النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ الجزء الخامس عشر أى، قال موسى للخضر ((ستجدني إن شاء الله صابرا، معك، غير معترض عليك ، ولا أعصى لك أمرا من الأمور التى تکلفنی بها . وقدم موسى - عليه السلام - المشيئة، أدبا مع خالقه - عز وجل - واستعانة به - سبحانه - على الصبر وعدم المخالفة. وهنا يحكى القرآن الكريم أن الخضر، قد أكد ما سبق أن قاله لموسى، وبين له شروطه إذا أراد مصاحبته، فقال: «قال فإن اتمعتنى فلا تسألنى عن شىء حتى أحدث لك منه ذكرا)). أى: قال الخضر لمومى على سبيل التأكيد والتوثيق ((ياموسى إن رافقتنى وصاحبتنى، ورأيت منى أفعالا لا تعجبك، لأن ظاهرما يتنافى مع الحق. فلا تعترض عليها، ولا تناقشنى فيها ، بل اتركنى وشأنى، حتى أبين لك فى الوقت المناسب السبب فى قيامى ؛ لك الأفعال ، وحتى أكون أنا الذى أقره لك . قالوا: « وهذا من الخضر تأديب وإرشاد لما يقتضى دوام الصحبة، فلو صر - موسى - ودأب لرأى العجب)). ثم تحكى السورة بعد ذلك ثلاثة أحداث فعلها الخضر ولكن مومى لم يصبر عليها، بل اعترض وناقش، أما الحادث الأول فقد بينه - سبحانه - بقوله : ((فانْطَلَقَاَ، حتَّى إذَا ركِبا فى السّفينةِ خَرقَهاَ، قَالَ أُخْرِقْتَهَا لتُغْرِقَ أهلَها لَقَدْ جِئتَ شَيْئًا إمراً (٧١) قَالَ أَمَ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ نَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً (٧٢) قالَ لاَ تُؤَاخِذْنى بما نَسِبتُ ولا تُرْهِقْنِ مِنْ أَمْرِى عُسْراً (٧٣) )). (١) تفسير القرطبى : ١١ ص ١٨. ١٢٢ سورة الكهف وقوله: « فانطلقاء بيان لما حدث منهما بعد أن استمع كل واحد منهما إلى ما قاله صاحبه. أى: فانطلق موسى والخضر - عليهما السلام- على ساحل البحر، ومعهما يوشع بن نون ، ولم يذكر فى الآية لأنه تابع لموسى. ويرى بعضهم أن موسى - عليه السلام - صرف فتاه بعد أن التقي بالخضر. أخرج الشيخان عن ابن عباس: أنهما انطلقا يمشيان على ساحل البحر فرت بهما سفينة «فكلموهم أن يحملوم، فعرفوا الخضر حملوهما بغير قول: أى أجر ،(١). وقوله: ((حتى إذا ركبا فى السفينة خرقها، بيان لما فعله الخضر بالسفينة. أى: فانطلقا يبحثان عن سفينة، فلما وجداها واستقرا فيها، ما كان من الخضر إلا أن خرقها . قيل: بأن قلع لوحا من ألواحها . وهنا ما كان من موسى إلا أن قال على سبيل الاستفكار والتعجب ما فعله : (( أخرقتها لتغرق أهلها .. )) . أى: أفعلت ما فعلت لتكون عاقبة الراكبين فيها الغرق والموت بهذه الصورة المؤلمة ؟ (( لقد جئت شيئاً إمراء والإمى: الداهية. وأصله كل شىء شديد كبير ومنه قولهم: إن القوم قد أمروا. أى: كثروا واشتد شأنهم، ويقال: هذا أمر إمى، أى: مفكر غريب . أى: قال موسى للخضر بعد خرقه للسفينة: لقد جئت شيئا عظيما، وارتكبت أمرا بالغا فى الشناعه . حيث عرضت ركاب السفينة لخطر الغرق، (١) تفسير الألوسى = ١٥ ص ٠٣٣٥ ١٢٣ الجزء الخامس عشر وهنا أجابه الخضر بقوله: « ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبرا، أى: ألم أقل لك سابقا إنك لن تستطيع مصاحبتى، ولاة رة لك على السكوت على تصرفاتى التى لا تعرف الحكمة من ورائها ؟ ولكن موسى - عليه السلام - رد معتذرا لما فرط منه وقال: ((لا تؤاخذنى) أيها العبد الصالح: بما نسيت، أى : بسبب نسيانى لوصيتك فى ترك السؤال والاعتراض حتى يكون لى منك البيان. . ولا ترهقنى من أمرى عسراً، أى: ولات كلفنى من أمرى مشقة فى صحبتى إياك . يقال: أرهق فلان فلانا. إذا أتحبه وأثقل عليه وحمله مالا يطيقه. والمراد : التمس لى عذرا بسبب النسيان، ولا تضيق على الأمر،فإ فى هذا التضييق ما يحول بينى وبين الانتفاع بعلمك، وكأن موسى . علية السلام - الذى اعتزم الصيزو وقدم المشيئة ، ورضى بشروط الخضر فى المصاحبة ... كأنه قد نسى كل ذلك أمام المشاهدة العملية، وأمام التصرف الغريب الذى صدر من الخضر دون أن يعرف له سيا . وهكذا الطبيعة البشرية تلتقى فى أنها تجد للتجربة العملية وقعا وطعما، يختلف عن الوقع والطعم الذى تجده عند التصور النظرى . فوسى - عليه السلام - وعد الخضر بأنه سيصبر ... إلا أنه بعد أن شاهد مالا برضيه اندفع مستنكرا . أما الحادث الثانى الذى لم يستطع موسى أن يقف أمامه صامتا، فقد حكام القرآن فى قوله : («فانْطَلَقَ حتَّى إِذَا لَقياً غلاماً فقَتْلَهُ ، قالَ أَقتلتَ نَفْمًا زكيةً بغير ◌ٍَْ لِقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكَّراً (٧٤) قالَ أَلَمْ أَقُلْ لكَ إِنَّكَ لَنْ تَستَطِيعَ ١٢٤ سورة الكهف مَعِىَ صَبْراً (٧٥) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عن شىءٍ بعدَها فلا تصاحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لُبِّى عُذْراً (٧٦)). أي: فانطلق موسى والخضر المرة الثانية بعد خروجهما من السفينة، وبعد أن قبل الخضر اعتذار موسى. (( حتى إذا لقيا غلاما، فى طريقهما. ما كان من الخضر إلا أن أخذه ((فقتله)). وهنا لم يستطع موسى - عليه السلام - أن يصبر على ما رأى، أو أن يكظم غيظه، فقال باستنكار وغضب: «أقتل نفسا زكية، أى: ظاهرة بريئة من الذنوب (( بغير نفس)) )) أى: يغير أن ترتكب ما يوجب قتلها، لأنها لم تقتل غيرها حتى تقتص منها. أى : أن قتلك لهذا الغلام كان بغير حق. ((لقد جئت ((أيها الرجل ((شيئا فكرا، أى: منكرا عظيما. يقال. ذكر الأمر ، أى: صعب واشتد . والمقصود: لقد جئت شيئا أشد من الأول فى فظاعته واستنكار المقول له . ومرة أخرى يذكره الخضر بالشرط الذى اشترطه عليه. وبالوعد الذى قطعه على نفسه، فيقول له : (( ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا)). وفى هذه المرة لا يكتفى الخضر بقوله: , ألم أقل إنك ... )) بل يضيف لفظ ، لك ، زيادة فى التحديد والتعيين والتذكير. أى: ألم أقل لك أنت يا موسى لا لغيرك على سبيل التأكيد والتوثيق : إنك لن تستطيع معى صرا، لأنك لم تحط علما بما أفعله . ويراجع موسى نفسه. فيجد أنه قد خالف ما اتفق عليه مع الرجل الصالح مرتين، فيبادر بأخبار صاحبه أن يترك له فرصة أخيره فيقول: ((إن سألتك، ١٢٥ الجزء الخامس عشر أيها الصديق ((عن شىء بعدها، أى: بعد هذه المرة الثانية ((فلانصاحبنى، أى: فلا تجعلنى صاحبا أو رفيقا لك، فإنك (( قد بلغت من لد نى عذرا، أى: فإنك قد بلغت الغاية التى تكون معذورا بعدها فى فراقى، لأنى أكون قد خالفتك مراراً . وهذا الكلام من موسى - عليه السلام - يدل على إعتذاره الشديد الخضر، وعلى شدة ندمه على مافرط منه، وعلى الاعتراف له بخطئه. قال القرطبى: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دعا لأحد بدأ بنفسه فقال يوما: (( رحمة الله علينا وعلى موسى، لو صبر على صاحبه لر أى العجب)، ولكنه قال: « إن سألتك عن شىء بعدها فلا تصاحبنى ... ))(١). ثم تسوق لنا السورة الكريمة الحادث الثالث والأخير فى تلك القصة الزاخرة بالمفاجآت والعجائب فتقول : ((فانطَلِقَاً حتى إِذَا أَنَّا أَهْلِ قَرْيةٍ اسْتَطْمَما أهلَها، فَأَبَوْا أن يُضَيِّفُوُها، فوجدا فيها جِداراً يريدُ أن ينقضَّ فَأَقَامَهُ، قالَ لوْ شِئْتَ لاتَّخَذْت عليه أجراً (٧٧) قالَ هذا فِرِاقُ يْنِ وبْنكَ سأُنِبْئِكَ بَتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عليه صَبْراً (٧٨))). أى: فانطلق موسى والخضر - عليهما السلام - يتابعان -يرهما، حتى إذا أتيا أهل قرية، قيل هى ((أنطاكيه)، وقيل: هى قرية بأرض الروم ... « استطعما أهلها، والاستطعام: سؤال الطعام. والمراد به هنا سؤال الضيافة لأنه هو المناسب لمقام موسى والخضر - عليهما السلام - ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك: (( فأبوا أن يضيفوهما، يشهد له. أى: فأبى وامتنع أهل تلك القرية عن قبول ضيافتهما بخلا منهم وشحا. (١) تفسير القرطبى : ١١ ص ٢٣. ١٢٦ سورة الکہف وقوله - تعالى - ((فوجدا فيها جداراً بريد أن ينقض فأنامه، معطوف على « أتيا)، أى: وبعد أن امتنع أهل القربه عن استضافتهما، تجولافيها،فوجدا فيها جدارا، أى: بناء مرتفعا ((يريد أن ينقض، أى: ينهدم ويسقط , فأقامه، أى الخضر بأن سواه وأعاد إليه إعتداله، أو بأن نقضه وأخذ فى بنائه من جدید. وهذا لم يتمالك موسى - عليه السلام - مشاعره، لأنه وجد نفسه أمام حالة متناقضة، قوم بخلاء أشحاء لا يستحقون العون ... ورجل يتعب نفسه فى إقامه حائط مائل لهم ... هلا طلب منهم أجرا على هذا العمل الشاق، خصوصا وهما جائعان لا يجدان مأوى لهم فى تلك القرية! لذا بادر موسى - عليه السلام - ليقول للخضر: «لو شئ لاتخذب عليه أجراً ،، أى: هلا طلبت أجرا من هؤلاء البخلاء على هذا العمل، حتى تنتفعبه، وأنت تعلم أننا جائعان وهم لم يقدموا لنا حق الضيافة . فالجملة الكريمة تحريض من موسى للخضر على أخذ الأجر على عمله، ولوم له على ترك هذا الأجر مع أنهما فى أشد الحاجة إليه. وكان هذا التحريض من موسى للخضر - عليهما السلام - هو نهاية المرافقة والمصاحبه بينهما، ولذا قال الخضر لموسى: « هذا فراق بيني وبينك)) أى: هذا الذى قلته لى، يجعلنا نفترقان، لأنك قد قلت لى قبل ذلك: «إن سألتك عن شىء بعدها فلا تصاحبنى، وها أنت تسألنى وتحرضنى على أخذ الأجر ... ومع ذلك فانتظر: سأنبتك، قبل مفارفتى لك ((بتأويل، أى: بتفسير وبيان ما خفى عليك من الأمور الثلاثة التى لم تسطع عليها صبرا، لأنك لم يكن عندك ما عندى من العلم بأسرارها الباطنة التى أطلعنى الله - تعالى - عليها. ١٢٧ الجزء الخامس عشر ثم حكى القرآن الكريم ما قاله الخضر لموسى عليهما السلام - فى هذا الشأن فقال - تعالى -. (أَمَّ السَّفِينَةُ فكانَتْ لمسا كينَ يعَمَلُونَ فِى البَحْرِ فَأردتُ أَنْ أعيّها، وكان وراءهُ مْلِكٌ يأخذُ كُلَّ سَفِينةٍ غَصْباً (٧٩))). أى قال الخضر لموسى: «، أما السفينة، التى أغرفتها ولم ترض عنه» فكانت لمساكين يعملون فى البحر (( أى: اضعفاء من الناس لا يستطيعون دفع الظلم عنهم ، ولم يكن لهم مال يتعيشون منه سواها، فكان الناس بركيون فيها وبدفعون لهؤلاء المساكين الأجر الذين ينتفعون به. ((فأردت أن أعيبها، أى: أن أجعلها ذات عيب بالخرق الدى خوقتها فيه، ولم أرد أن أغرق أهلها كما ظنفت يا موسى، والسبب فى ذلك؛ أنه, كان وراءهم ملك، ظالم ، من دأبه أن يتعقب السفن الصالحة الصحيحة، ويستولى عليها، وبأخذها إغتصابا وقسرا من أصحابها. فهذا العيب الذى أحدثته فى السفينة. كان سببا فى نجانها من يد الملك الظالم، وكان سببا فى بقائها فى أيدى أصحابها المساكين .. فالضرر الكبير الذى أحدثته بها، كان دفعا لضرر أكبر كان ينتظر أصحابها المساكين لو بقيت سليمة. ويرى بعضهم أن المراد بالوراء الأمام. ويرى آخرون أن المراديه الخلف. وقال الزجاج: وراء: يكون للخلف والأمام . ومعناه: ما نوارى عنك واستقر. وظاهر قوله - تعالى -: ا، بأخذكل سفينه غصبا، يفيد أن هذا الملك كان يأخذ كل سفينة سواء أ كانت صحيحة أم معيبه، ولكن هذا الظاهر غير مراد. وإنما المراد: يأخذ كل سفينة سليمة. بدليل: فأردت أن أعيبها، أى: لكى لا يأخذه، ومن هنا قالوا: إن لفظ «سفينة، هنا موصوف لصفة محذوفة، أى: يأخذ كل سفينة صحيحة. ١٢٨ سورة الكهف. و. غصبا، منصوب على أنه مصدر مبين لنوع الأخذ. والغصب - من باب ضرب - : أخذ الشىء ظلما وقهرا. ثم بين - - بحانه - ما رد به الخضر على موسى فى اعتراضه على الحادثة الثانية فقال - تعالى - : (( وأمّا النُلامُ فكانَ أبواهُ مومِنْنٍ، خَشِناً أن يُرِقَهُما طُفِيَاءً وكَفْراً (٨٠) فأَرَدْنَا أن يُبَدِّلَهُما ربُّها خيراً منه زكاةً وأقربَ رُتْمّا (٨١))). أى: (( وأما الغلام، الذى سبق لى أن قتلته، واعترضت على فى قتله ياموسى («فكان أبواه مؤمنين، ولم يكن هو كذلك فقد أ على الله - تعالى- أنه طبع كافرا. « فخشبنا أن يرهقهما طغيانا وكفرا، والخشية: الخوف الذى يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون عن علم بما يخشى منه . و: يرهقهما)، من الإرهاق وهو أن يحمل الإنسان ما لا يطيقه. أى: فخشينا لو بقي حيا هذا الغلام أن يوقع أبويه فى الطغيان والكفر. لشدة محبتهما له، وحرصهما على إرضائه . ((فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه .. )) والإبدال: رفع :و .. وإحلال آخر محله . أى: ((فأردنا، بقتله (( أن يبدلها ربهما) بدل هذا الغلام الكافر الطاغى، ولدا آخر (( خيرا منه، أى من هذا الغلام (( ز كاة)) أى: طهارة وصلاحاً (( وأقرب رحما، أى: وأقرب فى الرحمة بهما، والعطف عليهما، والطاعة لهما، ثم ختم - سبحانه - القصة، بيان ما قاله الخضر لموسى فى تأويل الحادثة الثالثة فقال - تعالى -: ١٢٩ الجزء الخامس عشر ((وأمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يقيمَينِ فى المدينةِ وكانَ تحتَه كنزٌ لهُمَا، وكان أبوُمما صالحاً، فأرادَ رَبُّكَ أن يَبْلُنَا أشدَّ هما، ويستَخْرجا كنْزَها رحمةً مِنْ رَبِّكَ، وما فَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى، ذلِكَ تَأويلُ مَاَلْ نَسْطِع عَلَيْهِ صَيْراً (٨٢)). أى: «وأما الجدار ، الذى أنعبت نفسى فى إقامته، ولم يعجبك هذا منى. ((فكان لغلامين يتيمين)) مات أبوهما وهما صغير ان، وهذان الفلامان يسكنان فى تلك المدينة، التى عبر عنها القرآن بالقرية سابقا فى قوله: « فانطلقا حتى إذا أنيا أهل قرية ... ((قالوا: ولعل التعبير عنها بالمدينة هنا، لإظهارنوع اعتداد بها، باعتداد ما فيها من اليتيمين، وما هو من أهلها وهو أبوهما الصالح ، (١). " وكان تحته، أى تحت هذا الجدار ((كنز لهما، أى: مال مدفون من ذهب وفضة ... ولعل أباهما هو الذى دفنه لهما .... , وكان أبوهما صالحا، أى: رجلا من أصحاب الصلاح والتقوى، فكان ذلك منه سببا فى رعاية ولديه ، وحفظ مالهما . ((فأراد ربك، وما لك أمرك؛ ومدير شئونك، والذى يجب عليك أن تستسلم وتنقاد لإرادته . , أن يبلغا أشدهما، أى: كمال رشدهما، وتمام نموهما وقوتهما: ويستخرجا كنزهما، من تحت هذا الجدار وهما قادر ان علىحمايته، ولولا أني أقته لانقض وخرج الكنز من تحته قبل إقتدارهما على حفظه وعلى حسن التصرف فيه . (١) تفسير الألوسى ج ١٦ ص ٢٢ (٩ - سورة الكهف) ١٣٠ سورة الكهف ((رحمة من ربك، أى: وما أراده ربك - ياموسى - بهذين الغلامين، هو الرحمة ليس بعدها رحمة ، والحكمة التى ليس بعد حكمة . فقوله (( رحمة، مفعول لأجله . ثم ينفض الخضر يده من أن يكون قد تصرف بغير أمر ربه فيقول: , وما فعلته عن أمرى ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراء. أى: وما فعلت ما فعلته عن إجتهاد منى، أو عن رأيى الشخصى، وإنما فعلت ما فعلت بأمر ربى ومالك أدرى ، وذلك لذى ذكرته لك من تأوبل تلك الأحداث هو الذى لم تستطع عليه صبرا، ولم تطق السكوت عليه، لأنك لم يطلمك الله - تعالى - على خفايا تلك الأمور وبواطنها ... كما اطلعنى . وحذفت التاء من ((تستطع)) تخفيفا. يقال: استطاع (لان هذا الشىء واستطاعه بمعنى أطاقه وقدر عليه . وبذلك الكهف المستور لموسى عليه السلام - وظهرما كان خافيا عليه. هذا، وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لآيات تلك القصة جملة من الأحاديث، منها مارواه الشيخان، ومنها مارواه غيرهما، ونكتفي هنا بذكر حديث واحد . قال - رحمه الله - قال البخارى: حدثنا الحميدى ، حدثنا سفيان ، حدثنا عمرو بن دينار، أخبرنى سعيد بن جبير قال . قلت لابن عباس: إن فونا البكالى يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى فى بنى إسرائيل. قال ابن عباس: كذب عدو الله، حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن موسى قام خطيبا فى بنى إسرائيل، فسئل أى الناس أعلم ؟ فقال: أنا . فعتب اللّه عليه إذ لم يرد العلم إليه. فأوحى الله إليه : إن عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك . فقال موسى: يارب، وكيف لى به؟ ١٣١ الجزء الخامس عشر قال: تأخذ معك حوتا، تجعله بمكتل ، فيما فقدت الحوت فهو ثم )) فأخذ حوتا ، لجمله فى مكتل، ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون. حتى إذا أنيا الصخرة وضعا رءوسهما فناما، واضطرب الحوت فى المكتل ، تخرج منه فسقط فى البحر، واتخذ سبيله فى البحر سربا ، وأمك الله عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق . فلما استيقظ نسى صاحبه أن يخبره بالحوت . فانطلقا بقية يومهما وليلتهما ، فلما كان الغد قال موسى لفتاة: , ٦ تنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصب)، ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذى أمره الله به. قال له فتاه: «أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإنى نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره، واتخذ سبيله فى البحر عجباء، قال: فكان الحوت سربا ولموسى وفتاه عجبا . فقال موسى:، ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثار هما قصصا)). قال: فرجها يقصان أثرهما، حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى - أى مغطى - بثوب، - فسلم عليه موسى، فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام قال : أنا موسى: قال: موسى في إسرائيل قال: نعم، أنبتك لتعلمنى ما علمت رشدا . قال : إنك لن تستطيع معى صبرا . يا موسى: إنى على علم من على الله عليه، لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علمکه اله لا أعله . قال موسى: ستجدنى إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا. قال الخضر فإن اتبعتنى فلا تسألنى عن شىء حتى أحدث لك منه ذكرا. فانطلقا بمشيان، فمرت سفينة فكلمهم أن يحملوه. فعرفوا الخضر. ١٢٢ سورة الكهف خملوهم بعير نول - أى بغير أجر - فلما ركبا فى السفينة، لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم. فقال له موسى: قد حملونا بغير ول، فعمدت إلى سفينتهم فرقتها. لتغرق أهلها ، لقد جئت شيئاً إمرا. قال له الخضر: ألم أقل إنك ان تستطيع معى صبرا. قال: لا تؤاخذنى بما نسيت ولا ترهقنى من أمری عسرا. قال: وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كانت الأولى من موسى نسيانا، قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة . فنقر فى البحر نقرة. فقال له الخضر: ما علمى وعلمك فى علم الله , إلا مثل ما نقص هذا المصفور من البحر . قم خرجا من السفينة، فبينماهما يمشيان على الساحل، إذا أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه بيده فقتله . فقال لهموسى: ( أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً تكرا. قال: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا . قال: وهذه أشد من الأولى. قال: قال: إن سألتك عن شىء بعدها فلا تصاحبنى . («فانطلفا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه . قال: لو شئت لاتخذت عليه أجرا. قال: هذا فراق بينى وبينك سانيتك بتأويل ما لم تستطع على صبراء. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وددنا أن موسى كان قد صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما،(١). وقد أخذ العلماء من هذه القصة أحكاما وآدابا من أهمها ما يأتى: (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٥ س ١٧٢ طبعة دار الشعب. ١٣٣ الجزء الخامس عشر ١ - أن الإنسان مهما أوتى من العلم، فعليه أن يطلب المزيد، وأن لا يعجب بعلمه، فاقه - تعالى - يقول:)) وما أو فيتم من العلم إلا قليلا، وطلب من نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يتضرع إليه بطلب الزبادة من العلم فقال: « وقل رب زدنی علماء . ٢ - أن الرحلة فى طلب العلم من صفات العقلاء، فموسى - عليه السلام- وهو من أولى العزم من الرسل، تجشم المشاق والمتاعب , لكى يلتقى بالرجل الصالح ((لينتفع بعلمه)) وصمم على ذلك مهما كانت العقبات بدليل قوله - تعالى - حكاية عنه: ((لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضى حقبا)). قال القرطبى عند تفسيره لهذه الآية: فى هذا من الفقة رحلة العالم فى طلب الازدياد من العلم، والاستعانة على ذلك بالخادم والصاحب واغتنام لقاء الفضلاء والعلماء وإن بعدت أقطارهم. وذلك كان دأب السلف الصالح، وبسبب ذلك وصل المرتحلون لطلب العلم إلى الحظ الراجح: وحصلوا على السعى الناجح، فرسخت لهم فى العلوم أقدام. وصح لهم من الذكر والأجر و الفضل أفضل الأقسام . قال البخارى: ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس فى طلب حديث))(١). ٣ - جواز إخبار الإنسان عما هو من مقتضى الطبيعة البشرية، كالجوع والعطش والتعب والنسيان فقد قال موسى لفتاه: «آتنا غداءنا لقدلقينا من سفرنا هذا نصبا، ورد علية فتاه بقوله: « أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإنى نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره .... ، وفى هذا الرد - أيضا - من الأدب ما فيه، فقد نسب سبب النسيان إلى الشيطان، وإن كان الكل بقضاء الله - تعالى - وقدره. ٤ - أن العلم على قسمين: على مكتسب يدركه الإنسان باجتهاده وتحصيله .. (١) تفسير القر طبى = ١١ ص ١١. ١٣٤ سورة الكهف بعد عون الله تعالى - له. وعلم لدنى بهبه الله - سبحانه - لمن يشاء من عباده. فقد قال - تعالى - فى شأن الخضر,وعلمناه من لدنا علماء أى: علما خاصا أطلعه الله عليه يشمل بعض الأمور الغيميه .... ٥ - أن على المتعلم أن يخفض جناحه للمعلم، وأن يخاطبه بأرق العبارات وألطفها ، حتى يحصل على ما عنده من علم بسرور وارتياح. قال بعض العلماء ما ملخصه: وتأمل ما حكاه الله عن موسى فى قوله للخضر: (( هل أتبعك على أن تعلمنى مما علمت رشدا)، فقد أخرج الكلام بصورة الملاطفة والمشاورة، فكأنه يقول له. هل تأذن لى فى ذلك أولا، مع إقراره بأنه يتعلم منه ، بخلاف ما عليه أهل الجفاء أو الكبره الذى لا يظهر العام افتقاره إلى علمه ... ،(١). ٦ - أنه لا بأس على العالم، إذا اعتذر للمتعلم عن تعليمه، لأن المتعلم لا يطيق ذلك ، لجهله بالأسباب التى حملت العالم على فعل تلك الأمور التى ظاهرها يخالف الحق والعدل والمنطق العقلى، وأن معرفة الأسباب تعين على الصبر .. فقد قال الخضر لموسى: ((إنك لن تستطيع معى صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا، فقد جعل الموجب لعدم صبره. عدم إحاطته خبرا بالإمر. ٧ - أن من علامات الإيمان القوى، أن يقدم الإنسان لمشيئة عند الإقدام على الأعمال، وأن العزم على فعل الشى ليس بمنزلة فعله، فقد قال موسى للخضر ((ستجدنى إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا، ومع ذلك فعند ما رأى منه أفعالا يخالف ظاهرها الحق والصلاح، لم يصبر .... وأنه لا بأس على العالم أن يشترط على المتعلم أمورا معينة قبل أن يبدأ فى تعليمه . فقد قال الخضر لموسى: (( إن اتبعتنى فلا تسألنى عن شىء حتى أحدث لك منه ذكرا)) . (١) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ج٥ ص ٢٣ للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدى . ١٣٥ الجزء الخامس عشر ٨ - أنه يجوز دفع الضرر الأكبر بارتكاب الضرر الأصغر، فإن خرق السفينة فيه ضرر ولكنه أقل من أخذ الملك لها غصبا، وإن قتل الغلام شر، ولكنه أقل من الشر الذى سيترتب على بقائه . وهو إرهاقه لأبويه، وحمارما على الكفر ... كما يجوز للإنسان أن يعمل عملا فى ملك غيره بدون إذنه بشرط أن يكون هذا العمل فيه مصلحة لذلك الغير كأن يرى حريقا فى دار إنسان فيقدم على إطفائه بدون إذنه، ويدفع ضرر الحريق بضرر أقل منه ، فقد خرق الحضر السفينة ، لكى تبقى لأصحابها المساكين . ٩ - أن التأنى فى الأحكام . والتثبت من الأمور، ومحاولة معرفة العمل والأسباب .... كل ذلك يؤدى إلى صحة الحكم، وإلى سلامة القول والعمل. وصدق رسول الله - صلى الله علية وسلم - حيث يقول: «رحمة الله علينا وعلى موسى، لو صبر على صاحبه لرأى العجب». ١٠ - أن من دأب العقلاء الصالحين. استعمال الأدب مع الله - تعالى - فى التعبير، فالخضر قد أضاف خرقه السفنية إلى نفسه فقال: «فأردت أن أعيبها ... ، وأضاف الخير الذى فعله من أجل الغلامين المقيمين إلى الله فقال: «فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك)): وشبيه بهذا ما حكاه الله - تعالى - عن صالحى الجن فى قولهم: «وأنا لاندرى أشر أريد بمن فى الأرض، أم أراد بهم ربهم رشدا)). ١١ - قال القرطبى: قوله - تعالى - ((يريد أن ينقض، أى: قرب أن يسقط . وهذا مجاز وتوسع. وقد فسره فى الحديث بقوله ((مائل ، فكان فيه دليل على وجود المجاز فى القرآن ، وهو مذهب الجمهور . وجميع الأفعال التى حقها أن تتكون للحى الناطق إذا أسندت إلى جاد أو بهيمة، فإنما هى استعارة . ١٣٦ الجزء الخامس عشر أى : لو كان مكانها إنسان لكان متثلا لذلك الفعل، وهذا فى كلام العرب وأشعارها كثير ، كقول الأعشى : 5 لطعن يذهب فيه الزيت والفتل أنفهون ولا ہہی ذوی شطط والشطط: الجور والظلم ، يقول : لا ينهى الظالم عن ظلمه إلا الطعن العميق الذى يغيب فيه الفتل ـ فأضاف النهى إلى الطعن . .. وذهب قوم إلى منع المجاز فى القرآن. فإن كلام الله عز وجل- وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - حمله على الحقيقة أولى بذى الفضل والدين، لأنه يقص الحق كما أحبر الله - تعالى - فى كتابه.))(١): وقد صرح صاحب أضواء البيان أنه لا مجاز فى القرآن فقال ما ملخصه: قوله - تعالى -: ((فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه .... هذه الآية من أكبر الأدلة التى يستدل بها القائلون: بأن المجاز فى القرآن، زاعمين أن إرادة الجدار الانقضاض لا يمكن أن تكون حقيقة وإنماهى مجاز. وقد دلت آيات من كتاب الله على أنه لامانع من أن تكون إرادة الجدار حقيقة، لأن الله - تعالى - بعلم الجمادات إرادات وأفعالا وأقوالا لا يدركها الخلق، كماصرح - تعالى - وبأنه يعلم من ذلك ما لا يعلمه خلفه فى قوله - سبحانه - ((وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقمون تسبيحهم ... ) فصرح بأننا لا نفقة تسبيحهم وتسبيحهم واقع عن إرادة لهم بعدها - سبحانه - ونحن لا فعلها ... ومن الأحاديث الدالة على ذلك ما نبت فى صحيح مسلم أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: (( إنى لأعرف حجرا كان يسلم على بمكة)). وما ثبت فى صحيح البخارى من حقين الجزع الذى كان يخطب عليه - صلى الله عليه وسلم -. حزنا لفراقه . (١) راجع تفسير القرطبى ج ١١ ص ٢٥: ١٣٧ سورة الكهف فتسليم ذلك الحجر ، وحنين ذلك الجزع ، كلاهما بإرادة وإدراك يعلمه ألقه ونحن لا نعلمه ... ،(١). ١٢ - أن صلاح الاباء ينفع الأبناء . بدليل قوله - تعالى -: «وكان أبوهما والحار ... قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : فيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ فى ذريته وتشمل بركة عبادته ما ينفعهم فى الدنيا والآخرة!، بشفاعته فيهم، ورفع درجتهم إلى أعلى درجة فى الجنة لتقر عينه بهم، كماجاء فى القرآن و وردت السنة به قال سعيد بن جبير عن ابن عباس : حفظا بصلاح أبيهما ... ، ١٣ - أن على الصاحب أن لا يفارق صاحبه حتى يبين له الأسباب التى حملته على ذلك ، فأنت ترى أن الخضر قد قال موسى: «هذا فراق ينى وبينك، سأفيتك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا، (١) أى: قبل مفارقتى لك سأخبرك عن الأسباب التى حملتنى على فعل ما فعلت مالم تستطع معه صبرا. ويفهم من ذلك أن موافقة الصاحب لصاحبه - فى غير معصية الله - تعالى - على رأس الأسباب التى تعين على دوام الصحبة وتقويتها ، كما أن عدم الموافقة، وكثرة المخالفة، تؤدى إلى المقاطعة ... كما يفهم من ذلك - أيضاً - أن المناقشة والمحاورة متى كان الغرض منها الوصول إلى الحق، وإلى المزيد من العلم، وكانت بأسلوب مهذب، وبقية طيبة، لا تؤثر فى دوام المحبة والصداقة ، بل تزيدهما قوة وشدة ... نسأل الله - تعالى - أن يؤدبنا بأدبه، وأن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، وأنس نفوسنا .... ثم ساق - سبحانه - قصة ذى القر نين، وهى القصة الرابعة والأخيرة فى السورة فقد سبقتها قصة أصحاب الكهف. وقصه صاحب الجنتين و قصة موسى والخضر. (١) راجع أضواء البيان فى إيضاح القرآن بالقرآن ج ٤ ص ٧٨. (٢) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٠١٨٣ ١٣٨ سورة الكهف استمع إلى القرآن الكريم وهو يقصى علينا بأسلوبه البليغ المؤثر خبر ذى القر نين فيقول : ((ويسألونَكَ عن ذِى القَرْنِيْنِ، قلْ سأَتُلُو عليكُم مِنْهُ ذِكْراً (٨٣) إنا مكِّنَا لَهُ فى الأرضِ وَآتَيْنَه من كلِّ شىءٍ سبباً (٨٤) فَأَثْبَع سبباً (٨٥) حتى إذا بلغ مغربَ الشمسِ وجدَها تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ ◌َِّئَة ووجد عِندَها قوماً، قُلْنَاَ ياذَا القرنيْنِ إِمَّا أنْ تعذِّبَ وإمَّا أنْ تَتَّخِذ فيهمْ حُسْنَا (٨٦) قالَ أمَّا من ظلَم فسَوْف نعذِّ به ثم يُرَدُّ إلى ربّه فيعدَّبُه عذابًا نُكْراً (٨٧) وأمَّا من آمنَ وعمل صالحاً فَلَهُ جزاء الْحُسنّى وسنقولُ لهُ من أمْرِ نَ يُسْراً (٨٨) ثم أتَبَعَ سبباً (٨٩) حتَّى إذا بلَغَ مَطْلِع الشَّمسِ وجدهاَ تَطْلُع على قوم لم تَجْعَلَ لهُم من دونها سِتْراً (٩٠) كَذلِكَ وَقَدْ أحطنا بما لدَيْهِ خَبْراً (٩١) ثم أَثْبَعَ سبباً (٩٢) حتى إذا بلغَ بَيْنَ السَّدَّينِ وجَد مِنْ دُونِهِما قوماً لا يكادُونَ يَفْقَّهُونَ قَولاً (٩٣) قَالُوا ياذَا القرنينِ إنْ يأجوج ومأجُوجَ مُفْسِدُونَ فى الأرضِ فهلْ نجعلُ لكَ خَرْجًا على أنْ تجملَ بينَناَ وبينَهم سّدًّا (٩٤) قالَ مَآَ مَكَّى فِيهَ رَبِى خيرٌ فأعينُونى بِقُوةٍ أَجْعَلْ بِيِنكُم وبينهم رَدْمًا (٩٥) آتوني زُبر الحديدِ حتَى إذا ساوَى بينَ الصَّدفَيْنِ قالَ انفخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قَالَ آتوفى أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطراً (٩٦) فما اسطاعوا أن يظهرُوه وما استطاءُوا له نَقْبًا (٩٧) قالَ هذَا رحمةٌ من ربي فإذا جاء وعدُ ربى جَعَلَهُ دكاء وكانَ وَعْد ربى حقًّا (٩٨))). ١٣٩ الجزء الخامس عشر وقوله - سبحانه -: «ويسألونك عزذى القرنين ... ، معطوف على قصة موسى والخضر - عليهما السلام - حضف القصة على القصة. قال البقاعى: كانت قصة موسى مع الخضر مشتملة على الرحلات من أجل العلم، وكانت قصة ذى القرنين مشتملة على الرحلات من أجل الجهاد فى سبيل الله، ولما كان العلم أساس الجهاد تقدمت قصة موسى والخضر على قصة ذى القرنين .. ، (١) . والسائلون هم كفار قريش بتلقين من اليهود، فقد سبق أن ذكرنا عند تفسيرنا لقصة أصحاب الكهف . أن اليهود قالوا لوفد قريش: سلوه - أى الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن ثلاث نأمركم بهن .. سلوه عن فتية ذهبوا فى الدهر الأول ماذا كان من أمرهم ... وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ... وسلوه الروح . وجاء التعبير بصيغة المضارع - مع أن الآيات نزلت بعد سؤالهم - لاستحضار الصورة الماضية، أو للدلالة على أنهم إستمروا فى لجاجهم إلى أن نزلت الآيات التى ترد عليهم . أما ذو القرنين ، فقد إختلفت فى شأنه قوال المفسرين إختلافا كبيرا، لعل أقربها إلى الصواب ما أشار إليه الآلوسي بقوله: وذكر الريحان البيرونى فى كتابه المسمى ((بالآثار الباقية عن القرون الخالية، أو ذا القر ين هو أبو كريب الخميرى، وهو الذى : إفتخر به تبع اليمانى حيث قال: ملكا علا فى الأرض غير مفند قد كان ذو القرنين جدى مسلما أسباب ملك من حكيم مرشد بلغ المغارب والمشارق يبتغى ثم قال أبو الريحان: ويشبه أن يكون هذا القول أقرب، لأن ملوك اليمن كانوا يلقبون بكلمة ذى . كذی نواس، وذى يزن. ألخ . (٢). (١) نظم الدرر البقاعى - ١٢ ص ٠١٢٨ (٢) تفسير الآلوسى ج ١٦ ص ٢٧. ١٤٠ سورة الكهف ومن المقطوع به أن ذا القرنين هذا: لبس هو الإسكندر المقدونى الملقب بذى القرنين . تلميذ أرسطو، فإن الاسكندر هذا كان وثنيا .. بخلاف ذى القرنين الذى تحدث عنه القرآن، فإنه كان مؤمنا بالله - تعالى - ومعتقدا بصحه البعث والحساب . والرأى الراجح أنه كان عبدا صالحاً، ولم يكن نبيا. ويرى بعضهم أنه كان بعد موسى - عليه السلام -،ويرى آخرون غير ذلك ومن المعروف أن القرآن الكريم يتم فى قصصه ببيان العبر والعظات المستفادة من القصة ، لا بيان الزمان أو المكان للأشخاص . وسمى بذى القرنين - على الراضح - لبلوغه فى فتوحاته قرنى الشمس من أقصى المشرق والمغرب . والمعنى: ويسألك قومك - يا محمد - عن خبر ذى القرنين وشأنه. ((قل، لهم - على سبيل التعليم والرد على تحديهم الك .. سأتلو عليكم منه ذكرا ،. والضمير فى ((منه. يعود على ذى القرنين، و«من» للتبعيض. أى: قل لهم: سأنلو عليكم من خبره . وسأقص عليكم من أنبائه عن طريق هذا القرآن الذى أوحاه الله إلى ما يفيدكم ويكون فيه ذكرى وعبرة لكم إن كنتم تعقلون . ثم بين - سبحانه - ما أعطاه الله لذى القرنين من نعم فقال: (( إذا مكنا له فى الأرض وآتيناه من كل شىء سببا. فأتبع سببا)). وقوله: (( مكناء من التمكين بمعنى إعطائه الوسائل التى جعلته صاحب نفوذ وسلطان فى أقطار الأرض المختلفة. والمفعول محذوف، أى: إنامكنا له أمره من التصرف فيها كيف يشاء. بأن أعطيناء سلطانا وطيد الدعائم، وآتيناه من كل شىء أراده فى دنياه لتقوية ملكه (سبيا، أى. سبيلا وطريقا يوصله إلى مقصوده، كآلات السير، وكثرة الجند ، ووسائل البناء والعمران