النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ الجزء الخامس عشر وهذه الأسباب التى أعطاها الله إياه، لم يرد حديث صحيح بتفصيلها، فعلينا أن نؤمن بأن الله - تعالى - قد أعطاه وسائل عظيمة لتدعيم .لمكه، دون أن نلتفت إلى ما ذكره هنا بعض المفسرين من إسرائيليات لاقيمة لها . والفاء فى قوله (( فأتبع سبيا، فصيحة. أى: فأراد أن يزيد فى تدعيم ملكه، فسلك طريقا لكى يوصله إلى المكان الذى تغرب فيه الشمس. ((حتى إذا بلغ مغرب الشمس، أى حتى إذا وصل إلى منتهى الأرض المعمورة فى زمنه من جهة المغرب . (((وجدها تغرب فى عين حمثه، أى: زآها فى نظره عند غروبها، كأنها تغرب فى عين مظلمة ، وإن لم تكن هى الحقيقة كذلك . وهذا هو المعتاد لمن كان بينه وبين أفق الشمس ماء ، «إنه يراها كأنها تشرق منه وتغرب فيه ، كما أن الذى يكون فى أرض ملساء واسعة، يراها كأنها تطلع من الأرض وتغيب فيها . وحثه : أى: ذات حماة وهى الطين الأسود. يقال: حمأت البثر نحما حماً، إذا صارت فيها الحمأة وهى الطينه السوداء . وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكائى: وجدها تغرب فى عين حامية أى: حارة . إسم فاعل من حمى يحمى حمبا. (( ووجد عندها قوما)، أى: ووجد عند تلك العين على ساحل البحر قوما. الظاهر أن هؤلاء القوم كانوا من أهل الفترة، فدعاهم ذو القرنين إلى عبادة الله - تعالى - وحده، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، خيره الله - تعالى- فيهم فقال: ((قلنا ياذا القرنين إما أن تعذب وإما تتخذ فيهم حسنا،. أى: قال الله - تعالى - له عن طريق الالهام، أو على لسان ملك أخبره بذلك : ياذا القرنين إما أن تعذب هؤلاء القوم الكافرين أو الفاسقين بالقتل أو غيره، وإما أن تتخذ فيهم أمراذا حسن ، أو أمرا حسنا، تقتضيه المصلحة والسياسة الشرعية . ١٤٢ سورة الكهف ثم حكى الله - تعالى - عنه فى الجواب ما يدل على سلامة تفكيره، فقال: , قال أما من ظلم ... ، أى: قال ذو القرنين فى الرد على تخيير ربه له فى شأن هؤلاء القوم، يارب: (( أما من ظلم نفسه بالاصرارعلى الكفر والفوق والعصيان (( فسوف نعذبه)) فى هذه الدنيا بالقتل وما يشبهه. ثم برد هذا الظالم لنفسه إلى ربه - سبحانه - فيعذبه فى الآخرة عذابا, فكرا، أى: عذابا فظيما عظما منكرا وهو عذاب جهنم. ((وأما من آمن وعمل صالحا، يقتضيه إيمانه «فله، فى الدارين,جزاء الحسنى، أى : فله المثوبة الحسنى، أن الفعلة الحسنى وهى الجنة. ((وسنقول له، أى لمن آمن وعمل صالحا, من أمرنا، أى مما نأمره به قولا« يسرا، لاصعوبة فيه ولا مشقة ولا عمر. فأنت ترى أن ذا القرنين قد رد بما يدل على أنه قد إتبع فى حكمه الطريق القويم، والأسلوب الحكيم، الذى يدل على قوة الإيمان، وصدق اليقين، وطهارة النفس . إنه بالنسبة للظالمين، يعذب، ويقتص، ويرهب النفوس المنحرفة ، حتى تعود إلى رشادها ، وتقف عند حدودها . وبالنسبة للمؤمنين الصالحين، يقابل إحسانهم بإحسان وصلاحهم بصلاح وإستقامتهم بالتكريم والقول الطيب، والجزاء الحسن . وهكذا الحاكم الصالح فى كل زمان ومكان : الظالمون والمعتدون . يجدون منه كل شدة تردعهم وتؤجرهم وتوقفهم عند حدودهم . والمؤمنون والمصلحون يحدون منه كل تكريم وإحسان وإحترام وقول طيب . وقوله: (( ثم أتبع سببا، بيان لما فعله بعد أن بلغ مغرب الشمس. أى: وبعد أن بلغ مغرب الشمس ، وبال مقصده ، كر راجعا من جهة غروب الشمس إلى جهة شروقها . ١٤٣ الجزء الخامس عشر . حتى إذا بلغ مطلع الشمس، أى: حتى إذا كر راجما وبلغ منتهى الأرض المعمورة فى زمنه من جهة المشرق . ((وجدها، أى الشمس (( تطلع على قوم لم تجعل لهم من دونها سترا، أى: لم تجعل لهم من دون الشمس ما يستترون به من البناء أو اللباس، فهم قوم عراة يسكنون الأسراب والكهوف فى نهاية المعمورة من جهة المشرق. وقوله: ((كذلك)) خبر لمبتدأ محذوف، أى: أمر ذى القرنين كذلك من حيث إنه آتاه الله من كل شىء سببا، فبلغ ملك مشارق الأرض ومغاربها . وقوله ،وقد أحطنا بما لديه خبرا. بيان لشمول علم الله - تعالى - بأحوال ذى القرنين الظاهرة والباطنة ولأحوال غيره . أى: كذلك كان شأن ذى القرنين. وقد أحطنا إحاطة قامة وعلمنا علما لا يعزب عنه شىء ، بما كان لدى ذى القرنين من جنود وقوة وآلات ... وغير ذلك من أسباب الملك والسلطان . وقوله - سبحانه -: « ثم أتبع سببا)) بيان لما فعله بعد أن بلغ مغرب الشمس ومشرقها ، أى: ثم بعد أن بلغ مغرب الشمس ومغربها ٠٠ . سار فى طريق ثالث معترض بين المشرق والمغرب، آخدا فيه ((حتى إذا بلغ، فى مسيره ذلك (بین الدين، أى: الجبلين، وسمى الجيل سدا، لأنه مد يا من الأرض. قالوا: والدان هما جبلان من جهة أرمينية وأذربيجان، وقيل هما فى نهاية أرض الترك ما يلى المشرق : ((وجد من دونهما، أى: من دون السدير من ورائهما,قوما، أى: أمة من الناس لغتهم لا تكاد تعرف لبعدهم عن بقية الناس، ولذا قال - سبحانه - . ١٤٤ سورة الكهف ((لا يكادون يفقهونقولا، أى: لا يكاد هؤلاء القوم يفهمون أو بقر، ون ما يقوله الناس لهم ، لغرابة لغتهم وقلة مطنتهم، ولا يعرف الناس - أيضا - ما يقوله هؤلاء القوم لهم، أشدة مجمتهم . ((قالوا، أى: هؤلاء القوم لذى القرنين: ((ياذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفدون فى الأرض )). ويأجوج ومأجوج اسمان أعجميان ، قيل: مأخوذان من الأوجة وهى الاختلاط أو شدة الحر، وقيل : من الأوج وهو سرعة الجرى . واختلف فى نسبهم ، فقيل: هم من يافث بن نوح والترك منهم . وقيل : يأجوج من الترك، ومأجوج من الدليم أى: هؤلاء القوم الذين لا يكادون يفقهون قولا قالوا لذى القرنين، بعدأن أن توسموا فيه القوة والصلاح .. ياذا القرنين إن قبيلة يأجوج ومأجوج مفسدون فى الأرض بشتى أنواع الفساد والنهب والسلب . وفى الصحيحين من حديث زينب بنت جحش - رضى الله عنها - قالت: استيقظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نومه وهو محمر وجهه وهو يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر - قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحاق - بير أصابعه - قلت: يارسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث. وقوله - تعالى - ((فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا)) حكاية لما عرضه هؤلاء القوم على ذى الفرنين من عروض تدل على ثقتهم فيه وحسن أدهم معه، حيث خاطبوه بصيغة الاستفهام الدالة على أهم يفوضون الأمر إليه . والخرج: اسم لما يخرجه الإنسان من ماله لغيره. وقرأحمزة والكائى خراجا وهما بمعنى واحد ، وقيل الخرجة: الجزية . والخراجه: اسم لما يخرجه عن الأرض ١٤٥ الجزء الخامس عشر أى: فهل نجعل لك مقدارا كبيرا من أموالنا على سبيل الأجر، لكى تقيم بينناوبين قبيلة بأجوح ومأجوج سدا يمنعهم من الوصول إلينا. ويحول بيننا وبينهم ؟ وهنا يرد عليهم ذو القرنين - كما حكى القرآن عنه بما يدل على قوه إيمانه وحرصه على إحقاق الحق وإبطال الباطل. فيقول «قال مامكنى فيه ربى خير ... ،. أى: قال ذو القرنين لهؤلاء القوم الذين لا يكادون يفقهون قولا: إن ما بسطه الله - تعالى - لى من الرزق والمال والقوة .. خير من خروجكم وما لمكم الذى تربدون أن نجعلوه لى فى إقامة السد بينكم وبين بأجوج ومأجوج، فوفروا عليكم أموالكم، وقفو إلى جانبى ,فأعينونى، بسواعدكم وبآلات البناء «بقوة، أى: بكل ما أتقوى به على المقصود وهو بناء السد، لكى (( أجعل بينكم، وبين يأجوح ومأجوج ((ردما)). أى : حاجزاً حصينا . وجدارا متينا، بحول بينكم وبينهم. والردم : الشىء الذى يوضع بعضه فوق بعض حتى يتصل ويتلاصق . يقال : ثوب مردم، أى: فيه رقاع فوق رقاع . وسحاب مردم ، أى : متكاثف بعضه فوق بعض . ويقال: ردمت الجفرة، إذا وضعت فيها من الحجارة والتراب وغيرهما ما يسويها بالأرض . قال ابن عباس : الردم أشد الحجاب . وجملة («أجعل بينكم وبينهم ردما، جواب الأمر فى قوله: ( فأعينوني بقوة ،. ثم شرع فى تنفيذ ما راموه منه من عون فقال لهم : ٢٠ ق ونى وبر الحديد ٢٠٠٠. والزير - كالغرف - جمع زبره - كغرفة - وهى القطعة الكبيرة. ن الحديد (١٠ - سورة الكهف ) ١٤٦ سورة الكهف وأصل الزبر . الإجتماع ومنه زبرة الأسد لما إجتمع من الشعر على كاهله. ويقال: زبرت الكتاب أى كتبته وجمعت حروفة . أى: أحضروا لى الكثير من قطع الحديد الكبيره، فأحضروا له ما أراد " حتى إذا ساوى بين الصدفين، أى جافى الجبلين. وسمى كل واحد من الجانبين صدفا. لكونه مصادفا ومقابلا ومحاذيا للآخر ، مأخوذ من قولهم صادفت الرجل: أى: قابلته ولاقيته، ولذا يقال للفرد صدف حتى يصادفه الآخر، فهو من الأسماء المتضايفة كالشفع والزوج. وقوله: قال أنفخوا ، أى النار على هذه القطع الكبيرة من الحديد الموضوع بين الصدفين . وقوله: ((حتى إذا جعله فارا، أى : حتى إذا صارت قطع الحديد الكبيرة كالنار فى إحمرارها وشدة توهجها , قال T تونى أفرغ عليه قطرا، أى: نحاسا أو رصاصا مذابا، وسمى بذلك لأنه إذا أذيب صار يقطر كما بقطر الماء . أى: قال لهم أحضروا لى قطع الجديد السكبيرة، فلما أحضروها له، أخذ يعنى شيئا فشيئا حتى ساوى بين جانبى الجبلين بقطع الحديد ، قال لهم : أوقدوا النار واتفخرا فيها بالكيران وما يشبها لتسخين هذه القطع من الحديد وتليينها، ففعلوا ما أمرهم به، حتى صارت تلك القطع تشبه النار فى حرارتها وحيثتها، قال أحضروا لى نحاسا مذابا، لكى أفرغه على تلك القطع من الحديد لنزداد صلابة ومتانة وقوة . وبذلك يكون ذو القرنين قد لبى دعوة أولئك القوم فى بناء السد . وبناء لهم: طريقة محكمة سليمة، إهتدى بها العقلاء فى تقوية الحديد والمبانى فى المصر الحديث . وكان الداعى له لهذا العمل الضخم، الحيلولة بين هؤلاء القوم ، وبين يأجوج ومأجوج الذين يفدون فى الأرض ولا يصلحون ١٤٧ الجزء الخامس عشر ولقد أخبر القرآن الكريم بأن ذا القرنين بهذا العمل جعل يأجوج ومأجوج يقفون عاحزين أمام هذا السد الضخم المحكم فقال: « فما اسطاعوا أن يظهروه، وما استطاعوا له نقباء. أى: فما استطاع قوم يأجوج ومأجوج أن يرتفعوا على ظهر السد، أو يرقوا فوقه لملاسته وارتفاعه، وما استطاعوا - أيضاً - أن يحدثوا فيه نقبا أو خرقا لصلابته ومتانته وثخانته . ووقف ذو القر نين أمام هذا العمل العظيم، مظهرا الشكر لله - تعالى-، والعجز أمام قدرته - عز وجل - شأن الحكام الصادقين فى إيمانهم، الشاكرين خالفهم توفيقه إياهم لكل خير ... وقف ليقول بكل تواضع وخضوع لخالقه ...: ((هذا رحمة من ربى .. أى: هذا الذى فعلته من بناء السد وغيره، أثر من آثار رحمة ربي التى وسعت كل شىء . ((فإذا جاء وعدربى)) الذى حدده لفناء هذه الدنيا ونهايتها ، أو الذى حدده لخروجهم منه (( جعله دكاء)) أى: جعل هذا السد أرضا مستوية، وصيره مد كوكا أى: بمساواة الأرض. ومنه قولهم: ناقة دكاء أى: لاسنام لها. (( وكان وعد ربى حقا، أى: وكان كل ما وعد الله - تعالى-به عبادهمن ثواب وعقاب وغيرهما، وعدا حقا لا يتخلف ولا يتبدل ، كما قال - سبحانه -: ((وعد الله لا يخلف الله وعده. ولكن أكثر الناس لا يعلمون). وبذلك زى فى قصة ذى القر نين ما نرى من الدروس والعير والعظات، التى من أرزها . أن التمكين فى الأرض نعمة يهبها الله لمن يشاء من عباده. وأن السير فى الأرض لإحقاق الحق وإبطال الباطل من صفات المؤمنين الصادقين ، وأنت الحاكم العادل من صفاته: ردع الظالمين عن ظلمهم، ١٤٨ سورة الكهف والإحسان إلى المستقيمين المقسطين، والعمل على ما يجعلهم يزدادون استقامة وفضلا، وأن من معالم الخلق الكريم، أن يعين الإنسان المحتاج إلى ءونه، وأن يقدم له ما يصونه عن الوقوع تحت وطأة الظالمين المفسدين ، وأن من الأفضل أن يحتسب ذلك عند الله - تعالى -.. وأن لا يطلب من المحتاج إلى عونه أكثر من طاقته ... كما أن من أبرز صفات المؤمنين الصادقين: أنهم ينسبون كل فضل إلى الله - تعالى - وإلى قدرته النافذة، وأنهم يزدادون شكرا وحمد له - تعالى - كلما زادهم من فضله، وما أجمل وأحكم أن تختتم قصة ذى القرنين بقوله - تعالى - : (( قال هذا رحمه من ربى، فإذا جاء وعد ربی جعلهذكاءو كان وعد ربی حقا،. 0 ٥ ثم نسوق السورة الكريمة بعد قصة ذى القرنين آبات تذكر الناس بأهوال يوم القيامة ، لملهم يتوبون ويتذكرون ... استمع إلى السورة الكريمة وهى تصور ذلك فتقول: ((وَتَرَكْنَاَ بعضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يموجُ فى بَعْضٍ ، وتُقِخَ فى الصُّورِ فَجَمَعْنَهُمْ بَجْماً (٩٩) وعرَضْنَاَ جهَّ يَوْمئذٍ للكافِرِينَ عَرْضاً (١٠٠) الذينَ كَانَتْ أعينُهُم فى غِطاء عن ذِكْرَى وكانوا لا يَسْتَطِيِمونَ سماً (١٠١) أَفَحَسِبَ الذين كَفَرُوا، أنْ يَتَّخِذُوا مِبَادِى من دُونى أَوْلِيَاءَ، إنا أَمْتَدْنَ جهنّم الكافِرِينَ نُزُلاَ (١٠٢))). وقوله: ((وتركنا)، بمعنى جعلنا وصيرفا، والضمير المضاف فى قوله ١٤٩ الجزء الخامس عشر (بعضهم) يعود إلى يأجوج ومأجوج. والمراد ( بيومئذ): يوم تمام بناء السد الذى بناه ذو القرنين . وقوله - سبحانه - (موج) من الموج بمعنى الاضطراب والاختلاط يقال: ماج البحر إذا اضطرب موجه وهاج وإختلط . ويقال: ماج القوم إذا إختلط بعضهم ببعض وتزاحموا حائرين فزعين. والمعنى وجعلنا وصيرنا بمقتضى حكمتما وإرادتنا وقدرتنا، قبائل يأجوج ومأجوج يموج بعضهم فى بعض. أى: تتزاحمون ويضطربون من شدة الحيرة لأنهم بعد بناء السد ، صاروا لا يجدون مكانا ينفذون منه إلى ما يريدون النفاذ إليه، فهم خلفه فى إضطراب وهرج . ويجوز أن يكون المراد بيومئذ: يوم مجىء الوعد بخروجهم وإنتشارم فى الأرض ، وهذا الوعد قد صرحت به الآية السابقة فى قوله - تعالى - (فاذا جاء وعد ربه جعله د كا. وكان وعد ربى حقا). فيكون المعنى: وتر كنها قبائل يأجوج ومأجوج، يوم جاء وعدالله بجعل السد مدكوكا ومتساويا مع الأرض، يموج بعضهم فى بعض ، بعد أن خرجوا منتشيرين فى الأرض ، وقد تزاحموا وتكاثروا وإختلط بعضهم ببعض . قال الفخر الرازى: أعلم أن الضمير فى قوله (بعضهم) يعود إلى بأجوج ومأجوج. وقوله: (يومئذ) فيه وجوه: الأول: أن يوم السد ماج بعضهم فى بعض خلفه لما منعوا من الخروج. الثانى: أنه عند الخروج بموج بعضهم فى بعض . قيل: أهم حبر يخرجون من وراء السد يخرجون مزدحمين فى البلاد الثالث: أن المراد من قوله ( يومئذ) يوم القيامة . وكل ذلك محتمل، إلا أن الأقرب أن المراد به: الوقت الذى جعل الله فيه السددكا فعنده ماج بعضهم ونفع فى الصور ، وصار ذلك من ١٥٠ سورة الكهف آ يات القيامة)) (١). وقال القرطبى: قوله - تعالى -: ((وتركنا بعضهم يومئذ يموج فى بعضر، الضمير فى ((تركنا، الله - تعالى - أى: « وتركنا الجن والإنس يوم القيامة يموج بعضهم فى بعض . وقيل: تركنا يأجوج ومأجوج ,يومئذ، أى: يوم كمال السديموج بعضهم فى بعض. وإستعارة الموج لهم عبارة عن الحيرة وتردد بعضهم فى بعض ... وقيل: تركنا يأجوج ومأجوج يوم إنفتاح السد بموجون فى الدنيا مختلطين لكثرتهم . فهذه أقوال ثلاثة: أظهرها أوسطها وأبعدها آخرها. وحسن الأول، لأنه تقدم ذكر القيامة فى تأويل قوله - تعالى - ,فإذا جاء وعد ربی » (٢) . وقوله - سبحانه -،« ونفح فى الصور جمعناه جمعا، بيان لسلامة من علامات قيام الساعة . والنفخ لغة: إحراج النفس من الفم لإحداث صوت معين . والصور: القرن الذى ينفخ فية إسرافيل - عليه السلام - نفخه الصعق والموت، ونفخة البعث والنشور كما قال - تعالى -: (ونفخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن فى الأرض إلا من شاء الله، ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون،(٣). والمعنى: وتركنا يأجوج ومأجوج بموج بعضهم فى بعض . وأمرنا إسرافيل بالنفخ فى الصور، فجمعناهم وجمع الخلائق جماتاما، دون أن نترك أحدا من الخلائق بدون إعادة إلى الجياة، بل المكل مجموعون ليوم عظيم هو يوم البعث والحساب . (١) تفسير الفخر الرازى - ٢١ س ١١٧٢ (٢) تفسير القرطبى ج ١١ ص ٦٥. (٣) سورة الزمر الاية ٠٦٨ ١٥١ الجزء الخامس عشر والمراد بالنفخ هنا: النفخة الثانية التى يقوم الناس بعدها من قبورهم للحساب ، كما أشارت إلى ذلك آية سورة الزمر السابقة . وفى التعبير بقوله: ( جمعناهم جمعاء. إشعار بأن هذا الجمع قام كامل، لأن كلمة، جمعا، مؤكدة جملة جمعناهم. أى: جمعناهم جمعا تاما كاملا لا يشذ عنه أحد، ولا يفلت منه مخلوق، كماقال - سبحانه -: «قل إن الأولين والآخرين لمجموعون. إلى ميقات يوم معلوم)). هذا ، وهنا مسألة تكلم عنها العلماء، وهى وقت خروج يأجوح ومأجوج. فمنهم من يرى أنه لا مانع من أن يكونواقد خرجوا ، بدليل ما جاء فى الحديث الصحيح من أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: ويل للعرب من شر قد اقترب . فتح اليوم من سد يأجوج ومأحوج مثل هذا، وحلق بین أصابعه . ولأن الآيات الكريمة تقول: فإذا جاء وعد ربي جمله ذكاء .. ، ووعد الله لا مانع من أن يكون قد أنى . قال الشيخ القاسمى : والغالب أن المراد بخروجهم هذا خروج المغول التتار ، وهم من نسل يأجوج ومأجوج - وهو الغزو الذى حصل منهم للأمم فى القرن السابع الهجرى . وناهيك بما فعلوه إذ ذاك فى الأرض من فساد ... . (١) . وقال الشيخ المراغى عند تفسير قوله - تعالى -: ((وكان وعدر بى حقا»، وقد جاء وعده - تعالى - بخروج جنكيز خان وسلائله فعائوا فى الأرض فساداً ... وأزالوا معالم الخلافة من بغداد ... )) (٢). وقال صاحب الظلال: ((وبعد، فمن يأجوج ومأجوج؟ وأين هم الآن؟ وماذا كان من أمرهم وماذا سيكون؟ (١) تفسير القاسمى جـ ١١ ص ١٤١٤. (٢) تفسير المراغى = ١٦ ص ٢٠. ١٥٢ سورة الكهف كل هذه أسئلة تصعب الإجابة عليها على وجه التحقيق، فنحن لا نعرف عنهم إلا ما ورد فى القرآن، وفى بعض الأر الصحيح . والقرآن يذكر فى هذا الموضع ما حكاه من قول ذى القرنين: ((فإذاجا. وعد ربی جعله دكاء وكان وعد ربى حقا .. وهذا النص لا يحدد زمانا ووعد الله بمعنى وعده بدك السد، ربما يكون قد جاء منذ أن هجم التتار وانساحوا فى الأرض. ودمروا المالك تدميرا. وفى موضع آخر من سورة الأنبياء: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق ... ». وهذا النص - أيضا - لا يحدد زمانا معينا لخروجهم، فاقتراب الوعد الحق، بمعنى اقتراب الساعة قد وقع منذ زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم فقد جاء فى القرآن: اقتربت الساعة وانشق القمر، والزمان فى الحساب الإلهى غيره فى حساب البشر ، فقد تمر بين اقتراب الساعة ووقوعها ملا بين السنين أو القرون. وإذا فى الجائز أن يكون السد قد فتح ما بين:(( اقتربت الساعة، ويومنا هذا. وتكون غارات المغول والتشار الى اجتاحت الشرق، هى السياح يأجوج ومأجوج ... وكل ما نقوله ترجيح لا يقين (١). هذه بعض حجج القائلين بأنه لا مانع من أن يكون يأجوج ومأجوج قد خرجوا ... وهناك فريق آخر من العلماء، يرون أن يأجوج ومأجوج لم يخرجوا بعد ، وأن خرجهم إنما يكون قرب قيام الساعة . ومن العلماء الذين أبدوا ذلك صاحب أضواء البيان، فقد قال - رحمه الله- ما ملخصه : (١) فى ظلال القرطبى ج ١٦ ص ٠٢٢٩٣ ١٠٣ الجزء الخامس عشر أعلم أن هذه الآية: (فإذا جاء وعدربى جعله ذكاء .... ، وآية الأنساء: ((حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج ... ، قد دلتا فى الجملة على أن الد الذى بناء ذو القرنين ، دون يأجوج ومأجوج، إنما يجعله الله دكا عند مجىء الوقت الموعود بذلك فيه. وقددلتا على أنه بقرب يوم القيامة ... لأن المراد يومئذ فى قوله « وتركنا بعضهم يومئذ بموج فى بعض، أنه يوم مجمى. وعد ربى بخروجهم وإنتشارهم فى الأرض . وآية الأنبياء تدل فى الجملة على ماذكرنا هنا . وذلك بدل على بطلان فول من قال: إنهم ((روسيا)، وأن السد فتح من زمن طويل. والإقتراب الذى جاء فى قوله -تعالى -ـ((إقتربت الساعة .. ، وفى الحديث « ويل للعرب من شر قد اقترب ... ، لايستلزم إقترابه من دك السد، بل يصح إقترابه مع مهلة. وهذه الآيات لايتم الإستدلال بها على أن يأجوج ومأجوج لم يخرجوا بعد - إلا بضميمة الأحاديث النبوية لها . ومن ذلك مارواه الإمام مسلم فى صحيحه فى ذلك، وفيه : خروج الدجال وبعث عيسى، وقتله الدجال ... ثم يبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون . فينحاز عيسى ومن معه من المؤمنين إلى الطور ... ثم يرسل الله على يأجوج ومأجوح التغف فى رقابهم فيموتوا ... )). وهذا الحديث الصحيح قد رأيت فيه تصريح النبى - صلى الله عليه وسلم- بأن الله يوحى إلى عيسى ابن مريم بخروج يأجوج مأجوج بعد قتله الدجال فمن يدعى أنهم «روسيا، وأن السد قد إندك منذ زمان، فهو مخالف لما أخبربه النبى - صلى الله عليه وسلم - مخالفة صريحة لا وجه لها. ولا شك أن كل خبر يخالف الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - فهو باطل، لأن نقيض الخبر الصادق . كاذب ضرورة كما هو معلوم. ١٥٤ سورة الكهف ولم يثبت فى كتاب ألقه ولا فى سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - شىء يعارض هذا الحديث الذى رأيت صحة سنده، ووضوح دلالته على المقصود ... ، !). والذى يبدو لنا أن ما ذهب إليه صاحب أضواء البيان ، أقرب إلى الحق والصواب للأسباب التى ذكرها، ولقرينة تذييل الآيات التى تحدثت عن يأجوج ومأجوج عن أهوال يوم القيامة. ففى سورة الكهف يقول الله - تعالى - فى أعقاب الحديث عنهم، وتركنا بعضهم يومئذ بموج فى بعض ، ونفخ فى الصور فجمعناهم جمعاء. وفى سورة الأنبياء يقول الله - تعالى -: «حتى إذا فتحت بأجوج ومأجوج وهم من كل حدب بنسلون وإقترب الوعد الحق .. )). وفضلا عن كل ذلك فإن الحديث الذى رواه الإمام مسلم عنهم، صريح فى أن خروجهم سيكون من علامات الساعة، والله - تعالى - أعلم. ثم بين - سبحانه - ما أعده للكافرين من عذاب يوم القيامة فقال : (( وعرضنا جهنم يومئذ للمكافرين عرضا، الذين كانت أعينهم فى غطاء عن ذكرى وكانوا لا يستطيعون سمعا،. وقوله: («وعرضنا ... أى: أظهرنا وأبرزنا يقال: عرض القائد جنده إذا أظهرهم ليشاهدهم الناس. أى : جمعنا الخلائق يوم البعث والنشورجما تاما كاملا. وأبرزنا وأظهرنا جهنم فى هذا اليوم للكافرين إبرازا هائلا فظيها، حيث يرونها ويشاهدونها بدون لبس أو خفاء، فيصيبهم ما يصيبهم من رعب وفزع عند مشاهدتها. (١) راجع تقسير أضواء البيان جـ ٤ ص ١٨١ وما بعدها الشيخ محمد الأمين الشنقيطى . ١ ١٥٥ الجزء الخامس عشر وتخصيص العرض بهم، مع أن غيرهم - أيضا - يراها. لأنها ما عرضت إلا من أجلهم ، ومن أجل أمثالهم من فقوا عن أمر ربهم. ويرى بعضهم أن اللام فى (( للكافرين، بمعنى على، لأن العرض يتعدى بها قال - تعالى -: ((ويوم يعرض الذين كفروا على النار ... ، وقال - سبحانه -: ( النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ... )) ثم وصفهم - سبحانه - بما يدل على إستحقاقهم دخول النار فقال : الذين كانت أعينهم فى غطاء عن ذكرى .، أى: أبرز جهنم فى هذا اليوم العصيب الكافر بن الذين كانت أعينهم فى الدنيا فى ((غطاء، كثيف وغشاوة غليظه،, عن ذكرى، أى: عن الانتفاع بالآيات التى تذكرهم بالحق، وتمديهم إلى الرشاد ، بسبب استحواذ الشيطان علیهم . وفى التعمير بقوله: « غطاء، إشعار بأن الحائل والسائر الذى حجب أعينهم عن الابصار، كان حائلا شـ ديدا، إذ الغطاء هو الايغطى الشىء ويستره من جميع جوانبه . والمراد بالذكر: القرآن الكريم، أو ما يشمله ويشمل كل ما فى الكون من آيات يؤدى التفكر فيها إلى الايمان بالله - تعالى - وقوله: «وكانوا لا يستطيعون سمعا، صفة أخرى من صفاتهم الذميمه. أى: وكانوا فى الدنيا - أيضا - لا يستطيعون سمعا للحق أو الهدى، بسبب إصرارهم على الباطل، وإيفالهم فى الضلال والعناد، بخلاف الأصم فإنه قد يستطيع السماع إذا صيح به. قال الألوسى: فالجملة الكريمة ففى لسماعهم على أتم وجه، ولذا عدل عن: وكانوا صما مع أنه أخصر، لأن المراد أنهم مع ذلك كفاقدى السمع الكلية وهو مبالغة فى تصوير إعرضهم عن سماع مايرشدهم إلى ما ينفعهم بعد تصوير ١٥٦ سورة الكهف تعاميهم عن الآيات المشاهدة بالأبصار ... )) (١). ثم يعقب - سبحانه - على هذا الوعيد الشديد للكافرين، بالتهكم اللاذع هم فيقول: ((أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادى من دونى أو ليا ... ) فالإستفهام: الإنكار والتوبيخ. والحسبان: بمعنى الظن. والمراد بعبادى هنا: الملائكة وعيمى وعزير ومن يشبههم من عباد الله الصالحين ، إذ مثل هذه الاضافة تكون غالبا للتشريف والتكريم. وفى الآية الكريمة حذف دل عليه المقام . والتقدير: أفحسب الذين كفروا بى أن يتخذواعبادى الصالحين آلهة يستنصرون بهم من دونى، أو يعبدونهم من دونى، ثم لا أعذبهم - أى هؤلاء الكافرين بى - على هذا الاتخاذ الشديد الشناعة ؟ إن هؤلاء الذين بحسبون ذلك، قد ضلوا ضلالا بعيدا، فإنى لابد أن أعذبهم على كفرهم وشر كهم . أو التقدير : أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادى من دونى أولياء، لكى يشفعوا لهم يوم القيامه ؟ كلا أن يشفعوالهم بل سيتبر أون منهم، كما قال - سبحانه - (( كلا سيكفرون بعبادنهم ويكونون عليهم ضدا)). ثم بين - سبحانه - خلال هذا الحسبان الباطل فقال: « إذا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا ». والنزل: ما يقدم للضيف عند نزوله، والقادم عند قدومه، على سبيل التكريم والترحيب . أى: إنا إعتدنا جهنم لهؤلاء الكافرين بى ، المتخذين عبادى من دونى أولياء، لتكون معدة لهم عند قدومهم تكريما لهم. (١) تفسير الآلوسى = ١٦ ص ٤٥. ١٥٧ الجزء الخامس عشر فالجملة الكريمة مسوقة على سبيل التهكم بهم، والتقريع لهم، لأن جهنم ليست نزل إكرام للقادم عليها، بل هى عذاب مهين له . وشبيه بهذه الجملة قوله - تعالى -: («فبشرهم بعذاب أليم، وقوله: «وإن يستغيثوا بفائوا بماء كالمهل بشوى الوجوه). ويحرز أن يكون النزل بمعنى المنزل، أى: إنا ميننا جهنم الكافرين لتكون مكانا وحيدا لنزولهم فيها، إذ ليس لهم منزل سواها. ثم بأمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - فى أواخر السورة الكريمة ، بأن يبين للناس من هم الأخرون أعمالا ، ومن هم الأسوأ عاقبة فيقول : ((قُلْ هَلْ نُنَبْكُم بِالْأَخْرِينَ أَعْمَلاً (١٠٣) الذينَ ضَلَّ سَعْتَهم فى الحياةِ الدُّنْياً، وم يَحْسَبُونَ أَنْهُمْ يُحسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤) أولئِكَ الذين كَفَرُوا بِآيَاتِرِبِّهِم ولقَائِهِ فَحبِطَتْ أعمالهُم، فلاَ نقيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامةِ. وزْنَا (١٠٥) ذلكَ جزَاؤُمْ جَهَّم بما كَفَرُوا، وانَّخَذُوا آبانى ورسُلِى هُزُوا (١٠٦))) . أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين الذين أعجبتهم أعمالهم وتصرفاتهم الباطلة . قل لهم: ألا تريدون أن أخبركم خبرا ماما، كله الصدق والحق، وأعرفكم عن طريقه من هم الأخرون أعمالا فى الدنيا والآخرة ؟ وجاء هذا الإخبار فى صورة الاستفهام لزيادة التهكم بهم ، وللفت أنظارهم إلى ماسيلقى عليهم. والأخسرون: جمع أخسر، صيغة تفضيل من الخسران، وأصله نقص مال التاجر . والمراد به هنا؛ خسران أعمالهم وضياعها بسبب إصرارهم على كفرهم . ١٥٨ سورة الكهف وجمع الأعمال، للإشعار بتنوعها، وشمول الخسران لجميع أنواعها. وقوله - سبحانه - ((الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا)). جواب عن السؤال الذى اشتملت عليه الآية السابقة وهى: «قل هل أنتكم ..... فكافه فيل : فيتنا عن هؤلاء الأخسرين أعمالا ؟ فكان الجواب: وهم الذين ضل سعيهم، أى بطل وضاع بالكلية سعيهم وعملوا فى هذه الحياة الدنيا بسبب إصرارهم على كفرهم وشركهم ، فالجملة الكريمة خبر لمبتدأ محذوف . وقوله (( وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، أى: والحال أنهم يظنون أنهم يقدمون الأعمال الحسنة التى تنفعهم . فالجملة الكريمة حال من فاعل «ضل، أى: عل وبطل سعيهم، والحال أنهم يظنون العكس. كماقال - تعالى -: «أفمن زين له سوء عمله فراً. حسنا ..... وهذا هو الجهل المركب بعينه، لأن الذى يعمل السوء ويعلم أنه سوء قد ترجى استقامته . أما الذى يعمل السوء ويظنه عملا حسنا فهذا هو الضلال المبين . والتحقيق أن المراد بالأخسرين أعمالا هنا: ما يشمل المشركين واليهود والنصارى، وغيرهم ممن يعتقدون أن كفرهم وضلالهم صواب وحق . وقوله - سبحانه -: ((أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه لخبطت أعمالهم ..... كلام مستأنف لزيادة التعريف بهؤلاء الأخسرين أعمالا ، ولبيان سوء صــيرم . ١٥٩ الجزء الخامس عشر أى: أولئك الذين كفروا بآيات ربهم الدالة على وحدانيته وقدرته وكفروا بالبعث والحشر والحساب وما يتبع ذلك من ثواب وعقاب، فكانت نتيجة هذا الكفر أن ((حبطت أعمالهم، أى: فسدت وبطلت. وأصل الحبوط : افت اخ بطن الدابة بسبب امتلاثها بالغذاء الفاسد الذى يؤدى إلى ملاكها . والتعبير بالحبوط هنا فى أعلى درجات البلاغة، لأن هو لا الكافرين ملأوا صحائف أعمالهم بالأقوال والأفعال النبيجة التى ظنوها حسنة، فترتب على ذلك هلاكهم وسوء مصيرهم . وقوله: (( فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا، تصريح بهوانهم والاستخفاف بهم، واحتقار شأنهم . أى: فلا نلتفت إليهم يوم القيامة، ولا نعبأ بهم احتقار الهم، بل نزدرهم ولا نقيم لهم ولا لأعمالهم وزنا، لأنهم لا توجد لهم أعمال صالحة توضع فى ميزانهم، كما قال تعالى -: ((وقدمنا إلى ما عملوا من عمل جعلناه هباءمنشورا)) وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: إنه ليأتى الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عندالله جناح بعوضة وقال : اقرؤا إن شقم قوله تعالى -: ، فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا .. ثم ختم - سبحانه - الآيات الكريمة ببيان سوءمآلهم فقال: ( ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا، واتخذوا آياتى ورسلى هزوا). فاسم الإشارة (ذلك) مشاربه إلى عقابهم السابق المتمثل فى حيوط أعمالهم واحتقار شأنهم . وهو خبر لمبتد محذوف. أى: لمرم وشأنهم ذلك الذى بيناه سابقا. وقوله : ( جزاؤهم جهنم) جملة مفسرة لاسم الإشارة لا محل لها من الإعراب أو هو جمله مستقله برأسها مكونة من مبتدأ وخبر. ١٦٠ سورة الكهف وقوله. ( بما كفروا واتخذوا آياتى ورسلى ((زوا) بيان الأسباب التى جعلتهم وقودا لجهنم. أى: أن مصيرهم إلى جهنم بسبب كفرهم بكل ما يجب الإيمان به، وبسبب اتخاذه آيات الله الدالة على وحدانيته ، وبسبب اتخاذهم رسله الذين أرسلهم لهذايتهم ، محل استهزاء وسخرية . فهم لم يكتفوا بالكفر بل أضافوا إلى ذلك السخرية آيات اله - تعالى- والاستهزاء بالرسل الكرام - عليهما الصلاة والسلام -. تم أتبع - سبحانه - هذا الوعيد الشديد للكافرين، بالوعد الحسن للمؤمنين فقال - تعالى - : ((إِنَّ الذينَ آمَنُوا وَعَمُلُوا الصَّالِحَتٍ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الفِرْدَوْمِ نُزَّلاَ (١٠٧) خالدين فيهاَ لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَ لاَ (١٠٨))). وجنات الفردوس: هى أفضل الجنات وأعلاها. ولفظ الفردوس: لفظ عربى ويجمع على فراديس ، ومنه قولهم صدر مفردس ، أي : واسع . قال الألوسى ما ملخصه : عر مجاهد أن الفردوس هو البستان بالرومية، وعن عكرمة أن الفردوس هو الجنة بالحيشية .. ونص الفراء على أن هذا اللفظ عربى ومعناه البستان الذي فيه كرم ... وقال المبرد: هى - أى كلمة الفردوس - فيما سمعت من العرب: الشجر الملتف والأغلب عليه العنب . وأخرج الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا سألتم الله - تعالى - فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن . ومنه تفجر أنهار الجنة ... )(١)). (١) تفسير الآلوسي ج ٦١ ص ٥٠