النص المفهرس

صفحات 161-168

١٩١
الجزء الخامس عشر
والمعنى، إن الذين آمنوا بالله - تعالى - وبكل ما يجب الإيمان به، وعملوا
الأعمال الصالحات بإخلاص وإتباع لما جاء به الصادق المصدوق - صلى الله
عليه وسلم - (( كانت لهم عند الله - تعالى - جنات الفردوس، التى هى أفضل
الجنات وأرفعها درجة (( نزلا، أى: هدية تقدم لهم منه يوم القيامة، ومكانا
يتزلون به تكريما وتشريفا لهم .
(خالدين فيها، خلودا أبديا، حالة كونهم ((لا يبغون عنها «ولا، أى:
لايطلبون تحولا أو إنتقالا منها إلى مكان آخر ، لكونها أطيب المنازل
وأعلاها .
وفى قوله - تعالى -: ((لا يبغون عنها حولا، لفتة دقيقة عميقة للإجابة
على ما يعترى النفس البشرية من حب للانتقال والتحول من مكان إلى مكان،
ومن حال إلى حال ...
فكأنه - سبحانه - يقول: إن ماحصلت عليه النفوس فى الدنيا من حب
للتحول والتنقل ...
قد زال وانتهى بحلوها فى الآخرة فى الجنة ، فالنفس الإنسانية عندما
تستقر فى الجنة - ولاسما جنة الفردوس - لاتريد تحولا أو إنتقالا عنها،
لأنها المكان الذى لا تشتاق النفوس إلى سواه، لأنها تجد فيه ماتشتهيه
وماتبتغيه نسأل الله - تعالى - أن يرزقنا جميعا جنات الفردوس.
وكما افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بالثناء على ذاته، ختمها - أيضا-
بالثناء والحمد، فقد أثبت - عز وجل - أن علمه شامل لكل شىء. وأن قدرته
نافذة على كل شىء، وأنه - تعالى - هم المستحق للعبادة والطاعة، فقال:
((قُلْ لو كانَ البحرُ مِدَاداً لكلِماتٍ رَبِى لَنَفِدَ البحرُ قبلَ أنْ تَنَفَهُ
كلماتَ رَبی، ولو جِئْناً بمثلِهِ مدداً (١٠٩) قُلْ إِنَّا أَنَاَ بِشَرٌّ ◌ِثْلَكُم
(١١ - سورة الكهف )

١٩٢
سورة الكهف
يُوحَى إلى أَنْماَ إلىكُم إِلَهٌ واحدٌ، فَنْ كانَ يرجُو لقاءَ ربِّه فليَعْمَلْ
عملاً صالحاً ولا يُشْرِكْ بعبادةٍ ربِّ أحداً (١١))).
والمراد بالبحر: جنه، والمداد فى الأصل: اسم لكل مايمد به الشىء.
واختص فى العرف لما تمد به الدواة من الحبر.
والمراد بكلمات ربى: علمه وحكمته وكلماته التى يصرف بها هذا الكون.
وقوله: (الغفد البحر ): أى لغنى وفرغ وانتهى. يقال: تفدالشى.
يقف تفاداً، إذا فنى وذهب، ومنه قولهم: أنفد فلان الشىء واستنفده؛
أى : أفناه .
والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - للناس: لو كان ماء البحر مداداً
للأفلام التى تمكنب بها كلمات ربى ومعلوماته وأحكامه .. لنقد ماء البحر ولم
يق منه شىء - مع كثرته وغزارته - قبل أن تنفذ كلمات ربى، وذلك لأن
ماء البحر ينقص وينتهى . أما كلمات الله - تعالى - فلا تثقص ولا تنتهى.
وقوله - سبحانه -: (ولو جئنا بمثله مدداً) زيادة فى المبالغة وفى التأكيد
لما قبله من شمول علم الله - تعالى - لكل شىء، وعدم تناهيه,
أى: وبعد نفاد ماء البحر السابق، لو جئنا بما بحر آخر مثله فى السعة
والغزارة، وكتبنا به كلمات الله - تعالى - لنفد - أيضاً - ماء البحر الثانى دون
أن تنفد كلمات ربی .
فالآ ية الكريمة تصور شمول علم الله - تعالى - لكل شىء، وعدم تنامى
كذاته، تصويراً بديعاً، يقرب إلى العقل البشرى بصورة محسوسه كمال علم الله
- تعالى - وعدم تناهيه ...
قال الآلوسي: وقوله: ( ولو جئنا بمثله مدداً): هذا كلام من جهته
- تعالى شأنه - غير داخل فى الكلام الملقن، جيء به لتحقيق مضمونه،
وتصديق مدلوله على أتم وجه. والواو العطف الجملة على نظيرتها المستأنفة
المقابلة لها المحذوفة لدلالة ما ذكر عليها دلالة واضحة :

١٦٣
الجزء الخامس عشر
أى: النقد البحر قبل أن تنفد كلماته - تعالى - لو لم تجىء يمنله مدداً، ولو
جئنا بمثله عدداً - لنفد أيضاً -(١).
وقال بعض العلماء: وهذا من باب تقريب المعنى إلى الأذهان، لأن هذه
الأشياء مخلوقة ، وجميع المخلوقات منقضية منتهية، وأما كلام الله - تعالى -
فهو من جملة صفاته، وصفاته غير مخلوقة ولا لها حد ولا منتهى، فأى سعة
وعظمة قصورتها القلوب ، فالله - تعالى - فوق ذلك، وهكذا سائر صفات الله
- سبحانه - کمله وحكمته وقدرته ورحمته (٢).
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ( ولو أن ما فى البحر من شجرة أقلام،
والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ، ما نفدت كلمات الله، إن الله عزيزحكيم)(٣)
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بأمر آخر منه - تعالى - لنبيه - صلى الله
عليه وسلم - فقال: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد).
أى: قل - أيها الرسول الكريم - للناس، مبيناً لهم حقيقه أمرك، بعد
أن بينت لهم عدم تنامى كلمات ربك .
قل لهم: إنما أنا بشر مثلكم , أو جدنى الله - تعالى - بقدرته من أب وأم
كما أو جدكم. وينتهى نسبى وذبكم إلى آدم الذى خلقه الله - تعالى - من تراب.
ولكن الله - عز وجل - اختصنى بوحيه وبرسالته - وهو أعلم حيث يجعل
رسالته - وأمرنى أن أبلغكم أن إلهكم وخالقكم ورازقكم ويميتكم ، هو
إله واحد لا شريك له لا فی ذاته، ولا فى أسمائه، ولا فى صفاته.
فعليكم أن تخلصوا له العبادة والطاعة، وأن تستجيبوا لما آمركم به،
ولما أنها كم عنه ، فإنى مبلغ عنه ما كلفنى به .
(١) تفسير الآلوسى = ١٦ ص ٥٢
(٢) تفسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان. جـ ٥ ص٤٣ الشيخ عبد الرحمن
ابن ناصر السندى طبعة مؤسسة مكة للطباعة والإعلام
(٣) سورة لقمان الآية ٢٧

١.٦٤
سورة الکہف
فالآية الكريمة وإن كانت تثبت الرسول - صلى الله عليه وسلم - صفة
البشرية وتنفى عنه أن يكون ملكا أو غير بشر .. إلا أنها تثبت له - أيضا -
أن الله - تعالى - قد فضله على غيره من البشر بالوحى إليه، وبتكليفه بتبليغ
ما أمره الله - تعالى - يتبليغه للعالمين. كما قال - سبحانه - (وما أرسلناك إلا
رحمة للعالمين) وكما قال - عز وجل -: ( قل لا أقول لكم عندى خزائن الله،
ولا أعلم الغيب، ولا أقول لكم إنى ملك، إن أتبع إلا ما يوحى إلى .. )(١).
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمه بتلك الجملة الجامعة لكل خير فقال:
((فمن كان يرجو لقاء ربه، فلميعمل عملا صالحا، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)،.
أى: قل - أيها الرسول الكريم - للناس: إنما أنا واحد منلكم فى البشرية
إلا أن القه - تعالى - قد خصنى واصطفانى عليكم برسالته ووحيه، وأمرنى أن
أبلغكم أن إلهكم إله واحد. فمن كان منكم يرحو لقاء الله - تعالى - ويأمل
فى ثوابه «ورؤية وجهه الكريم، والظفر بجنته ورضاه، فليعمل عملا صالحا،
بأن يكون هذا العمل خالصاً لوجه الله - تعالى - ومطابقاً لما جئت به من
عنده - عز وجل - ولا يشرك بعبادة ربه أحدا من خلته، سواء أكان هذا
المخلوق نبياً أم ملكا أم غير ذلك من خلقه - تعالى -.
وقد حمل بعض العلماء الشرك هنا على الرياء فى العمل ، فيكون المعنى :
,فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحاً، ولا يرانى الناس فى عمله، لأن
العمل الذى يصاحبه الرياء هو نوع من أنواع الشرك بالله تعالى)).
والذى يبدو لنا أن حمل الشرك هنا على ظاهره أولى، بحيث يشمل
الإشراك الجلى كعبادة غير الله - تعالى - والإشراك الخفى كالرياء وما يشبهه.
أى: ولا يعبد ربه رياء وسمعة، ولا يصرف شيئا من حقوق خالقه
لأحد من خلقه، لأنه - سبحانه - يقول: (إن الله لا يغفر أن يشرك
(١) سورة الأنعام الآية ٤٧.

١٦٥
الجزء الخامس عشر
ويغفر مادون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما) (١).
وقد ساق الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث عند تفسيره لقوله -تعالى-
((فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)).
ومن هذه الأحاديث مارواه ابن أبى حاتم ، من حديث معمر ، عن
عبد الكريم الجزرى، عن طاووس قال: قال رجل بارسول الله، إنى أقف
المواقف أريدوجه الله، وأحب أن يرى موطنى، فلم يرد عليه رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - شيئا حتى نزلت هذه الآية: ((فمن كان يرجو لقاءربه
فليعمل عملا صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحدا، (٢).
أما بعد : فهذه سورة الكهف، وهذا تفسير محرر لها، نسأل الله - تعالى-
أن ينفعنا بالقرآن الكريم، وأن يجعله ربيع قلوبنا، وأفس نفوسنا. وشفيعنا
يوم نلقاه ((يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله)).
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟
المدينة المنورة : مساء الخميس ١٨ من رجب سنة ١٤٠٤ه
١٩ من إبريل سنة ١٩٨٤ م
د / محمد سيد طنطاوى
مفتى جمهورية مصر العربية
(١) سورة النساء الآية ٠٤٨
(٢) راجع تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٢٠٠، طبعة دار الشعب.

فهرس إجمالى لتفسير ((سورة الكهف))
رقم الآية
الآية المفسرة
رقم الصفحة
٣
المقدمة
١١
الحمد ش الذى أنزل ...
٢٢
١٣
عن نقص عليك نيام ...
ورى الشمس إذا طلعت
١٧
٣٦
٤٢
وكذلك بشام لبناءلوا ...
٤٦
٩ ٤
٥٢
٥٦
٦١
٧١
٧٦
٨٠
٨٥
٨٩
٩٤
١٠٢
١١١
١١٩
قال له موسى هل أنبمك
فانطلقا حتى إذا ركبا ...
فاءط قا حتى إذا لقا ...
فانطلقا حتى إذا أنا أهل
١٢١
١٢٣
١٢٥
١٢٧
٧٩
١٢٨
١٩
٢١
وكذلك أعثرنا عليهم ...
سيقولون ثلاثة رابعهم ...
ولا تقوان لدىء إلى فاعل ...
٢٢
٢٣
وابثرا فى كزوم ثلاثة سنين ..
وائل ما أوحى إليك ..
واضرب لهم مثلا رجلين ...
قال له صاحبه وهو محاوره
وأحط جه أصبح ...
واضرب لهم مثل الحياة
٢٥
٢٧
٣٢
٢٧
٤٢
٤٥
ويوم نسير الجمال وترى
٠٠
٠٠
٤٧
وإذا قلنا للملائكة اسجدوا.
ولقد صرفا فى هذا القرآن ...
٥٤
وإذقال موسى لفتاه ...
٦٠
٦٦
٧١
٤ ٧
٧٧
أما السفينة فكانت المساكين ...
وأما الظلام ف .كان أبواء . .
٨٠
١
أم حسبت أن أصحاب ...
٩
٣٠

- ١٦٨ -
رقم الصفحـ
رقم الآية
وأما الجدار فكان لغلامين ...
١٢٩
٨٢
ويسألونك عن ذى القرنين ...
١٣٨
٨٣
وتركنا بمهم يومئذ ...
٩٩
١٤٨
فى هل تبشكم بالأخرين ...
١٥٧
١٠٣
١٦٠
إن الذين آمنوا وعملوا ...
١٠٧
١٦١
قل لو كان البحر مدادا ...
١٠٩
١٦٣
قل إنما أنا بشر مثلكم ...
١١٠
الآية القصيرة