النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١٠ - والمعنى: وقال المشركون الذين لا يرجون لقاءنا لرسولنا - صلى الله عليه وسلم - يا محمد: (( لن نؤمن لك، ونتبعك فيما تدعونا إليه. («حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا، أى: حتى تخرج لنا من أرض مكة القليلة المياه، ((ينبوعا، أى: عينا لا ينضب ماؤها ولا يغور. يقال: نبع الماء من العين ينبع - بتثليث الباء فيهما - إذا خرج وظهر و كثر . وقرأ بعض السبعة ،تفجر، بالتخفيف - من باب نصر - وقرألبعض الآخر, تفجر، بتشديد الجيم، من بخير بالتشديد، والتضعيف للتكثير. والتعريف فى لفظ ( الأرض) للعهد، لأن المراد بها أرض مكة . وعبر بكلمة ((ينبوعا)) للاشعار بأنهم لا يريدون من الماء ما يكفيهم تحسب، وإنماهم يريدون عاء كثيرا لا ينقص فى وقت من الأوقات، إذ الياء زائدة للبالغة . وقوله - سبحانه -: «أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا، بيان لاقتراح آخر من مقتر حاتهم السخيفة . والمعنى: أو تكون لك بصفة خاصة يامحمد، ((جنة، أى: حديقة إملتفة الأغصان، مشتملة على الكثير من أشجار النخيل والأعناب : تجرى الأنهار فى وسطها جريا عظيما هائلا .. وخصوا النخيل والأعناب بالذكر - كما حكى القرآن عنهم - ، لأن هذين الصنفين يعتبر أن من أهم الثمار عندهم، ولأنهما على رأس الزروع المنتشرة فى أراضيهم ، والتى لها الكثير من الفوائد . وقوله: (( خلالها، منصوب على الظرفية، لأنه بمعنى وسطهاوبين ثناياها. والتنوين فى قوله ((تفجيرا، للتكثيرا، أى: تفجيرا كثبرا زاخرا، بحيث تكون تلك الجنة الخاصة بك ، غنية بالمياه التى تدفعها وترويها . - ٢٠٢ - وقوله - عز وجل -: (( أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا ... ، اقتراح ثالث من مقترحاتهم الفاسدة . وقوله, كسفا)) أى: قطعاً جمع كسفه - بكسر الكاف وسكون السين، يقال: كسفت الثوب أى: قطعته وهو حال من السماء، والمكاف فى قوله: ((كما، صفة لموصوف محذوف. والمعنى: أو تسقط أنت علينا السماء إسقادا مائلا لما هددتنا به، من أن فى قدرة ربك - عز وجل - أن ينزل علينا عذابا متقطعا من السماء. ولعلهم يعنون بذلك قوله - تعالى -: ((أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض، إن يشأ نخف بهم الأرض ، أو يسقط عليهم كفا من الماء .. ))(١). وقيل يعنون بذلك ، أنك وعدتنا أن يوم القيامة تنشق فيه السماء ، فعجل لنا ذلك فى الدنيا ، وأسقطها علينا، كما حكى عنهم القرآن ذلك فى قوله - تعالى- (( وإذا قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء. أو اتتنا بعذاب أليم .... (٢) . فهم يتعجلون العذاب . والرسول - صلى الله عليه وسلم - ، يرجو من الله - تعالى - الرحمة والهداية وتأخير العذاب عنهم ، لعله - سبحانه - أن يخرج من أصلابهم من يخلص له العبادة والطاعة . وقوله - تعالى - ((أو تأتى بالله والملائكة قبيلا، تسجيل لمطلب رابع من مطالبهم القبيحة . قال الألوسى: قبيلا، أى: مقابلا، كالعشير والمعاشر، وأرادوا - كل جاء عن ابن عباس - عياناً. (١) سورة سأ الآية ٩ (٢) سورة الأنفال من ٣٢. - ٢٠٣ - وهذا کقولهم: «لولا أنزل علينا الملائکة أو زى ربنا،، وفى رواية. أخرى عنه وعن الضحاك تفسير القبيل بالكفيل ، أى: كفيلا بما تدعيه . يعنون . شاهدا يشهد لك بصحة ما قلته. وهو على الوجهين حال من لفظ الجلالة ... وعن مجاهد: القبيل الجماعة. كالقبيله، فيكون حالا من الملائكة - أى: أو تأتى بالله وبالملائكة قبيلة قبيلة _(١) . ثم حكى - سبحانه - بقية مطالبهم التى لا يقرها عقل سليم فقال: ((أويكون. لك بیت من زخرف ، أى: من ذهب ، والزخرف يطلق فى الأصل على الزينة ، وأطلق هناعلى. الذهب لأن أثمن ما يتزين به فى العادة . , أو ترقى فى السماء) أى: تصعد إليها. يقال: رقى فلان فى السلم يرقى رقيا ورقيا أى صعد، (( ولن نؤمن لرقيك)) وصعودك إليها مع مشاهدتنا لذلك ((حتى تنزل علينا)) منها (( كتابا نقرؤه)) وففهم مافيه))، أى: يكون هذا الكتاب بلغتنا التى نفهمها «وبأسلوب مخاطباتنا، وفيه ما يدل دلالة قاطعة على أنك رسول من عند الله - تعالى -، وما يدعونا إلى الإيمان بك. ثم ختم - سبحانه هذه الآيات، بأن أمر فبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - بأن يرد عليهم بما يخرس ألسنتهم، فقال: ((قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولا ،. أى: قل - أيها الرسول الكريم - على سبيل التعجب من سوء تفكير هؤلاء الجاحدين: ياسبحان الله هل أنا إلا بشر كسائر البشر، ورسول كسائر الرسل ، وليس من شأن من كان كذلك أن يأتى بتلك المطالب المتعنتة التى (١) تفسير الآلومى = ١٥ ص - ٢٠٤ .. طلبتموها، وإنما من شأنه أن يبلغ ما أمره الله بتبليغه من هدايات . تخرج الناس من ظلمات الكفر والجهل . إلى نور الإيمان والعلم. فالاستفهام فى قوله ((هل كنت ٠٠٠، المنفى، أى: ماكنت إلا رسولا كسائر الرسل ,وبشرا مثلهم. وقوله ((سبحان ربى)، يفيد التعجيب من فرط حماقتهم، ومن بالغ جهلهم، حيث طلبوا تلك المطالب، التى تضمنت ما يعتبر من أعظم المستحيلات، كطلبهم إقيان الله - عز وجل - والملائكة إليهم، ورؤيتهم لذاته - سبحانه -، على سبيل المعاينة والمقابلة . وهذا التعنت والعناد الذى حكاه الله - تعالى - عن هؤلاء الجاحدين، قد جاء ما يشبهه فى آيات أخرى. كما جاء ما يدل على أنهم حتى لو أعطاهم الله - تعالى- مطالبهم. لما آمنوا، ومن ذلك قوله - تعالى -: «ولو أننا نزلنا عليهم الملائكة وكلهم الموتى، وحشرنا عليهم كل شىء قبلا، ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء ألقه ، ولكن أكثرهم يجهلون,(١). وقوله - سبحانه -: ((إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون. ولو جامتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ،(٢). وقوله - عز وجل - : ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون(٣)). ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك شبهة من شبهاتهم الفاسدة والمتعددة، وهى زعمهم أن الرسول لا يكون من البشر بل يكون ملكا. وقد أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن يرد عليهم بما يبطل مدعاهم فقال : (١) سورة الأنعام الآية ١١١. (٢) سورة يونس الآية ٩٧،٩٦. (٣) سورة الحجر الآية ١٤، ١٥. ٢٠٥٠٠٠ - ((( وما مَنعَ النساسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إذ جاءهُم الهُدَى، إلا أنْ قَالُوا: أَبَعَتَ اللهُ بِشَراً رسولاً (٩٤) قُلْ لو كانَ فى الأرْضِ ملائكةُ بِشُونَ. مُظْئِينَ، لنزَّلْنَاَ عليهِمْ من السَّماءِ ملَكاً رسولاً (٩٥) قُلْ كَفَى باللّهِ شهيداً ينِ ويَيْنَكُم، إنَّهُ كانَ بعبادِهٍ خبيراً بصيراً (٩٦))). قال الفخر الرازى : أعلم أنه - تعالى - لما حكى شبهة القوم فى اقتراح المعجزات الزائدة، وأجاب عنها ، حكى عنهم شبهة أخرى ، وهى أن القوم استبعدوا أن يبعث الله إلى الخلق رسولا من البشر، بل اعتقدوا أن الله - تعالى - لو أرسل رسولا إلى الخلق، لوجب أن يكون ذلك الرسول من الملائكة، فأجاب الله - تعالى - عن هذه الشبهة فقال: (( وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا ... )، (١). والمراد بالناس هنا : المشركون منهم ، الذين استبعدوا واعتقدوا أن الرسول لا يكون من البشر ، ويدخل فيهم دخولا أوليا كفار مكة . وجملة , أن يؤمنوا ، فى محل نصب ، لأنها مفعول ثان لمنع . وقوله: ((إلا أن يؤمنوا)، هو الفاعل. و((إذ) ظرف للفعل منع، أو لقوله: (( أن يؤمنوا)). والمعنى: وما صرف المشركين عن الإيمان بالدين الحق وقت أن جامتهم به الرسل ، إلا اعتقاد هؤلاء المشركين أن الله - تعالى - لا يبعث إليهم رجلا من البشر لكى يبلغهم وحيه، وإنما يبعث إليهم ملكا من الملائكة لسكى يبلغهم ذلك . وعبر عن اعتقادهم الباطل هذا بالقول فقال: «إلا أن قالوا ... للاشعار بأنه مجرد قول لاكته ألسنتهم، دون أن يكون معهم أى مستند يستندون إليه. لإثبات قبوله عند العقلاء. (١) تفسير الفخر الرازى ج ٢ ص ٥٨ ٠ - ٢٠٦ - وجاء التعبير عن اعتقادهم الباطل هذا بصيغة الحصر ، لبيان أنه مع بطلانه- هو من أهم الموانع والصوارف ، التى منعتهم وصرفتهم عن الدخول فى الدين الحق ، الذى جاءتهم به الرسل - عليهم الصلاة والسلام -، وهذا لا يمنع أن هناك موارف أخرى حالت بينهم وبين الإيمان كالحسد والعناد. قال صاحب الكشاف: والمعنى. ومامنعهم من الإيمان بالقرآن، وبنبوة النبي - صلى الله عليه وسلم- إلا شبهة تلجلجت فى صدورهم، وهى إنكار هم أن يرسل الله البشر. والهمزة فى (( أبعث الله، للإنكار، وما أنكروه خلافه هو المنكر عند الله - تعالى - لأن قضية حكمته، أن لايرسل ملك الوحى إلا إلى أمثاله، أو إلى الأنبياء ، (١) . والمتدبر فى القرآن الكريم، يرى أن هذه الشبهة - وهى إنكار المشركين كون الرسول بشرا - قد حكاها فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى -: (أكان الناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم ... ) (٢) . وقوله - تعالى -: «ذلك بأنه كانت تأنيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا، فكفروا وقولوا، واستغنى الله، والله غنى حميد،(٣). وبما لاشك فيه أن هذه الشبهة تدل ، على أن هؤلاء الكافرين ، لم يدركوا قيمة بشريتهم وكرامتها عند الله - تعالى -، وذلك بسبب انطاس بصائرهم، وكثرة جهلهم ، وعكوفهم على موروثاتهم الفاسدة. ولذا أمر الله - تعالى- بأن يرد عليهم بما يزهق هذه الشبهة فقال - سبحانه- ((قل لوكان فى الأرض ملائكة يمشون مطمئنين، لنزلنا عليهم من السماء ملكارسولا )) . (١) تفسير الكثاو جـ ٢ ص ٠٤٩٩ (٢) سورة يونس الآية ٢. (٣) سورة التغابن الآية ٦ - ٢٠٧ - والمعنى : قل - با محمد - لهؤلاء الجاهلين: لو ثبت ووجد ملائكة فى الأرض، يمشون على أقدامهم كما يمشى الإنس، ويعيشون فوقها ((مطمئنين) أى : مستقرین فیها مقیمین بها . لو ثبت ذلك ، لاقتضت حكمتنا أن نرسل إليهم من السماء ملكارسولا، يكون من جنسهم، ويتكلم بلسانهم ، وبذلك يتمكنون س مخاطبته ، ومن الأخذ عنه، ومن التفاهم معه (( لأن الجنس إلى الجنس أميل، والرسول بحب أن يكون من جنس المرسل إليهم، فلو كان المرسل إليهم ملائكة، لكان الرسول إليهم ملكا مثلهم، ولو كان المرسل إليهم من البشر، لكان الرسول إليهم بشرا مثلهم . فكيف تطلبون أيها الجاهلون - أن يكون الرسول إليكم ملكا، وتستبعدون أن يكون بشرا مع أنكم من البشر ؟ !! قال الألوسى: قوله: (( لنزلنا عليهم من السماء ملكارسولا)، أى: يعلمهم مالا تستقل عقولهم بعلمه، وليسهل عليهم الاجتماع به، والتلقى منه، وأما عامة البشر فلا يسهل عليهم ذلك، لبعد ما بين الملك وبينهم ... ).(١) وهذا المعنى الذى وضحته الآية الكريمة - وهو أن الرسول يجب أن يكون من جنس المرسل إليهم - قد جاء ما يشبهه ويؤ كده فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى -: وقالوا لولا أنزل عليه ملك ، ولو أنزلنا ملكا لقضى الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا والبنا عليهم ما يلبون,(٢). وقوله - سبحانه -: ((وما أرسلنا قبلك إلا رجالا فوحى إليهم , فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون، (٣). (١) تفسير الألوسى جـ ١٥ ص ١٧٢ . (٢) سورة الأنعام الآيتان ٠٩،٨ (٣) سورة الأنبياء الآية ٧. ٤ - ٢٠٨- وقوله - عز وجل -: ((وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين. لهم ... .(١) . ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - للمرة الثانية، أن يحسم الجدال معهم، بتفويض أمره وأمرهم إلى الله - عز وجل-، فهو خير الحاكمين فقال٠٠ , قل كفى بالله شهيدا بينى وبينكم، إنه كان بعباده خبير بصيرا». أى: قل لهم فى هذه المرة من جهتك، بعد أن قلت لهم فى المرة السابقة. من جهتنا: قل لهم - أيها الرسول الكريم - يكفينى ويرضينى ويسعدنى، أن يكون الله - تعالى - هو الشهيد والحاكم بينى وبينكم يوم نلقاه جميعافهو - سبحانه - يعلم أنى قد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، إنه - تعالى - كان ومازال خبيرابصيرا. أى: محيطا إحاطة تامة بظواهرهم وبواطنهم «لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء . وفى هذه الآية الكريمة تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه منهم من أذى ، وتهديد لهم بسوء المصير ، حيث آذوا نبيهم الذى جاء هدايتهم وسعادتهم. وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد حكمت بعض الشبهات الفاسدة التى تذرع بها الكافرون فى البقاء على كفرهم، كما حكت ما اقتضته حكمته - سبحانه - فى إرسال الرسل ، وهددت المصرين على كفرهم بسوء العاقية. ثم ساق - سبحانه - شبهة أخرى من شبهات المشركين التى حكاها عنهم كثيرا، ورد عليها بما يبطلها، وبين أحوالهم السيئة يوم القيامة ، بعد أن بين أن الهداية والإضلال من شأنه وحده فقال - تعالى - (١) سورة إبراهيم الآية٤. - ٢٠٩ - ((ومَنْ يَهْدِ الهُ فَهُو المُهْتَدْ، ومن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجدَ لَهُمْ أَولياً، من دُونِه، وتحشُرُهُم يَوْمَ القيامةِ على وُجُوهِهم عمياً وبُكْمًا وُمَّا ، م أَوَاهُمْ جَهَّمُ كَذَا خَبَتْ زِدْنَهُم سعيراً (٩٧) ذلِكَ جزاؤُ هُم بِأَهُم كَفَرُوا بِآيَاتِناَ وقالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظامًا ورفاتً أَنَّا لَمُوتُونَ خَلْقاً جديداً (٩٨) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الذى خلقَ السمواتِ والأرضِ قَادِرٌ عَلَى أَنْ تَخْلُقَ مِثْلَهم، وجعل لهم أَجلا لا ريبَ فيه، فَأَبَى الظالِمُونَ إلَ كفوراً (٩٩) قُلْ لو أنثُ مَلِكُونَ خزَائِنَ رَْةِ رَبِى، إذًا الْأمْسَكُتُ خَشْيَةَ الإنفاقِ ، وكانَ الإنسانُ قَتُوراً (١٠٠). وقوله - سبحانه - : ومن يهد الله فهو المهتد, ومن يضلل فان تجد لهم أولياء من دونه، كلام مستأنف منه - تعالى - ابيان نفاذ قدرته ومشيئته. أى: ومن يهده الله - تعالى - إلى طريق الحق، فهو الفائز بالسعادة، المهدى إلى كل مطلوب حسن، ((ومن يضلل)) أى: ومن يرد الله - تعالى - إضلاله , فلن تجد لهم , أيها الرسول الكريم, أولياء، أى: فصراء بنصرونهم إلى طريق الحق ((من دونه (عز وجل، إذ أن الله - تعالى - وحده هو الخالق للهداية والضلالة، على حسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته. وجاء قوله - تعالى (( فهو المهتد، بصيغة الإفراد حملا على لفظ « من» فى قوله (( ومن يهد ألله، وجاء قوله: ((فلن بجدلهم) بصيغة الجمع حملاً على معناها فى قوله: (( ومن يضلل)) قالوا: ووجه المناسبة فى ذلك - والله أعلم - أنه لما كان الهدى شيئا غير متشعب السبل ، ناسبه الإفراد، ولما كان الضلال له طرق متشعبة، كمافى (١٤ - سورة الإسراء) - ٢١٠ - قوله - تعالى -: ((ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)) ناسبة الجمع (١) ثم بين - سبحانه - الصورة الشنيعة التى يحشر عليها الضالون يوم القيامة فقال: ((ونجشرهم يوم القيامة على وجوههم، عميا وبكا وصما .. )) و الحشر: الجمع. يقال: حشرت الجند حشرا. أى جمعتهم. وقوله : ((على وجوههم، حال من الضمير المنصوب فى تحشرهم،. وقوله: « عميا، وبكما وصما)، أحوال من الضمير المستكن فى قوله ((على وجوههم)). أى: تجمع هؤلاء الضالين يوم القيامة ، حين يقومون من قبورهم ، وتجعلهم - بقدرقنا - يمشون على وجوههم، أو يسحبون عليها، إهالة لهم وتعديبا ، ويكونون فى هذه الحالة عميا لا يبصرون، وبكما لا ينطقون ، وصما لا سمعون . قال الآلوسي ما ملخصه: قوله - تعالى -: ((تحشرهم يوم القيامة على وجوههم ((إما مشيا، بأن يزحفون منكبين عليها. ويشهد له ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن أنس قال: قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كيف يحشر الناس على وجوههم؟ فقال: الذى أمشاهم على أرجلهم، قادر على أن يمشيهم على وجوههم )) ... وإما سحبا بأن تجرهم الملائكة منكبين عليها، كقوله - تعالى -: ((يوم يسحبون فى النار على وجوههم ذوقوا مس سقر، ويشهد له ما أخرجه أحمد والنسانى والحاكم وصححه - عن أبي ذر، أنه فلا هذه الآية. (ونحشرهم يوم القيامه على وجوههم ، فقال . حدثنى الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم. أن الناس بجشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج طاعمين كاسين راكبين ، وفوج بمسون ويسعون، وفوج تسحيهم الملائكة على وجوههم)). (١) حاشية الجمل على الجلالين حـ ٢ ص ٦٤٩ - ٢١١ - وجائز أن يكون الأمران فى حالين : الأول : عند جمعهم وقبل دخولهم النار ، والثانى عند دخولهم فيها ... ثم قال: وزعم بعضهم أن الكلام على المجاز، وذلك كما يقال للنصرف عن أمر وهو خائب مهموم: أنصرف على وجهه .... وإياك أن تلتفت إلى - هذا الزعم - أو إلى تأويل نطقت السنة النبوية بخلافه، ولا تعبأ بقوم يفعلون ذلك))(١) . فإن قيل : كيف أوفق بين هذه الآية التى تثبت لهؤلاء الضالين يوم حشرهم العمى والبكم والصمم، وبين آيات أخرى تثبت لهم فى هذا اليوم الرؤية والكلام والسمع، كما فى قوله - تعالى -: ((ورأى المجرمون النار .. » وكما فى قوله - سبحانه -: (( دعواهنالك نبورا)) وكافى قوله - عز وجل - : (( سمعوالها تغيظا وزفيرا)؟ فالجواب: أن المراد فى الآية هنا أنهم يحشرون عميا لا يرون مايشرم ، وبكما لا ينطقون بحجة تنفعهم، ومما لا يسمعون مايرضيهم .... أو أنهم يحشرون كذلك ، ثم تعادلهم حواسهم بعد ذلك عند الحساب وعند دخولهم النار . أو أنهم عندما يحشرون يوم القيامة ، ويرون مايرون من أهوال، تكون أحوالهم كأحوال العمى الصم البكم ، أعظم حيرتهم ، وشدة خوفهم ، وفرط ذهولهم . ثم بين - سبحانه - مآ لهم بعد الحشر والحساب فقال: «مأواهم جهنم كلا خبت زدنام سعيرا ، . ومعنى: «خبت)) هدأت وسكن لهيبها. يقال: خبت النار تخبو إذا هد ألهيبها. أى: أن هؤلاء المجرمين مارائم ومسكنهم ومقرهم جهنم، كلما سكن لهيب جهنم وهدا، بأن أكلت جلوديم ولحومهم . زدقائمةوقدا، بأن تبدل جلودهم ولحومهم بجلود ولحوم أخرى، فتعود النار كحالتها الأولى ملتهبة مستعرة. (١) تفسير الآلومى = ١٥ ص ١٧٥ - ٢١٢ - وخبو النار وسكونها لا ينقص شيئا من عذابهم ، وعلى ذلك فلا تعارض بين هذه الآية وبين قوله - عز وجل - فالذين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولاهم. ينظرون)،(١) . وفى هذه الآية ما فيها من عذاب للكافرين تقشعر من هوله الأبدان ، وترتجف من تصويره النفوس والقلوب، نسأل الله - تعالى - بفضله ورحمته أن يجنبنا هذا المصير المؤلم . وقوله - عز وجل -: ((ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا: أهذا كفا عظاما ورفانا أننا لمبعوثون خلقا جديدا، بيان الأسباب التى أفضت إلى تلك العاقبة السيئة ، أى : ذلك الذى نزل بهم من العذاب الشديد، المتمثل فى حشرهم على وجوههم. وفى اشتعال النار بهم ، سببه أنهم كفروا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا وقالوا بإنكار وجهالة: أهذا كنا عظاما نخرة ، ورفاتا أى وصارت أجسادنا تشبه التراب فى تفتتها وتكسرها ؛ أثنا بعد ذلك لمعادون إلى الحياة ومبعوثون على هيئة خلق جديد , فالآية الكريمة تحكى تصميمهم على الكفر، وإنكارهم للبعث والحساب إفكارا لامزيد عليه ، لذا كانت عقوبتهم شنيعة، وعذابهم أليما، فقد سلط الله - تعالى- عليهم النار تأكل أجزاءهم، وكلما سكن لهيبها، أعادها الله - تعالى .. ملتهبة مشتعلة على جلود أخرى لهم , كما قال - تعالى - ((إن الذين كفروا بآياتنا سوف فصليهم نارا، كلما نضجت جلودهم بد لناهم جلودا غيرها ليذوقوا. العذاب ..... ثم رد - سبحانه - على ما استنكروه من شأن البعث ردا يقنع كل ذى عقل. سليم، فقال - تعالى - ((أو لم يروا أن الله الذى خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم ... ». (١) سورة البقرة الآية ١٦٢. - ٢١٣ - والهمزة للاستفهام التويخى ، وهى داخلة على محذوف ، والمراد ،مثلهم إياهم، فيكون المعنى: أعموا عن الحق («ولم يعلموا كما يعلم العقلاء، أن الله - تعالى - الذى خلق السموات والأرض بقدرته، وهما أعظم من خلق الناس، قادر على إعادتهم إلى الحياة مرة أخرى بعد موتهم، لكى يحاسبهم على أعمالهم فى الدنيا . إن عدم علمهم بذلك ، وإنكارهم له، لمن أكبر الأدلة على جهلهم وانطاس بصيرتهم، لأن من قدر على خلق ماهو أعظم وأكبر - وهو السموات والأرض فهو على إعادة ماهو دونه - وهو الناس - أقدر . قال الشيخ الجمل ما ملخصه: قوله: « أو لم يروا ... ، هذا رد لإنكارم البعث، ولما استبعدوه من شأنه، يعنى أن من خلق السموات والأرض، كيف يستبعد منه أن يقدر على إعادتهم بأعيانهم ... وأراد - سبحانه -.. بمثلهم: إياهم ، فعبر عن خلفهم بلفظ المثل كقول المتكلمين : إن الإعادة مثل الابتداء، وذلك أن مثل الشىء مساو له حاله، جاز أن يعبر به عن الشى ءنفسه يقال: مثلك لا تفعل كذا، أى : أنت لا تفعله . ويجوز أن يكون المعنى أنه - سبحانه - قادر على أن يخلق عبيدا غيرهم يوحدونه وبقرون بكمال حكمته ، ويتركون هذه الشبهات الفاسدة وكا فى قوله - تعالى -. . وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم، والأول أشبه بما قبله ,(١)، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: أو لم يروا أن الله الذى خلق السموات والأرض ولم يعى بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى، بلى إنه على كل شىء قدیر ،(٢) . وقوله - سبحانه -: أو ليس الذى خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم، بلى وهو الخلاق العليم ... ،(٣). (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٠٦٥١ (٢) سورة الأحقاف الآية ١٢. (٣) سورة يس الآية ٠٨١ - ٢١٤ - وبعد أن أقام - سبحانه - الدليل الواضح على أن البعث حق ، وعلى أن إعادة الناس إلى الحياة بعد موتهم أمر يمكن ، أتبع ذلك ببيان أن لهذه الإعادة وقتاً معلوما ما يجريه حسب حكمته - تعالى - فقال :. وجعل لهم أجلا لا ريب فيه .. أى : وجعل لهم ميقاتا محددا لا شك فى حصوله ، وعند حلول هـ ذا الميقات يخرجون من قبورهم للحساب والجزاء، كما قال - تعالى -: (وما ((وما نؤخره إلا لأجل معدود. يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنة، فمنهم شقى وسعيد » . والجملة الكريمة وهى قوله: ((وجعل هم ... )) معطوفة على قوله, أو لم بروا ... ، لأنه فى قوة قولك قد رأوا وعلموا. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: علام عطف قوله: ((وجعل لهم أجلاء.؟ قلت ؛ على قوله: (( أو لم يروا، لأن المعنى: قد علموا بدليل العقل، أن من قدر على خلق السموات والأرض، فهو قادر على خلق أمثالهم من الإنس لأنهم ليسوا بأشد خلقا منهن، كما قال: ألتم أأشد خلقاً أم السماء، (١). وقوله : - سبحانه -: فأبى الظالمون إلا كفورا)) بيان لإصرارهم على جحود الحق مع علمهم أنه حق . أى: فأبى هؤلاء الظالمون المفكرون للبعث، إلا جحودا له وعنادا لمن دعاهم إلى الإيمان به ، شأن الجاهلين المغرورين الذين استحبوا العمى على الهدى. ثم ختم - سبحانه - الآيات الكريمة بأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - بأن يجابه هؤلاء الظالمين بما جبلوا عليه من بخل وشح، بعد أن طلبوامنه ما طلبوا من مقترحات متعفتة، فقال - تعالى - : قل لو أقم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكنم خشية الإنفاق، وكان الإنسان قتورا) . والمراد بخزائن رحمة ربى : أوزاقه التى وزعها على عباده ، ونعمه التى أنعم بها عليهم . (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٠٤٦٧ - - ٢١٥ - (( وقتورا، من التقتير بمعنى البخل. يقال: قتر فلان يقتر - بضم التاء وكسرها - إذا بالغ فى الإمساك والشح. أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الظالمين الذين أعرضوا عن دعوتك، وطالبوك بما ليس فى وسعك من تفجير الأرض بالأنهار، ومن غير ذلك من مقترحاتهم الفاسدة، قل لهم على سبيل التقريع والتبكيت: لو أنكم تملكون - أيها الناس - التصرف فى خزائن الأرزاق التى وزعها على خلقه ، إذاً لبخلتم وأمسكتم فى توزيعها عليهم ، مخافة أن يصيبكم الفقر لو أنكم توسعتم فى العطاء ، مع أن خزائن الله لاتنفذ أبدا، ولكن لأن البخل من طبيعتكم فعلتم ذلك . قال بعضهم: وقوله:، لو أنتم تملكون)، فيه وجهان: أحدهما: أن المسألة من باب الاشتغال . فأتم مرفرع بفعل مقدر يفسره هذا الظاهر، لأن لو لا يليها إلا الفعل ظاهراً أو مضمرا. فهى كإن فى قوله - تعالى -: ((وإن أحد من المشركين استجارك فأجره،، والأصل: لو تملكون ، فيذف الفعل لدلالة ما بعده عليه - والثانى أنه مرفوع بكان، وقد كثر حذفها بعد لو ، والتقدير : لو كنتم تملكون ... ،(١). والمقصود بالإمساك هنا: إمساكهم عن العطاء فى الدنيا ، وهدا لا ينافى قوله - تعالى -: ((ولو أن للذين ظلموا مافى الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به ... ، لأن ذلك حكاية عن أحوالهم فى الآخرة عندما يرون العذاب، ويتمنون أن يفتدوا أنفسهم منه بأى شىء . وقوله ((إذاً، ظرف لتملكون. وقوله (( لأمسكنم، جواب لو، وقوله ((خشية الإنفاق، علة للإمساك والبخل . وقوله : (( وكان الإنسان قتورا)، أى: مبالغا فى البخل والإمساك. قال الإمام ابن كثير: والله - تعالى - يصف الإنسان من حيث هو، إلا (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٠٦٥١ - ٢:٦ - من وفقه الله وهداه، فإن البخل والجزغ والهلع صفة له، كما قال - تعالى -: « إن الإنسان خلق هلوعا. إذا مه الشر جزوعا. وإذا مه الخير منوعاً. إلا المضلين » . ولهذ نظائر كثيرة فى القرآن الكريم ، وهذا يدل على كرمه - تعالى - وإحسانه. وقد جاء فى الصحيحين: يد الله ملا لا يغيضها نفقه، سحاء الليل والنهار ، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يخض ما فى يمينه ، (١) وقال الألوسى: وقد بلغت هذه الآية من الوصف بالشح الغاية القصوى التى لا يبلغها الوهم، حيث أفادت أنهم لو ملكوا خزائن رحمة الله - تعالى. التى لاقتناهى، وانفردوا بملكها من غير مزاحم، لأمسكوا عن النقفه من غير مقتض إلا خشية الفقرا، وإن شئت فوازن بقول الشاعر : إبراً يضيق بها فناء المنزل ولو أزدارك أنبتت لك أرضها وأتاكيوسف يستعبر ك إبرة ليخيط قد قميصه لم تفعل مع أن فيه عن المبالغات مايزيد على العشرة، ترى التفاوت الذى لايحصر .... (٢) ثم بين - سبحانه - مايدل على أن العبرة فى الإيمان ، ليست بعظم الخوارق ووضوحها، وإنما العبرة بتفتح القلوب للحق، واستعدادها لقبوله، وساق - سبحانه - مثلا لذلك من قصة موسى - عليه السلام - فقد أعطاه من المعجزات البينة ما يشهد بصدقه، ولكن فرعون وجنده لم تزدهم تلك المعجزات إلا كفرا وعنادا ، فقال - تعالى - : (١) تفسير إبن كثير <٥ صـ ١٢٢ (٢) تفسير الآلوسى = ١٥ ٥ ١٨١ - ٧: ٢ ٠٠ ((ولقَدْ آتَيْناَ موسَى نِسْعَ آياتٍ بَيْنَتٍ، فاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إذْ جاءَهُم ، فقالَ له فِرْعَوْنُ إِّى لأظُنْكَ يا مُوسَى مسْحُوراً (١٠١) قالَ لقَدْ علمتَ مَا أَنْزَلْنَا هَؤُلاءِ إلَّ رَبُّ السَّمواتِ والأرضِ بصائر، وإِنِّى لْأظُنْكَ يا فِرِعونُ مَثْبُوراً (١٠٢) فأرادَ أنْ يَستفِزَّمٍ من الأرضِ فأغرقناَهُ ومَنْ مَعَهُ جميعاً (١٠٣) وقُلْنَاَ من بَعْدِه لَبَنِ إِسْرائيلَ اسْكُنُوا بكم لفيفاً (١٠٤)». الأَرْضَ فإذَا جاء وعْدُ الآخرةِ جثْـ والمراد بالآيات أنتسع فى قوله - تعالى -: (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ... )): العصا، واليد، والسنون، والبحر ((والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع؛ والدم . قال ذلك ابن عباس ومجاهد وفتادة وغيرهم . وقد جاء الحديث عن هذه الآيات فى مواضع أخرى من القرآن الكريم. منها قوله - تعالى -: فألقى عصاه فإذا هى ثعبان مبين . ونزع يده فإذا هى بيضه للناظرين،(١). وقوله - تعالى -: (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات .... (٢). وقوله - سبحانه -: ((فأوحينا إلى موسى أن أضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطور العظيم ، (٢) . وقوله - عز وجل -: ((فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ، آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ،(٤) . (١) سورة الشعراء الأيتان: ٣٢، ٣* (٢) سورة الأعراف الآية ١٣٠ (٤) سورة الأعراف الآية ١٢٣ (٣) سورة الشعراء الآية ٦٣ - ٢١٨ . والمعنى: لا تظن - أيها الرسول الكريم - أن إيمان هؤلاء المشركين من قومك، متوقف على إجابة منطلبوه منك. وما اقترحوه عليك من أن تفجر لهم من الأرض ينبوعا، أو تكون لك جنة من نخيلٍ وعنب ... ألخ. لا تظن ذلك : فإن الخوارق مهما عظمت لا تنشى. الإيمان فى القلوب الجاحده الحاقدة، بدليل أننا قد أعطينا أخاك موسى تسع معجزات ، واضحات الذلالة على صدقه. فى نبوته، ولكن هذه المعجزات لم تزد المعاندين من قومه إلا كفرا على كفرهم ورجسا على رجسهم. فأصبر - أيها الرسول - على تعنت قومك وأذاهم، كما صبر أولوا العزم من الرسل قبلك. وتحديد الآيات بالتسع، لا يخفى أن هناك معجزات أخرى أعطاها الله - تعالى - لموسى - عليه السلام - إذ من المعروف عند علماء الأصول، أن تحديد العدد بالذكر ، لا يدل على نفى الزائد عنه . قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: وهذا القول - المروى عن ابن عباس وغيره - ظاهر جلى حسن قوى ... فهذه الآيات التسع، التى ذكرها هؤلاء الأثمه ، هى المرادة هنا ... وقد أوتى موسى - عليه السلام - آيات أخرى كثيرة منها: ضربه الحجر بالعصا، وخروج الماء منه ... وغير ذلك ما أوتوه بنو إسرائيل بعد خروجهم من مصر، ولكن ذكر منا هذه الآيات التسع التى شاهدها فرعون وقومه من أهل مصر وكانت حجة عليهم خالفوها وعاندوها كفرا وجحددا. ثم قال : وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة، قال : سمعت عبد الله بن سلمة يحدث عن صفوان بن عسال المرادى قال: قال يهودى لصاحبه: أذهب بنا إلى هذا التى حتى نسأله عن هذه الآية: (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ... ، فسألاه: فقال النبى - صلى الله عليه وسلم: - ٢١٩ - لاتشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا ولاتزنوا، ولا تقتلوا النفس التى حرم الله. إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببرى. إلى ذى سلطان ليقتله ، ولا تقذفوا محصنة، ولاقفروا من الزحف ... فقبلا يديه ورجليه .. ، ثم قال : « أما هذا الحديث فهو حديث مشكل . وعبد الله بن سلمه فى حفظه شىء، وتكلموا فيه، ولمله اشتبه عليه التسع الآيات، بالعشر الكلمات، فإنها وصايا فى التوراة ,لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون ... ،(١) والحق أن مارجحه الإمام ابن كثير من أن المراد بالآيات التسع هنا : ما آتاه الله - تعالى - انيبه موسى - عليه السلام - من العصا، واليد ... هو الذى تسكن إليه النفس، لأن قوله - تعالى- بعد ذلك: ((قال اتمد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر ... ، يؤيد أن المراد بها ماتقدم من العصا، واليد، والسنين .. ، ولأنها هى التى فيها الحجج ، والبراهين والمعجزات الدالة على صدق موسى - عليه السلام -. أما تلك الوصايا التى وردت فى الحديث فلا علاقة لها بقيام الحجة على فرعون - كماقال الإمام ابن كثير - . هذا، والخطاب فى قوله - تعالى -: ((فاسأل بنى إسرائيل إذ جاءهم ، يرى بعضهم أنه للنبى - صلى الله عليه وسلم - والمسئولون هم المؤمنون من بنى إسرائيل كعبد الله بن سلام وأصحابه . وعلى هذا التفسير يكون قوله (( إذ جاءهم، ظرف لقوله (( آنينا، وجملة ((فأسأل بنى إسرائيل)، معترضة بين العامل والمعمول. والمعنى: ولقدآً تينا موسى تسع آيات بينات، وقت أن أرسله الله - تعالى- إلى فرعون وقومه، فاسال ـ أيها الرسول الكريم - المؤمنين من بنى إسرائيل (١) تفسير ابن كثير - ٥ ص ٠١٢٣ ٠-٢٢٠ - عن ذلك ، فستجد منهم الجواب عما جرى بين موسى وأعدائه عن طريق ماطالعوه فى التوراة . والمقصود بسؤ الهم: الاستشهاد بهم حتى يزداد المؤمنون إيماناعلى إيمانهم، لأن من شأن الأدلة إذا تضافرت وتعددت ، أن تكون أقوى وأثبت فى تأييد المدعى . قال الآلوسي: والمعنى، فاسال يا محمد مؤمنى أهل الكتاب عن ذلك، إما لأن تظاهر الأدلة أقوى - فى التثبيت -، وإما من باب التهييج والإلهاب، وإما للدلالة على أنه أمر محقق عندهم ثابت فى كتابهم، وليس المقصود حقيقة السؤال . بل كونهم - أعنى المسئولين - من أهل علمه، ولهذا يؤمر مثلك بسؤ الهم ، (١) ويرى آخرون أن الخطاب لموسى .. عليه السلام.، وعليه يكون السؤال إما بمعناه المشهور أو بمعنى الطلب، ويكون قوله (( إذ جاءهم)) ظرفا لفعل مقدر . والمعنى: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات، وقلنا له حين مجيئه إلى بنى إسرائيل: إسالهم عن أحوالهم مع فرعون، أو أطلب منهم أن يؤمنوا بك ويصدقوك، ويخرجوا معك حين تطلب مر فرعون ذلك . والفاء فى قوله: (( فقال له فرعون إنى لأظنك ياموسى مسحورا، هى الفصيحة. إذ المعنى: فامتثل موسى أمرنا، وسال بنى إسرائيل عن أحوالهم، وطلب من فرعون أن يرسلهم معه ، بعد أن أظهر له من المعجزات ما يدل على مدقة ، فقال فرعون لموسى على سبيل التعالى والتهوين من شانه -عليه السلام -: ياموسى إنى لأظنك محورا . أى : سحرت خواط عقلك واختل ، وصرت تتصرف قصرفا يتنافى مع العقل السليم ، وتدعى دعاوى لاتدل على تفكير قويم. (١) تفسير الالوسى ج ١٥ ص ٠١٨٤