النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ الجزء الخامس عشر ثم بين - سبحانه - حالة - كلبهم فقال: وكلبهم باسط ذراعيه بالوسيد. والمراد بالوصيد - على (صحيح - فناء الكهف قريبا من الباب، أو هو الباب نفسه . ومنه قول الشاعر: بأرض فضاء لا يسد وصيدها. أى: لا يد بابها. أى: وكلبهم الذى كان معهم فى رحلتهم ماد ذراعيه بباب الكهف حتى لكأنه بحرمهم. ويمنع من الوصول إليهم . وما ذكره بعض المفسرين منا عن اسم الكلب وصفاته، لم تهتم بذكر. لعدم فائدته . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: « لو أطلعت عليهم لوليت منهم فرار وملئت منهم رعباً .. أى: لو عاينتهم وشاهدتهم - أيها المخاطب - لأعرضت بوجهك عنهم من هول ما رأيت . ولملى. قلبك خوفا ورعبا من منظرهم. وقد أخذ العلماء من هذه الآية أحكاماً منها: أن صحبة الأخيار لها مز الفوائد مالها . قال ابن كثير - رحمه الله -. ربض كلبهم على الباب كما جرت به عاد الكلاب وهذا من سجيته وطبيعته حيث يربض بابهم كأنه يحرسهم، وكار جلوسه خارج الباب. لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب - كما ورد فى الصحيح .... وشملت كلبهم بركتهم، فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال ، وهذا فائدة صحبة الأخيار، فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن.(١) وقال القرطبى - رحمه الله - ما ملخصه: قال ابن عطية: وحدثنى أبى قال سمعت أبا الفضل الجوهرى فى جامع مصر يقول على منبر وعظه سنة قس وستين وأربعمائة: إن من أحب أهل الخير قال من بركتهم ، كلب أحب أها فضل وصحبهم فذكره الله فى محكم تنزيله . (١) تفسير ابن كثير جـ ٥ - ٠١٤١ ٤٢ سورة المعرف قلت - أى القرطى - : إذا كان بعض الكلاب قال هذه الدرجة العليا بصحبة وبحالطه الصلحاء والأولياء حتى أخبر الله الله بذلك ته كتابه، فماظك بالمؤمنين المخالطين المحبين للأولياء والصالحين !! بل فى هذا تسلية وأفس للمؤمنين المقصرين عن درجات الكلمات، المحبين للنبى - صلى الله عليه وسلم - وآله خير آل . روى فى الصحيح عن أنس قال: بينا أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم - خارجان من المسحد، فلقينا رجل عندسدة المسجد ، فقال: يا رسول الله. متى الساعة؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما أعددت لها؟ قال: فكان الرجل استكان ثم قال: يا رسول الله، ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة، وأسكنى أحببت الله ورسوله، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((فأنت مع من أحببت)). وفى رواية قال أنس: فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبى - صلى الله عليه وسلم - ((فأنت مع من أحببت)). قال أنس . فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم ، وإن لم أعمل بأعمالهم . قلت: وهذا الذى نمسك به أفس يشمل من المسلمين كل ذى نفس، فلذاك تعلقت أطماعنا بذلك، وإن كنا مقصرين، ورجونا رحمة الرحمن ، وإن ، كنا غير مستأهلين . (٤). ثم حكى - سبحانه - حال هؤلاء الفتية بعد أن أعاد إليهم الحياة، فذكر بعض أقوالهم فيما بينهم فقال - تعالى -: (( وكذلكَ بِمَشَْهُم ليتَسَاءُلُوا بِينَهم ، قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمَ لِبْتُم، قالوا لبْنَاَ يوماً أو بعضَ يومٍ، قَالُوا رَبْكُمْ أَعَلَمُ بما لِنْتُمُ ، فَابَعَثُوا أَحدَ كُمْ (١) تفسير القرطبى : ١٠ - ٠٣٧٢ ٤٣ اجرء الخامس عشر بوَرَقَكُم هذه إلى المدينةِ، فَلْيَنْظُرَ أيُّها أزْكَى طَاءً فْيَأْتِكُم برزْقٍ مِنْهُ ولِيتَطَّفْ، ولا يُشْعِرَنَّ بُكُمْ أَحداً (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهروا عليكُم يَرُْولُ، أو يُعيدُ كُم فى مِلْتِهِمْ، ولن تُفْلِحُوا إذاً أبداً (٢٠) ) وقوله - سبحانه -:. وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم، بيان للعلة التى من أجلها بعث أصحاب الكهف من قومهم الطويل . أى : وكما أنمناهم تلك المدة الطويلة، بمثناهم من قومهم وعدها، ليأل بعضهم بعضا ، وكأنهم قد أحسوا بأن نومهم قد طال. والاقتصار على التساؤل الذى حصل الإيقاظ من أجله، لا يخفى أن يكون هناك أسباب أخرى غيره حصل من أجلها إيقاطهم , وإنما أفرده - سبحانه- بالذكر لاستتباعه الساز الآثار الأخرى . ثم حكى - سبحانه - بعض تساؤلهم فقال: ((قال قائل منهم كم لبنتم، أى. كم مكتتم مستغرقين فى النوم فى هذا الكهف. فأجابه بعضهم بقوله: « لبثنا يوماً، لظنهم أن الشمس قدغربت، فلما رأوها لم تغرب بعد قالوا: « أو بعض يوم. أى: مكتنا نائمين بعض ساعات اليوم. ويصح أن تكون أو للشك. أى قال بعضهم فى الرد على سؤال السائل كم ايثتم. لبثنا فى النوم يوما أو بعض يوم، لأننا لا ندرى على الحقيقة كم مكثنا نا تمين. ثم حكى القرآن أن بعضهم رد علم مقدار مدة قومهم على جهة اليقين إلى الله - تعالى - فقال: «قالوا ربكم أعلم بما لبنتم، أى: ربكم وحده هو العليم بمقدار الزمن الذى قضيتموه نائمين فى هذا الكهف, قال الآلوسى: وهذا رد منهم على الأولين، على أحسن ما يكون من مراعاة حسن الأدب، وبه كما قيل بتحفق التحزب إلى الحزبين المعهودين فيما سبق فى قوله - تعالى - ((لنعلم أى الحزبين، (١). (١) تفسير الآلوسي = ١٥ ٥ ٠٢٢٩ ٤٤ سورة الكهف وقال بعضهم : وقد استدل ابن عباس على أن عدد الفتية سبعة بهده الآية ، لأنه قد قال فى الآية قال قائل منهم وهذا واحد، وقالوا فى جوابه: لبثنا يوما أو بعض يوم وهو جمع وأقله ثلاثة ، ثم قالوا: ربكم أعلم بما لبنتم، وهذا قول جمع آخرين فصاروا سبعة، (١). ثم بين - سبحانه - ما قالوه بعد أن تركوا الحديث فى مسألة الزمن الذى قضوه نائمين فى الكهف فقال - تعالى -: «فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليانكم برزق منه وليتلطف، ولا يشعرن بكم أحداً .. أى: كفوا عن الحديث فى مسألة المدة التى قاموها، عند الله. وابعثوا أحدكم ( بورفكم، ۔ ۔ أى: بدراهمكم المضروبة من الفضه))، (( إلى المدينة . التى يوجد بها الطعام الذى نحن فى حاجة إليه ، والتى هى أقرب مكان إلى الكهف . قالوا: والمراد بها مدينتهم التى كانوا يسكنونها قبل أن يلجأ واإلى الكهف فراراً بدينهم . ((فلينظر أبها أزكى طعاما، أى: ومتى وصل إلى المدينة ، فليتفقد أسواقها، وليتخير أى أطعمتها أحل وأطهر وأجود وأكثر بركة . (( قليا تكم برزق منه وليلطف، أى: فلياتكم بما يسد جوعكم من ذلك الأزكى طعاما، فيكون الضمير فى «منه، الطعام الأزكى. ويصح أن يكون للدراهم المضروبة المعبر عنها((بورقكم، أى: فلياتكم بدلا منها بطعام تأكلونه، وليتلطف، أى: وليتكلف اللطف فى الاستخفاء، والدقة فى استعمال الحيل حال دخوله وخروجه من المشيئة ، حتى لا يعرفه أحد من أهلها . (١) تفسير فتح البيان ج • ص ٥٣٤ ٤٥ الجزء الخامس عشر (( ولا يشعرن بكم أحدا، أى: ولا يفعلن فعلا يؤدى إلى معرفة أحد من أهل المدينة بنا . وقوله: (( إنهم إن يظهروا عليكم يرجموفكم أو يعيدوكم فى ملتهم وان تفلحوا إذاً أبدا، تعليل الأمر والغهى السابقين. أى: قولوا لمن تختارونه لشراء طعامكم من المدينة: عليه أن يتخير أزكى الطعام، وعليه كذلك أن لا يخبر أحدا بأمركم من أهل المدينة، لأنهم (( إن يظهروا عليكم، أى: يطلعوا عليكم. أو يظفروا بكم . وأصل معنى ظهر. أى: صار على ظهر الأرض . ولما كان ما عليها مشاهدا متمكنا منه ، استعمل نارة فى الإطلاع، وقارة فى تظفر والغلبة، وعدی بعلى . («يرجموكم، أى إن يعرفوا مكانكم ، يرجموكم بالحجارة حتى ن،و توا(( أو يعيدوكم فى ملتهم ، الباطلة التى نجاكم الله - تعالى - منها. (((ولن تفلحو إذا أبداً: أى: وإن عدتم إليها بعد إذ تجاكم الله - تعالى - منها ((وعصمكم من أتباعها ((فلن تفلحوا إذا أبدا)) لا فى الدنيا ولا فى الآخرة . وهكذا نجد هاتين الآيتين تصورأن لنا بأسلوب مؤثر بليغ «حال الفتية وثم يتناجون فيها بينهم ، بعد أن استيقظوا من رقادم الطويل. وتراهم فى تناجيهم - بعد أن تركوا الحديث عن المدة التى لبثوها فى قومهم - زام حذرين خائفين ، ولا يدرون أن الأعوام فد كرت . وأن عجلة الزمن قد دارت ، وأن أجيالا قد تعاقبت . وأن مدينتهم التى يعرفونها قد تغيرت معالمها : وأن أعداء هم الكافرين قد زالت دولتهم ثم نمضى السورة الكريمة لتحدثنا عن مشهد آخر من أحوال هؤلاء الفتية. مشهد تتحلى فيه قدرة الله - تعالى - على أبلغ وجه، كما تتجلى فيه حكمته ووحدانيته، استمع إلى القرآن الكريم وهو يحدثنا عن ذلك فيقول : ٤٦ سورة الكهف ١ (( وَكَذَلِكَ أْثَرْنا عَلَيهِمْ لِيَعلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ، أَنَّ السَّاعَةَ لا ريبَ فيها، إذْ يتنازَهُونَ بِنَّهُمْ أَمْرَهُم، فقالوا ابْنُوا عليهمْ بغياً رَبُهُمْ أَعْلَمَ بِهِمْ، قَالَ الذينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِيمٍ لِتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (٢١))). فقوله - سبحانه -: «وكذك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق، وأن الساعة لا ريب فيها، بيان للحكمة التى من أجلها أطلع الله - تعالى - الناس على هؤلاء الفتية . قال الألوسى ما ملخصه: وأصل العثور السقوط للوجه يقال: عثر عثورا وعثارا إذا سقط لوجهه، ومنه قولهم فى المثل: الجواد لا يكاد يعثر . ثم تجوز به فى الاطلاع على أمر من غير طلبه . وقال بعضهم : لما كان كل عائر ينظر إلى موضع عثرته، ورد العثور بمعنى الإطلاع والعرفان، فهو فى ذلك مجاز مشهور بعلاقة السبية. ومفعول , أعثرنا، محذوف لقصد العموم، أى: وكذلك أطلعما الناس عليهم ، (١). والمعنى: وكما أنمناهم تلك المدة الطويلة، وبعثناهم هذا البعث الخاص، أطلعنا الناس عليهم ليعلم هؤلاء الناس عن طريق المعاينه والمشاهدة، أن وعد أنله، بالبعث (( حق)) وصدق، وليعلموا كذلك أن الساعة، أى القيامة، آتية لا ريب فيها ، ولا شك فى حصولها، فإن من شاهد هل الكهف ، وعرف أحو الهم ، أيفن بأن من كان قادراً على إنامتهم لك المدة الطويلة ثم على :منهم بعد ذلك . فهو قادر على إعادة الحياة إلى المونى ، وعلى بعث الناس يوم القيامة الحساب والجزاء . ميه (١) تفسير الألوسى ج ١٤ ص ٢٢٣ ٤٧ الجزء الخامس عشر وقـ ذكروا فى كيفية إطلاع الناس عليهم روايات ملخصها: أن زميلهم الذى أرسلوه بالدراهم إلى السوق ليشترى لهم طعاما عندما وصل إلى سوق المدينة، عمد إلى رجل من يبيع الطعام، فدفع إليه ما معه من نقود لكى بأخذ فى مقابلها طعاما، فلما رأى البائع النقود أذكرها - لأنها مصنوعة منذ زمن بعيد - وأخذ يطلع عليها بقية التجار ، فقالوا له: أين وجدت هذه الدرام؟ فقال لهم: بعت بها أم شيئا من النمر، وأنا من أهل هذه المدينة , وقد خرجت أنا وزملائى إلى الكهف خوفا من إيذاء المشركين لنا فأخذوه إلى ٢٠٠هم وقصوا عليه قصته. فر الملك به، وذهب معه إلى الكهف ليرى بقية زملائه فلما رآهم سلم عليهم .. ثم أمانهم الله - تعالى -،(١). ثم بين - سبحانه - ما كان من أمرهم بعد وفاتهم واختلاف الناس فى شأهم، فقال: إذا يتنازعون بينهم أمرهم، فقالوا ابنوا عليهم.فيانا ربهم أعلم بهم .. والظرف (إذ، متعلق بمحذوف تقديره: اذكر. ويتنازعون من التنازع بمعنى التخاصم والاختلاف، والضمير فى ((أمرهم)) يعود إلى الفتية، والمعنى: لقد قصصنا عليك - أيها الرسول الكريم - قصة هؤلاء الفتية. وبهنالك أحوالهم عند رقادهم، وبعد بعثهم من قومهم، وبعد الاعثار عليهم، وكيف أن الذين عثروا عليم صاروا يتغازدون فى شأنهم. فمنهم من يقول إنهم وجدوا فى زمن كذا ، ومنهم من يقول إنهم مكثوا فى كهفم كذا سنة ، ومنهم من يقول نبنى حولهم بنيانا صفته كذا . ويجوز أن يكون الضمير فى (( أمرهم)) يعود إلى الذين أطلعهم الله على الفتية، فيكون المعنى: اذكر وقت تنازع هؤلاء الذين عثروا على الفتية وتخاصمهم فيما بينهم، حيث إن بعضهم كان مؤمنا. وبعضهم كان كافرا، وبعضهم كان يؤمن يبعث الأرواح والأجساد ، وبعضهم كان يؤمن ببعث الأجساد فقط . (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ١٤٢ ٤٨ سورة الكهف وقوله - تعالى -: (( فقالوا ابنوا عليهم بنيانا، تفسير للمتنازع فيه، وبيان !! قاله بعض الذين اطلعوا على أمر الفتية . أى اختلف الذين عثروا على الفتيه فقال بعضهم : ابنوا على باب كهفهم بنيانا. حتى لا يصل الناس إليهم ، وحتى نصونهم من الأذى . وقوله - تعالى -: «ربهم أعلم بهم، يحتمل أنه حكاية الكلام طائفة ، من المتنازعين فى شأن أصحاب الكهف ، وقد قالوه ليقطعوا النزاع فى شأنهم، وليفوضوا أمرهم إلى الله - تعالى -.. ويحتمل أن يكون من كلام الله - تعالى ردا الخائضين فى شأنهم. أى: اتركوا أيها المتنازعون ما انتم فيه من تنازع، فإنى أعلم منكم بحال أصحاب الكهف . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: « قال الذين غلبوا على أمرهم لتتخذن عليهم مسجدا)). أى: أن الذين أعثرهم الله على أصحاب الكهف قال بعضهم: ابنوا على هؤلاء الفتية بنيانا يسترم .. وقال الذين غلبوا على أمرهم ، وهم أصحاب الكلمة النافذة، والرأى المطاع، لنتخذن على هؤلاء الفتية مسجدا، أى: معبدا تبر كا بهم . قال الألوسى: واستدل بالآية على جواز البناء على قبور للصلحاء ((واتخاذ مسجد عليها، وجواز الصلاة فى ذلك وعمن ذكر ذلك الشهاب المفاجى فى حواشيه على البيضاوى . وهو قول باطل عاطل، فاسد كاسد. فقد روى أحمد وأبو داود والترمذى والنسائي وابن ماجه، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج. وزاد مسلم: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد بانى أنها كم عن ذلك ، . ٤٩ الجزء الخامس عشر وروى الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ... )) (١). ثم حكمت السورة بعد ذلك ما أثير من جدل حول عدد أصحاب الكهف وأمرت النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يكل ذلك إلى الله - تعالى - وحده، فقال - سبحانه -: ((سَيَقولُونَ ثَلاثة رابِعُهُم كَلِبُهُمْ، ويقولُون ◌َخْسَةٌ سادِسُم كَلُهُم، رْماً بالغَيْبِ ويقولُونَ سَبَعَةٌ وثامِنْهُم كَلْبُهُمْ قُلْ رِبِى أَعْلَم ◌ِدَّتِهِم ما يَعْلَهُم إلاَّ قليلٌ ، فَلاَ تُمَرِ فِيهِمْ إلَّ مِراءٍ ظاهِراً، ولا تَسْتَقْتٍ فِيهِمْ مِنْهُم أحداً (٢٢))). أى: سيختلف - الناس فى عدة أصحاب الكهف - أيها الرسول السكريم - فمن الناس من سيقول إن عدتهم ثلاثه رابعهم كلبهم، ومنهم من قول: إنهم خمسة سادسهم كلبهم . فالضمير فى قوله ((سيقولون)) وفى الفعلين بعده. يعود لأولئك الخائضين فى قصة أصحاب الكهف وفى عددهم ، على عهد النبى - صلى الله عليه وسلم -. قال الجمل: قيل إنما أتى بالسين فى هذا لأن الكلام طيا وإدماجا تقديره فإذا أجبتهم عن سؤالهم عن قصة أهل الكهف ، فسلهم عن عددهم فإنهم سيقولون ثلاثة . ولم يأت بها فى بقية الأعمال، لأنها معطوفة على ما فيه لسين فأعطيت حكمه من الاستقبال، (٢). وقال صاحب الكشاف. فإن قلت: لماذا جاء يسين الاستقبال فى الأول دون الآخرين ؟ (١) راجع تفسير الآلوسي ج ١٥ ص ٠٢٣٧ (٢) حاشية الجمل على الجلالين = ٣ من ٠١٦ (٤ - -ورة السكيف ) ٥٠ سورة الكهف قلت: فيه وجهان : أن تدخل الآخرين فى حكم السين ، كما تقول: قد أكرم وأنعم. تريد معنى التوقع فى الفعلي جميعا وأن تريد بيفعل معنى الاستقبال الذى هو صالح له،(١) . وقوله, ثلاثة، خير لمبتدأ محذوف، أى: هم ثلاثة. وقوله . تعالى -: رجا بالغيب، رد على القائلين بأهم ثلاثة رابعهم كلابهم ، وعلى القبائلين بأهم خمسة سادسهم كلبهم . وأصل الرجم: الرمى بالحجارة، والمراد به هنا: القول بالظن والحدس والتخمين بدون دليل أو برهان . قال صاحب الكشاف قوله: رجما بالغيب، أى: رميا بالخبر الخفى وإتيانا به. كقوله ((ويقذفون بالغيب من مكان بعيد، أى: يأتون به. أو وضع الرجم موضع الظن فكافة قيل ظنا بالغيب. لأنهم أكثر وا أن يقولوا: رجم بالظن. مكان قولهم: ظن. حتى لم يبق عندهم فرق بين العبارتين. ألا ترى إلى قول زهير: وما هو عنها بالحديث المرحم .. أى: المظنون، (٢). وقوله: ((رجما، منصوب بفعل مقدر. والباء فى ((بالغيب، للتعديه, أى: يرمون رميا بالخبر الغائب عنهم، والذى لا إطلاع هم على حقيقته، شأنهم فى ذلك شأن من رمى بالحجارة التى لا تصيب المرمى المقصود. ثم حكى - سبحانه - القول الذى هو أقرب الأقوال إلى الصواب فقال: , ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم». أى: وبعض الناس - وهم المؤمنون - يقولون إن عدد أصحاب الكهف سبعة أفراد ونامنهم كلبهم ، (١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٠٤٧٨ (٢) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٠٤٧٨ ٥١ الجزء الخامس عشر قال ابن كثير : - يقول - تعالى - مخبرا عن اختلاف الناس فى عدة أضحاب الكهف. لحكى ثلاثة أقوال ، فدل على أنه لا قائل برابع. ولما ضعف القولين الأولين بقوله: ((رجما بالغيب)). أى: قول بلا علم، كمن يرمى إلى مكان لا يعرفه ,فإنه لا يكاد يصيب، وإذا أصاب فيلا قصد .، ثم حكى الثالث وسكت عليه أو قرره بقوله: (وثامنهم كابهم ، دل على صحته، وأنه هو الواقع فى نفس الأمر)، (١). وقال الألوسى ما ملخصه: والجملة الواقعة بعد العدد فى قوله - تعالى - : (« ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم، فى موضع الصفة له، والواو الداخلة على الجملة الواقعة صفة المنكرة، كما تدخل على الواقعة حالا عن المعرفة فى قولك: جاءتى رجل ومعه آخر، ومررت بزيد وفى يده سيف، ومنه قوله - تعالى -: ((وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم،. وفائدتها توكيد اصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن إقصافه بها أمر قابت مستقر وهى التى أذنت هنا بأن قائلى ما ذكر ، قالوه عن ثبات علم. وطمأنينة نفس، ولم يرجموا بالظن كما رجم غيرهم فهو الحق دون القولين الأولين ... ،(٢) . ثم أمر الله - تعالى - النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يخبر الخائضين فى عدة أصحاب الكهف ، بما يقطع التنازع الذى دار بينهم فقال : ، قل دنى أعلم بعدتهم ، . أى: قل - أيها الرسول الكريم - لمن خاصوا فى عدة أصحاب الكهف: دبي - عز وجل - أقوى علما منكم بعدتهم - أيها المتنازعون، فإنكم إن علمتم عنهم شيئا علما ظنيا. فإن علم دبى بهم هو علم تفصيلى يقينى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها . ثم أثبت - سبحانه - علم عددهم لقليل من الناس فقال: «ما يعلمهم إلا قليل ، أى : ما يعلم أصحاب الكهف إلا عدد قليل من الناس . (٢) تفسير الألوسى =٥ ص ٢٤١ (١) تفسير ابن كثير - ٥ ص ١٥٣ ٥٢ -ورة الكهف ولا تعارض بين هذه الجمله وبين سابقتها، لأن علم هذا العدد القليل من الناس بعدة أصحاب الكهف ، هو علم إجمالى ظنى ... أما علم الله - تعالى- فهو علم تفصيلى يقينى شامل لجميع الأزمنه. فضلا عن أن علم هؤلاء القلة من الناس بعدة أصحاب الكهف ، نابع من إعلام الله - تعالى - لهم عن طريق الوحى كالرسول - صلى الله عليه وسلم- أو من يطلعه الرسول - صلى الله عليه وسلم على عدتهم . قال ابن عباس - رضى الله عنهما -: أنا من أولئك القليل كانوا سبعة. ثم ذكر أسماءهم. ثم نهى الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - عن الجدال المتعمق فى شأنهم، كما نهاه عن استفتاء أحد فى أم هم فقال - تعالى - فلا تمار فيهم إلا مراءا ظاهرا. ولا تستفت فيهم منهم أحدا)). والمراء: هو الجدال والمحاجة فيما فيه مرية، أى: تردد. مأخوذ من مريت الناقة إذا كروت مسح ضرعها للحلب. والاستفتاء: طلب الفتيا من الغير. والفاء فى قوله ((فلا تمار)) للتفريع . أى : إذا كان الشأن كما أخبر ناك عن حال أصحاب الكهف ، فلا نجادل فى أمرهم أحداً من الخائضين فيه إلا جدالا واضحا لا يتجاوز حدود ما قصصناه عليك - أيها الرسول الكريم - ولا تطلب الفتيا فى شأنهم من أحد، لأن ما قصصناه عليك من خبرهم ، يغنيك عن السؤال. وعن طلب الإيضاح من أهل الكتاب أو من غيرهم . ثم نهى الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم عن الإخبار عن فعل شىء فى المستقبل إلا بعد تقديم مشيئة الله - عز وجل - فقال: ((ولا تَقُولَنَّ لشَىْءٍ إِنّى فَاعِلٌ ذلك غداً (٢٣) إلاَّ أَنْ يشاء اللهُ، ٠٣ الجزء الخامس عشر واذكُرْ ربَّكَ إِذَا نَسِبِتَ وَقُلْ عسَى أَنْ يَهْدِينِ رَبِى الأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رشداً (٢٤)» قال القرطى: قال العلماء: عاقب الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - على قوله للكفار حين سألوه عن الروح والفتية وذى القرنين : غدا أخبركم بجواب أسئلتكم، ولم يستثن فى ذلك . فاحتبس الوحى عنه خمسة عشر يوما حتى شق ذلك عليه، وأرجف الكفار به، فنزات عليه هذه السورة مفرجة. وأمر فى هذه الآية ألا يقول فى أمر من الأمور إنى أفعل غدا كذا وكذا ، إلا أن يعلق ذلك بمشيئة الله - عز وجل - حتى لا يكون محققا لحكم الخبر، فإنه إذا قال: لأفعلن ذلك ولم يفعل كان كاذبا، وإذا قال ، لأفعلن ذلك - إن شاء اته - خرج عن أن يكون محققا للخبر عنه ، (!). والمراد بالغد: ما يستقبل من الزمان، ويدخل فيه اليوم الذى يلى اليوم الذى أنت فيه دخولا أوليا. وعبر عما يستقبل من الزمان بالغد للتأكيد. أى: ولا تقوان - أيها الرسول الكريم - لأجل شىء تعزم على فعله فى المستقبل: إنى فاعل ذلك الشىء غدا، إلا وأنت مقرن قولك هذا بمشيئة الله - تعالى - وإذنه، بأن تقول: سأفعل هذا تشى غدا إذن الله ومشيئته، فإن كل حركة من حركاتك - ومن حر كات غيرك - مرهونة بمشيئة الله -تعالى- وإرادته، وما يتعلق بمستقبلك ومستقبل غيرك من شئون، هو فى علم الله - تعالى - وحده . وليس المقصود من الآية الكريمة هى الإنسان عن التفكير فى أمر مستقبله وإنما المقصود نهيه عن الجزم بما سيقع فى المستقبل، لأن ما سيقع علمه عند انه - تعالی - وحده . (١) تفسير القرطبى : ١٠ ص ٣٨٥ ٠٤ سورة الكهف والعاقل من الناس هو الذى يباشر الأسباب التى شرعها الله - تعالى - سواء أكانت هذه الأسباب تتعلق بالماضى أم بالحاضرأم بالمستقبل، ثم يقرن كل ذلك بمشيئة الله - تعالى - وإرادته. فلا يقول: سأفعل غدا كذا وكذا لأننى أعددت العدة لذلك، وإنما يقول : -أفعل غدا كذا وكذا إذا شاء الله - تعالى - ذلك وأراد، وأن يوقن بأر إرادة الله فوق إرادته، وتدبيره - سبحانه - فوق كل تدبير .. وكم من أمور أعد الإنسان لها أسبابها التى تؤدى إلى قضائها .... قم جاءت إرادة الله - تعالى - فغيرت ما أعده ذلك الإنسان، لأنه لم يستشعر عند إعداده للأسباب أن . إرادة الله - تعالى - فوق إرادته،، وأنه - سبحانه - القادر على خرق هذه الأسباب، وخرق ما تؤدى اليه ، ولأنه لم يقل عندما يريد فعله فى المستقبل: إن شاء الله . وقوله: ((وأذكر ربك إذا نسيت، تأكيد لما قبله أى: لا نقولن أفعل غدا إلا ملتبسا بقول: إن شاء انه، وأذكر ربك - سبحانه - إذا نسيت تعليق القول بالمشيئة، أى : عند تذكرك بأنك لم تقرن قولك بمشيئة الله، فات بها . قال الآلوسي: قوله (( وأذكر ربك، أى: مشيئة ربك، فالكلام على حذف مضاف، إذا نسيت، أى: إذا فرط منك نسيان ذلك ثم تذكرته. فهو أمر بالتدارك عند التذكير ... )، (١) . وقال بعض العلماء ما ملخصه: المفسرين فى تفسير قوله - تعالى -: (( وأذكر ربك إذا نسيت)، قولان: الأول. أن هذه الجملة مرتبطة ومتعلقة بما قبلها: والمعنى: إنك إن قلت. (١) تفسير الآلوسي = ١٥ ص ٢٤٩ ٥٥ الجزء الخامس عشر سأفعل غدا كذا ونسيت أن تقول إن شاء الله ، ثم تذكرت بعد ذلك فقل : إن شاء الله . أى: أذكر ربك معلقا على مشيئته ما تقول أنك ستفعله غدا إذا تذكرت بعد النسيان . وهذا القول هو الظاهر، لأنه يدل عليه ما قبله، وهو قوله - تعالى -: , ولا تقولن أشىء أبى فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله، وهو قول الجمهور. الثاني : أن هذه الجملة لا تعلق لها بما قبلها، وأن المعنى : إذا وقع منك النسبان لشىء ما ذكر ربك، لأن النسيان من الشيطان. كما قال - تعالى - عن فتى موسى . ((وما أنافيه إلا الشيطان أن أذكر, .... (١). وعلى هذا القول يكون المراد بالذكر: التسبيح والإستغفار. وعلى الأول المراد به أن نقول: إن شاء الله أو ما يشبه ذلك. والمقصود من هذه الآية الكريمة بيان أن تعليق الأمور بعديده الله - تعالى - هو الذى يجب أن يفعل، لأنه - تعالى - لا يقع شىء إلا بمشيئته فإذا فى المسلم ثم تذكر ، فإنه يقول: إن شاء الله، ليخرح بذلك من عهدة عدم التعليق بالمديئة، وبذلك يكون قد فوض أمره إلى الله - تعالى .. وليس المقصود بها التحلل من يمين قد وقعت، لأن تداركها قد فات بالانفصال ، ولأن الإستثناء المتأخر لا أز له ولا تحل به اليمين . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ، وقل عسى أن يهدين دبي لأقرب من هذا رشدا أى: قدم - أيها الرسول الكريم - مشيئة ربك عند إرادة فعل شىء، وات بها إذا نسيت ذلك عند التذكير ، وقل عسى أن يوفقنى ربى : دينى وبدانى على شوء أقرب فى الهداية والإرشاد من هذا الذى قصصته عليكم من أمر أصحاب الكهف. (١) أضواء البيان حـ ٤ ص ٠٨٧ ٥٦ سورة الكهف قال صاحب الكشاف: وقوله: ((لأقرب من هذا .. )) اسم الإشارة يعود إلى نبأ أصحاب الكهف: ومعناه: لعل الله بؤتين من البينات والحجج على أنى نبى صادق، ما هو أعظم فى الدلالة وأقرب رشدا من نبأ أصحاب الكهف. وقد فعل - سبحانه - ذلك، حيث آتاه من قصص الأنبياء، والإخبار بالغيوب ، ما هو أعظم من ذلك وأذل)،(١). ثم بين - سبحانه على وجه اليقين، المدة التى قضاها أصحاب الكهف راقدين فى كهفهم ، فقال - تعالى -: ((وَلَبِثُوا فِى كَفِهِمْ ثَلاثَمائةٍ سِنِينَ وازدَادُوا نِسْعَا (٢٥) قل اللهُ أَعلمُ بِمَا لَبِثُوا، له غَيْبُ السَّواتِ والأرضِ ، أَبْصِرْ بِهِ وَأَسمِعْ، ما لهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِّ ولا يُشْرِكُ فى حُكْمِهِ أَحداً (٢٦))). أى: أن أصحاب الكهف مكثوا فى كهفهم راقدين ثلاثمائة سنين. وازدادها فوق ذلك تسع سنين . فالآية الكريمة إخبار منه - سبحانه - عن المدة التى لبثها هؤلاء الفتية مضروبا على آذانهم . وقوله : (( قل الله أعلم بما ليثوا، تقرير وتأكيد لكون المدة التى لبثوه! هى ما سبق بيانه فى الآية السابقة : فكأنه - سبحانه - يقول: هذا هو فصل الخطاب فى المدة التى لبثوها وأقدين فى كهفهم، وقد أعلمك الله - تعالى - بذلك - أيها الرسول الكريم-، وما أعلمك به فهو الحق الصحيح الذى لا يحوم حوله شك ، فلا تلتفت إلى غيره من أقوال الخائضين فى أمر هؤلاء الفتية، فإن الله - تعالى - هو الأعلم بحقيقة ذلك . (١) تفسير الكتاب =٢ ص ٤٨٠. ٥٧ الجزء الخامس عشر ويرى بعضهم أن قوله - تعالى -: «ولبثوا فى كهفهم ... ، حكاية الكلام أهل الكتاب فى المدة التى لبثها أهل الكهف قياما فى أهل كيفهم،: أن قوله(قل الله أعلم بما لبقوا، الرد عليهم. وقد حكى الإمام إبن كثير القولين، ورجح الأول منهما فقال: هذا خير من الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بمقدار ما لبث أصحاب الكهف فى كهفهم ، منذ أن أرقدهم الله إلى أن بعثهم وأعثر عليهم أهل ذلك الزمان. كان مقداره ثلاثمائة سنين وتسع سنين بالهلاليتين وهى ثلاثمائه سنة بالشمسية، فإن تفاوت ما بين كل ماته سنة بالقمرية إلى الشمسيه ثلاث سنين . فلهذا قال بعد الثلاثمائة ((وإزدادوا تسما)). وقال قتادة فى قوله : . ولبثوا فى كهفهم .... وهذا قول أهل الكتاب وقد رده الله - تعالى - بقوله: ((قل أنه أعلم بما لبثوا)). وفى هذا الذى قاله قتادة نظر ، فان الذى بأيدى أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة من غير تسع، ولو كان الله - تعالى - قد حكى فولهم لما قال : ((واز دادوا تسعا))، وظاهر الآيه أنه خبر عن الله لا حكاية عنهم .... (١). وقوله - تعالى -: ((له غيب السموات والأرض)) تأكيد لاختصاصه . عز وجل - بعلم المدة التى لبثوها، أى: له - سبحانه - وحده علم ما خفى وغاب من أحوال السموات والأرض، وأحوال أهلهما، كما قال - تعالى -: ((إن الله لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا في السماء .. وقوله - سبحانه -: ((أبصر به وأسمع، صيغتا تعجب: أى: ما أبصره وما أسمعه - تعالى - والمراد أنه - سبحانه - لا يغيب عن بصره وسمعه شوء. وجاءت هذه الجملة الكريمة بصيغة التعجب، للدلالة على أن أمره - تعالى- فى الإدراك خارج عما عليه إدراك المبصرين والسامعين. إذ لا يحجبه شىء، ولا يتفاوت عنده لطيف وكثيف ، وصغير وكبير ، وجلى وخفى . تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٠١٤٦ ٠٨ سورة الكهف ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ((ما لهم من دونه من ولى ولا يشرك فى حكمه أحدا،. أى: أيس لأهل السموات ولا لأهل الأرض ولا اغير مما غير الله - تعالى- نصير بنصرهم، أو ولى يلى أمرهم. ولا يشرك - سبحانه - فى حكمه أو قضائه أحدا كائنا من كان من خلقه . كما قال - تعالى ـ((ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين, . هذا، وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات مسائل منها. ( ١) مكان الكهف الذى لجأ إليه هؤلاء الفتية، والزمن الذى ظهر وافيه. أما مكان الكهف فللعلماء فيه أقوال: من أشهرها أنه كان بالقرب من مدينة تسمى « أفسوس، وهى من مدن تركيا الآن، قالوا إنها تبعد عن مدينة ((إزمير) بجو لى أربعين ميلا. وتعرف الآن باسم: ((أيازبوك)). وقيل: إنه كان ببلدة تدعى « أبسس، - بفتح الهمزة وسكون الباء وضم السين - وهذه البلدة من ثغور، طرسوس» بين مدينة حلب بسوريا، وبلاد أرمينية وأنطاكية . وقيل: إنه كان ببلدة تسمى «بتراء، بين خليج العقبة وفلسطين ... إلى غير ذلك من الأقوال الكثيرة، التى لا نرى داعيا لذكرها، لقلة فائدتها. وأما الزمن الذى ظهروا فيه ، فيرى كثير من المفسرين أنه كار فى القرن الثالث الميلادى فى عهد الإمبراطور الرومانى (دقيانوس، الذى كان يحمل الناس حملا على عبادة الأصنام ، ويعذب من يخالف ذلك. (ب) العبر والعظات والأحكام التى تؤخذ من هذه القصة. ومن أهمها : ١ - إثبات صدق الرسول - صلى الله علية وسلم - فيما يبلغه عن ربه، حيث أخبر - عن طريق ما أوحاه الله إليه من قرآن - عن قصة هؤلاء الفتية، وبين وجه الحق فى شأنهم ورد على ١٠ خاضه الخائضون فى أمرم ((وصدق الله إذ يقول: (( نحن نقص عليك نبأهم بالحق ... )). ٥٩ الجزء الخامس عشر ٢ - الكشف عن جانب من بلاغة القرآن الكريم فى قصصه، حيث ساق هذه القصة محملة فى الآيات الأربع الأولى منها ثم ساقها مفصلة بعد ذلك تفصيلا حكيما. وفى ذلك ما فيه من تمكن أحداثها وهداياتها فى القلوب . والمرشد العاقل هو الذى ينتفع بهذا الأسلوب القرآنى فى وعظه وإرشاده . ٣ - بيان أن الإيمان متى استقر فى القلوب ، مان كل شىء فى سبيله. فهؤلاء الفتية آثروا الفرار بدينهم، على البقاء فى أوطانهم، لكى تسلم لهم عقيدتهم ... فهم كما قال - سبحانه - فى شأنهم: ((إهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ، . 2 - بيان أن على المؤمن أن يلجأ إلى الله بالدعاء - لا سيما عند الشدائد والكروب - وأنه متى اتقى الله - تعالى - وأطاعه، جعل له - سبحانه -منكل ضيق فرجا، ومن كل هم مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب، وصافه من السوء. فهؤلاء الفتيه عندما لجأوا إلى الكهف، تضرعوا إلى الله بقولهم: ((ربنا أننا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا رشدا)). فأجاب الله دعاءهم، حيث ضرب على آذانهم فى الكهف سنين عددا، وجعل الشمس لا تصل إليهم مع أنهم فى جوة من الكهف . وصان أجسادهم من البلى والتعفن بأن قلبهم ذات اليمين وذات الشمال، وأنام كابهم بعتبة باب الكهف حتى لكأنه حارس لهم: وألقى الهيبة عليهم بحيث لو رآه الرائى لولى منهم فرارا. ولإلى قلبه رعبا من منظرهم . وسخر أصحاب النفوذ والقوة للدفاع عنهم. وللتعبير عن تكريمهم هم بقولهم: ((لنتخذن عليهم مسجدا،. • - بيان أن التفكير السليم. المصحوب بالنية الطيبه. والعزيمة الصادقة، ٦٠ سورة الكهف يؤدى إلى الاهتداء إلى الحق، وأن القلوب النقية الطاهرة تتعاون على آبر والتقوى لا على الإثم والعدوان. وأن فضح الباطل والكشف عن زيفه .. دليل على سلامة اليقين . فهؤلاء الفتية اجتمعوا على الحق، وربط الله على قلوبهم إذاقامواللوقوف فى وجه الباطل ، وهداهم تفكيرهم السليم، إلى أن المستحق للعبادة هو ربهم رب السموات والأرض ، وأن من يعبد غيره يكون قد افترى على الله كذبا ... وإن اعتزال الكفر. يوصل إلى نشر الرحمة، والظفر بالسداد والتوفيق. ولذا قواموا فيما بينهم بقولهم: فأدوا إلى الكف ينشر لكمربكم من رحمته ، ويهى. لكم من أمركم مرفقا». ٦ - بيان أن مباشرة الأسباب المشروعة لا تنافى التوكل على الله. فهؤلاء الفتية عندما خرجوا من ديارهم ، أخذوا بعض النقود. وبعد بعثهم من رقادهم أرسلوا أحدهم إلى المدينة ليحضر لهم طعاما طاهرا حلالا، وأوصوه بالتلطف فى أخذه وعطائه وبكتمان أمره وأمرهم حتى لا يعرف الأعداء مكاهـ. وهكذا العقلاء، لا يمنعهم توكلهم على الله - تعالى -من أخذ الحيطة والحذر فى كل شئونهم التى تستدعى ذلك . ٧ - إقامة أوضح الأدلة وأعظمها على أن البعث حق. لقد أطلع الله - تعالى - الناس على هؤلاء الفتية، ليوقنوا بأنه - سبحانه - قادر على إحياء الموتى ... لأن من يقدر على بعث الراقدين من رقادهم بعد مئات الغين، فهو قادر على إحياء الموتى يوم القيامة. ٨ - بيان أن من الواجب على المؤمن إذا أراد فعل شىء أن يقرن ذلك بمشيئة الله - تعالى -، لأنه - سبحانه - بيده الأمر كله، وصدق الله إذ يقول: , ولا تقوان لشىء إنى فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله» !