النص المفهرس
صفحات 61-80
٨ الجزء الخامس عشر ٦١ هذه بعض العظات والأحكام التى ترشدنا إليها هذه القصة، وقد ذكرنا جانبا آخر منها خلال تفسيرنا الآيات التى اشتملت عليها. ومن أراد المزيد فليرجع إلى ما كتبه المفسرون فى ذلك(١). ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - بمداومة التلاوة لما أو حاه إليه - سبحانه -، فإن فيه فصل الخطاب وبالحفاوة بالمؤمنين الصادقين الذين يدعون ربهم بالغداة والعنى؛ وبإعلان كلمة الحق فمن شاء فليؤ.زومن شاء فليكفر فقال - تعالى -: (( واثْلُ ما أُوحِى إليكَ مِنْ كتابٍ رَبِّكَ لا مبدّلَ لِكلمَاتِه ، ولن تجدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتحداً (٢٧) واصْبِرْ نَفْسَكَ معَ الذينَ يِدْعُونَ ربهم بالغداةِ والعَشْىِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ، ولا تَعْدُ عينَكَ عنْهُمْ تُريدُ زِينَةَ الحياةِ الدُّنيا، ولا تُطِعْ مِن أَغْفَلْنَا قَلْبُهُ عَنْ ذِكْرِنَ وَاتَّبَ هَواهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فَرُطَا (٢٨) وقُلِ الْحَقُّ مِنْ رِبْكُم ◌َنْ شاء فلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاء فَلْيَكُفُر، إنّ أَعْتَدْنَاَ للََّالِنَ نَارًا، أحاطَ بِهِمْ سُرّادقُها، وإن يَسْتَغِيُوا يُغَتُوا بماءٍ كَالُهْلِ يشْوِى الوُجوهَ بْسَ الشرابُ وساءتْ مُرْتَفَقً (٢٩) إنَّ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالحاتِ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرِ. من أُحْسَنَ عملاً (٣٠) أولئكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهِمُ الأنهارُ بحلُّونَ فيها من أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ ، ويلبسُونَ ثيابًا خُضْراً من سُنْدُسٍ وإسْتَبْرِقٍ، متكئِنَ فيها على الأرَائِك نِعْم الثوابُ وحَسُنَتْ مر تفقًا (٣١))). (١) راجع تفسير الفخر الرازى ج ٢١ ص ٨١، وتفسير القرطى ج ١٠ ص٣٥١ وتفسير الألوسى ٩ ٢، وتقدير أضواء البيان جـ ٤ ص ١٨. ٦٢ سورة الكهف قال الإمام الرازى ما ملخصه: قوله -تعالى -: (وأقل ما أوحى إليك ... اعلم أن من هذه الآية إلى قصة موسى - عليه السلام - والخضر، كلام واحد فى قصة واحده وذلك أن أكابر كفار قريش احتجوا وقالوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن أردت أن نؤمن بك فاطرد هؤلاء الفقراء .. فنهاه الله عن طردهم لأنه مطلوب فاسد ... ثم إنه - سبحانه - أمره بالمواظبة على تلاوة كتابه ، وأن لا يلتفت إلى إقتراح المقترحين ، وتعنت المتعنتين .. )(١) . وقوله - سبحانه -: ((وأقل .. ، فعل أمر من التلاوة بمعنى القراءة. أى ، وعليك - أيها الرسول الكريم - أن تواظب وتداوم على قراءة ما أو حيناه إليك من هذا القرآن الكريم، وأن تتبع إرشاداته وتوجيهاته، (إن فى ذلك مايهديك إلى الطريق الحق ، وما يغنيك عن السؤال والاستفتاء، قال - تعالى -: ((إن الذين يتلون كتاب الله، وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية، يرجون تجارة لن تبور)،(٢). وصيغة الأمر فى قوله - سبحانه -: ((وائل .. ، لإبقاء الفعل لا لإيجاده، كما فى قوله - تعالى -: «أهدنا الصراط المستقيم)). و((من )، فى قوله ((من كتاب ربك) بيانية. وقوله : « لا مبدل لكلماته، أى: ليس فى هذا الكون أحد فى إمكانه أن يغير أو بدل شيئا من الكلمات التى أوحاه الله - تعالى - إليك - أيها الرسول الكريم -، لأننا قد تكملنا بحفظ هذا الكتاب الذى أوحيناه إليك. قال - تعالى -: «وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم)، (٢). (١) تفسير الفخر الرازى ج ٢١ ص ١١٤ (٢) سورة فاطر الآية ٢٩ (٣) سورة الأنعام الآية ١١٥ K الجزء الحادى عشر ٦٣ وقال - سبحانه -، ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (١). فالجملة الكريمة وهى قوله - سبحانه - ((لامبدل لكلماته، نفت قدرة أحد على تبديل كلمات الله، لأن أخبارها صدق، وأحكامها عدل، وإنما الذى يقدر على التغيير والتبديل هو الله - تعالى .. وحده . والضمير فى ، كلماته، يعود على الله - تعالى -، أو على الكتاب. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: «وان تجد من دونه ملتحدا :. وأصل المتحد : مكان الإتحاد وهو إفتعال من اللحد معنى المبل. ومنه الاحد فى القبر، لأنه ميل فى الحفر. ومنه قوله - تعالى -: ((إن الذين يلحدون فى آياتنا لا يخفون علينا ... )، أى: يميلون فى آباتنا. فالمراد بالملتحد : المكان الذى يميل فيه إلى ملجأ للنجاة. والمعنى: وداوم أيها الرسول الكريم على تلاوة ما أو حيناه إليك من كتابنا الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه، وأعلم أنك إن خالفت ذلك لن نجد غير الله - تعالى .. ملجأ تلجأ إليه، أو مأوى تأوى إليه، لكى تنجو ما يريده بك . فالجملة الكريمة قديل قصد به التحذير الشديد .. فى شخص الرسول - صلى الله عليه وسلم - لكل من يقصر فى تلاوة كتاب الله، أو يحاول التبديل فى ألفاظه ومعانية . ثم ساقت السورة الكريمة لونا من الأدب السامى، والتوجيه العالى، حيث! بينت أن أولى الناس بالرعاية والمجالسة هم المؤمنون "صادقون، وأمرت التى - صلى الله عليه وسلم - بأن يصبر نفسه معهم، فقال - تعالى -: ((وأصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ، ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ... ، (١) سورة الحجر الآية ٩. ٦٤ سورة الكهف وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : أنهانزلت ، فى أشراف قريش ، حين طلبوا من النبى - صلى الله عليه وسلم- أن يجلس معهم وحده، ولا يجالسهم مع ضعفاء أصحابه كبلا وعمار وان مسعود ... وليفرد أولئك بمجلس على حدة، فنهاه الله - تعالى - عن ذلك ... وأمره أن يصبر نفسه فى الجلوس مع هؤلاء الفقراء فقال: ((واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه .. (١). وصبر النفس معناه: حبسها وتثبيتها على الشىء. يقال: صبرت فلانا أصبره صبرا، أى : حبسته . والغداة: أول النهار . والعشى، أخره . والمعنى: عليك - أيها الرسول الكريم - أن تحبس نفسك وتعودها على مجالسة أصحابك (( الذين يدعون ربهم)) أى: يعبدونه ويتقربون إليه بشتى أنواع القوبات، فى الصباح والمساء. ويداومون على ذلك، دون أن يريدوا شيئا من وراء هذه العبادة، سوى رضا الله - تعالى - عنهم ورحمته بهم. وفى تخصيص الغداة والعشى بالذكر : إشعار بفضل العبادة فيهما : لأنهما محل الغفلة والاشتغال بالأمور الدنيوية غالبا . ويصح أن يكون ذكر هذين الوقتين المقصود به مداومة العبادة ، وإلى هذا المعنى أشار الآلوسي بقوله: قوله: « يدعون ربهم بالغداة والعشي)) أى: يعبدونه دائما . وشاع استعمال مثل هذه امبارة للدوام. وهى نظير قولهم: ضرب زيد الظهر والبطن . يريدون به ضرب جميع البدن . وأبقى غير واحد اللفظين على ظاهرهما أى: يعبدونه فى طر فى النهار .. (٢). (١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ١٤٨. (٢) تفسير الآلوسي ج ١٥ ص ٠٢٦٢ ٦٥ الجزء الخامس عشر وقوله: (( يريدون وجهه، مدح لهم بالإخلاص والبعد عن الرياء والمباهاة .... فهم لا يتقربون إلى الله - تعالى - بالطاعات من أجل دنيا يصيبونها . أو من أجل إرضاء الناس. وإنماهم يبتغون بعبادتهم رضا الله - تعالى - وحده، لا شيئا آخر من حظوظ الدنيا . وقوله - سبحانه -: « ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ... ، نهى له صلى الله عليه وسلم - عن الغفلة عنهم، بعد أمره يحبس نفسه عليهم. والفعل «تعدد بمعنى تصرف. يقال عداه عن الأمر عدوا إذا صرفه عنه وشغله . أى: أحبس نفسك مع هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه - سبحانه -، ولا تصرف عيناك النظر عنهم، ونتجاوزهم إلى غيرهم من الأغنياء، طمعا فى إسلامهم. فالمراد بإرادة الحياة : الحرص على مجالسة أهل الغنى والجاه حبا فى إيمانهم . وجملة « تريد زينة الحياة الدنيا، فى موضع الحال من الضمير المضاف إليه فى قوله ((عيناك))، وإنما ساغ ذلك لأن المضاف هنا جزء من المضاف إليه. وقوله - تعالى - ((ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكر ناواتبع هواه وكان أمره فرطا، نهى آخر مؤكد لما قبله من حبس نفسه - صلى الله عليه وسلم - على هؤلاء المؤمنين الفقراء ، وعدم صرف نظره عنهم إلى غيرهم من المتغطر سين الأغنياء. ولفرط - بصم الفاء والراء -: مجاوزة الحد ، ونبذ الحق والصواب، وإتباع الباطل والضلال . أى: ولا قطع - أيها الرسول الكريم - فى تنحية المؤمنين الفقراء عن (٥ - سورة الكهف ) ٦٦ سورة الكهف محلك، أقوال أولئك الغافلين عن طاعتنا وعبادتنا لاستحواذ الشيطان عليها، والذين اتبعوا أهواءهم فآثروا الضلال على الرشد، والذين كان أمرهم،فرطا أى: مخالفا للحق, وبجاوزا للصواب، ومؤديا للضياع والخسران. قال ابن جرير - بعد أن ذكر جملة من الأقوال فى معنى قوله - تعالى - : (« فرطاء: وأولى الأقوان فى ذلك بالصواب قول من قال معناه: ضياعا وملاكا. من قولهم: أفرط فلان فى هذا الأمر إفراضاً، إذا أسرف فيه، وتجاوز قدره. وكذلك قوله : « وكان أمره فرطا .. معناه : وكان أمر هذا الذى أغفلنا قلبه عن ذكرنا فى الرباء والكبر واحتقار أهل الإيمان سرفا قد تجاوز حده، فضيع بذلك الحق وهلك)(١). فالآية الكريمة تسوق الناس توجيهاً حكيما فى بيان القيم الحقيقية للناس؛ وهى أنها تتمثل فى الإيمان والتقوى، لا فى الغنى والجاه . . . فالمؤمن الصادق فى إيمانه ، الكريم فى أخلاقه ... هو الذى يحرص على مخالظة أهل الإيمان والتقوى. ولا يمنعه فقرهم من مجالستهم ومصاحبتهم ومؤانستهم والتواضع لهم، والتقدم إليهم بما يسرم ويشرح صدورم ... ولقد ربى النبى - صلى الله عليه وسلم - أصحابه على هذا الخلق الكريم، روى الشيخان عن سهل بن سعد الساعدي قال: مر رجل على النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال الرجل عنده جالس : . ما رأيك فى هذا،؟ فقال: رجل من أشرف الناس، هذا والله حرى إن خطب أن يزوج((إن شفع أن يشقع. فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له -صلى الله عليه وسلم -: (ما رأيك فى هذا، ؟ فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين هذا والله حرى إن خطب لا يزوج وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يسمع لقوله. فقال (١) تفسير ابن جرير جـ ١٥ س ١٥٦، ٦٧ الجزء الخامس عشر رسول الله - صلى الله عليه وسلم : ((هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا ، (١) . ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يجهر بكلمة الحق فى وجوه المستكبرين ، فقال. « وقل الحق من ربكم فمن شاء , فليؤمن ومن شاء فليكفر .... أى: وقل: أيها الرسول - لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا، واتبعوا أهواءهم ، وكان أمرهم فرطا، قل لهم: هذا الذى جئتكم به من قرآن هو الحق من ربكم وخالقكم ... فقوله : الحق من ربكم ، خبر لمبتدأ محذوف . أو أن لفظ ((الحق، مبتدأ، والجار والمجرور خبره. أى: الحق الذى جئتكم به فى هذا القرآن العظيم ، كائن مبدؤه من ربكم ، وليس من أحد سواه . وليس المراد من قولة (( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)) التخيير بين الإيمان والكفر ، بل المراد به التهديد والتخويف، بدليل قوله - تعالى - بعد ذلك: إنا أعتدنا للظالمين نارا ، .. الخ أى : قل لهم جئتكم من ربكم بالحق الذى يجب إتباعه ، فمن شاء أن يؤمن به فليفعل فإن عاقبته الخير والثواب، ومن شاء أن يكفر به فليكفر فإن عاقبته الخسران والعقاب ، کما بین - سبحانه - ذلك فى قوله : « إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها» .. والسرادق: كل ما أحاط بغيره ، كالحائط أو السور الذى يحيط بالبناء، فيمنع من الوصول إلى ما بداخله . (١) رياض الصالحين للإمام النووى ص ١٣١ باب فضل ضعفة المسلمين. ٦٨ سورة الكهف أى: إذا هيأنا وأعددنا للمكافر بن بهذا الحق فارا مهولة عظيمة، أحاط بهم سياجها إحاطة قامة ؛ بحيث لا يستطيعون الخروج منه، وإنما هم محصورون بداخله . كما ينحصر الشىء بداخل ما يحدق به من كل جانب . وقوله: ((وإن يستغيثوا يعانوا بماء كالمهل بدوى الوجوه، بئس الشراب، وساءت مرتفقا، بيان لما ينزل بهم من عذاب عندما يطلبون الغوت ما هم فيه من كروب . والمول فى اللغة: يطلق على ما أذيب من جواهر الأرض، كالحديد، والرصاص، والنحاس، ونحو ذلك كما يطلق - أيضا - على الماء الغليظ. كدردى الزيت أى: ما تعكر منه . وقيل هو نوع من القطر ان أو السم. والمرتفق: المتكا، من الارتفاق وهو الاتكاء على مرفق اليد . أى: أن هؤلاء المكاهرين، إذ يطلبوا الغوث عماهمفيه من كرب وعطش، يغائوا بماء كالمهل فى شدة حرارته وفتنه وسوأده,هذا الماء ,يشوى الوجوه)) أى : بحرقها ... « بئس الشراب، ذلك الماء الذى يضائون به ((وساءت)، النار منز لا ينزلونبه، ومتكأ يتكئون عليه . فالآية الكريمة تصورما ينزل بهؤلاء الظالمين من عذاب، قصويرا نرتجف من هو له الأبدان، ويدخل الرعب والفزع على النفوس. قال بعضهم: فإن قيل، أى إغاثة لهم فى ماء كالمهل مع أنه من أشد العذاب، وكيف قال - سبحانه -،« بقانوا بماء كالمهل؟ فالجواب ، أن هذا من أساليب اللغة العربية التى نزل بها القرآن ونظيره من كلام العرب قول عمرو بن معد يكرب تحية بينهم ضرب وجمع وحيل قد دلفت لها بخيل ٦٩ الجزء الخامس عشر أى: لاحية لهم إلا الضرب الوجيع وإذا كان هؤلاء الظالمون لايفاون إلا بماء كالمهل: علم من ذلك أنهم لا إغاثة لهم مطلقا، (١). والمخصوص بالذم فى قوله: « بقى الشراب وساءت مرتفقا، محذوف، بئس الشراب ذلك الماء الذى يغاثون به ، وساءت النار مكانا الارتفاق والانكا .. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك حسن عاقبة المؤمنين فقال: (( إن الذين آمنوا وعملوا الصالجات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا)). أى: إن الذين آمنوا إيمانا حقا، وقدموا فى دنياهم الأعمال الصالحات، اقتضت سلتنا التى لا تتغير ولا تقبدل أن نرضى عنهم، وأن ندخلهم مدخلا كريما، لأننا لا نضيع أجر من أحسن عملا . ثم بين - سبحانه - ما أعده لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ألوان النعيم فقال: (( أولئك لهم جنات عدن تجرى من تحتهم الأنهار)) .. ولفظ «عدن، بمعنى إقامة لا رحيل بعدها ولا حول. وأصله من عدن فلان بالمكان . إذ أقام به واستقر فيه . أى: أولئك الذين عمروا دنياه بالايمان والعمل الصالح لهم جنات يقيمون فيها إقامة دائمة، تجرى من تحت مساكنهم الأنهار. ((يحلون فيها من أساور من ذهب، والأساور: جمع سوار. وهو نوع من الحلی يلبس بزفد اليد . أى: يلبسون فى تلك الجنات أساور من ذهبً على سبيل التزين والتكريم ولا مانع من أن يضاف إلى هذه الأساور الذهبية، أساور أخرى من فضه، وثالثة من لؤلؤ كما فى قوله - تعالى -: «وحلوا أساور من فضة)(٢). (١) تفسير أضواء البيان حـ ٤ ص ٩٦ (٢) سورة الدهر الآية ٢١ ٧٠ سورة - ٦- وقوله - سبحانه - : ((يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا .. )) (1). وفى الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول - صلى الله عليه وسلم - قال: « تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء)). وقوله ((وبلبسون نيا با خضرا من سندس وإستبرق، معطوف على ماقبله. والسندس : مارق من الحرير واحده سندسة . والاستبرق : ما غلظ منه وثخن، واحده أستبرقة . أى: يتزينون فى الجنات بأساور من ذهب, ويلبسون فيها ثيابا خضراء من رقيق الحرير ومن عليظه . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا ، . والأرائك: جمع أريكه. وهو كل ما يتكأ عليه من سرير أو فراش، أى: متكئين فى الجنات على الأرائك شأن المتنعمين المترفهين ((نعم الثواب) ذلك الذى وعدهم الله - تعالى - به وهو الجنة ((وحسنت، تلك الأرائك فى الجنات (( مرتفقا، . أى: متكأ ومقرا ومجلا ومسكنا . وبذلك ترى الآية الكريمة قد اشتملت على ألوان متعددة من التكريم والثواب لأولئك المؤمنين الذين عمروا دنياهم بالعمل الصالح . فقد بشرهم - سبحانه - بجنات عدن، ثم بشرهم ثانيا بأن الأنهار تجرى من تحتهم ثم بشرهم ثالثا بأنهم يحلون فيها من أساور من ذهب ، ثم بشرهم رابعا بأنهم يلبسون ثيابا خضراً من سندس وإستبرق، ثم بشرهم خامسا، بأنهم يتكئون فى تلك الجنات على الأرائك . (١) سورة الحج الآية ٢٣ ٧١ الجزء الخامس عشر وفى هذه البشارات ما فيها من الحض على المسارعة إلى العمل الصالح، الذى يرفع درجات المؤمن إلى أعلى عليين ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم، نسأل الله - تعالى - أن يرزقنا هذا الفضل ، فهو أكرم مسئول ، وأعظم مأمول. ثم ساقت السورة الكريمة مثلا للنفس الإنسانية المغرورة المتفاخرة بزينة الحياة الدنيا، الجاحدة لنعم الله ... وللنفس الإنسانية المتواضعة، المعتزة بعقيدتها السليمة، الشاكرة لربها ... لكى يكون فى هذا المثل عبرة وعظء لمن كان له قلب ، فقال - تعالى - : ((واضرِبْ لَهُمْ مثلاً رجُلَيْن وجَعَلنَاَ لْأَحَدِهَاَ جِنَّتَيْن من أَعْنَبٍ، وحَفَفَتَاهُمَا بِنَخْلِ وجَعْلْنا بِينَهَمَا زَرْهَا (٣٢) كلتاَ الجِنَّن آنَتْ أُ كلَهَا ولم تظلِمْ مِنْهُ شيئاً وفجّرنا خِلاَلَهُما نهراً (٣٣) وكانّ لهُ ثمرَ، فقالَ لِصَاحبِهِ وهُو يحاوِرُهُ أنا أ كثَرُ مِنْكَ مالاً وأعزُّ نَفَراً (٣٤) ودخل جَنَّهُ وهُو ظالِمٌ لنفسِه قالَ ما أظنّ أنْ تبيد هذه أبداً (٣٥) وما أظنُ الساعةَ قْمةً، ولئنْ رُدِدْتُ إلى ربِّ لْأجِدَنَّ خيراً منها مُنْقلبًا (٣٦)». والمثل فى اللغة: الشيه والنظير ، وهو فى عرف القرآن الكريم: الكلام البليغ المشتمل على تشبيه بديع . وضرب المثل: إيراده، وعبر عن إيراده بالضرب، لشدة مايحدث عنه من التأثير فى نفس السامع. أى: واضرب - أيها الرسول الكريم - مثلا للمؤمنين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ، والكافرين الذين غرنهم الحياة الدنيا ، ليهلك من هلك عن بينة ، ويحي من حى عن بينة . ٧٢ سورة الكهف قال الألوسى: والمراد بالرجلين: إما رجلان مقدران على ماقيل وضرب المثل لا يقتضى وجودهما. وإما رجلان موجودان وهو المعول عليه. فقيل هما رجلان من بنى إسرائيل أحدهما كافر ... والآخر مؤمن. ثم قال: والمراد ضربهما . ثملا للفريقين المؤمنين والكافرين، لا من حيث أحوالهما المستفادة مما ذكر آنفا، من أن المؤمنين فى الآخرة كذا، وللكافرين فيها كذا ، من حيث عصيان الكفرة مع تقلبهم فى نعم الله، وطاعة المؤمنين مع (كابدتهم مشاق الفقر، (١). أى: واضرب لهم مثلا من حيثية العصيان مع النعمه، والطاعة مع الفقر، حال رجلين: ((جعلنا لأحدهما، وهو الكافر ((جنتين، أى: بستانين، ولم يمين - سبحانه - مكانهما، لأنه لم يتعلق بهذا التعيين غرض. ثم بين ما اشتملت عليه هاتان الجنتان من خيرات فقال: ((من أعناب، جمع عقب، والعقبة الحبة منه. والمراد : من كروم متنوعة. وقوله: (( وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا، بيان لما أضيف إلى الجنتين من مناظر تزيدهما بهجة وفائدة. والحف بالشىء: الإحاطة به . يقال: فلان حقه القوم، أى: أحاطوا به، ومنه قوله - تعالى -: ((وترى الملائكة حافين من حول العرش ... » أى: جعلنا لأحد الرجلين ، وهو الكافر منهما جنتين من أعناب، وأحطناهما بنخل ليكون كالحماية النافعة لهما، وجعلنا فى وسطهمازرعا وبذلك تكون الجنتان جاءعتين للأقوات والفواكه، مشتملين على ما من شأنه أن يشرح الصدر ، ويفيد الناس . ثم ذكر - سبحانه - ما يزيد من جودة الجنتين . ومن غزارة خيرهما فقال: (((كلتا الجنتين آ قت أكلها ولم تظلم منه شيئاً، ونجرنا خلالهما نهراء. (١) تفسير الآلوسى = ١٥ ص ٢٧٣. ٧٣ الجزء الخامس عشر أو: أن كل واحدة من الجنتين ((٢ تت أكلها، أى: أعطت ثمارها التى يأكلها الناس من العنب والتمر وغير هما من صنوف الزرع ((ولم تظلم منه شيئاء ولم تنقص من هذا المأكول شيئا فى سائر السنين ، بل كان أكل كل واحدة منهما وأفيا كثيرا فى كل سنة، على خلاف ماجرت به عادة البساتين، فإنها فى الغالب تكثر ثمارها فى أحد الأعوام ونقل فى عام آخر . وفى التصير بكلمة «تظلم، بمعنى تنقص وتمنع، مقابلة بديعة لحال صاحبهما الذى ظلم نفسه بجحوده لنعم الله - تعالى - وإستكباره فى الأرض. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هاتين الجنتين بما يدل على جمال منظرهما، وغزارة عطائهما، وكثرة خيراتهما، وإشتمالطها على ما يزيدهما بهجة ومنفعة .. ثم بين - سبحانه - أن صاحب ماتين الجنتين كافت له أموال أخرى غير هما فقال: (( وكان له ثمر .. )). قال الآلوسي ما ملخصه : ((وكان له، أى: الأحد المذكوروهو صاحب الجنتين. ثمر)) أى أنواع أخرى من المال ... وقرأ ابن عامر وحمزة ٠٠٠, ثُمُر، بضم التاء والميم.، وهو جمع غمار - بكر والكائى . الثاء .... أى: أموال كثيرة من الذهب والفضة والحيوان وغير ذلك، وبذلك فره أن عباس وقتادة وغيرهما ... )، (١) وقوله - سبحانه -: ((فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا)، حكايه لما تفوه به هذا الكافر من ألفاظ تدل على غروره وبطره . والمحاورة: المراجعة للمكلام من جانبين أو أكثر. يقال: تحاور القوم، (١) تفسير الآلوسي جـ ١٥ ص ٢٧٤، - ٧٤ سورة الكهف إذا تراجعوا الكلام فيما بينهم . ويقال: كلته فما أحار إلى جواباً، أى: مارد جوابا ... والنفر : من ينفر - بضم الفاء - مع الرجل من قومه وعشيرته لقتال عدوه . أى: فقال صاحب الجنتين لصاحبه المؤمن الشاكر: أنا أكثر منك.الا وأعز منك عشيرة وحشما وأعوانا . وهذا شأن المطموسين المغرورين، تزيدهم شهوات الدنيا وزينتها ... بطرا وفساداً فى الأرض .. وما أصدق قول قتادة - رضى الله عنه -: ((تلك - واقه - أمنية الفاجر: كثرة المال وعزة النفر، ثم إفتقل صاحب الجنتين من غروره هذا إلى غرور أشد. حكاه القرآن فى قوله: ((ودخل جنته وهو ظالم لنفسه، قال: ما أظن أن تبيد هذه أبدا. وما أظن الساعة، قائمة، ولئن رددت إلى ربى لأجدن خيرا منها منقلبا ،. أى: أن هذا الكافر لم يكتف بتطاوله على صاحبه المؤمن ، بل سار به نحو جنته حتى دخلها وهو ظالم لنفسه بسبب كفره وجحوده وغروره. قال صاحب الكثاف: فإن قلت: فلم أفرد الجنة بعد التقنية ؟ قلت: معناه ودخل ما هو جنته، ماله جنة غيرها: يعنى أنه لانصيب له فى الجنة التى وعدها الله للمؤمنين ، فما ملكه فى الدنيا هو جنته لاغير، ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما . وقوله ((وهو ظالم لنفسه، أى: وهو معجب بما أوتى مفتخر به، كافر لنعمة ربه، معرض بذلك نفسه لسخط الله، وهو أخش الظلم .. ) (١). (١) تفسير الكشاف =٢ ص ٠٤٨٤ ٧٥ الجزء الخامس عشر وقوله: ( قال ما أظن أن تبيد هذه أبداً، أى: قال هذا الكافر لصاحبه: ما أظن أن هذه الجنة تغنى أو نهلك أبدا. يقال: باد الشىء يبيد بيدا وبيودا، إذا هلك وفنى . ثم ختم هذا الكافر محاورته لصاحبه بقوله: ((وما أظن الساعة قائمة. أى : كائنة ومتحققة . فهو قد أفكر البعث وما يترقب علبة من حساب بعد إنكاره لفناء جنته ثم أكد كلامه بحملة قسمية فقال: ((ولئن رددت إلى ربى) أى: والله لئن رددت إلى ربى على سبيل الفرض والتقديرك أخبر تنى يا صاحبى بأن هناك بعثا وحسابا (« لأجدن خيرا منها، أى: من هذه الجنة ,منقلبا) أى: مرجعاً وعاقبه. اسم مكان من الإنقلاب بمعنى الرجوع والانصراف عن الشىء إلى غيره . وشيه بهذه الآية قوله - تعالى -: «أفرأيت الذى كفر بآياتنا وقال لأ و تین مالا وولدا ، . وقوله - سبحانه -: ((وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين ) . والمتدير لحال صاحب الجنتين يراه، - أولا - قد زعم أن مدار التفاعل هو الثروة والعشيرة، وبراه - ثانيا - قد بنى حياته على الغرور والبطر، وإعتقاد الخلود لزينة الحياة الدنيا. ويراه - ثالثاً - قد أفكر البعث والحساب، والثواب والعقاب. ويراه - رابعا - قد توهم أن غناه فى الدنيا سيكون معه مثله فى الآخرة: قال صاحب الكشاف: وأخبر عن نفسه بالشك فى بيدودة جفتة، لطول أمله، واستيلاء الخرص عليه، وتمادى غفلته، وإغتراره بالمهلة، وإطراحه النظر فى عواقب أمثاله، وترك أكثر الأغنياء من المسلمين، وإن لم يطلقوا بمثل هذا ألسنتهم، فإن ألسنة أحوالهم فاضقة به، منادية عليه. ٧٦ سورة الحرف وأقسم على أنه إن رد إلى ربه - على سبيل الفرض والتقدير ـ ايجدن فى الآخرة خيراً من جنته فى الدنيا، تطمعا وتمنيا على الله .. .(١). ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ماقاله الرجل المؤمن لصاحب الجنتين، الذى نطق بأخش ، وأخير الفجور، فقال - تعالى -: ((قالَ لَهُ صاحِبُه وهو يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بالذى خلقَكَ مِنْ تُرَابٍ ، ثم مِنْ نُطْفَةٍ ثم سؤَّكَ رَجُلا (٣٧) لكِنَّا هو اللهَ ربى ولاً أُشْرِكُ بِرَبِى أحداً (٣٨) ولولا إذ دخلتَ جَّتَك قُلتَ ما شاء اللهُ لا قُوَّةَ إلا باللهِ، إِن تَرَنِ أَنا أَفَلَّ مِنْكَ مالاً وولداً (٣٩) فعسَى ربى أنْ يُؤْتَنِ خيراً من جنَّتِك ويُرسِلَ عَلَيها حُسْباناً من السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صعيداً زلَقًا (٤٠) أو يُصْبِحَ ماؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لهُ طَباً (٤١)». أى: قال الرجل الفقير المؤمن، فى رده على صاحبه الجاحد المغرور، منكرا عليه كفره قال له على سبيل المحاورة والمجاوبة: ياهذا وأكفرت)، باله الذى (( خلفك)، بقدرته (( من تراب)). أى: خلق أباك الأول من تراب ، كما قال: « إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم، خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون، (٢). ((ثم من نطفة، أى: خلق أباك آدم من تراب، ثم أوجدك أنت من نطفة عن طريق التناسل والمباشرة بين الذكر والأنثى . ((تم سواك رجلا)، أى: ثم صيرك إنسانا كاملا« ذا صورة جميلة، وهيئة حسنة. كما قال - سبحانه -: ((لقد خلقنا الانسان فى أحسن تقويم)). (١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٠٤٨٤ (٢) سورة آل عمران الآية ٥٨ ٧٧ الجزء الخامس عشر : والاستفهام فى قوله: ((أكفرت .. ، الإنكار والاستبعاد، لأنت خلق الله - تعالى - له من تراب ثم من نطفة، ثم تسويته إياه رجلا ، يقتضى منه الإيمان بهذا الخالق العظيم، وإخلاص العبادة له ، وشكره على نعمائه . قالوا: ولا يستلزم قول صاحب الجنتين قبل ذلك: ((ولئن رددت إلى ربى لأجدن خيرا منها منقلبا،. إنه كان مؤمنا، لأنه قال ذلك على سبيل الفرض والتقدير ، لا على سبيل الاعتقاد واليقين، بدليل تردده فى إمكان قيام الساعة، ولأن اعترافه بوجود الله - تعالى - لا يستلزم الإيمان الحق، فالكفار كانوا يعترفون بأن الله - تعالى - هو الخالق السموات والأرض، ومع هدأ يشركون معه فى العبادة آلهة أخرى . وجاء التعبير بحرف (( ثم)) فى الآية، للاشارة إلى أطوار خلق الإنسان التى فصلها - سبحانه - فى آيات أخرى، منها قوله - تعالى -: (ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين . ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين . ثم خلفنا النطفة علقه ، فخلقنا العلقه مضغة، فخلقنا المضغة عظاما، فكسونا العظام لحما ، ثم أنشأناه خلفا آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين، (١). قم يعلن الرجل الصالح موقفه بشجاعة ووضوح، فيقول لصاحبه صاحب الجنتين : « لكنا هو الله ربى ، ولا أشرك ربى أحدا،. أى: إن كنت أنت با هذا قد كفرت بالله الذى خلقك من تراب ثم من قطعة ثم سواك رجلا، فإنى لست بكافر، ولكنى أنا مؤمن، اعترف له بالعبادة و"طاعة وأقول: هو الله - تعالى - وحده ربى، ولا أشرك معه أحدا من خلفه لا فى الربوبية ، ولا فى الألوهية، ولا فى الذات ولا فى الصفات . (١) سورة المؤمنون الآيات من ١٣ - ١٤ ٧٨ سورة الکړف وقوله - سبحانه - فى هذه الآية، لكنا ... ، أصله: « لكن أنا، أى: لكن أنا أقول هو الله ربى. حذفت همزة (( أنا، وأدغمت نون ((لكن)) فى أون: نا، بعد حذف الهمزة . وجمهور القراءيةر. ون فى الوصل ((لكن) بدون ألف بعد النون المشددة وقرأ أبو عامر فى الوصل (،لكنا، بالألف. أما فى حالة الوقف فقد إتفق الجميع على إثبات الألف. قال صاحب الكشاف: قوله: ((لكناهواه ربى، أصله: لكن أنا، فيذفت الهمزة، وألقيت حر كتها على نون لكن ، فتلاقت النوفان فكان الإدغام ونحوه قول القائل : وترميغنى بالطرف أى أنت مذنب وتقليننى، لكن إياك لا أقلى أى : لكن أنا لا أقلبك. و((هو)، ضمير الشأن: أى: والشأن أن الله ربى: والجملة خبر أنا. والراجع منها إليه ياء الضمير . فإن قلت: هو إستدراك لماذا؟ قلت: لقوله , أكفرت .. ، قال لأخيه أنت كافر بالله، لكنى مؤمن موحد، كما تقول: زيد غائب أكن عمرا حاضر ، (١) ثم أرشده إلى ما كان يجب عليه أن يقوله عند دخوله جنته فقال : ((ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا با قه ... )). قال الامام ابن كثير: هذا تحضيض وحث على ذلك. أى: هلا إذا أعجبتك جنتك حين دخلتها ونظرت إليها ، حمدت الله على ما أنعم به عليك وأعطاك من المال والولد ما لم يعط غيرك وقات ((ماشاء الله لاقوة إلا باقه))، ولهذا قال بعض السلف : من أعجبه شىء من حاله أو ولده أو ماله، فليقل : ما شاء (١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٠٤٨٥ ٧٩ الجزء الخامس عشر الله لا قوة إلا بالله .. وهذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة. وقدروى فيه حديث مرفوع ... فعن أنس - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد فيقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، فيرى فيه آ فه دوى الموت(٤). وقال الآلوسى: وقوله : « ما شاء الله، أى: الأمر ما شاء الله، أو ما شاء الله - تعالى - كان، على أن« ما، موصولة مرفوعة المحل. إما على أنها خير مبتدأ عذوف. أو على أنها مبتدأ محذوف الخير ... وأيما كان فالمراد تحضيضه على الاعتراف بأن جنته وما فيها بمشيئة الله - تعالى - إن شاءأبقاها وإن شاء أبادها، (٢) . وبعد أن حضه على الشكر لله - تعالى -. رد على افتخاره وغروره بقوله- كما حكى القرآن عنه -:• إن ترن أنا أقل منك مالا وولداً . فعسى دبى أن يؤتين خيراً من جنتك . أى: إن ترنى - أيها المغرور - أنا أقل منك فى المال والولد فإنى أرجواقه الذى لا يعجزه شىء، أن يرزفنى ما هو خير من جنتك فى الدنيا والآخرة. ((ويرسل عليها حسباناً من السماء ( أى: عذاباً من جهة السماء كالصواعق والسموم وغيرها ما يشاء الله - تعالى - إرساله عليها من المهلكات التى تذرها قاعا صفصفا . قال صاجب الكشاف: والحسبان مصدر كالغفران والبطلان بمعنى الحساب. أى: ويرسل عليها مقدارا قدره الله وحسبه، وهو الحكم بتخريبها)). «فتصبح» بعد اخضرارها ونضارتها ( صعيدا)، أى: أرضا ( زلقاء أى: ج داء ملساء لا نبات فيها، ولا يثبت عليها قدم. (١) تفسير ابن كثير جي س ٠١٥٤ (٢) تفسير الآلوسي ٠= ١٥ ص ١٢٧٩ ٨٠ سورة الكهف والمراد أنها تصير عديمة النفع من كل شىء حتى من المثى عليها . يقال: مكان زاق ، أى : دحض ، وهو فى الأصل مصدر زلقت رجله نزلق زلنا، ومعناه : الزلل فى المشى لو حل ونحوه ، , أو يصبح ماؤها غورا، أى: غائراً ذاهبا فى الأرض. فالغور مصدر وصف به على سبيل المبالغة وهو بمعنى الفاعل. يقال: غار الماء يغور غورا: أى : سفل فى الارض وذهب فيها . ومنه قوله - تعالى -: «قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا، فمن يأتيكم بما. م ین،. « هلن تستطيع نه طلبا، أى: فلن تستطيع أن تحصل عليه أو تطلبه بابة حيلة من الحيل. لأنه لا يقدر على الاتيان بهذا الماء الفاتر إلا الله - عزوجل -. وإلى هنا نجد أن الرجل المؤمن قد رد على صاحبه الكافر، بما يذكره بمشيئة. وبما يوجهه إلى الأدب الذى يجب أن يتحلى به مع خالقه ورازقه ، وبما يحذره من سوء عاقبة بطره. ، وهكذا الإيمان الحق، يجعل المؤمن يعتز بفقيدته، ويتجه إلى الله وحده الذى تعضو له الجباه، ويرجو منه وحده ما هو خير من بساتين الدنيا وزيقتها. ثم يختتم - سبحانه - هذه القصه ببيان العاقبة السيئة التى حلت بذلك الرجل الجاحد المغرور صاحب الجنتين فيقول . (( وَأَحِيطَ بِشَرِهِ، فَأَصْبَح يُقْلَّبُ كَفَيْه ◌َى ما أنفَقَ فيهاَ وهى خاوية على عُروشِها، ويقولُ باليْتَنِى لم أشْرِكْ بربِى أَحداً (٤٢) ولم تكن لهُ فِئةٌ ينصرونَه من دونِ اللهِ وما كانَ مُنتصِيراً (٤٣) هنالكَ الولايةُ للهِ الحَقِّ خيرٌ ثواباً وخيرٌ عُقْباً (٤٤))).