النص المفهرس

صفحات 141-160

- ١٤١ -
وأهلها غافلون)، (١). وقوله - عز وجل - : ((وما كان ربك ليهلك القرى
بظلم وأهلها مصلحون)، (٢)، ولأن الله - تعالى - قيد الإهلاك بكوفه قبل
يوم القيامة ، وكونه كذلك يقتضى أنه للقرى الظالمة . إذ الإهلاك يوم القيامة
يشمل جميع القرى، سواء أكان أهلها مؤمنين أم كافرين، بسبب انقضاء
عمر الدنيا .
وقوله - سبحانه -: « كان ذلك فى الكتاب مطورا، فأكيد لقضاء الله
النافذ ، وحكمه الثابت .
أى: « كان ذلك، الإهلاك، التعذيب، فى الكتاب، وهو اللوح المحفوظ.
(((مسطورا)، أى: مكتوبا وثابتا.
قال القرطبى: «مسطورا، أى: مكتوبا. والسطر : الخط والكتابة،
وهو فى الأصل مصدر. والسطر - بالتحريك - مثله، وهو جمع أسطار، مثل
سبب. وجمع السطر - بسكون الطاء - أسطر وسطور مثل أفلس وفلوس .
والكتاب هنا يراد به الوح المحفوظ» (٣).
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على الأمة الإسلامية، ورحمته بها،
فقال - تعالى -: ((وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ... »
وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية آثارا منها ما أخرجه
الإمام أحمد عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: سأل أهل مكة رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحى الجبال عنهم
فيزرعوا، فقيل له: إن شئت أن تستأنى بهم، وإن شئت أن يأتيهم الذى سألوا.
فإن كفروا ، هلكوا كما أهلكت من كان قبلهم من الأمم.
١٠) سورة الأنعام الآية ١٣١.
(٢) سورة هود الآية ١١٧.
(٣) تفسير القرطبى جـ ١٠ ص ٢٨٠.

- ١٤٢ -
فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((لا بل استأنى بهم))، وأنزل الله قوله:
(( وما منعنا أن ترسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون .... )،(١)
قال الألوسى: والمنع لغة: كف الغير وقسره عن فعل يريد أن يفعله ،
ولاستحالة ذلك فى حقه - تعالى - لاستلزامه العجز المحال المنافى للربوبية قالوا:
إنه مستعار هذا الصرف والترك ... ، (٢)
وقوله: ( أن نرسل)) فى محل نصب لأنه مفعول ثان لمنعنا ، أو فى محل جر،
على حذف الجار، أى: من أن نرسل، وقوله. (( إلا أن كذب بها)) فى محل
رفع لأنه فاعل منعنا، والتقدير: وما منعنا من إرسال الآيات إلا تكذيب
الأولين .
والمراد بالآيات : ما اقترحه المشركون على النبى - صلى الله عليه وسلم -
من قلب الصفا ذهبا، ومن إزاحة الجبال عن مكة ليزرعوا مكانها ...
والمعنى: وما كان سبب تركنا لإجابة المقترحات التى طلبها المشركون منك
- أيها الرسول الكريم - إلا علمنا بأنهم سيكذبون بها إذا جاءتهم، كما كذب
بأمثالها أشباههم الأولون ، وفى هذه الحالة فإنهم سيستحقون مثلهم عذاب
الاستئصال كما جرت بذلك سنتها.
وقد اقتضت حكمتنا ورحمتنا - بأمتك أيها الرسول الكريم -، ألا نعذبهم
عذاب الاستئصال والمحو ، بل نؤخر عذاب الضالين منهم إلى يوم القيامة.
قالوا : ومن الحكم فى هذا التأخير : الإظهار لمزيد شرف النبى - صلى الله
عليه وسلم - ، كما قال - تعالى -: ((وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم))، والرعاية
لشأن من -يولد من بعضهم من المؤمنين، ولمن سيؤمن من هؤلاء المقترحين،
إلى غير ذلك من الجمكم التى لا يعلمها إلا هو - سبحانه -.
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠٤٧
(٢) تفسير الآلوسي جـ ١٥ ص ١٣.

- ١٤٣ -
قال صاحب الكشاف : استمير المنع اترك إرسال الآيات من أجل
صارف الحكمة .... والمراد الآيات التى اقترحتها قريش من قلب الصفا
ذهبا، ومن إحياء الموتى وغير ذلك .
وعادة اله فى الأمم ، أن من اقترح منهم آية فأجيب إليها ، ثم لميؤمن ،
أن يعاجل بعذاب الاستئصال. فالمعنى: وما صرفنا عن إرسال ما يقترحونه
من الآيات إلا أن كذب بها الذين هم أمثالهم من المطبوع على قلوبهم ، كعاد
ونمود، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك، وقالوا: هذا سحر
مبين كما يقولون فى غيرها . واستوجبوا العذاب المستأصل. وقد عزمنا أن
نؤخر أمر من بعثت إليهم إلى يوم القيامة» (١).
ثم ساق - سبحانه - مثالا للسابقين الذين أجيبوا إلى ما اقتر حوه، ولكنهم
لم يؤمنوا، فأخذهم عذاب الإستثصال، فقال - تعالى ... (وآتينا ثمود الناقة
مبصرة فظلوا بها ..
ونمود: هم قوم صالح - عليه السلام -، وخصهم بالذكر، لأنهم معروفون
لأهل مكة أكثر من غيرهم ، لمرورهم على ديارهم عند أسفارهم إلى بلاد الشلام.
والناقة المراد بها : فاقة صالح - عليه السلام -التى طلبها قومه منه، فأخرجها
الله - تعالى - لهم لتكون معجزة له، ولكنهم لم يؤمنوا به، بل عقروا الناقة
وعتوا عن أمر ربهم، فأهلكهم الله - تعالى بالصيحة التى جعلتهم فى دارم
جائمين .
وقوله (( مبصرة)) أى: معجزة واضحة، يراها الناس بأعينهم بدون خفاء
أو ليس، قال الجمل: ((مبصرة، بكسر الصاد - باتفاق السبعة، والإسناد
مجازى . أى: يبصرونها خارجة من الصخرة. وقرىء شاذا بفتح الصاد .
ثم قال : وفى السمين: مبصرة حال ، وهو إسناد مجازى، إذ المراد الإبصار
(١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٠٦٧٤

- ١٤٤ ٠
المعنوى ، وهو الاهتداء بها، والتوصل بها، إلى تصديق نبيهم، وعلى هذا
تظهر السببية ، فإن وجودها سبب فى هذا المعنى ... (١)
وقال الآلوسي: وقوله: « مبصرة، على صيغة اسم الفاعل حال من الناقة،
والمراد : ذات إبصار، أو ذات بصيرة يبصرها الغير ويتبصر بها، فالصيغة
للنسب ٠٠٠ ،(٢)
والمعنى: لقد تركنا إجابة المطالب التى اقترحها قومك - يا محمد -، رحمة
بهم، لأننا لو أعطيناهم إياها ثم استمروافى تكذيبهم لك لأ هلكناهم كما أهلكنا
السابقين . فقد أجبنا قوم صالح - عليه السلام - إلى ماطلبوه من نبيهم ، بأن
أخرجنا لهم الناقة ، وجعلناها معجزة واضحة نيرة فى الدلالة على صدقه،
فقابلوها بالتكذيب والجحود، وظلموا أنفسهم وعرضوها للهلاك بسبب
عقرها .
قال - تعالى -: «فعقروا الناقة - أى ذبحوها .. ، وعتوا عن أمر
ربهم، وقالوا ياصالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين . فأخذتهم الرجفة
فأصبحوا فى دارهم جائمين ،(٢).
وقال - سبحانه -: (( كذبت ثمود بطفواها. إذ انبعث أشقاها. فقال
لهم رسول الله فاقة الله وسقياها. فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذفيهم
فواها . ولا يخاف عقباها)).
وقوله - سبحانه -: (( وما نرسل بالآيات إلا تخويفا، تذييل قصد به
الزجر عن تكذيب ما يأتى به الأنبياء من هدايات ومعجزات تدل على
صدقهم .
(١) حاشية الجمل على الجلالين حـ ٢ ص ٠٦٣٢
(٢) تفسير الآلوسى حـ ١٥ ص ٠١٠٤
(٣) سورة الأعراف الآيتان ٧٧ : ٠٧٧

-١٤٥ ٢٠
والباء فى قوله ((بالآيات)) للملابسة، ومفعول (( نرسل، محذوف،
و((تخويفا)، مفعول لأجله .
والمعنى: ومانرسل رسلنا ملتبسين بالآيات والمعجزات الدالة على صدقهم،
إلا تخويفا لأ قوامهم من سوء عاقبة تكذيبهم لها، فإنهم إن كذبوها يصيبهم
من العذاب ما يصيبهم .
قال القرطبى قوله: « وماترسل بالآيات إلا تخويفا، فيه خمسة أقوال:
الأول: العبر والمعجزات التى جعلها الله على أيدى الرسل، من دلائل الإنذار
تخويفا للمكذبين . الثانى: أها آيات الانتقام تخويف من المعاصى. الثالث:
أنها تقلب الأحوال من صغر إلى شباب ثم إلى تكهل ثم إلى مثيب، لتعتبر
بتقلب أحوالك فتخاف عاقبة أمرك. الرابع: القرآن. الخامس: الموت.
الذريع ،(١) .
ثم ذكر - سبحانه - ما يزيد النبى - صلى الله عليه وسلم - ثباتا على ثباته،
ويقينا على يقينه، وما يدل على شمول علمه - تعالى - ونفاذ قدرته ، وبليغ
حكمته فقال: ((وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس ....
أى: واذكر - أيها الرسول الكريم - وقت أن قلنا لك على لسانوحينا.
إن ربك - عز وجل - قد أحاط بالناس علما وقدرة، فهم فى قبضته، وتحت
تصرفه، وقد عصمك منهم ، فامض فى طريقك، وبلغ رسالة ربك ، دون
أن تخشى من كفار مكة أو من غيرهم ، عدوانا على حياتك، فقد عصمك
- سبحانه - منهم .
وفى هذه الجملة ما فيها من التسلية للنبى - صلى الله عليه وسلم -، ومن التبشير له
ولا صحابه، بأن العاقبة ستكون لهم ، ومن الحض لهم على العضى فى طريقهم
دون أن يخشوا أحدا إلا الله .
(١) تفسير القرطبى : ١٠ ص ٠٢٨١
-
٠ ١٠ - سورة الإسراء.

- ١٤٦ -
والمراد بالرؤيا فى قوله - تعالى -: « وماجعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة
للناس): مارآه النبى - صلى الله عليه وسلم - وعاينه بعينيه من عجائب، ليلة
الإسراء والمعراج.
أى: وما جعلنا مارأيته وعاينته ليلة إسرائنا بك من غرائب، إلافتنة
للناس. ليتميز قوى الإيمان من ضعيفه، وسليم القلب من مريضه.
وأطلق - سبحانه - على ماأراه لنبيه ليلة الإسراء لفظ الرؤيا مع أنه كان
يقظة , لأن هذا اللفظ يطلق حقيقة على رؤيا المنام، وعلى رؤية اليقظة ليلا
فإنه قد يقال لرؤية امین رؤیا ، كما فى قول الشاعر يصف صائدا: وكبر للرؤيا
وهش فؤاده ... أى: وسر لرؤيته للصيد الذى سيصيده. أو أطلق عليه لفظ
الرؤيا على سبيل التشبيه بالرؤيا المنامية، نظرا لما رآه فى تلك الليلة من عجائب
سماوية وأرضية، أو أطلق ليه ذلك بسبب أن مارآه قد كان ليلا. وقد كان
فى سرعته كأنه رؤيا منامية .
وكان مارآه - صلى الله عليه وسلم - فى تلك الليلة فتنة للناس، لأنه لماقص
عليهم ما رآه، أرقد بعضهم عن الإسلام، وتردد البعض الآخر فى قوله ،
وضاقت عقولهم عن تصديقه، زاعمة أنه لا يمكن أن يذهب - صلى الله عليه وسلم-
من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم يعرج إلى السموات العلا ....
ثم يعود إلى مكة ، كل ذلك فى ليلة واحدة .
وبعضهم يرى أن المراد بالرؤيا هنا: ما رآه التى - صلى الله عليه وسلم -
من أنه سيدخل مكة هو وأصحا) ....
وبعضهم يرى أن المراد بها هنا: ما أراه الله - تعالى - لنبيه فى منامه ،من
مصارع المشركين قبل غزوة بدر؛ فقد قال - صلى الله عليه وسلم - قبل بدء
العركة: والله لكأنى أنظر إلى مصارع القوم. ثم أومأ إلى الأرض وقال:
هذا مصرع فلان . وهذا مصرع فلان .

- ١٤٧ -
والذى ترجحه هو الرأى الأول ، لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة،
ولأنه على الرأيين الثانى والثالث يترجح أن الآيةمدنية، لأن غزوة بدر وفتح
مكا كانا بعد الهجرة ، والتحقيق أن هذه الآية مكية .
قال القرطى ما ملخصه: قوله - تعالى -: (( وما جعلنا الرؤيا التى أريناك
إلا فتنة الناس .. )) لما بين أن إنزال آيات القرآن تتضمن التخويف، ضم
إليه ذكرآية الإسراء، وهى المذكورة فى صدر السورة. وفى البخارى
والترمذى عن ابن عباس فى قوله - تعالى -: ((وماجعلنا الرؤيا التى أربناك إلا
فتنة للناس، قال: هى رؤيا عين أريها النبى - صلى الله عليه وسلم - ليلة أسرى به
إلى بيت المقدس ....
وكانت الستنة ارتداد قوم كانوا أسلموا حين أخبرهم النبى - صلى الله عليه
وسلم - أنه أسرى به .
وقيل : كانت رؤيا قوم. وهذه الآية تقضى بفساده ، وذلك أن رؤيا
المنام لافتنة فيها، وما كان أحد لينكرها .
وعن ابن عباس قال: الرؤبا التى فى هذه الآية، هى رؤيا رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - أنه يدخل مكة فى سنة الحديبية - فرده المشركون عن
دخولها فى تلك السنة - ، فافتن بعض المسلمين لذلك ، فنزلت هذه الآية ....
وفى هذا التأويل ضعف . لأن السورة مكية ، وتلك الرؤيا كانت
بالمدينة .... .(١)
وقوله - سبحانه -: ((والشجرة الملعونة فى القرآن، معطوف على الرؤيا.
أى: وما جعلنا الرؤيا التى أريناك والشجرة الملعونة فى القرآن إلا فتنة
الناس .
والمراد بالشجرة الملعونة هنا: شجرة الزقوم، المذكورة فى قوله- تعالى -:
(١) تفسير القرطبى حـ ١٠ ض ٠٢٨٢

- ١٤٨ -
. أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم . إنا جعلناها فتنة للظالمين. إنها شجرة
تخرج فى أصل الحجيم. طلعها كأنه ر.وس الشياطين ،(١)
والمراد بلعنها: لعن الآ كلين منها وهم المشركون، أو هى ملعونة لأنها
تخرج فى أصل الجحيم أوهى ملعونة لأن طعامها مؤذ وضار، والعرب تقول)
لكل طعام ضار : إنه ملعون .
قال الألوسى : وروى فى جعلها فتنة لهم: أنه لما نزل فى شأنها فى سورة
الصافات وغيرها مانزل، قال أبو جهل وغيره: هذا محمد يتوعدكم بنار تحرق
الحجارة ، ثم يقول ينبت فيها الشجر، وما نعرف الزقوم إلا بالتمر والزبد،
ثم أمر جارية له فأحضر ت نمرا وزبدا، وقال لأصحابه : تزقوا .
وافتتن بهذه الآية أيضا بعض الضعفاء، ولقد ضلوا فى ذلك ضلالا
بعيدا .... (٢)
وقوله - تعالى -: ((وفخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبير!)) تذييل قصد به
بيان ما جبل عليه هؤلاء المشر كون من متحود ، وقسوة قلب ...
أى: ونخوف هؤلاء المشركين بعذاب الدنيا، وبعذاب الآخرة. وبشجرة
الزقوم التى طلعها كأنه رءوس الشياطين ... فمايزيدهم هذا التخويف والتهديد
إلا طفيانا متجاوزا فى ضخامته وكبره كل حد ، وكل عقل سليم .
وعبر - سبحانه - بصيغة المضارع الدالة على الاستقبال، مع أن تخويفهم
وإزدياد طغيانهم قد وقعا، للإشعار بالتجدد والاستمرار.
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت من سنن الله - تعالى - فى خلقه،
ومن فضله على هذه الآمة ، ومن تبشيره وإنذاره، ووعده ووعيده، مايزيد
المؤمنين إيمانا على إيمانهم ، وما يصرف الطاغين عن طغيانهم لو كانوا يعقلون.
(١) سورة الصافات الآيات (٦ - ٦٥.
(٢) تفسير الآلومى < ١٥ ص ٠١٠٦

- ١٤٩ -
ثم ساق - سبحانه - جانبا من قصة آدم وإبليس، لزيادة التسلية للرسول
- صلى الله عليه وسلم - والإشعار بأن الحسد والغرور، كما منعا إبليس من
السجود لآدم، فقد منعا مشر كى مكة من الإيمان بالنبى - صلى الله عليه وسلم-
فقال - تعالى - :
((وإذْ قُلِنَا لِلْملاَئِكَةِ اسْجُدُوا لَآدَمَ فسَجَدُوا إِلّ إبليسَ قَالَ
أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلقتَ طِناً (٦١) قالَ أَرأَيْتُكَ هذَا الذى كرَّمْتَ عَلَىَّ،
لَثْ أَخَّرَتَنِ إِلَى يومِ القيامَةِ لْحتَنَكِنَّ ذُرِّيَتَهُ إلاَّ قليلاً (٦٢) قال اذهَبْ
فمَنْ تَبَعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جِهِّمَ جزاؤُ كْم جِزَاءَ مَوْفُوراً (٦٣) واستَفْرِزْ
مِنَ اسْتَطَعتَ مِنْهُم بِصَوْتِك، وأَجْاِبْ عَلَيْهِم بِخَيَلِكَ وَرَجِلك وشارِكْهُم
فِى الْأموَالِ والأولادِ وعِدْهُم، وما يَعِدُهُم الشيطانُ إلا غروراً (٦٤)
إِنَّ عِبَادِى لِيْسَ لكَ عَلَيْهِمِ سُلطانٌ وَكَفَى بِربِّكَ وكيلاً (٦٥) )) .
وقوله - سبحانه -: ((وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم .... ، تذكير
لبنى آدم بما جرى بين أبيهم وبين إبليس، ليعتبروا ويتعظوا، ويستمروا
على عداوتهم لإبليس وجنده .
1
أى: واذ كروا - بابنى آدم - وقت أن قلنا للملائكة , اسجدوا لآدم،
سجود تحية وتكريم, فسجدوا، امتثالا لأمر الله - تعالى - ، بدون تردد
أو تلعثم، (( إلا إبليس، فإنه أبى السجود لآدم -عليه السلام -((وقال، بتكبر.
وعصيان لأمر ربه - عز وجل -: ((أ أسجد ، وأنا المخلوق من نار, لمن خلفت
طينا)، أى: أ أسجد لمن خلقته من طين ، مع أننى أفضل منه.
والتعبير بقوله، فسجدوا ، بناء التعقيب، يفيد أن سجودهم - عليهم السلام-
كان فى أعقاب أمر الله - تعالى - لهم مباشرة, بدون تأخير أو تسويف.

- ١٥٠ -
وقوله - تعالى -: ((قال أأسجد ... ، استئناف بيانى، فكأنه قيل: فماذا
كان موقف إبليس من هذا الأمر؟ فكان الجواب أن إبليس فسق عن أمر
ربه وقال ماقال .
والاستفهام فى (( أأسجد، للإنكار والتعجب، لأنه يرى - أمنه اته - أنه
أفضل من آدم .
وقولة: « طينا، منصوب بنزع الخافض أى : من طين .
وفد جاء التصريح بابا- إبليس عن السجود لآدم ، بأساليب متنوعة ، وفى
آيات متعددة، منها قوله - تعالى -: ((وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم،
فـ جدوا إلا إبليس أبى واستكهر وكان من الكافرين)،(١).
وقوله - تعالى -: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس أبى أن
يكون مع الساجدين ،(٢).
ثم فصل - سبحانه - ما قاله إبليس فى اعتراضه على السجود لآدم فقال:
, قال أرأيتك هذا الذى كرمت على، لئن أخرتن إلى يوم القيامة، لأحتفكن
ذربته إلا قليلا ،.
ورأى هنا علمية فتتعدى إلى مفعولين، أولهما(( هذا)، والثانى محذوف
لدلالة الصلة عليه ، والمكاف حرف خطاب مؤكد لمعنى التاء قبله، والاسم
الموصول ((الذى)) بدل من ((هذا) أو صفة له، والمراد من التكريم فى قوله
« كرمت على ،: التفضيل.
والمعنى: قال إبليس فى الرد على خالقه - عز وجل -: أخبر نى عن هذا
الإنسان المخلوق من الطين، والذى فضلته على، لذا فضلته على وأمرتنى بالسجودله
مع أننى أفضل منه ، لأنه مخلوق من طين ، وأنا مخلوق من نار !!
(١) سورة البقرة الآية ٠٣٤
(٢) سورة الحجر الآية ٣٠، ٣١.
ء

٠ ١٥١ -
وجملة لماذا كرمته على ، واقعة موقع المفعول الثانى .
ومقصود إبليس من هذا الاستفهام، التهوين من شأن آدم - عليه السلام -
والتقليل من منزلته. ولم يجبه - سبحانه - على سؤاله، تحقيرا له. وإهمالا
لشخصه، بسبب إعتراضه على أمر خالقه - عز وجل .
ثم أكد إبليس كلامه فقال: « لئن أخرين إلى يوم القيامة لأحتفكن
ذريته إلا قليلا)). إذ أن اللام فى قوله (( لئن ... ، موطئة للقسم،
وجوابه لأحتفكن .
وأصل الاحتناك : الاستيلاء على الشىء؛ أو الإستئصال له. يقال:
حنك فلان الدابة بحنكها - بكسر النون ورفعها - إذا وضع فى حنكها - أى
فى ذقنها - الرسن ليقودها به. ويقال: إحتفك الجراد الأرض، إذا أكل
نباتها وأتى عليه .
والمعنى: قال إبليس - متوعدا ومهددا -: لئن أخرقن - يا إلهى - إلى
يوم القيامة ، لأستولين على ذرية آدم، ولأقودنهم إلى ما أشاء من المعاصى
والشهوات، إلا عددا قليلا منهم فإنى لا أستطيع ذلك بالنسبة لهم ، لقوة
إيمانهم ، وشدة إخلاصهم .
وهذا الذى ذكر : - سبحانة - عن إبليس فى هذه الآية من قوله: ((لأحتمكن
ذريته إلا قليلا، شبيه به قوله - تعالى -: « ثم لآتينهم من بين أيديهم ، ومن
خلفهم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم، ولا تجد أكثرهم شاكرين،(١).
وقوله - تعالى - ,قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين . إلا على عبادك منهم
المخلصين،(٢).
قال بعض العلماء: وقوا إبليس فى هذه الآية: (لاحتفكز ذريته ..
(١) سورة الأغراف الآية ١٧
(٢) سورة ص الآية ٨٢، ٨٣

- ١٤٢ ٠
قاله ظنا منه أنه سيقع . وقد تحقق له هذا الظن - فى كثير من بنى آدم - كما قال
- تعالى - ((ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين(١).
وقوله - تعالى - ((قال إذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء
موفورا)) بيان لما توعد أقه - سبحانه - به إبليسوأتباعه.
والأمر فى قوله (( إذهب، للإهانة والتحقير ((أى: ((قال)) الله - تعالى-
لإبليس « إذهب)) مطرودا ملعونا، وقد أخرفاك إلى يوم القيامة، فافعل
ما بدالك مع بنى آدم ، فمن أطاعذك منهم، فإن جهنم جزاؤك وجزاؤهم ، جزاء
مكملا نتمما لا نقص فيه .
وقال - سبحانه - ((فإن جهنم جزاؤكم، مع أنه قد تقدم غائب ومخاطب
فى قوله (( فمن تبعك منهم))، تغليبا جانب المخاطب - وهو إبليس - على جاف
الغائب وهم أتباعه. لأنه هو السبب فى إغراء هؤلاء الأتباع
وقوله: (( جزاء، مفعول مطلق، منصوب بالمصدر قبله.
وقوله (( موفورا)) اسم مفعول، من قولهم وفر الشىء فهو وافر وموفور
أى: مكمل متمم. وهو صفة لقوله: ((جزاء)).
وهذا الوعيد الذى توعد الله - تعالى - به إبليس وأتباعه، جاء ما يشبههه
فى آيات كثيرة، منها قوله - سبحانه -: «قال فالحق والحق أقول. لأملأن
جهنم منك ومن تبعك منهم أجمعين».
ثم أضاف - سبحانه - إلى إهانته وتحقيره لإبليس أوامر أخرى، فقال
- تعالى -: ((واستفزز من استطعت منهم بصوتك، وأجلب عليهم بخيلك
ورجلك ، وشاركهم فى الأموال والأولاد ، وعدهم ، وما يعدهم الشيطان
إلا غرورا)).
قال الجمل: أمر الله - تعالى - إبليس بأوامر خمسة، القصد بها: التهديد
والاستدراج، لا التكليف ، لأنها كلها معاص، واللّه لا يأمر بها، (٢).
(١) سورة سبأ الآية ٢٠ (٢) حاشية الجمل على الجلااين جـ ٢ ص ٦٣٤

- ١٥٣ -
وهذه الأوامر الخمسة هى: أذهب ، واستفزز ... وأجلب ...
وشاركهم .... وعدهم .
وقوله : واستفزز، من الاستفزاز، بمعنى الاستخفاف والإزعاج. يقال:
استفز فلان فلانا إذا استخف به، وخدعه، وأوقعه فيما أراده منه. ويقال:
فلان أستفزه الخوف ، إذا أزعجه .
وقوله: (( وأجلب عليهم بخيلك ورجلك، أصل الإجلاب : الصباح
بصوت مسموع. يقال: أجلب فلان على فرسه وجلب عليه، إذا صاحبه
ليستحثه على السرعة فى المشى .
قال الألوسى: قوله (( وأجلب عليهم، أى: صح عليهم من الجلبة وهى
الصياح. قاله الفراء وأبو عبيده. وقال الزجاج: أجلب على العدو ، جمع عليه
الخيل . وقال ابن السكيت : جلب عليه: أعن عليه. وقال ابن الأعرابى :
أجلب على الرجل، إذا توعده الثمر ، وجمع عليه الجمع .
والخيل : يطلق على الأفراس ولا واحد له من لفظه . وعلى الفرسان
بجازا ، وهو المرادهنا .
ومنه قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى بعض غرواته لأصحابه:
((يا خيل الله اركبى)). والرجل - بكسر الجيم - بمعنى :أجل - كحذر بمعنى
حاذر - هو الذى يمشى رجلا ، أى غير را كب ... ، (١) .
والمعنى. قال الله - تعالى - لإبليس: اذهب أيها اللعين مذموما مدحورا،
فإن جهنم هى الجزاء المعد لك ولأتباعك من ذرية آدم، وافعل ماشئت معهم
من الاستفزاز والخداع والإزعاج ولهو الحديث وأجلب عليهم ما أستطيع
جلبه من مكايد ، وما تقدر عليه من وسائل ، كأن تناديهم بصوتك ووسوتك
إلى المعاصى ، وكأن تحشد جنودك على اختلاف أنواعهم لحربهم وإغواتهم
وصدهم عن الطريق المستقيم .
(١) تفسير الآلومى جـ ١٦ ص ٠١١١

- ١٥٤ -
قال صاحب لكشاف: فإن قلت : ما معنى استفزاز إبليس بصوته،
وإجلابه بخيله ورجله ؟
قلت: هو كلام وارد مورد التمثيل. مثلث حاله فى تسلطه على من يغويه،
بمغوار أوقع على قوم، فصوت يهم صوتا يستفزهم من أماكنهم ، ويقلقهم
عن مراكزهم، وأجلب عليهم بجنده، من خيالة ورجالة حتى استأصلهم ، وقيل:
بصوته ، أى: بدعائه إلى الشر، وبحيله ورجله : أى كل راكب وماش من
أهل العبث وقيل: يجوز أن يكون لإبليس خيل ورجال»(١).
وعلى أية حال ، فالجملة الكريمة تصوير بديع، لعداوة إبليس لآدم وذريته،
وأنه معهم فى معركة دائمة، يستعمل فيها كل وسائل شروره ، ليشغلهم عن
طاعة ربهم ، وليصرفهم عن الصراط المستقيم، ولكنه لن يستطيع أن يصل
إلى شىء من أغراضه الفاسدة، ماداموا معتصمين بدين ربهم - عز وجل -.
وقوله - سبحانه -: ((وشاركهم فى الأموال والأولاد وعدهم ، معطوف
على ما قبله .
أى: وشاركهم فى الأموال ، بأن تحضهم على جمعها من الطرق الحرام،
وعلى إنفاقها فى غير الوجوه التى شرعها الله، كأن يستعملوها فى الرباوالرشوة
وغير ذلك من المعاملات المحرمة .
وشاركهم فى الأولاد بأن نحنهم على أن ينشئوهم تنشئة تخالف تعاليم دينهم
الحنيف وبأن تيسر لهم الوقوع فى الزنا الذى يترتب عليه ضياع الأنساب
((بأن تظاهرهم على أن يسموا أولادهم بأسماء يبغضها الله - عز وجل -، إلى
غير ذلك من وساوسك التى تعرى الآباء بأن يربوا أبناءهم تربية بألفون معها
الشرور والآثام ، والفسوق والعصيان :
قال الإمام ابن جرير بعد أن ساق عددا من الأقوال فى ذلك : وأولى
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٠٦٧٨

- ١٥٥ -٠
الأقوال بالصواب أن يقال: كل مولود ولدته أنثى، عصى الله فيه، بتسميته
بما يكرهه الته ، أو بإدخاله فى غير الدين الذى ارتضاه الله، أو بالزنا بأمه ،
أو بقتله أو وأده، أو غير ذلك من الأمور التى يحصى الله بفعله به أو فيه ،
فقد دخل فى مشاركة إبليس فيه ، مر ولد ذلك الولد له أو منه، لأن الله لم
يخصص بقوله: (( وشاركهم فى الأموال والأولاد، معنى الشركة فيه، بمعنى
دون معنى، فكل ما عصى الله فيه أو به ، وأطيع الشيطان في، أو به فهو
مشاركة ... )(١) .
وقد علق الإمام ابن كثير على كلام ابن جرير بقوله : وهذا الذى قاله
- ابن جرير- متجه، فقد ثبت فى صحيح مسلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
قال: ((يقول الله - عز وجل - إنى خلقت عبادي حنفاء، بجاءتهم الشياطين
فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، .
وفى الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: « لو أن أحدهم
إذا أراد أن يأتى أهله قال : بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان
مارزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد فى ذلك لم يضره الشيطان أبداً.(٢).
وقوله: «وعدهم، أى: وعدهم بما شئت من المواعيد الباطلة المكاذبة ، كأن
تعده بأن الدنيا هى مستهى آمالهم. فعليهم أن يتمتعوا بها كيف شاؤًا, بدون
تقيد بشرع أو دين أو خلق ، وكأن تعدهم بأنه ليس بعد الموت حساب أو
عقاب ، أو جنة أو زار ...
وقوله - سبحانه - ((وما يعدهم الشيطان إلا غروراً، تحذير من الله -تعالى-
لعباده من اتباع الشيطان ، ومن السير وراء خطواته .
وأصل الغرور : تزبين الباطل بما يوهم بأنه حق ، يقال: غر فلان فلانا ،
إذا أصاب غرته - أى غفلته - وقال منه ما يريد : وغر فلان فلانا فهو يغره
(١) تفسير ابن جرير جـ ١٥ ص ٠٨٣
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠٥٠

- ١٥٦ -
غرورا، إذا خدعه، وأصله من الغر، وهو الأثر الظاهر من الشىء. ومنه
غرة الفرس لأنها أبرز مافيه. ولفظ ( غرورا) صفة لموصوف محذوف.
والتقدير: وعدهم - أيها الشيطان - بما شئت من الوعود الكاذبة، وما يعد
الشيطان بنى آدم إلا وعدا غرورا .
ويجوز أن يكون مفع لا لأجله فيكون المعنى: وما يعدهم الشيطان إلا
من أحل الغرور والمخادعة .
وفى الجملة الكريمة التفات من الخطاب إلى الغيبة، إهمالا لشأن الشيطان،
وبيانا ياله مع بنى آدم ، حى يحترسوا منه ويحذروه .
ثم ختم - سبحانه - الآيات يغرس الطمأنينة فى قلوب المؤمنين الصادقين،
فقال - تعالى -: ((إن عبادى ليس لك عليهم سلطان، وكفى بربك وكيلا)).
أى: إن عبادى الصالحين الذين أخلصوا دينهم لى، ليس لك - يا إبليس.
تسلط واقتدار على إغواتهم وإضلالهم ، وصرفهم عن السبيل الحق إلى
السبيل الباطل.
قال - تعالى -: «إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون
إنما سلطانه على الذين بتولونه والذين هم به مشر كون، (!).
وقال - سبحانه - ((إن عبادى ليس لك عليهم سلطان ((إلا من أتبعك من
الغاوين(٢) والإضافة فى قوله « إن عبادى ... ، للتشريف والتكريم حيث
خصهم - سبحانه - بهذا اللون من الرعاية والحماية.
و قوله (( و کفی بربك وكيلا، أى: ركفى بربك وكيلا يتوكلون عليه ،
ويفوضون إليه أمورهم، ويعتصمون به لكى يقيهم وساوس الشيطان ونزغاته
قال الإمام ابن كثير: قوله ((وكفى بربك وكيلا، أمى: حافظا ومؤيداو نصيرا.
(١) سورة النحل الآيتان ٠١٠٠،٩٩
(٢) سورة الحجر الآية ٤٢ .

- ١٥٧ -
روى الإمام أحمد عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -قال
(((إن المؤمن لينضى شيطانه - أى ليقهره - كما ينضى أحدكم بعيره فى
السفر ، (١) .
وقال الجمل فى حاشيته : وهذه الآية تدل على أن المعصوم من عصمه الله،
وأن الإنسان لا يمكنه أن يحترز بنفسه عن مواقع الضلال، لأنه لو كان
الإقدام على الحق ، والإحجام عن الباطل: إنما يحصل الإنسان من نفسه،
لوجب أن يقال: وكفى بالإنسان نفسه فى الاحتراز عن الشيطان. فلما لم يقل
ذاك، بل قال: وكفى بربك وكيلا. علمنا أن الكل من أنته. ولهذا قال
المحققون : لاحول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولاقوة على طاعته إلا
بقوته )، (٢).
وبعد أن بين - سبحانه - لبنى آدم مايبيته إبليس من عداوة وبغضاء، أتبع
ذلك ببيان جانب من نعمه - تعالى - عليهم فى البر والبحر وفى السراء والضراء
فقال - عز وجل - :
(( ربُّكُم الذى يُزْجى لكُم الفُلَّكَ فى البحر لتَبْغُوا مِنْ فضلِهِ إِنْهُ
كانَ بُكُم رحيما (٦٦) وإذَا مسَّكُم الضَّر فى البحرِ ضَلَّ مَنْ تدُعُونَ إلاَّ
إياهُ، فَلَمًا تجالُ إلى البَرِّ أعرَضْتُمْ، وكانَ الإنسانُ كُفُوراً (٦٧)
أفْمِنْتُم، أن يخسيفَ بُكُم جانِبَ البِرِّ أُو يُرْسِلَ عليكُم حاسِيباً، ثم لا تجِدُوا
لكُم وكيلاً (٦٨) أمْ أُمِنْتُم أن يُعيدُ فيه تارةً أُخْرَى، فَيُرْسِلَ
عليكم قاصِفاً من الريحِ فَيُؤْرِفِكُم بما كفرتم، ثم لا تَجِدَو الكم
عَلَيْنَا به تبيماً (٦٩))).
(١) تفسير ابن كثير ج ٣ ص ٥٠
(٢) حاشية الجمل على الجلالين ج ٢ ص ٦:٥

- ١٥٨ -
وقوله - تعالى -: ((ربكم الذي يزجى لكم الفلك فى البحر لتبتغوا من
فضله ..... ان لمظهر من مظاهر رحمة الله - تعالى - بعباده، وفضله عليهم.
و(((يزجى)) من الإزجاء، وهو السوق شيئا فشيئا. يقال أزجى فلان
الإبل، إذا ساقها برفق، وأزجت الريح السحاب، أى: ساقته سوقا رفيقا،
ومنه قوله - تعالى -: ((ألم تر أن الله يزجى سحابا ... )).
و ((الفلك، ما عظم من السفن. قال الجمل ما ملخصه: ويستعمل لفظ الفلك
للواحد والجمع، ويذكر ويؤنث قال - تعالى -: ((وآية لهم أنا حملنا ذريتهم
فى الفلك المشحون، فأفرد وذكر. وقال - سبحانه -: ((والفلك التى تجرى
فى البحر، فأنت، ويحتمل الإفراد والجمع. قال - تعالى -: ((حتى إذا كنتم
فى الفلك وجرين بهم ... جمع ... ، (١).
و «البحر، يطلق على الماء الكثير عذبا كان أو ملحا. وأكثر مايكون
إطلاقا على الماء الملح .
أى: أذكروا - أيها الناس - لتعتبروا وتشكروا ربكم الذى من مظاهر
نعمته عليكم، أن يسوق لكم - بلطفه وقدرته - السفن التى تركبونها فى البحر
لکی تطلبوا من وراء ر کو بها الرزق الذى يصلح معاشكم، والذى هو لون من
ألوان فضل الله عليكم .
وقوله: لتبتغوا من فضله، تعليل لإزجاء الفلك، وتصرفح بوجوه لنفع
التى تفضل الله - تعالى - بها عليهم
وقوله : « إنه كان بكم رحيما، تعليل ثان لهذا الإزجاء .
أى: يزجى لكم الفلك فى البحر، لتطلبوا من وراء ذلك ما ينفعكم، ولأنه
- سبحانه - كان أن لا وأبدا، بكم دائم الرحمة والرأفة .
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٢ ص ٦٣٦

١٥٩٠٠ -
ثم أنتقل - سبحانه - من الحديث عن مظاهر نعمه عليهم ، فى حال سوق
السفن ودفعها بهم فى البحر برفق وأناة، إلى بيان رعايته لهم فى حاز اضطرابها
وقعرضها للغرق ، بسبب هيجان البحر وأرتفاع أمواجه، فقال - تعالى -:
, وإدا مسكم الضر فى البحر ضل من تدعون إلا إياه ... ).
والم : اتصال أحد الشيئين بآخر على وجه الإحساس والاصابة والمراد
به هنا : ما يعتربهم من خوف وفزع ، وهم برون سفينتهم توشك على الفرق.
والمراد بالضر هنا: اضطراب الفلك، وارتفاع الأمواج، واشتداد
العواصف , وتعرضهم الموت من كل مكان .
المعنى: وإذا أمالت بكم الأمواج من كل جانب وأنتم على ظهورسفنكم
وأوشكتم على الغرق ... ذهب وغاب عن خواطركم وأذهانكم، كل معبود
سوى الله - عز وجل - لكى ينقذكم مما أنتم فيه من بلاء ، بل اياه وحده
- سبحانه - تدعون ليكشف عنكم مانزل بكم من سوء.
فالجملة الكريمة تصوير مؤثر بديع لبيان أن الانسان عند الشدائد وانحن
لا يتجه بدعائه وضراعته الا الى الله - تعالى - وحده .
قال القرطى: ((ضل)) معناه: تلف وفقد وهى عبارة تحقير من يدعى
إلها من دون الله . والمعنى فى هذه الآية: أن الكفار إنما يعتقدون فى أصنامهم
أنها شافعة، وأن لها فضلا، وكل واحد منهم بالفطرة يعلم علما لا يقدر على
مدافعتة أن الأصنام لافعل لها فى الشدائد، فوقفهم الله من ذلك على حالة
البحر حيث تمقطع الحيل ، (١)
وقال الإمام إبن كثير: يخبر تبارك وتعالى أن الناس إذا أمهم ضر
دعوه منيبين إليه مخلصين له الدين، ولهذا قال , تعالى -: ((وإذا مسكم الضر
فى البحر ضل من تدعون إلا إياه ، أى : ذهب عن قلوبكم كل ما تعبدون غير
(١) تفسير القرطبى ج ١٠ ص ٢٩١

١٦٠٠٠ -
الله .. تعالى - كما إتفق لعكرمة بن أبي جهل، لما ذهب فارا من رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - حين فتح مكة، فذهب هاربا، فركب فى البحر
ليدخل الحبشة، فجاءتهم ربح عاصف، فقال القوم بعضهم لبعض: إنه لا يغنى
عنكم إلا أن تدعو الله وحده .
فقال عكرمة فى نفسه: والله إن كان لا ينفع فى البحر غيره، فإنه لا ينفع
فى البر غيره، اللهم لك على عهد لثن أخر جتنی منه، لأذهبن فلاضعن یدی فی
يد محمد - صلى الله عليه وسلم - فلأجدنه ر.وفارحيما. فخرجوا من البحر،
فرجع إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فأسلم وحسن إسلامه - رضى الله
عنه)) (١).
وقوله - تعالى -: ((فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا،
بيان لطبيعة الإنسان إلا من عصم الله .
أى: فلا تجاكم الله - تعالى - بلطفه وإحسانه: من الغرق، وأوصلكم
سالمين إلى البر ، أعرضتم عن طاعته، تركتم دعاءه والضراعة اليه ، وكان
الإنسان الفاسق عن أمر ربه،« كفورا، أى: كثير الكفران والجحودلنعم
ربه - عز وجل ..
قال الألوسى ما ملخصه: وقوله: ((وكان الإنسان كفورا)، كالتعليل
للإعراض، ويعلم منه حكم أولئك المخاطبين، وفيه لطافة حيث أعرض
- سبحانه - عن خطابهم بخصوصهم، وذكر أن جنس الإنسان مجبول على
الكفر ان، فلما أعرضوا أعرض الله - تعالى - عنهم)) (٢)
وفى معنى هذه الآية جاءت آيات كثيرة، منها قوله - تعالى -، فإذا ركبوا
فى الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون، (٣)
(١) تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ٥٠
(٢) تفسير الآلودى ج ١٥ ص ١١٦
(٢) سورة العنكبوت الآية ٣٢