا له خوار فقالوا هذا إلحكم وإله موسى فنسى)). والخوار : الصوت المسموع . أى : فمكانت نتيجة ما قذفوه من الحلى فى النار، أن أخرج السامرى لهم من ذلك ، عجلا جسدا له خوار، أى صوت كصوت البقر . قيل: إن الله - تعالى - خلق الحياة فى ذلك العجل على سبيل الإختبار والإمتحان لهم . وقيل : لم تكن به حياة، ولكن السامرى صفعه لهم بدقة، وجعل فيه منافذ إذا دخلت فيها الريح أخرجت منه صوتا كصوت خوار البقر. فقال بنو إسرائيل عندما رأوا العجل الذى صنعه لهم السامرى: هذا إلههكم وإله موسى فاعبدوه. لأن موسى نسى إلهه هنا ، وذهب ليبحث عنه فى مكان آخر . فالضمير فى قوله (( فنسى )» يعود موسى. وقولهم هذا يدل على بلادتهم وسوء أدبهم مع نبيهم ، فهم لم يكتفوا بعبادة العجل، بل زعموا أن نبيهم الداعى لهم إلى توحيد الله، قد كان يعبد العجل وأنه قد نسى مكانه فذهب يبحث عنه . وقيل: أن الذى حدث منه النسيان هو السامرى، وأن النسيان بمعنى الترك، أي: فترك السامرى ما كان عليه من الإيمان الظاهرى، ونبذ الدين الذى بعث الله - تعالى - به موسى، وحض الناس على عبادة العجل الذى صنعه لهم. (١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٠٣٠٤ ١٧٦ سورة طه والقول الأول أرجح، لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة. ولأنه هو المأثور عن السلف. قال ابن جرير:((وأولى الأقوال بالصواب عندنا أن يكون («فاسىء خبرا من الله - تعالى - عن السامرى. وأنه وصف موسى بأنه نسى ربه، وأن ربه. الذى ذهب يريده هو العجل الذى أخرجه السامرى، لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه، ولأنه عقيب ذكر موسى، وهو أن يكون خيرا من السامرى عنه بذلك أشبه من غيره ، (١) . وقوله - تعالى - ((أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولا، ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا، تقريع لهم على جهلهم وغياتهم وسوء أدبهم. والفاء للعطف على مقدر يقتضيه لمقام. أى: أبلغ عمى البصيرة عند هؤلاء السفهاء أنهم لم يفطنوا إلى أن هذا لمجل الذى اتخذوه إلها، لا يستطيع أن يجيبهم إذا سألوه أو خاطبوه؛ ولا يرد عليهم قولا يقولونه له، ولا يملك لهم شيئا لا من الضر ولا من النفع . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - ,واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار الميروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا، اتخذوه: وكانوا ظالمين ))(٢). ثم بين - سبحانه - موقف هارون - عليه السلام - من هؤلاء الجاهلين الذين عبدو العجل ، فقال - تعالى - : ((ولقد قالَ لهُم هارونٌ مِنْ قبلُ يا قومٍ إِنما فُتِذْتَ بِهِ وإنّ ربِكُم الرَّحمنُ فَاتَّوْنِى وأطيعُوا أَمْرِى (٩٠) قَالُوا لَنْ تَبْرَح عليه ما كَفِينَ حتَّى يرجِعَ إليناَ مُوسَى (٩١))). (١) تفسير ابن جرير = ١٦ ص ٠١٤٨ (٢) سورة الأعراف الآية ١٤٨. ١٧٧ الجزء السادس عشر وجملة: ((ولقد قال لهم هارون من قبل ... ، قسمية مؤكدة لما قبلها. أى: والله لقد نصح مارون - عليه السلام - عبدة العجل من قومه، قبل رجوع موسى إليهم، فقال لهم مستعطفا: (( ياقوم إنما فتتم به، أى: يا قوم 1 إن ضلالكم وكفركم إنما هو بسبب عبادتكم المجل، فالضمير فى «به، يعود إلى العجل . ((وإن ربكم الرحمن، هو وحده المستحق للعبادة والطاعة. وجمع - سبحانه - بين لفظى الربُ والرحمن، لجذبهم نحو الحق، واستمالتهم نحوه، والتنبيه على أنهم متی تابوا قبل الله وتهم، لأنه - سبحانه - هو الرحمن الرحيم . والفاء فى قوله: ((فاتبعوني وأطيعوا أمرى، لتر تيب ما بعدها على ماقبلها. أى: وما دام الأمر كذلك فاتبعوني وأطيعوا أمرى، فى الثبات على الحق، وفى نبذ عبادة العجل، وفى المحافظة على ما عاهدكم عليه موسى - عليه السلام - ولكن هذه النصيحة الحكيمة من هارون لهم لم تجد أذناصاغية. بل قابلوا نصيحته لهم بالاستخفاف والتصميم على ماهم فيه من ضلال، إذ قالوا فى الرد عليه: ((أن نبرح عليه عاكفين)، أى: سنستمر على عبادة العجل، ومنواظب على هذه العبادة مواظية قامة ,حتى ترجع إلينا موسى، فنرى ماذاسيكونمنه. فهم لجهالاتهم وانطماسى بصائرهم، وسوء أدبهم، يرون أن هارون - عليه السلام - ليس أهلا للنصيحة والطاعة، مع أنه قد خاطبهم بأحكم أسلوب، وألطف منطق . قال الرازى: ((واعلم أن هارون - عليه السلام - سلك فى هذا الوعظ أحسن الوجوه لزجرهم عن الباطل - أولا - بقوله: «ياقوم إنما فتنتم به، ثم دعاهم إلى معرفة الله - ثانياً - بقوله: ((وإن ربكم الرحمن)، ثم دعاهم - ثالثاً - إلى معرفة ( ١٢ - سورة طه) ١٧٨ سورة طه النبوة بقوله: ((فاتبعونى)، ثم دعاهم - رابعاً - إلى الشرائع بقوله: ((وأطيعوا أمری » . وهذا هو الترتيب الجيد. لأنه لابد قبل كل شىء من إماطة الأذى عن الطريق وهو إزالة الشبهات ، ثم معرفة الله - تعالى - هى الأصل، ثم النبوة؟؟ ثم الشريعة: فثبت أن هذا الترتيب على أحسن الوجوه، ولكنهم لجهلهم وعنادهم قابلوا هذا الترتيب الحسن فى الاستدلال، بالتقليد والجمود فقالوا: « ان تبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، (!). ثم بين - سبحانه - ما قاله موسى أخيه هارون بعد أن رأى ما عليه قومهما. من ضلال ، فقال - تعالى -: ((قالَ ياهَرونُ مَا مَنَّعَكَ إِذْ رَ أَيَّهْم ◌َلُوا (٩٢) ألاَّ تَبعنِ أفصَبْتَ أَمْرِى (٩٣) قالَ يَنْتَؤُمَ لا تَأْخُذْ بِلِحْيِى ولاَ بِرَأْسِى إِنّى خشِيتُ أَنْ تقولَ فَرَّقَتَ بينَ بِ إِسْرَائِيل ولَمَّ تَرْقُبْ قَوْلى (٩٤))). أى: قال موسى لأخيه هارون على سبيل اللوم والمعاقبة: ياهارون أى شىء منعك من مقاومتهم وقت أن رأيتهم ضلوا سبب عبادتهم للعجل و((لا ) فى قوله: «أن لا تقبعن، مزيدة للتأكيد والاستفهام فى قوله: «أفصبت أمرى ، للإسكار . أى : ما الذى منعك من أن تتبعنى فى الغضب عليهم لدين الله حين رأيتهم عاكفين على عبادة العجل، أفعصيت أمرى فيما قدمت إليك من قولى : (((أحلفنى فى قومى وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين)) وفيما أمرتك به من الصلابة فى الدين، لأن وجودك فيهم وقد عبدوا غير الله - تعالى - يعتبر تهاونا معهم فيما لا يصح التهاون فيه . (١) تفسير الفخر الرازى ج ٦ ص ٠٦٧ ١٧٩ الجزء السادس عشر وكأن موسى - عليه السلام - كان يريد من أخيه هارون - عليه السلام- موقفا يقسم بالحزم والشدة مع هؤلاء الجاهلين، حتى ولو أدى الأمر لمقاتلتهم .... وهنا يرد هارون على أخيه موسى ردا يبدو فيه الرفق والاستعطاف فيقول: ((يا بنوم لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى)). أى: قال هارون لموسى محاولا أن يهدىء من غضبه، باستحاجة عاطفة الرحم فى قلبه : يا بن أمى لا تمسك بلحيتى ولا برأسى على سبيل التأنيب لى. فإنى لست عاصيا لأمرك، ولا معرضا عن اتباعك. قال الآلوسى ما ملخصه: «خص الأم بالإضافة استعطافا وترقيقا لقلبه، لا لما قيل من أنه كان أخاه لأمه ، فإن الجمهور على أنهما كانا شقيقين . وقوله: ((لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى، ... روى أنه أخذ شعر رأسه بيمينه، ولحيته بشماله، وكان موسى - عليه السلام - حديدا متصلبا غضوبا الله - تعالى -، وغلب على ظنه أن هارون قد قصر معهم .. ، (١). وقوله: ( إنى خشيت أن تقول فرقت بين بنى إسرائيل ولم ترقب قولى)) استثناف لتعليم .وجب النهى، بتحقيق أنه غير عاص لأمره، وغير معرض عن أتباعه . أى: بابن أمى لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى، فإنى ما حملنى على البقاء معهم وعلى ترك مقاتلتهم بعد أن عبدوا العجل ، إلا خوفى من أن تقول لى-أوقاتلتهم أو فارقتهم بمن معى من المؤمنين -: إنك بعملك هذا قد جعلت بنى إسرائيل فرقتين متنازعتين، ولم ترقب قولى، أى: ولم تتقبع وقطع قولى لك : (( أخلصنى فى قومى وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين)) وأدلك لم أقدم على مقاتلتهم بمن معى من المؤمنين، ولم أقم كذلك على مفارقتهم، بل بقيت معهم نصما واعظا. حتى تعود أنت إليهم فنتدارك الأمر بنفسك، وتعالجه برأيك . (١) تفسير الآلوسى =١٦ ص ٠٢٥١ ١٨٠ سورة طه قال بعض العلماء ما ملخصه: «وهذه الآية الكريمة ... تدل على لزوم إعفاء اللحية وعدم حلقها ، لأنه لو كان هارون حالقاً لحيته لما أخذ بها موسى - إذ من المشهور أن اللحية تطلق على الشعر النابت فى العضو المخصوص وهو الذقن - وبذلك يتبين لك أن إعفاء اللحية سمت الرسل الكرام الذين أمرنا الله - تعالى - بالاقتداء بهم . فقد قال - تعالى - بعد أن ذكر عدداً من الأنبياء منهم هارون: (( أولتك الذين هدى الله فيهدام اقتده .... (١) . والعجيب من الذين مسخت ضمائرهم ... حتى صاروا ينفرون من صفات الذكورية، وشرف الرجولة، إلى خنوثة الأنوثة ... ،(٢). 1 هذا: وبعد أن انتهى موسى من سماع إعتذار أخيه هارون ، اتجه بغضبه إلى السامرى - رأس الفتنة ومديرها - فأخذ فى زجره وتوبيخه، وقد حكى - سبحانه - ذلك فى قوله - تعالى - : ((قالَ فَ خَطْبُكَ يا سَمِرِئُ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بما لم يَبْصُرُوا بِهِ، فقَبَضْتُ قبضةً من أثرِ الرسُولِ فَتَبَذْتَها، وكذلكَ سَوَّلَتْ لى نَفْسِى (٩٦) قَالَ فَاذْهَبْ فإِنَّلكَ فى الحياةِ أنْ تقولَ لا مِساسَ ، وإنّ كَ مَوْعِداً أَنْ تَخلَفَهُ، وانْظُر إلى إليِكَ الذى ◌َلْتَ عليه عاكِفاً لنُحَرَّقَتَّهُ ثمّ لنفسفَنَّهُ فى اليمُ نسفًا (٩٧) إنما إلهكُم اللهُ الذى لا إلَهَ إلاَّ هُو وَسِعَ كلَّ شىءٍ عِلمَاً (٩٨))). أى: قال موسى - عليه السلام - السامرى: «ماخطبك، أى: ماشأنك، (١) سورة الأنعام الآية ٩٠. (٢) راجع تفسير أضواء البيان ج ٤ ص ٠٥٠٧