النص المفهرس
صفحات 1-20
التفسير الوسيط للقرآن الكريم تفسّيْ سُورة الكُهُفْ وكتوب محمد سيد طنطاوي مفتى جمهورية معد لهرواية الجزء الخامس عشر الطبعة الثالثة ١٤٠٨ ٥ - ١٩٨٧ م حقوق الطبع محفوظة للمؤلف مَطْبَعَة السَّعَاءة ميدان أحمد ماهر- شارع أحداوى رقم ١٢ ٦ تليفون س.ت ١١٩٩٧٠/٩٠٧٣٧٩ مقَدمَة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين . وبعد: فقد كان من فضل الله -عز وجل- على، أن أعارتى جامعة الأزهر إلى قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. وقد امتدت هذه الإعارة لمدة أربع سنوات، من سنة ١٤٠٠ إلى ١٤٠٤هـ ١٩٨٠ - ١٩٨٤ م . وقد وفقنى الله - تعالى - خلال هذه المدة، أن أكتب - وأنا فى الجوار الطيب- تفسيراً محرراً ونافعاً - إن شاء اللهلسور: يونس، وهود، ويوسف، والرعد ، وإبراهيم، والحجر، والنحل، والإسراء ... وهأنذا - وأنا فى الأشهر الأخيرة من الإعارة - انتهى من كتابة تفسير سورة الكهف . أسأل الله - تعالى - أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، ونافعا لعباده، وأن يعيدنى على خدمة كتابه الكريم ، وعلى السير فى تفسيره حتى النهاية ، وأن يزبل من طريقى كل عقبه تمنعنى من ذلك . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ المدينة المنورة - مساء الخميس ١٨ من رجب سنة ١٤٠٤هـ. ١٩ من إبريل سنة ١٩٨٤ م د / محمد سيد طنطاوى مفق جمهورية مصر العربية تمهيد سورة الكهف هى السورة الثامنة عشرة فى ترتيب سور المصحف، فقد سبقتها فى الترتيب سور: الفاتحة، والبقرة، وآل عمران ٠٠٠ الخ. أما ترتيبها فى النزول ، فهى السورة الثامنة والستون ، فقد ذكر قبلها صاحب الاتقان سبعا وستين سورة، كما ذكر أن نزولها كان بعد سورة الغاشية(١). وما ذكره صاحب الاتقان يترجح لدينا ، أن سورة الكهف من أواخر السور المكية التى نزلت على النبى - صلى الله عليه وسلم - قبل الهجرة، إذ من المعروف عند العلماء أن السور المكية زهاء ثنتين وثمانين سورة. قال الآلوسي : سورة الكهف، ويقال لها سورة أصحاب الكهف ... وهى مكية كلها فى المشهور، وإختاره الدانى ... وعدها بعضهم من السور التى نزلت جملة واحدة . وقيل مكيه إلا قوله - تعالى - ((واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ... ، الآية. وقيل هى مكية إلا أولها إلى قوله - تعالى - ((جرزا)، وقيل: مكية إلا قوله - تعالى - ((إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا ... إلى آخر السورة . وهى مائة وإحدى عشرة آية عند البصريين ، ومائة وعشرة آيات عند الكوفيين ... ))(٢) . والذى تطمئن إليه النفس أن سورةالكهف كلها مكية، وقد ذكر ذلك دون أن يستثنى منها شيئا الإمام ابن كثير، والزمخشرى، وأبو حيان، وغيرهم، (١) الاتقان فى علوم القرآن ج ١ ص ٢٧ السيوطى. (٢) تفسير الآلوسي ج ١٥ ص ١٩٩. - ٦ - وفضلا عن ذلك فالذين قالوا بأن فيها آبات مدنية، لم يأتوا بما يدل على صحة قولهم ، كماسيتبين لنا عند تفسير الآيات التى قيل بأنها مدينة. ٢ - وقد صدر الامام ابن كثير تفسيره لهذه السورة، بذكر الأحاديث التى وردت فى فضلها فقال ماملخصه: ذكر ماورد فى فضلها، والعشر الآيات من أولها وآخرها ، وأنها عصمة من الدجال . قال الامام أحمد : حدثنا يزيد، أخبرنا همام بن يحيى ، عن قتادة ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن معدان بن أبي طلحة ، عن أبى الدرداء عن النى - صلى الله عليه وسلم - قال: من حفظ عشر آيات من سورة الكهف، عصم من الدجال . وفى رواية عن أبى الدرداء، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - : من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال . وأخرج الحاكم عن أبى سعيد الخدرى، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من قرأ سورة الكهف فى يوم الجمعة ، أضاء له النور مابينه وبين الجمعتين(١). ٣ - عرض إجمالى اسورة الكهف : (١) عندما نقرأ سورة الكهف، نراها فى مطلعها تفتتح بالثناء على الله - تعالى - وبالتنويه بشأن النبى - صلى الله عليه وسلم - وبالقرآن الذى نزل عليه ثم تنذر الذين نسبوا إلى الله - عز وجل - ما لا يليق به ، وتصمهم بأقبح ألوان الكذب ، ثم تنهى النبى - صلى الله عليه وسلم - عن التأسف عليهم، بسبب إصرارهم على كفرهم . قال - تعالى -: الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قما لينذر بأسا شديداً من لدنه، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسنا . ما كتين فيه أبدا. وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا مالهم به من علم ولا لآبائهم ، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا .. (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٥ س ٣٠) طبعة دار الشعب. - ٧ - ثم ساقت السورة بعد ذلك فيما يقرب من عشرين آية قصة أصحاب الكهف، فحكت أقوالهم عندما التجأوا إلى الكهف، وعندما استقروا فيه واتخذوه مأوى لهم، كما حكت جانبا من رعاية الله، تعالى، لهم، ورحمته بهم .... ثم صورت أحوالهم وهم رقود، وذكرت تساؤلهم فيما بينهم بعد أن بعثهم الله - تعالى - من رقادهم الطويل، وإرسالهم أحدهم إلى المدينة لإحضار بعض الأطعمة وإطلاع الناس عليهم. وتنازعهم فى أمرهم، ونهى الله - تعالى - عن الجدال فى شأنهم . كما ذكرت المدة متى لبنوها فى كهفهم . قال - تعالى - ولبثوا فى كهفهم ثلاثمائة سنين وإزدادوا تسعا. قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السموات والأرض . أبصر به وأسمع مالهم من دونه من ولى ، ولا يشرك فى حكمه أحداً . (حـ) ثم أمرت السورة الكريمة النبى - صلى الله عليه وسلم -برعاية الفقراء من أصحابه، ومدحتهم بأنهم يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ... كما أمرته بأن يجهر بكلمة الحق، فمن شاء بعد ذلك فليؤمن ومن شاء فلكفر، فإن الله - تعالى - قد أعد لكل فريق ما يستحقه من ثواب أو عقاب. قال - تعالى - وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر، إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها، وإن يستغيثوا بغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا. (د) ثم ضربت السورة الكريمة مثلا للشاكرين والجاحدين، وصورت بأسلوب بليغ مؤثر تلك المحاورة الرائعة التى دات بين صاحب الجنتين الغنى المغرور ، وبين صديقه الفقير المؤمن الشكور ، وختمت هذه المحاورة ببيان العاقبة السيئة لهذا الجاهل الجاحد . استمع إلى القرآن وهو يبين ذلك بأسلوبه فيقول، وأحيط بثمره،فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهى خاوية على عروشها، ويقول : يا ليتنى لم أشرك بربى أحدا ولم تكن له فتة بنصرونه من دون الله وما كان منتصرا. - ٨ - (٥) ثم أتبعت السورة هذا المثل لارجلين، بمثال آخر لزوال الحياة الدنيا وزينتها، وببيان أحوال الناس يوم القيامة، وأحوال المجرمين عندما يرون هحائف أعمالهم وقد خلت من كل خير . قال - تعالى -: وأضرب لهم مثل الحياة الدنيا كما أنزلناه من السماء، فاختلط به نبات الأرض، فأصبح هشيما تذروه الرياح. وكان ألقه على كل شىء مقتدرا . المال والبنون زينة الحياة الدنيا، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا. ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرة أم فلم تغادر منهم أحدا . (و) وبعدأن ذكرت السورة الكريمة طرفامن قصة آدم وإبليس، وبينت أن هذا القرآن قد صرف الله فيه الناس من كل شر، وحددت وظيفة المرسلين عليهم الصلاة والسلام. بعد كل ذلك ساقت فى أكثر من عشرين آية قصة موسى مع الخضر - عليهما السلام - وحكت مادار بينهما من محاورات .. أنتهت بأن قال الحضر لموسى: ((وما فعلته عن أمرى، ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا. (ز) ثم جاءت بعد قصة موسى والخضر، عليهما السلام، قصة ذى القرنين فى ست عشرة آية، بين الله، تعالى، فها جانبا من النعم التى أنعم بها على ذى القرنين ، ومن الأعمال العظيمة التى مكنه - سبحانه - من القيام بها. قال - تعالى - «حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهونقولا . قالوا ياذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون فى الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا . قال مامكنى فيه ربى خير فأعينونى بقوة أجعل بينكموبينهم ردما .. (ح) ثم ختمت السورة الكريمة ببيان ما أعده - سبحانه - للكافرين من. سوء العذاب وما أعده للمؤمنين من جزيل الثواب ، وبيان مظاهر قدرته، - عزوجل - التى توجب على كل عاقل أن يخلص له العبادة والطاعة. ١٠- قال - تعالى -: قل هل نقيئكم بالأخسرين أعمالا . الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقاته خبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا . ذلك جزاؤهم بما كفروا واتخذوا آياتى ورسلى هزوا. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا. خالدين فيها لا يبغون عنها حولا . قل لو كان البحر مدادا لمكالمات ربى لنقد البحر قبل أن تنفد كلمات دبى ، ولوجئنا بعدله مددا. قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى إنما إلهكم إله واحد. فمن كان يرجو! لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا. ٤ - وبعد: فهذا عرض إجمالى لأهم الموضوعات التى اشتملت عليها سورة الكهف ، ومن هذا العرض نرى : (١) أن القصص قد اشتمل على جانب كبير من آياتها ، ففى أوائلها نرى قصة أصحاب الكهف، وبعدها قصة الرجلين اللذين جعل الله لأحدهما جنتين من أعناب. ثم بعد ذلك جاء طرف من قصة آدم وإبليس، ثم جاءت قصة موسى والخضر - عليهما السلام - ثم ختمت بقصة ذى القرنين : وقد وردت هذه القصص فى أكثر من سبعين آية ، من سورة الكهف المشتملة على عشر آيات بعد المائة . (ب) اهتمت السورة الكريمة بإقامة الأدلة على وحدانية الله - تعالى- وعلى صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عنه، وعلى إثبات أن هذا القرآن من عنده - تعالى . نرى ذلك فى أمثال قوله - تعالى - ,الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. فيما لينذر بأسا شديدا من لدنه)). وقوله - تعالى -: قل إنما بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد. وفى غير ذلك من الآيات التى حكت لنا تلك القصص المتعددة . 1 - ١٠ - (جـ) برز فى السورة عنصر الموارنة والمقارنة بين حسن عاقية الأخيار وسوء عاقية الأشرار ، ثرى ذلك فى قصة أصحاب الكهف وفى قصة الرجلين وفى قصة ذى القرنين ... وفى الآيات ى ذكرت الكافرين وسوء مصير هم، ثم أعقبت ذلك يذكر المؤمنين وحسن مصيرهم كما برز فيها عنصر القسلية للرسول -صلى الله عليه وسلم- والتهوين من شأن أعدائه, فلملك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ، كما برز فيها التصوير المؤثر لأهوال يوم القيامة كما فى قوله - تعالى - : ((ويوم فسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ... والخلاصة: أن سورة الكهف قد -- اقت - بأسلوبها البليغ الذى يغلب عليه الدعوة الصحيحة ، وإلى السلوك القويم، وإلى الخلق الكريم، وإلى التفكير السليم الذى يهدى إلى الرشد، وإلى كل ما يوصل إلى السعادة فى الدنياو الآخرة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ التفسير قال - تعالى -: ((الحمدُ ◌ِهِ الذِى أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِه الكِتَابَ وَلَمَّ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً(١) قَيّاً لِنْذِرَ بِأَمَاً شديداً مِنْ لُنْهُ، وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعمِلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَمْ أَجْراً حسناً(٢) ما كثِينَ فيه أبداً (٣) ويُنْذِرَ الذينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ ولداً (٤) ما لَهَمْ بهِ عِلْمِ ولاَ لَابْهِمْ، كَبُرَتْ كلمةً تَخْرُجُ مِنْ أفواهِهِمْ، إنْ يقولُونَ إلاَّ كَذِبًا (٥) فلمَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إنْ لم يُؤْمِنُوا بِهِذَا الْحَدِيثِ أسّفاً (٦) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرضِ زِينةً لها، لِنَبْلُوَهُمْ أَيُهم أحسنُ عملاً (٧) وإنَّا لجَاعِلُونَ ما عَلَيْهَاَ صَعِيداً جُرُزاً (٨))). سورة الكهف هى إحدى السور الخمس ، التى افتتحت بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دين، وهى أن المستحق للحمد المطلق، والثناء التام ((والله رب العالمين . والسور الأربع الأخرى التى افتتحت بقوله - تعالى -: (الحمد لله، هى: الفاتحة، والأنعام ، وسبأ، وفاطر . وقد بينا عند تفسيرنالسورة الأنعام، أن هذه السور وإن كانت قد اشتركت فى هذا الافتتاح ، إلا أن لكل سورة طريقتها فى بيان الأسباب ١٢ سورة الكهف التى من شأنها أن تقنع الناس، بأن المستحق للحمد المطلق هو الله - تعالى - وحده(١) . والحمد : هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن إختيار من نعمة أو غيرها. وأى فى ((الحمد، للاستغراق. بمعنى أن المستحق لجميع المحامد، ولكافة ألوان الثناء، هو الله - تعالى -. وإنما كان الحمد مقصورا فى الحقيقة على الله - تعالى -، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه، ومرجعه إليه؛ إذ هو الخالق لكل شىء، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، فهو فى الحقيقة حمد لله ، لأنه - سبحانه - هو الذى وفقهم لذلك، وأعانهم عليه. وقد بين بعض المفسرين الحكمة فى إفتتاح بعض السور بلفظ الحمد دون المدح أو الشكر فقال ما ملخصه: «اعلم أن المدح أعم من الحمد، وأن الحمد أعم من الشكر، أما بيان أن المدح أعم من الحمد، «لأن المنح يحصل العاقل ولغير العاقل ، فقد يمدح الرجل لعقله ، ويمدح اللؤلؤ لحسن شكله . وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار ، على ما يصدر منه من الانعام، فثبت أن المدح أعم من الحمد . وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر، ولأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ماصدر عنه من الأنعام، سواء اكان ذلك الانعام واصلا إليك أو إلى غيرك، وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك وحدك، فثبت أن الحمد أعم من الشكر. وكان قوله( الحمدلله، تصريحا بأن المؤثر فى وجود العالم هو الفاعل المختار، الذى وصلت نعمه إلى جميع خلقهم ، لا إلى بعضهم ... ،(٢) (١) راجع تفسيرنا لسورة الأنعام ص ٣٩. (٢) راجع تفسير الفخر الرازى الأول سورة الأنعام = ٤ ص ٣. طبعة المطبعة الشرقية سنة ١٣٢٤ه. ١٣ الجزء الخامس عشر وقوله: «الذى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. فيما ... )) بيان للأسباب التى توجب على الناس أن يجعلوا حمدهم وعبادتهم الله - تعالى - وحده، إذ الوصف بالموصول ، يشعر بعلية ما فى حيز الصلة لما قبله . والعوج - بكسر العين - أكثر ما يكون إستعمالا فى المعانى، تقول، هذا کلام لاءو ج فیه . أی : لا میل فيه . أما العوج - بفتح العين - فأكثر ما يكون إستعمالا فى الأعيان تقول : هذا حائط فيه عوج . وقوله: ((قيما)) أى: مستقيما معتدلا لا ميل فيه ولا زيغ وهما - أى: عوجا قيما - حالان من الكتاب ويصح أن يكون قوله, فيما، منصوبا بفعل محذوف أى : جعله قيما . والمعنى: الحمد الكامل، والثناء الدائم ، لله - تعالى - وحده. الذى أنزل على عبده محمد - صلى الله عليه وسلم - القرآن الكريم، ولم يجعل فيه شيئا من العوج أو الاختلاف أو التناقض، لا فى لفظه، ولا فى معناه، وإنما جعله فى أسمى درجات الاستقامة والإحكام . وإنما أمر الله - تعالى - الناس بأن يحمدوه لإنزال الكتاب على عبده محمد - صلى الله عليه وسلم - لأن فى هذا الكتاب من الهدايات مايخرجهم من الظلمات إلى النور ، وما يسعدهم فى دينهم ودنياه وآخرتهم . وفى التعبير عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالعبد، مضافاً إلى ضميره - تعالى -، تعظيم وتشريف له - صلى الله عليه وسلم - وإشعار بأنه مهما سمت منزلته، وعلت مكانته «فهو عبد الله - تعالى -، وأن الذين عبدوا أو أشركوا مع الله - تعالى - بعض مخلوقاته، قد ضلوا ضلالا بعيدا. والتعبير عن القرآن الكريم بالكتاب، إشارة إلى كماله وشهرته، أى : أنزل - سبحانه - على عبده محمد - صلى الله عليه وسلم - الكتاب الكامل فى ١٤ سورة الكهف بابه، الغنى عن التعريف، الحقيق بإختصاص هذا الإسم به، المعروف بهذا الاسم من بين سائر الكتب . والمراد به إما جميع القرآن الكريم سواء منه ما نزل فعلا وماهو مترقب النزول، وإما ما نزل منه فقط حتى نزول هذه الآية فيكون من باب التعبير عن البعض بالمكل تحقيقا للنزول للجميع . وجاء لفظ (( عوجا، بصيغة التفكير ، ليشمل الشهى جميع أنواع الميل والموج، إذ الفكرة فى سياق النفى تعم. أى: لم يجعل له - سبحانه - أى شى. من الموج. وقوله: (قيما، تأكيد فى المعنى لقوله - سبحانه -:. ولم يجعل له عوجاء لأنه قد يكون الشىء مستقيما فى الظاهر، إلا أنه لا يخلو عن أعوجاج فى حقيقة الأمر، ولذا جمع - سبحانه - بين ففى الموج، وإثبات الاستقامة. قال صاحب الكشاف : فإن قلت: ما فائدة الجمع بين ففى العوج وإثبات الاستقامة ، وفى أحدهما غنى عن الآخر ؟ قت: فائدته التأكيد، فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة، ولا يخلومن أدبى عوج عند السبر والتصفح. وقيل: قيما على سائر الكتب ، مصدقا لما ، شاهدا بصحتها . وقيل: فيما بمصالح العباد وما لابد لهم منه من الشرائع (١). وشبيه بهذه الآية فى مدح القرآن الكريم قوله - تعالى -: «كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، (٢). وقوله - سبحانه - ٠ ((إن القرآن هدى للنى هى أنوم ... )) (٢). (١) تفسير الكشاف جـ ٣ سن ٠٤٧٢ (٢) سورة إبراهيم الآية ٢. (٣) سورة الإسراء الآية ٩. ١٥ جزء الخامس عشر وقوله - عز وجل: ((ولقد ضربنا للناس فى هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون. قرآنا عربيا غير ذى موج لعلهم يتقون)) (١). وقوله - تعالى -: « أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوافيه إختلافا كثيرا ، (٢). ثم شرع .. سبحانه. فى بيان وظيفة القرآن الكريم ، بعد وصفه بالاستقامة والاحكام، فقال: (( لينذر بأسا شديدا من لدنه ... )). والانذار : الاعلام المقترن بتخويف وتمديد، فكل إنذار إعلام، ولبس كل إعلام إنذارا. واللام فى قوله (( لينذر)) متعلقة بأنزل، والبأس: العذاب، وهو المفعول الثانى للفعل ينذر ، ومفعول الأول محذوف . والمعنى: أنزل - سبحانه - على عبده الكتاب حالة كونه لم يجعل لهعوجا بل جعله مستقيما، لينذر الذير كفروا عذابا شديدا، صادرا من عنده - تعالى : و التعبیر بقوله « من لدنه ، يشعر بأنه عذاب ليس له دافع، لأنهمنعند اللّه تعالى - القاهر فوق عباده. أما وظيفة القرآن بالنسبة للمؤمنين ، فقد بينها - سبحانه - بعد ذلك فى قوله: ( ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات. أن لهم أجراً حسنا. ما كثين فيه أبدا ، أى: أنزل الله هذا القرآن، ليخوف به الكافرين من عذابه، وليبشر به المؤمنين الذين يعملون الأعمال الصالحات . أن لهم من خالقهم - عزوجل - أجراً حسنا هو الجنة ونعيمها، ((ماكتين فيه أبدا)، أى: مقيمين فيه إقامة باقية (١) سورة الزمر الآية ٢٦,٢٧. (٢) سورة النساء الآية ٠٨٢ ١٦ سوره دائمة لا إنتها. لها. فالضمير فى قوله ((فيه)) يعود إلى الأجر الذي يراد به الجنة . قال - تعالى -: فإنما يسرفاه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لداء (١) . ثم خص - سبحانه - بالإنذار فرقة من الكافرين، نسبوا إلى الله - تعالى. ما هو منزه عنه، فقال: «وينذر الذين قالوا إتخذ الله ولدا. ما لهم به من علم ولا لآبائهم: كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذا .. فقوله - سبحانه - هنا: وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا .. معطوف على فونه قبل ذلك ((لينذر بأسا شديدا من لدنه) من باب عطف الخاض على العام لأن الانذار فى الآية الأولى يشمل جميع الكافرين ومن بينهم الذين نسبوا إلى الله - تعالى - الولد . والمراد بهم اليهود والنصارى، وبعض مشركى العرب، قال - تعالى - وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، (٢). وقال - سبحانه -: « ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون,(٢). قال الألوسى: وترك - سبحانه - إجراء الموصول على الموصوف هنا، حيث لم يقل وينذر الكافرين الذين قالوا ... كما قال فى شأن المؤمنين : ويبشر المؤمنين الذين ... للإيذان بكفاية ما فى حيز الصلة فى الكفر على أقبح الوجوه . وإيثار صيغة الماضى فى الصلة، للدلالة، على تحقيق صدور تلك الكلمة القبيحة عنهم فيما سبق )) (٤). (١) سورة مريم الآية ٩٧. (٢) سورة التوبة الآية ٣٠ (٣) - ورة النحل الآية ٥٧ (٤) تفسير الآلوسى + ١٥ س ٢٠٣. ١٧ الجزء الخامس عشر وقوله - تعالى -: «مالهم به من علم ولا لآبائهم، توبيخ لهم على تفومهم بكلام يدل على إبخالهم فى الجهل والبهتان . أى: ما نسبوه إلى الله - تعالى - من الولد، ليس لهم بهذه النسبة علم، وكذلك ليس لآبائهم بهذه النسبة علم، لأن ذلك مستحيل له - تعالى-، كما قال - عز وجل - : ((وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم، وخرقوا له بنين وبنات بغير علم، سبحانه وتعالى عما يصفون . بديع السموات والأرض ، أنى يكون له ولد، ولم تكن له صاحبة، وخلق كل شىء، وهو بكل شيء عليم ، (١). و ((من)) فى قوله: مالهمبه من علم، مزبدة لتأكيد النفى، والجملة مستأنفة، و((لهم، خبر مقدم، و((من علم، مبتدأ مؤخر، وقوله (( ولآ بائهم)) معطوف على الخبر . أى: مالهم بذلك شىء من العلم أصلا، وكذلك الحال بالنسبة لآبائهم . فالجملة الكريمة تنفى ما زعموه نفيا يشملهم ويشمل الذين سبقوهم وقالوا قوهم . قال الكرخى : فإن قيل: إتخاذ الولد محال فى نفسه، فكيف قال ماهم به من علم ؟ فالجواب أن انتفاء العلم بالشىء قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه، وقد يكون لأنه فى نفسه محال لا يمكن تعلق العلم به، ونظيره قوله - تعالى -: ((ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به،(٢). وقوله - تعالى -. «كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا)) ذم شديد لهم على ما نطقوا به من كلام يدل على فرط جهلهم، وعظم كذبهم. وكبر : فعل مفض لإنشاء الذم ، فهو من باب نعم وبئر ، وفاعله ضمير (١) سورة الأنعام الآيتان ١٠٠، ٠٨ (٢) حاشية الجمل على الجلالين = ٣ ص ٤ (٢ - سورة الكهف ) ١٨ سورة الكهف محذوف، مضمر بالنكرة بعدة وهى قوله « كلمة، المنصوبة على أنها تمييز. والمخصوص بالذم مخذيف . والتقدير : كبرت هى كلمة خارجة من أفوههم تلك المقالة الشنعاء التى تفوهوا بها، وهى قولهم: اتخذ الله ولدا، فإنهم ما يقولون إلا قولا كاذبا، محالا على الله - تعالى- ومخالفا للواقع؛ ومنافيا للحق والصواب. وفى هذا التعبير ما فيه من استعظام قبح ما نطقوا به، حيث وصفه - سبحانه - بأنه مجرد كلام لا كته ألسنتهم ، ولا دليل عليه سوى كذبهم وافترائهم . قال صاحب الكشاف: قوله (( كبرت كلمة) قرى. كبرت كلمة بالرفع على الفاعلية، وبالنصب على التمييز. والنصب أقوى وأبلغ، وفيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أكبر ها كلمة . وقوله ((تخرج من أفواههم، صفة للكلمة تفيد إستعظاما لاجترائهم على النطق به، وإخراجها من أفواههم ، فإن كثيرا مما يوسوسه الشيطان فى قلوب الناس ويحدثون أنفسهم به من المنكرات ، لا يتمالكون أن يتفوهوا به، ويطلقوا؛ ألسنتهم ، بل يكظمون عليه تباعدا من إظهاره ؛ فكيف بهذا المنكر ؟ فإن قلت: إلام يرجع الضمير فى ((كبرت))؟ قلت: إلى قوهم اتخذاقه ولد !. وسميت كلمة كما يسمون القصيدة بها،(١). وشبيه بهذه الآية فى استعظام ما نطقوا به من قبح قوله - تعالى -: ((وقالوا اتخذ الله ولدا، لقد جثم شيئا إدا. تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا . أن دعوا للرحمن ولدا. وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ,ولدا ... (٢) (١) تفسير الكشاف = ٢ ص ٤٧٣ (٢) سورة مريم الآيات من ٨٨ - ٩٢ ١٩ الجزء الخامس عشر ثم - سبحانه - ما يسلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من حزن بسبب إعراض المشركين عن دعوة الحق، فقال - تعالى -: «فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا، قال بعض العلماء ما ملخصه: اعلم - أولا - أن لفظة ( لعل) تكون للترجى فى المحبوب، والإشفاق فى المحذور. واستظهر أبو حيان أن ((لعل، هنا الإشفاق عليه - صلى الله عليه وسلم - أن يبخع نفسه لعدم إيمانهم. وقال بعضهم أن ((لعل، هذا للنهى. أى لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم .. وهو الأظهر، لكثرة ورود النهى صريحا عن ذلك، قال - تعالى إ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات .. )(١). وقوله ((باخع، من البخع ، وأصله أن تبلغ بالذبح النخاع - بكر البأهـ وهو عرق يجرى فى الرقبة. وذلك أقصى حد الذبح . يقال: بجع فلان نفسه بخعا وبخوعا . أى: قتلها من شدة الغيظ والحزن، وقوله: ((على آثارهم، أى: على أثر توليهم وإعراضهم عنك وقوله (« أسفا، أى: هما وغما مع المبالغة فى ذلك، وهو مفعول لأجله . والمعنى: لا تهلك نفسك - أيها الرسول الكريم - هما وغما، بسبب عدم إيمان هؤلاء المشركين. وبسبب إعراضهم عن دعوتك، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب، و «إنك لا تهدی من أحببت ولكن اللّه یہـدى من يشاء. : قال الزمخشرى: شبهه - سبحانه - وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به، وما داخله من الوجد والأسف على توليهم ، برجل فارقته أحبته وأعزته ، (١) أضواء لبيان جـ ٤ ص ١٤ الشيخ محمد الأمين الشنقيطى ٢٠ سورة الكهف فهو يتساقط حسرات على آثارهم؛ ويبخع نفسه وجدا عليهم، وتلهفا على فراقهم ،(١) . وقوله - تعالى -: ((إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا. وإنا لجاعلون ما عليها صيدا جرزا، تعليل المنهى المقصود من الترجى فى قوله: ((فلملك باخمع.)) وزيادة فى تسليته - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من غم وحين بسبب إصرار الكافرين على كفرهم أى: إنا بمقتضى حكمتنا - أيها الرسول الكريم - قد جعلنا ما على الأرض من حيوان ونبات وأنهار وبنيان. زينة لها ولأهلها . انبلوهم أيهم أحسن عملاء أى: أى لتختبرهم عن طريق ما جعلنا زينة الأرض ولأهلها: أيهم أتبع لأمرنا ونهينا ، وأسرع فى الاستحابة لطاعتنا، وأحد عن الاغترار بشهواتها ومتعها. وإذا - أيضا - بمقتضى حكمتنا، لجاعلون ما عليها من هذه الزينة فى الوقت الذى تريده لنهاية هذه الدنيا، (صعيدا، أى: ترابا(( جرزا)) أى: لا نبات فيه، يقال أرض جرز، أى: لا تنبت: أو كان نبات ثم زال. ويقال: جرزت الأرض: إذا ذهب فياتها بسبب القحط ، أو الجراد الذى أتى على نباتها قال تعالى -: أو لم يروا أنا فسوق الماء إلى الأرض الجرز، فتخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون))(٢) والمقصود من الآيتين الزيادة فى تثبيت قلب النبي - صلى الله عليه وسلم. وفى تسليته عما لحقه من حزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم . فسكانه -سبحانه - يقول له. إمض أيها الرسول الكريم فى تبليغ ما أو حينا. إليك، ولا قبال بإصرار الكافرين على كفرهم، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن حكمتنا قد اقتضت أن نجعل ما على الأرض من كل ما يصلح أن يكون زينة لها ولهم؛ موضع إبتلاء واختبار للناس، ليتميز الحسن من (١) تفسير الكشاف « ٢ ص ٤٧٣ (٢) سورة السجدة . الآية ٧٠