النص المفهرس
صفحات 101-120
- ١٠١ -
فإذا نشأ فى بيئته ترعاه وتكرمه ... شب محبا لمن حوله، وللمجتمع
الذى يعيش فيه .
وإذا نشأ فى بيئة تقهره وتذله وتظلمه .. ، نظر إلى من حوله، وإلى
المجتمع الذى يعيش فيه ، نظرة العدو إلى عدوه ...
وكأنه يقول لنفسه: إذا كان الناس لم يحسنوا إلى فى صغرى وفى حالة
ضعفی ، فلماذا أُحصن إليهم فی حال کبری و قوئی !!
وإذا كانوا قد حرمونى حقى الذى منحه الله لى فلماذا أعطيهم شيئا من
خیری وبری !!
هذه بعض الأسباب التى من أجلها أمر الإسلام أتباعه برعاية اليتيم وإ كرامه،
وصيانة حقوقه من أى اعتداء أو ظلم.
وبعد أن نهى - سبحانه - عن الاقتراب من مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن،
أمر بالوفاء بالعهود فقال: ((وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا)).
والعهد : مامن شأنه أن يراعى ويحفظ ، كالوصية واليمين . وعهد الله:
أوامره ونواهيه وعمد الناس : مايتعاهدون عليه من معاملات وعقود وغير
ذلك ما تقتضيه شئون حياتهم .
" أى: وأوفوا بالعهود التى بينكم وبين الله - تعالى -، وانتى بينكم وبين
الناس ، بأن تؤدوها كاملة غير منقوصة ، وأن تقوموا بما تقتضيه من حقوق
شرعية. وقوله (( إن العهد كان مسئولا، تعليل لوجوب الوفاء بالعهد.
أى: كونوا أو فياء بعهودكم لأن صاحب العهد كان مسئولا عنه ، أمام
الله - تعالی ۔۔ و أمام الناس . فالكلام على حذف مضاف کما فى قوله - سبحانه -
(" واسأل القرية » .
وقال ـ سبحانه ـ«وأوفوا بالعهد إن العهد ... ، بالإظهار دون الإضمار
للإشمار بكمال العناية بشأن الوفاء بالعهود.
- ١٠٢ -
ويجوز أن يكون المعنى: وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا أى : كان
مطلوبا الوفاء به وقد مدح الله - تعالى - الذين يوفون بعمودهم فى آيات كثيرة،
منها قوله - تعالى -: ((إنما يتذكر أولو الألباب. الذين يوفون بعهد الله
ولا ينقضون الميثاق)) (١).
وقوله - تعالى -: والموفون بعهدهم إذا عاهدوا. والصابرين فى البأساء والضراء
وحين البأس، أولئك الذين صدقوا، وأولئك هم المتقون»(٢).
وبعد أن أمر - سبحانه - بالوفاء بصفة عامة، أتبع ذلك بالوفاء فى شئون
البيع والشراء، فقال - تعالى -: «وأوفوا الكيل إذا كنتم، وزنوا بالقسطاس
المستقيم ، ذلك خير وأحسن تأويلا)).
والقسطاس : الميزان الذى يوزن به فى حالتى البيع والشراء .
قال صاحب الكشاف: قرىء ((بالقسطاس). بكر القاف وضمها -...
قيل كل ميزان صغر أو كبر من موازين الدراهم وغيرها)،(٢).
وقال الألوسى ما ملخصه: وهذا اللفظ رومى معرب .. وقيل عربى ...
وعلى القول بأنه رومى معرب - وهو الصحيح - لا يقدح استعماله فى القرآن فى
عربيته المذكورة فى قوله - تعالى -: (إنا أنزلناه قرآنا عربيا، لأنه بعد التعريب
والسماع فى فصيح الكلام، يصير عربيا، فلا حاجة إلى إنكار تعريبه ... »(٤)
وقوله: ((تأويلا)) من الأول - بفتح الهمزة وسكون الواو - بمعنى
الرجوع. يقال: آل هذا الأمر كذا، إذا رجع إليه.
(١) سورة الرعد الآية ١٩، ٠٢٠
(٢) سورة البقرة الآية ١٧٧.
(٢) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٠٤٢٨
(٤) تفسير الآلوسي جـ ١٥ ص ٧٢ ٠
- ٠٣ ; -
والمعنى: وأتموا أيها المؤمنون الكيل إذا كلتم لغيركم عند ببعكم لهم
ماتريدون بيعه، وزنوا لهم كذلك بالميزان المستقيم العادل ماتريدون وزنه لهم .
وقيد - سبحانه - الأمر بوجوب إتمام الكيل والميزان فى حالة البيع ،
لأنها الحالة التى يكون فيها التطفيف فى العادة . إذ أن البائع هو الذى غالبا
مايطفف للمشترى فى المكيال والميزان ولا يعطيه حقه كاملا .
قال - تعالى -: ((ويل للمطففين. الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون.
وإذا كالوهم أو وزفوهم يخسرون)).
واسم الإشارة فى قوله (( ذلك خير وأحسن تأويلا)) يعود إلى تمام الكيل
والميزان بالقسطاس المستقيم .
أى : ذلك الذى أمرفاكم به. من وجوب إتمام المكيال والميزان عند
التعامل، خير لكم فى الدنيا ، لأنه يرغب الناس فى التعامل معكم، أما فى الآخرة
فهو أحسن عاقبة ومالا، لا يترقب عليه من الثواب الجزيل لكم من الله
- عز وجل - .
ثم ختم - سبحانه - تلك التوجيهات السامية السديدة، بالنهى عن تتبع مالا
علم للإنسان به، وعن الفخر والتكبر والخيلاء ... فقال - تعالى -:
ولا تقف ماليس لك به علم ، إن السمع والبصر والفؤاد ، كل أولئك كان
عنه مسئولاً ٦م ولاتمش فى الأرض مرحاً، إنك أن تخرق الأرض، ولن
تبلغ الجبال طولا ٣٧ كل ذلك كان سيئة عندربك مكروها ٣٨ ذلك ما أوحى
إليك ربك من الحكمة، ولا تجعل مع الله إلها آخر، فتلقى فى جهنم ملوما
مدحورا ٠٣٩
قال القرطى - رحمه الله - ما ملخصه: قوله - تعالى -: (ولا تقف ماليس
لك به علم، أى: ولا تتبع ما لا تعلم ولا يعنيك - من قول أو فعل - قال قتادة:
لاتقل رأيت وأنت لم تر، وسمعت وانت لم تسمع، وعلمت وأنت لم تعلم ...
- ١٠٤ -
ثم قال: وأصل القفو البهت، والقذف بالباطل ومنه قوله - عليه الصلاة
والسلام -: (( نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا، ولا فنتفى من أبينا، أى:
لا نسب أمنا .
ويقال: قفوته أقفوه ... إذا اتبعت أثره. وقافية كل شىء آخره، ومنه
أسم النبى - صلى الله عليه وسلم -: المقفى، لأنه آخر الأنبياء - عليهم الصلاة
والسلام -، ومنه القائف، وهو الذى يتبع الأثر .... (١)
وقال صاحب الكشاف - رحمه الله -: قوله ((ولا تقف ماليس لك به علم)):
يعنى، ولا تكن فى إتباعك مالا على لك به من قول أو فعل ، كمن يقبع ملكا
لايدرى أنه يوصله إلى مقصده فهو ضال . والمراد: النهى عن أن يقول الرجل
ما لا يعلم، وأن يعمل بما لا يعلم . ويدخل فيه النهى عن التقليد- الأعمى -دخولا
ظاهرا لأنه اتباع لما لا يعلم صحته من فساده .... (٢)
وقوله: (( إن السمع والبصر والفؤاد، كل أولئك كان عنه مسئولا))
تحذير شديد من أن يقول الإنسان قولا لاعلم له به ، أو أن يفعل فعلا بدون
تحقق ، أو أن يحكم حكما بلا بينة أو دليل .
أى: إن السمع الذى تسمع به - أيها المكلف -، والبصر الذى قبصر به،
والفؤاد - أى القلب - الذى تحيا به، كل أولئك الأعضاء ستكون مسئولا
عن أفعالها يوم القيامة ، وسيقال لك بتأنيب وتوبيخ: لماذا سمعت مالا يحل
لك سماعه، ونظرت إلى مالا يجوز لك النظر إليه، وسعيت إلى ما لا يصح لك
أن تسعى إليه !!
وعلى هذا التفسير يكون السؤال فى قوله - تعالى -: ((كان عنه مسئولا ،
للانسان الذى تتبع ما ليس له به علم من قول أو فعل .
(١) تفسير القرطبى - ١٠ ص ٠٢٥٧
(٢) تفسير الكشاف - ٢ ص ٠١٤٩
-- ٫٠٥ ٠
ومن الآيات التى تشهد لهذا التفسير قوله - تعالى -: «فوربك لنسألهم
أجمعين عما كانوا يعملون)، (١).
ومنهم من يرى أن السؤال موجه إلى تلك الأعضاء ، لتنطق بما اجترحه
صاحبها، ولتكون شاهدة عليه ، فيكون المعنى :
إن السمع والبصر والفؤاد، كل واحد من أولئك الأعضاء، كان مسئولا
عن فعله ، بأن يقال له: هل استعملك صاحبك فيما خلقت من أجله أولا ؟
ويكون هذا السؤال للأعضاء من باب التوبيخ لأصحابها، كما قال - تعالى -:
((اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم، وتشهد أرجلهم بما كانوايكسبون)،(٢)
وكما قال - سبحانه -: ((ويوم يحشر أعداء الله على النار فهم يوزعون.
حتى إذا ماجاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون)(٣).
واسم الإشارة (( أولئك، على التفسير ين يعود إلى السمع والبصر والفؤاد،
إما لأن هذا الاسم يشار به إلى العقلاء ويشار به إلى غير العقلاء، كما فى قول
الشاعر :
ذُمَّ المنازلَ بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأيام
وإما لأن هذه الأعضاء أخذت حكم العقلاء، لأنها جزء منهم، وشاهدة
عليهم.
وعلى كلا التفسيرين أيضا ، يتمثل التحذير الشديد للانسان عن أن يتبع
ماليس له به علم .
(١) سورة الحجر الآية ٩٢،٩٢.
(٢) سورة يس الآية ٦٥.
(٣) سورة فصلت الآيتان ٢٠،١٩.
- ١٠٦ -
قال الجمل: وقوله - تعالى -«كل أولئك، مبتدأ، خبره جملة ((كان عنه
مسئولا))، والضمير فى (( كان)) وفى ( عنه)) وفى ((مسئولا» يعود على كل.
أى: كان كل واحد منها مسؤولا عن نفسه، يعنى، عما فعل به صاحبه: ويجوز
أن يكون الضمير فى عنه)) لصاحب السمع والبصر والفؤاد ... ، (١)
وشبيه بهذه الآية فى النهى عن اتباع ما لا علم للانسان به . قوله - تعالى -:
• قل إنما حرم ربى الفواحش ماظهرمنها وما بطن، والإثم والبغى بغير الحق،
وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون))(٢).
وقوله - سبحانه - يأيها الناس كلواما فى الأرض حلالا طيبا، ولا تتبعوا
خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين. إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن
تقولوا على الله مالا تعلمون))(٣).
قال الإمام ابن كثير : ومضمون ماذكروه - فى معنى قوله - تعالى - :
ولا تقف ما ليس لك به علم ٠٠، - أن الله - تعالى - نهى عن القول بلا علم،
كما قال - سبحانه -: اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم .. ))
وفى الحديث: (( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ... )، وفى سنن
أبى داود: ( بئس مطية الرجل زعموا، وفى الحديث الآخر: ((إن أفرى
الفرى - أى أ كذب الكذب - أن يرى الرجل عينيه مالم تريا)، (٤) .
وقال بعض العلماء : وهذه الكامات القليلة - التى اشتملت عليها الآية -
تقيم منهجا كاملا للقلب والعقل، يشمل المنهج العلمى الذى عرفته البشرية حديثا
جدا، ويضيف إليه استقامة القلب، ومراقبة الله، ميزة الإسلام على المناهج
العقلية الجافة !
(١) حاشية الجمل على الجلالين ــ ٢ ص ٠٦٢٥
(٢) سورة الأعراف الآية ٣٣ (٣) سورة البقرة الآية ١٦٨، ٠١٦٩
(٤) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٠٧٢
- ١٠٧ -
فالتثبت من كل خبر ، ومن كل ظاهرة ، ومن كل حركة ، قبل الحكم
عليها، هو دعوة القرآن الكريم، ومنهج الإسلام الدقيق ...
فلا يقول اللمان كلمة، ولا ينقل رواية، ولا يروى حادثة، ولا يحكم العقل حكا،
ولا يبرم الإنسان أمرا . إلا وقد تثبت من كل جزئية، وعن كل ملابسة ،
ومن كل نتيجة ، فلم يبق هنالك شك ولا شبهة فى صحتها ... ، (١).
ثم ينتقل القرآن الكريم من النهى عن أن يتبع الإنسان مالا علم له به ،
إلى النهى عن التفاخر والتكبر والإعجاب فى النفس فيقول: ولا تمش فى
الأرض مرحا .....
والمرح فى الأصل: شدة الفرح، والتوسع فيه، مع الخيلاء والتعالى
على الناس ، يقال: مرح - بزنة فرح - يمرح مرحا، إذا اشتد فرحه ومشى
مشية المتكبرين. وهو مصدر وقع موقع الحال .
أى: ولا تمش - أيها الإنسان - فى الأرض مشية الفخور المتكبر المختال،
بل كن متواضعا متأدبا بأدب الإسلام فى سلوكك .
وتقييد النهى بقوله (( فى الأرض، للتذكير بالمبدأ والمعاد، المانعين من
الكبر والخيلاء، إذ من الأرض خلق وإليها يعود)، ومن كان كذلك كان
جديرا به أن يتواضع لا أن يتكبر .
قال - تعالى -: منها خلقناكم وفيها نعيدكم، ومنها نخرجكم قارة
أخرى ،(٢) .
وقوله - سبحانه -: ((إنك لن تخرق الأرض، ولن تبلغ الجبال طولا)،
تعليل للنهى عن التفاخر مع السخرية والتهكم من المتفاخر المغرور .
أى: إنك - ليها الماشى فى الأرض مرحا - لن تخرق الأرض بوطك
(١) من تفسير ((فى ظلال القرآن) جـ ١٥ ص ٠٢٢٢٧
(٢) سورة طه الآية ٥٥ .
- ١٠٨ -
عليها، أو بمشيك فوقها، ولن تبلغ - مهما ارتفعت قامتك - الجبال فى الطول
والعلو. وما دام شأنك كذلك، فكن متواضعا، فمن تواضع لله - تعالى-
رفعه .
وقوله «طولا، تمييز محول عن الفاعل. أى: لن يبلغ طولك الجبال،
وشبيه بهذه الآية فى النهى عن التعالى والتطاول، قوله - تعالى - :
((ولا تصعر خدك للناس، ولا تمش فى الأرض مرحا، إن انه لا يحب كل
مختال فخور ،(١) .
وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتواضع، ونهى عن التكبر
والغرور، وبين سوء عاقبة ذلك فى أحاديث كثيرة ، منها مارواه مسلم فى صحيحه
عن عياض ن حمار قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الله - تعالى-
أوحى إلى أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد ، ولا يبغى أحد على
أحد ،(٢) .
وروى الشيخان عن أبى هريرة أن رسول أهله - صلى الله عليه وسلم-قال:
((( لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا)،(٣).
وروى الترمذى عن سلمة بن الأكوع قال : قال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -: لا يزال الرجل يذهب بنفسه - أى يرتفع ويشكبر - حتى يكتب
فى الجبارين - فيصيبه ما أصابهم، (٤).
ورحم الله القائل :
فكم تحتها قوم هموا منك أرفع
ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا
فكم مات من قوم هموا منك أمنع
وإن كنت فى عز وحرز ومنعة
(١) سورة لقمان الآية ١٨.
(٢)، (٣)، (٤) من كتاب رياض الصالحين ص ٢٨٥ للامام النووى،
- ١٠٩ -
ثم ختم - سبحانه - تلك التكاليف (التى يغلب عليها طابع النهى عن
الرذائل بقوله: ((كل ذلك كان سيتمه عند ربك مكروها)).
واسم الإشارة(( ذلك)) يعود إلى ماتقدم ذكره من التكاليف والأوامر
والنواهى، التى لا يتطرق إليها النسخ ، والتى تبلغ خمسة وعشرين تكليفا ،
تبدأ بقوله - تعالى- لا تجعل مع الله إلها آخر، ثم يأتى بعو ذلك النهى عن عقوق
الوالدين، والأمر بصلة الأرحام، وبالعطف على المسكين وابن السبيل ، ثم
النهى عن البخل، والإسراف، وقتل الأولاد، والاقتراب من الزنا، وقتل
النفس إلا بالحق ، والاعتداء على مال اليتيم . . إلخ.
والضمير فى ((سيئه، يعود إلى ما نهى الله عنه من أفعال، كالشرك،
وعقوق الوالدين ، والزنا .
أى : كل ذلك الذى بيناه لك فيما سبق، كان الفعل السىء منه، عند ربك
مكروها، أى: مبغوضا عنده - سبحانه - وأما الفعل الحسن كالوفاء بالعهد ،
وإعطاء ذى القربى حقه، فهو محمود عند ربك - عز وجل .
قال الآلوسي: ووصف ذلك بمطلق الكراهة مع أن أكثره من الكبائر
- كالشرك والزنا ... - للإيذان بأن مجرد الكراهة عنده - تعالى - كافية فى
وجوب الكف عن ذلك .
وتوجيه الإشارة إلى الكل ، ثم تعيين البعض دون توجيهها إليه ابتداء،
لما قيل : من أن البعض المذكور جملته ، بل على وجه الاختلاط لنكتة
اقتضته ، وفيه إشعار يكون ما عداه مرضيا عنده - سبحانه -.
وإنما لم يصرح بذلك ، إيذانا بالغنى عنه، أو اهتماما بشأن التنفير من
النواهى ... ،(!).
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ((كل ذلك كان سيئة)) بالتاء والتنوين.
(١) تفسير الآلوسي = ١٥ ص ٧٦.
١١٠٠ -
وعلى هذه القراءة يكون اسم الإشارة، يعود إلى المنهيات السابقة فقط ،
ويكون المعنى: كل ذلك الذى نهيناك عنه فى الآيات السابقة ، من الإشراك
بالله، وعقوق الوالدين، واقباع ما ليس لك به علم ... كان اقترافه سيئة من
السيئات المبغوضة عند ربك ، المحرمة فى شرعه ، المعاقب مرتكبها .
ثم ختم - سبحانه - تلك الأحكام المحكمة، والتكاليف السامية، بقوله:
,ذلك ما أحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر نتلقى فى
جهنم ملوما مدحورا)).
أى: ذلك الذى أمر فاك به، وهناك عنه - أيها الرسول الكريم - بعض
ما أوحاه الله - تعالى - عليك , من الحكمة)) التى هى علم الشرائع ومعرفة
الحق، والعمل به، وحذار أن تجعل بعد هذا البيان الحكيم، مع الله - تعالى-
إلها آخر - أيها المخاطب - فتلقى وتطرح فى جهنم، ملوما من نفسك ومن
غيرك، ( مدحورا أى: ) مبعدا من رحمة الله - تعالى - .
قال صاحب الكشاف: ولقد جعل الله - تعالى - فاتحنها - أى تلك الآيات
المشتملة على تلك الأوامر والنواهى - وخاتمتها ، النهى عن الشرك، لأن
التوحید هو رأس کل حكمةوملا کها ، و من عدمه لم تنفعه حكمه وعلومه وإن
بذفيها الحكماء، وحك بيافوخه السماء ، وما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم
وهم عن دين الله أضل من النعم))(١).
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة التى اشتملت على بضع وعشرين
تكليفا، وإلى ابتدأت بقوله - تعالى - لا تجعل مع اللّه إلها آخر ... وانتهت
بقوله - سبحانه - ((ولا تجعل مع الله إلها آخر ... قد ربطت قواعد السلوك
والآداب: والتكاليف الفردية والاجتماعية، بإخلاص العبادة لله - تعالى -
(١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٠٤٥٠
- ١١١ -
لأن هذا الإخلاص لله - تعالى- فى العقيدة والعبادة والقول والعمل ٠٠٠ هو
رأس کل حکمة وملا کها . كما قال صاحب الکشاب - رحمه الله -.
وبعد أن ذكر - سبحانه - ماذكر من الأوامر والنواهى فى الآيات
السابقة، التى بدأها وختمها بالنهى عن الإشراك بالله - تعالى - أتبع ذلك
بإقامة الأدلة على استحالة أن يكون له شريك أو ولد ، بل كل من في السموات
ومن الأرض ، خاضع لسلطانه ، وما من شىء إلا ويسبح بحمده ، فقال
- تعالى -:
((أَفَأْقَاكُمْ رِبُّكُم بالبنينَ، واتخذَ من الملائكةِ إناثاً، إنكم
التَقُولُونَ قولاً عظيماً (٤٠) ولقد صرَّفناً فى هذا القرآنِ ليذَّ كَرُوا،
وما يزيدُهُم إلا نُفُوراً (٤١) قَلْ لو كانَ معهُ آلهةٌ كما يقولُونَ إِذاً لابتغَوْا
إلى ذِى العرشِ سبيلاً (٤٢) سبحانه وتعالى عمَّ يقولُونَ علوًّا
كبيراً (٤٣) تُسَيِّح له السمواتُ السَّبْعُ والأرضُ ومَنْ فيهِنٌ ، وإنْ
من شىءٍ إلا يُسَبِّحُ بَحَمَدِهٍ، ولكِنْ لا تَفْقَهُونَ تسبيحَهُمْ ، إنّهُ كانَ
حليماً غفوراً (٤٤))).
والخطاب فى قوله - تعالى -: «أماصفاكم ... ) للكافرين الذين قالوا ،
الملائكة بذات الله .
والإصفاء بالشىء: جعله خالصا . يقال: أصفى فلان فلانا بالشىء، إذا
آثره به. ويقال للأشياء التى يختص السلطان بها نفسه: الصوافى. وفعله صفا
يصفو وقضمن هذا معنى التخصيص .
والاستفهام للافكار والتوبيخ والتهكم .
والمعنى - كما يقول صاحب الكشاف - أخصكم ربكم على وجه الخلوص
والصفاء بأفضل الأولاد، وهم الذكور، ولم يجعل فيهم نصيبا لنفسه ، واتخذ
٠٠ ١١٢ -
أدونهم، وهن البنات، وأنتم لا ترضونهن لأنفسكم، بل تندوهن وتقتلونهن !!
فهذا خلاف الحكمة وما عليه معقولكم وعادتكم . فإن العبيد لا يؤثرون
بأجود الأشياء وأصفاها من الشوب ، ويكون أردؤها وأدونها
السادات)،(١).
والمقصود من الجملة الكريمة نفى مازعموه من أن الملائكة بنات اللّه بأبلغ
وجه، أى: لم يخصكم ربكم بالبنين؛ ولم يتخذمن الملائكة إناثا، لأنهسحانه
تنزه عن الشريك والولد والوالد والشبيه .
قال - تعالى -: لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء،
سبحانه هو الله الواحد القهار، (٢)،
وقال - تعالى -: ((ألكم الذكر وله الأنثى. تلك إذا قسمة ضيزى)،(٣).
وقوله - سبحانه -: (( إنكم لتقولون قولاعظيما، تسفيه لأقوالهم الباطلة
وأفكارهم الفاسدة , وعقولهم السقيمة.
أى: إنكم بنسبتكم البنات إلى الله - تعالى -، لتقولون قولا عظما فى
قبحه وشناعته ، وفى استهجان العقول السليمة له ، وفيما يترقب عليه من عقوبات
أليمة من الله - تعالى - لكم.
قال - تعالى -: وقالوا اتخذ الرحمن ولدا، لقد جئتم شيئا إدا. تسكاد
السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا. أن دعوا للرحمن
ولدا. وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ولدا. إن كل من فى السموات والأرض
إلا آتي الرحمن عبدا. لقد أحصاهم وعدهم عدا. وكلهم آتيه يوم القيامة
فردا(٤) ..
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٠٤٥٠
(٢) سورة الزمر الآية ٤.
(٣) سورة النجم الآية ٢٢٠٢١.
(٤) سورة مريم الآيات من ٨٨ - ٠٩٥
- ١١٣ -
ثم بين - سبحانه - أن هذا القرآن الذى أنزله على نبيه محمد - صلى الله عليه
وسلم - قد أشتمل على ألوان متعددة من الهدايات والآداب والأحكام، فقال
- تعالى -: ولقد صرفنا فى هذا القرآن ليذكروا، ومايزيدهم إلا نفورا)).
وقوله - تعالى - «صرفنا، من التصريف، وهو فى الأصل صرف الشىء
من حالة إلى أخرى ، ومن جهة إلى أخرى .
والمراد به هنا : بينا ، وكررنا ، ومفعوله محذوف للعلم به .
والمعنى: ولقد بينا وكررنا فى هذا القرآن أنواعا من الوعد والوعيد،
والقصص ، والأمثال ، والمواعظ والأخبار ، والآداب والتشريعات ،
ليتذكر هؤلاء الضالون ويتعظوا ويعتبروا، ويوقفوا بأنه من عند الله - تعالى-
فيهديهم ذلك إلى انباع الحق ، والسير قى الطريق القويم .
وقوله - تعالى - ((وما يزيدهم إلا نفورا) تصوير بديع لإصرارهم على
كفرهم وعنادهم ، وإيثارهم الفى على الرشد .
والنفور: التباء، والإعراض عن الشىء. يقال: نفرت الدابه تنفر
- بكسر الفاء وضعها - نفوراً، إذا جزعت وتباعدت وشردت.
أى: وما يزيدهم هذا البيان والتكرار الذى اشتمل عليه القرآن الكريم،
إلا تباعدا عن الحق، وإعراضا عنه ، وعكوفا على باطلهم ، بسبب جحودهم
وعنادهم وحدهم الرسول - صلى الله عليه وسلم على ما آ ناه الله من فضله.
وكان بعض الصالحين إذا قرأ هذه الآية قال: زادنى لك خضوعا،
ما زاد أعداءك نفورا) .
ثم أمر الله - تعالى - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يوبخهم على
شركهم، وأن يسوق لهم الدليل الواضح على فساد عقولهم، فقال - ته. لى -:
قل لو كان معه آلهة كما يقولون، إذا لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا)).
٨١ - سورة الإسراء
- ١١٤ -
وقد قرأ جمهور القراء ((كما تقولون)) وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم
(((كما يقولون)).
والمفسرين فى تفسير هذه الآية إتجامان، أما الإتجاه الأول فيرى أصحابه
أن المعنى .
قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين، لو كان مع الله - تعالى -
آلهة أخرى - كما يزعمون - إذاً لطلبوا إلى ذى العرش - وهو الله عز وجل -
طريقاً وسبيلا لتوصلهم إليه، لكى ينازعوه فى ملكه، ويقاسموه إياه، كما
هى عادة الشركاء ، وكما هو ديدن الرؤساء والملوك فيما بينهم.
قال - تعالى -: ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل
إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض، سبحان الله عما يصفون)) (١).
وقال - سبحانه -: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، فسبحان الله رب
العرش عما يصفون ،(٢) .
وهذا الإتجاه قد صدر به صاحب الكشاف كلامه فقال ما ملخصه: قوله
(إذاً لا بتغوا إلى ذى العرش سبيلا)) جواب عن مقالة المشركين وجزاء لِلَو".
أى: إذا لطلبوا إلى من له الملك والربوبية سبيلا بالمغالبة، كما يفعل الملوك
بعضهم مع بعض ... ،(٣).
وأما الإتجاه الثانى فيرى أصحابه أن المعنى : قل أيها الرسول لهؤلاء
المشركين. لو كان مع الله - تعالى - آلهة أخرى - كما يزعمون -، إذا لا بتغوا
- أى الآلهة المزعومة - إلى ذى العرش سبيلا وطريقا ليقتربوا إليه ،
ويعترفوا بفضله، ويخلصوا له العبادة ، كما قال - تعالى -: أولئك الذين
(١) سورة المؤمنون الآيه ٩١
(٢) سورة الأنبياء الآ يه ٢٢
(٣) تفسير الكشاف جـ ٢ ص : ٤٥
- ١١٥-
يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ، ويرجون رحمته ، ويخافون
عذابه ، إن عذاب ربك كان محظورا ،(١) .
وقد اقتصر ابن كثير على هذا الوجه فى تفسيره للآيه فقال: يقول - تعالى -:
قل یا محمد لهؤلاء المشر کین الزاعمين أن لله شریکا ،ن خلقه ، لو كان الأمر كما
تقولون، من أن .مه آلهة تعبد ... لمكان أولئك المعبودون يعبدونه
ويتقربون إليه ويبتغون إليه الوسيلة والقربة ... ،(٢)
ومع وجاهة الرأيين، إلا أن الرأى الأول أظهر، لأن فى الآيه فرض
المحال، وهو وجود الآلهة مع الله - تعالى - ، وافتراض وجودها المحال
لا يظهر منه أنها تتقرب إليه - سبحانه - ، بل الذى يظهر منه أنها تنازعه لو
كانت موجودة، ولأن هذا الرأى يناسبه - أيضا - قوله - تعالى - بعدذلك:
(( سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيرا)).
أى: تنزه الله - تعالى - عما يقوله المشركون فى شأنه وتباعد، وعلا
علوا كبيرا، فإنه - جل شأنه - لا ولد له ، فلا شريك له ...
قال - تعالى -: قل هو الله أحد. اله الصعد . لم يلد ولم يولد. ولم يكن له
کفوا أحد ،
والتعبير بقوله - سبحانه -: ((إذا لاتغوا إلى ذى العرش سبيلا)» بشير
إلى الإرتفاع والقسامى على تلك الآلهة المزعومة، وأنهادون عرشه - تمالى -
وتحته ، وليست معه ٠٠.،
ثم بين - سبحانه - أن جميع الكائنات تسبح بحمده فقال - تعالى - :
تسبح له السموات السبع، والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح
بحمده، ولكن لا تفقون تسبيحهم ٠٠)
(١) سورة الإسراء الآيه ٥٧
(٢) تفسير ابن کثیر ج ٥ ص ٧٦
-١١٦-
والتسبيح: مأخوذ من السبح، وهو المر السريع فى الماء أو فى الهواء ،
فالمسبح مسرع فى تنزيه الله وتبرئنة من السوء، ومن كل ما لا يليق به -سبحانه -.
أى تنزه الله - تعالى - ونغجده، السموات السبع، والأرض، ومن فيهن
من الإنس والجن والملائكة وغير ذلك، وما من شىء من مخلوقاته التى لا تحصى
إلا ويسبح بحمد خالقه - تعالى-، ((ولكن)) أنتم يا بنى آدم ((لا تفقهون تسبيحهم،
لأن تسبيخهم بخلاف لغتكم؛ وفوق مستوى فهمكم، وإنما الذى يعلم تسبيحهم
هو خالقهم عز وجل ، وصدق - سبحانه - إذ يقول: ألا يعلم من خلق وهو
اللطيف الخبير ».
والمتدبر فى هذه الآية الكريمة ، يراها تبعث فى النفوس الخشية والرهبه
من الخالق .. عز وجل - ، لأنها تصرح تصريحاً بليغا بأن كل جماد، وكل
حيوان ، وكل طير، وكل حشرة ... بل كل كائن فى هذا الوجود يسبح
بحمده - تعالى -.
وهذا التصريح يحمل كل إنسان عاقل على طاعة الله، وإخلاص العبادة له،
ومداومة ذكره ... حتى لا يكون وهو الذى كرمه ربه وفضله أقل من غيره
طاعة لله - تعالى - .
وقوله (« إنه كان حلما غفورا، تذييل قصد به بيان فضل الله - تعالى -
ورحمته بعباده « مع تقصيرهم فى تسبيحه وذكره.
أى: (( إنه كان حليما)، لا يعاجل المقصر بالعقوبة، بل يمهله لعله يرعوى
وينزجر عن تقصيره ومعصيته، ((غفورا، لمن تاب وآمن وعمل صالحا واهتدى
إلى صراعه المستقيم.
هذا، ومن العلماء من يرى أن تسبيح هذه المكائنات بلسان الحال .
قال بعض العلماء تسبيخ هذه الكائنات لله - تعالى - هو دلالته بإمكانها
وحدوثها ، وتغير شئونها ، وبديع صنعها ، على وجود مبدعها ، ووحدئه ،
وقدرته: وتنزها عن لوازم الإمكان والحدوث ، كما يدل الأثر على المؤثر.
-
٠- ١١٧ ٠
فهى دلالة بلسان الحال ، لا يفقها إلا ذووا البصائر . أما الكافرون فلا
يفقهون هذا التسبيح، لفرط جهلهم , وانطماس بصيرتهم .... (١)
ومنهم من يرى أن تسبيحها بلسان المقال، أى أن التسبيح بمعناه الحقيقى.
فالكل يسبح بحمد الله؛ ولكن بلغته الخاصة التى لا يفهمها الناس.
قال الإمام ابن كثير ما ملخصة: وقوله: ((وإن من شيء إلا يسبح بحمده))
أى: وما من شىء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله ((ولكن لا تفقهون
تسبيحهم، ى: لا تفقمون تسبيحهم - أيها الناس .. لأنها بخلاف لغتكم.
وهذا عام فى الحيوانات والنبات والجماد .
وهذا أشهر القولين كما ثبت فى صحيح البخارى وغيره ، عن إبن مسعود أنه
قال :: "كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل))
وفى حديث أبى ذر: أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أخذ فى يده
حصيات ، فسمع لهن تسبيح كحنين النحل . وكذا فى يد أبى بكروعمروعثمان
· رضى الله عنهم - وهو حديث مشهور فى المسافيد ....
ثم قال ويشهد لهذا القول آية السجدة فى أول سورة الحج - وهى قوله
- تعالى -: ألم تر أن أقه يسجد له من فى السموات ومن فى الأرض ،
والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب ، وكثير من الناس ،
... (٣)
وكثير حق عليه العذاب .
وقال القرطبى: قوله .. تعالى -: ((تسبح له السموات السبع والأرض
ومن فيهن ، أعاد على السموات والأرض ضمير من يعقل ، لما أسند اليه فعل
(١) صفوة البيان لمعانى القرآن جـ ١ - ٤٥٧ لفضيلة الشيخ حنين مخلوف
(٢) الآية ١٨ من سورة الحج وراجع تفسير إن كثير <٥ ص ٧٦
طبعة دار الشعب .
- ١١٨ -
العاقل وهو التسبيح . و قوله «ومن فيهن، يريد الملائكة والإنس والجن ، ثم
عمم بعد ذلك الأشياء كلها فى قوله: ((وإن من شيء إلا يسبح بحمده)).
وإختلف فى هذا العموم هل هو مخصص أولا. فقالت فرقة: ليس
مخصوصا، والمراد به تسبيح الدلالة ، كل محدث يشهد على نفسه بأن الله
- عز وجل - خالق قادر .
وقالت طائفة: هذا التسبيح حقيقة، وكل شىء على العموم يسبح تسبيحا
لا يسمعه البشر : ولا يفقهه، ولو كان ما قاله الأولون من أنه أثر الصفة
والدلالة، لكان أمرا مفهوما، والآية تنطق بأن هذا التسبيح لا يفقة ...
ويستدل لهذا القول من الكتاب بقوله - تعالى -: ولقد آتينا داود منا
فضلا ياجبال أوي معه والطير ٠٠٠ ,
وقوله - تعالى -. وأذكر عبدنا داود ذا الأيد أنه أواب. إنا سخرنا
الجبال معه يسبحن بالعشى والإشراق ، ...
ثم قال: فالصحيح أن الكل يسبح الأخبار الدالة على ذلك ، ولو كان
ذلك القسبيج تسبيح دلالة ، فأى تخصيص لداود، وإنما ذلك تسبيح المقال ،
مخلق الحياه والإنطاق بالتسبيح. وقد نصت السنة على مادل عليه ظاهر
القرآن من تسبيح كل شىء فالقول به أولى (١)
والذى تطمئن إليه النفس أن التسبيح حقيقى وبلسان المقال ، لأن هذا
هو الظاهر (من الآية الكريمة، ولأن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية
تؤيد ذلك .
وبعد أن أقام - سبحانه - الأدلة على وحدانيته، وأثبت أن كل شىء
يسبح بحمده، أتبع ذلك ببيان أحوال المشركين عند سماعهم القرآن الكريم،
(١) راجع تفسير القرطبى = ١٠ ص ٢٦٦
- ٠٠١١١
وبيان ما جعله الله - تعالى - على حواسهم بسبب جحودهم وعنادهم، فقال
- تعالى -:
((ِ إِذَا قرأتَ القرآنَ جَعَلْنَا بينكَ وبين الذينَ لا يُؤْمِنُونَ بالآخرةِ
حجاباً مَسْتُورًا (٤٥) وجعلناَ عَلَى قلوبِهِم أكِنَّةً أن يفقهُوهُ وفى آذَانِم
وقراً، وإذَا ذَكرتَ رَبَّكَ فى القرآنِ وحدَه، ولَّوْا على أدبارهم
تقُوراً (٤٦) نحن أعلَمُ بما يستِمْوْنَ به، إذ يستِعُونَ إليكَ وإذْهُمْ
نجوَى، إذْ يقولُ الظالِمُونَ إنْ تَتْبِعُونَ إلاَّ رجلاً، سُوراً (٤٧) انْظُر
كيفَ ضربُوا الأمثالَ فضلُوا فلا يستطيعونَ سبيلاً (٤٨))).
والخطاب فى قوله - تعالى -: وإذا قرأت القرآن .... ، للرسول - صلى
الله عليه وسلم - وقوله (( حجابا)) من الحجب بمعنى المفع.
قال صاحب المصباح: حجبه حجبا - من باب قتل - منعه. ومنه قيل
للستر حجاب ، لأنه يمنع المشاهدة . وقيل للبواب: حاجب، لأنه يمنع من
الدخول. والأصل فى الحجاب: جسم حائل بين جسدين ، وقد إستعمل فى
المعانى فقيل: العجز حاجب، أى : بين الإنسان ومراده ... ، (١)
وقوله ( مستورا، أى: ساترا، فهو من إطلاق إسم المفعول وإرادة
إسم الفاعل . كميمون بمعنى يامن. ومشئوم بمعنى شائم .
وإختار بعضهم أن مستورا على معناه الظاهر، من كونه إسم مفعول ،
لأن ذلك الحجاب مستور عن أعين الناس فلا يرونه، أو مستورا به القارىء
فلا يراه غيره ويجوز أن يكون مستورا، أى : ذا ستر فهو للفسب كمكان
(١) المصباح المنير حـ ١٢١ للشيخ الفيومى،
- ١٢٠ -
عهول: ذو هول .. وللمفسرين فى تفسير هذه الآية أقوال، أشهرها
قولان :
أولهما يرى أصحابه، أن المراد بالحجاب المستور ، ماحجب الله به قلوب
هؤلاء الكافرين عن الإنتفاع بهدى القرآن الكريم ، بسبب جحودهم وجهلهم
وإصرارهم على كفرهم . فهو حجاب معنوى خفى ، حال بينهم وبين الإنتفاع
بالقرآن .
فهم يستمعون اليه، ولكنهم بجاهدون قلوبهم ألا ترق لة، ويمافعون
فطرتهم عن التأثر بة ، فكان إستماعهم له كعدمه ، وعاقبهم الله على ذلك بأن
طمس بصائرهم عن فقهه .
والمعنى: وإذا قرأت - أيها الرسول الكريم - القرآن الهادى إلى الطريق
التى هى أقوم، جعلنا - بقدرتنا - ومشيئتنا - ، بينك وبين الذين لا يؤمنون
بالآخرة، حجابا يحجبهم ويمنعهم عن إدراك أسراره وهداياته، وسائرا بينك
وبينهم ، بحيث لا يصل القرآن إلى قلوبهم وصول إنتفاع وهداية .
ويشهد لهذا المعنى قوله - تعالى - : وقاالوا قلوبنا فى أكنة مما تدعونا اليه
وفى آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب، فاعمل إننا ماملون)، (١)
ومن المفسرين الذين إكتفوا بهذا القول، فلم يذكروا غيره، الإمام
البيضاوى ، فقد قال - رحمه الله: قوله: (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين
الذين لايؤمنون بالآخرة حجا با يحجبهم عن فهم ماتقرؤه عليهم ((مستورا))
ذا ستر، كقوله - تعالى - ((وعده ماتيا)) أو مستورا عن الحس ... )، (٢)
أما القول الثاني فيرى أصحابه: أن المراد بالحجاب المستور ، أن الله
- تعالى - يحجب فبيه - صلى الله عليه وسلم - عن أعين المشركين، بحيث لا يرونه
فى أوقات معينة، لحكم منها النجاة من شرورهم .
(١) سورة فصلت الآية .
(٢) تفسير البيضاوى < ١ ص ٥٨٧