النص المفهرس

صفحات 81-100

- ٨١ =-
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الصدقة على المسكين صدقة.
وعلى ذى الرحم اثنتان : صدقة وصلة ،
وقوله - سبحانه -: (( ولا تبذر تبذيرا)، نهى عن وضع المال فى غير
موضعه الذى شرعه الله - تعالى - مأخوذ من تفريق البذر وإلقائه فى
الأرض كيفما كان من غير تعهد لمواقعه، ثم استعير لتضييع المال فى غير
وجوهه .
قال صاحب الكشاف : التبذير تفريق المال فيما لا ينبغى، وإنفاقه على
وجه الإسراف، وكانت الجاهلية تنحر إبلها وقتياسر عليها، وتبذر أموالها
فى الفخر والسمعة، وتذكر ذلك فى أشعارها ، فأمر الله - تعالى - بالنفقة
فى وجوهها ، ما يقرب منه ويزلف ... )(١)
وقال ابن كثير: وقوله (( ولا تبذر تبذيرا)): لما أمر بالإنفاق نهى عن
الإسراف فيه، بل يكون وسطا، كما قال - تعالى -: والذين إذا أنفقوا لم
يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما)).
وقال ابن مسعود : التبذير: الإنفاق فى غير حق . وكذا قال ابن عباس.
وقال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كله فى الحق لم يكن .. ذراً. ولو أنفق
"هُدًا فى غير حقه كان تبذيراً)،(٢)
وقوله: (( إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين , وكان الشيطان لربه
كفورا)، تعليل للنهى والتبذير «وتنفير منه بأبلغ أسلوب
والمراد بأخوة الشياطين: الممائلة لهم فى الصفات السيئة ، والسلوك
القبيح .
قال الإمام الرازى: والمراد من هذه الإخوة، التشبيه بهم فى هذا الفعل
(١) تفسير الكشاف - ٢ ص ٤،٦
(٢) تفسير ابن كثير < ٥ ص ٦٦ طبعة دار الشعب
(٦ - سورة الإسراء:

- ٨٢ -
القبيح، وذلك لأن العرب يسمون الملازم للشىء آخاله، فيقولون: فلان
أخو الكرم والجود. وأخو السفر، إذا كان مواظبا على هذه الأعمال(١)
أى: كن - أيها العاقل - متوسطا فى نفقتك، ولا تبذر قبذيرا. لأن
المبذرين يما ثلون ويشابهون الشياطين فى صفاتهم القبيحة ، وكان الشيطان فى
كل وقت وفى كل حال جحودا لنعم ربه ، لا يشكره عليها ، بل يضعها فى
غير ما خلقت له هذه النعم
وفى تشبيه المبذر بالشيطان فى سلو که السىء ، وفى عصیانه لربه، إشعار
بأن صفة التبذير من أقبح الصفات التى يجب على العاقل أن يبتعد عنها، حتى
لا يكون مماثلا للشيطان الجاحد لنعم ربه .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما يجب على المؤمن فعله فى حال عدم قدرته
على تقديم العون للأقارب والمحتاجين، فقال - تعالى -: ((وإما تعرضن عنهم
ابتغاء رحمة من ربك ترجوها، فقل لهم قولا ميسورا).
ولفظ (( إما)) مركب من ((إن)) الشرطية، ومن ((ما) المزيدة. أى :
وإن تعرض عنهم .
وقوله ((تعرضن)) من الإعراض، بمعنى صرف الوجه عن السائل حياء
منه , بسبب عدم القدرة على تلبية طلبه.
وقوله (« ابتغاء)، مفعول لأجله منصوب بتعرضن، وهو من باب وضع
المسبب موضع السبب. لأن الأصل: وإما تعرضن عنهم الإعسارك.
والمراد بالرحمة : إنتظار الحصول على الرزق، وحلول الفرج بعد الضيق
والميور: اسم مفعول من يسر الأمر - بالبناء المفعول - مثل سعد
الرجل , ومعناه: السهل اللين.
والمعنى: وإما تعرضن - أيها المخاطب - عن ذى قرابتك وعن المسكين
(١) تفسير الفخر الرازى = ٢٠ ص ١٩٣

- ٨٣ -
وابن السبيل ، بسبب إعسارك وانتظارك لرزق يأتيك من الله - عز وجل -
فقل لهم فى هذه الحالة قولا لينا رفيقا يدل على اهتمامك بشأنهم، ويدخل
السرور على نفوسهم، كأن تقول لهم مثلا -: ليس عندى اليوم ما أُقدمه
لكم، وان يرزقنى الله بشىء فسأجعل لكم نصيبا منه.
قال القرطبى ما ملخصه : وهو تأديب نجيب ، وقول لطيف بديع ، أى
لا تعرض عنهم إعراض مستهين عن ظهر غنى وقدرة فتحرمهم، وإنما يجوز
أن تعرض عنهم عند جز یعرض، وعائق »وق ، و أنت عند ذلك قر جومن
الله - تعالى - فتح باب الخير، لتتوصل به إلى مواساة السائل، فإن قعد بك
الحال ((فقل لهم قولا ميسورا)) أى لينا لطيفا .. ولقد أحسن من قال:
للسائلين فإنى لينُ العود
إنلمتکن وَرِ ق يوماًأجودبها
إما نوالى وإما حسنُ مردود(١)
لا يعدم السائلوناخير من خلقى
أن أرشد - سبحانه - عباده إلى أفضل الطرق لإنفاق أموالهم والتصرف
فيها، فقال - تعالى -,ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك، ولا تبسطها كل
أبسط ، فتقعد ملوما محسورا))
وقوله ((مغلولة)) من الغل - بضم الغين - وأعمله الطوق الذى يجعل فى العنو
وقربط به اليد، كما يربط المذقب والأسير. وهو كناية عن البخل والتقتير .
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: غل اليد وبسطها بجاز عن البخل والجود
ولا يقصد من يتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط . ولا فرق عنده بینهذا
الكلام وبين ما وقع مجازا عنه، لأنهما كلامان متعقبان على حقيقة واحدة.
حتى أنه يستعمله فى ملك لا يعطى عطاء قط، ولا يمنعه إلا إشارته من غير
استعمال يد وقبضها وبسطها. ولو أعطى الأقطع إلى المكب عطاء جزيلا
(١) تفسير القرطى = ١٠ ص ٠٢٤٩

٠٠ ٨٤ -
لقالوا: ما أبسط يده بالنوال؛ لأن بسط اليد وقبضها عبارتين متعاقبتين
للبخل والجود ... )(١).
وقوله(( محسورا، من الحور بمعنى الانقطاع عن الشىء، والعجز عن
الحصول عليه .
يقال: فلان حسره السير، إذا أثر فيه أثرا بليغا جعله يعجز عن اللحاق
برفقائه .
ويقال: بعير محسور. أى: ذهبت قوته وأصابه الكلل والإعياء. فصار
لا يستطيع النهوض بما يوضع عليه من أحمال .
والمقصود من الآية الكريمة: الأمر بالتوسط والاعتدال فى الإنفاق ،
والنهى عن البخل والإسراف .
وقد شبه - سبحانه - مال البخيل ، بحال من يده مربوطة إلى عنقه
ربطا محكما بالقيود والسلاسل، فصار لا يستطيع تحريكها أو التصرف بها.
وشبه حال المسرف والمبذر, بحال من مد يده وبسطها بطا كبيرا،
بحيث أصبحت لا تمسك شتئًا يوضع فيها سواء أكان قليلا أم كثيرا.
والمعنى: كن - أيها الإنسان - متوسطا فى كل أمورك، ومعتد لا فى إنفاق
أموالك , بحيث لا تكن بخيلا ولا مسرفا، فان الإسراف والبخل يؤديان بك
إلى أن تصير ملوما. أى: مذموما من الخلق والخالق محسورا، أى=
مغموما منقطعا عن الوصول إلى مبتغاك بسبب ضياع مالك، واحتياجك
إلى غيرك .
قال الألوسى ما ملخصه : فالآية الكريمة تحض على التوسط، وذلك هو
الجود الممدوح، غير الأمور أو ساطها. وأخرجه أحمد وغيره عن ابن عباس
(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٠٦٥٥

- ٨٥ -
قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((ما عال من اقتصد .. وأخرجه
البيهقى عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- «الاقتصاد
فى النفقة نصف المعيشة)). وفى رواية عن أنس مرفوعا: ((التدبير نصف
المعيشة، والتودد نصف العقل، والهم نصف الهرم، وقلة العيال أحد اليسارين
وكان يقال: حسن التدبير مع العفاف, خير من الغنى مع الإسراف.(١)
ثم بين - سبحانة .- أن مرجع الأمور كلها إليه، فهو المعطى وهو
المافع، فقال - تعالى -: إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء وبقدر، إنه كان
بعباده خبيرا بصيرا .
أى: إن ربك - أيها الإنسان العاقل يبسط الرزق ويضيقه ويقدره على
من يشاء من خلقه. إذكل شىء فى هذا الكون يسير على حسب ما تقتضيه
حكمته ومشيئته، وهو - سبحانه العليم ببواطن الناس وبظواهرهم، لا يخفى
عليه شىء من أحوالهم , ولا يعطى أو يمنع، إلا لحكمة هو يعلمها.
قال - تعالى -: ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممك لها، وما يمسك
فلا مرسل له من بعده، وهو العزيز الحكيم)).
وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قدحضت على إيتاء ذوى القربى والمساكين
وابن السبيل حقوقهم. وعلى الاعتدال فى إنفاق المال، ونهت عن الشح
والتبذير , وأسندت العطاء والمنع إلى الله - تعالى - الخبير البصير بالظواهر
والبواطن .
ثم يسوق - سبحانه - جملة من النواهى التى يؤدى الوقوع فيها إلى فساد
أحوال الأفراد والجماعات، وإلى شيوع الفاحشة فى الأمم، مما يؤدى إلى
اضمحلالها وذهاب ريحها ، فقال تعالى -:
(١) تفسير الآلوسي = ١٥ ص ٠٦٥

- ٨٦ -
((ولا تَتُلُوا أولادَ كُمْ خَشْيَةَ إملاقٍ نحنُ رْزُقُهم وإياكُم، إنّ
قتلَهم كانَ خِْتً كبيراً (٣١) ولا تقرَ بُوا الزِّنَآَ، إنَّه كانَ فاحِشةً وساء
سبيلاً (٢٢) ولا تَقْتُلُوا النفسَ التى حرَّمَ اللهُ إِلاَّ بالحقُّ، ومَنْ فُتِلَ
مُظْلُومَاً فَقَدْ جَعَلْاَ لوَلَبِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِفْ فى القتلِ إنّه كانَ
منصُوراً (٣٣) ولا تقرَبُوا مالَ اليقيم إلا بالتى هِىَ أَحْسَنُ حتَّى يَبْلُغَ
أَشُدَّهُ ، وأوْفُوا بالعهدِ إنّ العهدَ كَانَ مَس ◌ُولاً (٣٤) وأوْفُوا الكيلَ
إذا ◌ِلْتُم وزِنُوا بالقِنْظَاسِ المسْتَقِيم، ذلكَ خيرٌ وأحسنُ تأويلاً (٣٥)
ولا تَقْفُ ما لبسَ لكَ بِهِ علمٌ، إنَِّالسمْعَ والبصرَ والفؤادَ، كل أولئكَ
كانَ مَنْهُ مسئُولاً (٣٦) ولا تشٍ فى الأرضِ مرحاً، إنكَ لن تُخرِقَ
الأرضَ وَأَنْ تَبْلُغَ الْجِبَلَ طولاً (٣٧) كل ◌ٍ ذلك كان سَيُّهُ عندَ
إليكَ رَبْكَ مِن الْحَكَمَةِ ، ولا
وَبِّكَ مَكْرُ وهَاً (٣٨) ذلك ممّا أَوْحَى
تَجْعَلْ مُعَ اللَّهِ إِذَا آخرَ فَتُلْقَى فِى جَهَّمْ إِمِلوماً مدحوراً (٣٩))).
{ وقوله - سبحانه -: (( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ٠٠٠، نهى عن
قتل الأولاد بعد بيان أن الأرزاق بيده - سبحانه -، يبسطها لمن يشاء،
ويضيقها على من يشاء.
والإملاق: الفقر. يقال: أملق الرجل إذا افتقر قال الشاعر:
وإنى على الإملاق يا قوم ماجد أعد الأضيافى الشواء المصهيا
قال الآلوسى: وظاهر اللفظ النهى عن جميع أنواع قتل الأولاد،
٢
14
ذكورا كانوا أو إناثا مخافة الفقر والفاقة.

٨٧٠ -
لكن روى أن من أهل الجاهلية من كان يعد البنات مخافة العجز عن النفقة
عليهن، فهى فى الآية عن ذلك، فيكون المراد بالأولاد البنات، وبالقتل
الوأد .... (١)
أى: ولا تقتلوا - أيها الآباء - أولادكم خشية فقر متوقع، فنحن قد
تكفلنا برزقهم ورزقكم، وأرزاق غيركم من مخلوقاتنا التى لا تحصى .
قال - تعالى -: (( وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها ... ))
ولا شك أن الحياة حق لهؤلاء الصغار كما أنها حق لكم ، فمن الظلم البين
الإعتداء على حقوقهم ، والتخلص منهم خوفا من الفقر المتوقع فى المستقبل ،
مع أن الله - تعالى - هو الرازق لهم ولكم فى كل زمان ومكان .
وقد ورد النهى عن قتل الأولاد هنا بهذه الصيغة، وورد فى سورة الأنعام
بصيغة أخرى، هى قوله - تعالى -،ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن
رزقكم وإياهم ،.
وليست أحداهما تكرارا للأخرى، وإنما كل واحدة منهما تعالج حالة
معينة .
فهنا يقول - سبحانه - ((ولا تقتلوا أولاد كم خشية إملاق نحن نرزقهم
وإياكم، لأن النهى موجه بالأصالة إلى الموسرين، الذين يقتلون أولادهم لا من
أجل فقر كائن فيهم، وإنما من أجل فقرهم يتوهمون حصوله فى المستقبل
بسبب الأولاد، لذا قال - سبحانه - «نحن نرزقهم وإياكم، فقدم رزق الأولاد
لأنهم سبب توقع الفقر، فى زعم آبائهم - لكى يمتنع الآباء عن هذا التوقع
ولكى يضمن للأولاد رزقهم ابتداء مستقلا عن رزق الآباء.
وقال - سبحانه - هناك «من إملاق، لأن النهى متوجه أصالة إلى الآباء
والمعسرين: أى لا تقتلوهم يسبب الفقر الموجود فيكم ـ أيها الآباء، فقد
(١) تفسير الآلوسي = ١٥ ص ٦٦

- ٨٨ -
يجعل الله بعد عسر يسرا. ولذا قال - سبحانه ـ (( نحن نرزقكم وإياهم ، مجمل
الرزق للآباء إبتداء. لكى يطمئنهم - سبحانه - على أنه هو الكفيل برزقهم
وبرزق أولادهم .
وفى كلتا الحالتين، القرآن الكريم ينهى على قتل الأولاد ، ويغرس فى
نفوس الآباء الثقة بالله - تعالى -، والإعتماد عليه.
وجملة، نحن فرزقهم وإياكم، تعليل للنهى عن قتل الأولاد، بإبطال
موجبه - فى زعمهم - وهو الفقر .
أى: نحن نرزقهم لا أتم ، وفرزقكم أنتم معهم ، وما دام الأمر كذلك،
فلا تقدموا على تلك الجريمة النكراء : وهى قتل الأولاد، لأن الأولاد ،
قطعة من أبيهم، والشأن - حتى فى الحيوان الأعجم - أنه يضحى من أجل أولاده
ويحميهم ، ويتحمل الصعاب فى سبيلهم .
وقوله (( إن قتلهم كان خطئا كبيرا، تعليل آخر للنهى عن قتل الأولاد
جىء به على سبيل التأكيد .
والخيطنْأُ: هو الإثم - وزنا ومعنى -، مصدر خطىء - كأنم إنما من
باب علم .
أى: أن قتل الأولاد كان عند الله - تعالى - إنما كبيراً فاحشا ، يؤدى
إلى التعاسة والشقاء فى الدنيا والآخرة:
والحق أن المجتمع الذى يبيح قتل الأولاد ، خوفا من الفقر أو العار ،
لا يمكن أن يصلح شأنه، لأنه مجتمع نفعى تسوده الأثرة والأنانية والتشاؤم
والأوهام، لأن أفراده يظنون أن الله يخلق خلقا لا يدبر لهم رزقهم، ويعتدون
على روح بريئة طاهرة، تخوفا من فقر أو عار مترقب، وذاك هو الضلال
المبين .
ورحم الله الإمام الرازى فقد قال عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه:

- ٨٩ -
إن قتل الأولاد وإن كان لخوف الفقر، فهو سوء ظن باقه. وان كان
لأجل الغيرة على البنات فهو سعى فى تخريب العالم. فالأول ضد التعظيم الأمر
الله - تعالى - والثانى صد الشفقة على خلقه، وكلاهما مذهوم)) (١)
ولقد أمر اثنى - صلى الله عليه وسلم - برعاية الأبناء، وحذر من الإعتداء
عليهم فى أحاديث كثيرة، ومن ذلك ماجاء فى الصحيحين عن عبدالله بن مسعود
قال: قلت يا رسول الله، أى الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو
خلقك . قلت : ثم أى ؟ قال : أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت:
ثم أى؟ قال : أن تزنى بحليلة جارك(٢)
وبعد أن نهى - سبحانه - عن قتل الأولاد المؤدى إلى افناء النسل، أتبع
ذلك بالنهى عن فاحشة الزنا المؤدية الى اختلاط الأنساب ، فقال - تعالى - :
(( ولا تقربوا الزنا، أنه كان فاحشة وساء سبيلا،
والزنا: وطء. المرأة بدون عقد شرعى يجيز للرجل وطأها .
والفاحشة: ماعظم قبحه من الأقوال والأفعال . يقال فحش الشىء ،
فحشاء كفبح قبحا - وزنا ومعنى -، ويقال أفحش الرجل ، اذا أتى الفحش
بضم الفاء وسكون الحاء، وهو القبيح من القول أو الفعل . وأكثر ماتكون
الفاحشة اطلاقا على الزنا .
وتعليق النهى بقربنها، المبالغة فى الزجر عنها، لأن قر بانها قد يؤدى الى
الوقوع فيها ، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه .
وهذا لون حكيم من ألوان اصلاح النفوس ، لأنه اذا حصل النهى عن
القرب من الشى. ، فلأن ينهى عن فعله من باب أولى .
فكأنه - سبحانه - يقول: كونوا - أيها المسلمون بعيدين عن كل المقدمات
(١) تفسير الفخر الرازى - ٢٠ ص ١٩٦
(٢) تفسير ابن كثير < ٥ ص ٦٩

- ٩٠ -
التى تفضى إلى فاحشة الزنا كمخالطة النساء، والخلوة بهن، والنظر اليهن ...
فإن ذلك يفتح الطريق الى الوقوع فيها.
قال بعض العلماء : وكثيراً ما يتعلق النهى فى القرآن بالقربان من الشىء ،
وضابطه بالاستقراء:
أن كل منهى عنه من شأنه أن تميل النفوس اليه ، وتدفع البه الأهواء ،
جاء النهى فيه عن القربان، ويكون القصد التحذير من أن يأخذ ذلك الميل
فى النفس مكانة تصل بها إلى اقتراف المحرم ، ومن ذلك قوله - تعالى -:
((ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن .. )) , ولا تقربوا الزنا ... ))
((( ولا تقربوهن حتى يطهرن .. »
أما المحرمات التى لم يؤلف ميل النفوس اليها، ولا إقتضاء الشهوات لها،
فإن الغالب فيها ، أن يتعلق النبى عنها بنفس الفعل لا بالقربان منه.
ومن ذلك قوله - تعالى ((ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ... )) وقوله
- تعالى - ((ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ....
فهذه وإن كانت فواحش ، إلا أنها ليست ذات دوافع نفسية، يميل إليها
الإنسان بشهوته . بل هى فى نظر العقل على المقابل من ذلك، يجد الإنسان فى
نفسه مرارة إرتكابها ، ولا يقدم عليها إلا وهو كاره لها، أو فى حكم
الكاره .. ،!)
وقوله: « إنه كان فاحشة وساء سبيلا، تعليل للنهى عن الإقتراب منه
أى : ابتعدوا عن مقدمات الزنا فضلا عن الوقوع فيه ذاته ، لأنه كان
- وما زال - فى شرع الله، وفى نظر كل عقل سليم فعلة فاحشة ظاهرة القبح
وبئس الطريق طريقة، فإنها طريق تؤدى إلى غضب الله - تعالى - وسخطه.
(١) تفسير القرآن العظيم ص ٤٤١ لفضيلة المرحوم الشيخ محمود شلتوت

٠ ٩١ ٠
ومما لاشك فيه أن فاحشة الزنا من أقبح الفواحش التى تؤدى إلى
شيوع الفساد والأمراض الخبيثة فى الأفراد والمجتمعات ، وما وجدت فى
أمة إلا وكانت عاقبتها خراً .
ولقد تحدث الإمام الرازى عن تلك المفاسد التى تترتب على الزنا فقال
ما ملخصه :
الزنا أشتمل على أنواع من المفاسد : أولها : اختلاط الأنساب
واشتباهها، فلا يعرف الإنسان أن الولد الذى أتت به الزانية، أهو منه أو
من غيره ...
وثانيها : أنه اذا لم يوجد سبب شرعى لأجله يكون هذا الرجل لتلك
المرأة ، لم يبق فى حصول ذلك الإختصاص الا التوائب والتقاتل ...
وثالثها : أن المرأة اذا باشرت الزنا، استقدرها كل طبع سليم ، وحينئذ
لاتحصل الألفة والمحبة، ولا يتم السكن والإزدواج ...
ورابعها : أنه اذا فتح باب الزنا ، فحينئذ لا يبقى لرجل اختصاصر بامرأة
وحينئذ لا يبقى بين نوع الإنسان، وبين سائر البهاتم فرق فى هذا الباب .
وخامسها: أنه ليس المقصود من المرأة قضاء الشهوة، بل أن تصير شريكة
للرجل فى ترتيب المنزل واعداد مهماته ... وهذه المهمات لاتتم الا اذا
كانت مقصورة الهمة على هذا الرجل الواحد، منقطعة الطمع عن سائر الرجال
وذلك لايحصل الا بتحريم الزنا ... فثبت بما ذكرنا أن العقول السليمة
تقضى على الزنا بالقبح (١)
ولقد سد الإسلام جميع المنافذ التى تؤدى الى ارتكاب هذه الفاحشة،
وسلك لذلك وسائل من أهمها :
١ - تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية، ومنع الإختلاط بين الرجال والنساء
(١) تفسير الفخر الرازى - ٢٠ ص ١٩٨

٠- ٩٢ -
الا فى حدود الضرورة الشرعية ، ومن الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى،
مارواه الشيخان عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
((لا يخلون أحدكم بامرأة الا مع ذي محرم ،
وروى الشيخان - أيضا - عنى عقبة بن عامر أن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - قال: إياكم والدخول على النساء . فقال رجل من الأنصار:
أفرأيت الحمو - بفتح الحاء ومكون الميم - وهو قريب الزوج كمأخيه وابن
عمه - فقال - صلى الله عليه وسلم -: الحمو الموت(١). أى: دخوله قد يؤدى
إلى الموت .
٢ - تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية. ووجوب غض البصر.
قال - تعالى - ((قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوافروجهم٠٠»
وقال - سبحانه -،وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن
فروجين .... ،(٢)
وروى الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-
قال : كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك ذلك لا محالة: العينان زناهما
النظر ، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام ... والقلب يهوى
ويتمنى، ويصدق ذلك تفرج أو يكذبه،(٣).
٣ - وجوب التستر والاحتشام للمرأة ، فإن التبرج والسفور يغرى
الرجال بالنساء، ويحرك الغريزة الجنسية بينهما .
قال - تعالى -: (( يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدفين
(١) رياض الصالحين ص ٦٢٤ باب تحريم الحلوة بالأجنبية.
(٢) سورة النور الآيتان ٢١،٣٠
(٣) رياض الصالحين ص ٦٢٢ الإمام النووى .

- ٩٢-
عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين .. ))(١)
٤ - الحض على الزواج، وتيسير وسائله، والبعد عن التغالى فى نفقاته،
وتخفيف مؤنه وتكاليفه .... فإن الزواج من شأنه أن يحصن الإنسان،
ويجعله يقضى شهوته فى الحلال ...
فإذا لم يستطع الشاب الزواج ، فعليه بالصوم فإنه له وقاية - كما جاء فى
الحديث الشريف - .
٥ - إقامة حدود الله بحزم وشدة على الزناة سواء أكانوا من الرجال
أم من النساء ، كما قال - تعالى -. الزانية والزاني فاجلد وا كل واحد منهما مائة
جلدة . ولاتأخذكم بهما رأفة فى دين الله إن كنتم يؤمنون بالله واليوم الآخر،
وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين))(٢).
وهذا الجلد إنما هو بالنسبة للبكرذكرا كان أو أنثى، أما بالنسبة للحصن
وهو المتزوج أو الذى سبق له الزواج ، فعقوبته الرجم ذكرا كان أو أنثى،
وقد ثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة .
ففى الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى فى زان لم
يتزوج وزانية متزوجة، بقوله لوالد الرجل: «على ابنك مائة جلدة وتغريب
عام، ثم قال - صلى الله عليه وسلم - لأحد أصحابه واسمه أنيس: أغدياً أنيس
إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها ، فغدا عليها فاعترفت فرجها .
ومما لاشك فيه أنه لو تم تنفيذ حدود الله - تعالى - على الزناة، لحقت هذه
الفاحشة محقا ، لان الشخص إن لم یتر کها خوفا من ربه - عز وجل - لتر کها
خوفا من تلك العقوبة الرادعة ، ومن فضيحته على رءوس الاشهاد .
(١) سورة الأحزاب الآية ٥٩
(٢) سورة النور الآية ٢

-- ٩٤ -
هذه بعض وسائل الوقاية من تذك الفاحشة القبيحة ، ولواتبعها المسلمون،
لطهرت أمتهم من رجسها ، ولحنمظت فى دينها ودنياها .
ثم نهى - سبحانه - عن قتل النفس المعصومة الذم، بعد نهيه عن قتل
الاولاد، وعن الاقتراب من فاحشة الزنا فقال - تعالى -: ولا تقتلوا النفس
انتى حرم الله إلا بالحق .
أى: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله قتلها، إلا بالحق الذى يبيح قتلها
شرعا، كردة، أو قصاص، أو زنا يوجب الرجم.
قال الإمام ابن كثير: يقول - تعالى - ناهياً عن قتل النفس بغير حق
شرعى، كما ثبت فى الصحيحين - عن عبد الله بن مسعود - أن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا القه
وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والزائى المحصن,
والتارك لدينه المفارق الجماعة .
وفى السنن . لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مسلم))(١).
وقوله - ((إلا بالحق)) متعلق بلا تقتلوا، والباء للسببية، والإستثناء
مفرغ من أعم الاحوال أى: لا تقتلوها فى حال من الأحوال ، إلا فى حال
إرتكابها لما يوجب قتلها .
وذلك ؛ لأن الإسلام ينظر إلى وجود الإنسان على أنه بناء بناء الله - تعالى-
فلا يحل لاح أن يهدمه إلا بحق .
وبهذا يقرر الإسلام عصمة الدم الإنسانى، ويعتبر من يعتدى على نفس
واحدة، فكأنما قد اعتدى على الناس جميعا. قال - تعالى - : من أجل ذلك
كتبنا على بنى إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض
(١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٧٠

- ٩٥ -
فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ... )) (١)
وقوله - سبحانه -، ((ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا
يسرف فى القتل إنه كان منصورا)، إرشاد لولى المقتول إلى سلوك طريق
العدل عند المطالبة بحقه .
والمراد بوليه. من يلى أمر المقتول، كأبيه وابنه وأخيه وغيرهم من
أقاربه الذين لهم الحق فى المطالبة بدمه . فإن لم يكن للقتول ولى ،
فالحا کم و ليه .
والمراد بالسلطان: القوة التى منحتها شريعة الله - تعالى - لولى المقتول
على القاتل ، حيث جعلت من حق هذا الولى المطالبة بالقصاص من القاتل ،
أو أخذ الدية منه، أن العفو عنه، ولا يستطيع أحد أن ينازعة فى هذا الحق،
أو أن يجبره على التنازل عنه .
والمعنى: ومن قتل مظلوما، أى: بدون سبب يوجب قتله ، فإن دمه لم
يذهب هدرا، فقد شرعفا ((لوليه سلطانا)) على القائل، لأنه - أى الولى - إن
شاء طالب بالقصاص منه، وإن شاء أخذ الدية، وإن شاء عفا عنه . وبذلك
يصير الولى هو صاحب الكلمة الأولى فى التصرف فى القاتل ، حتى لكأنه
مملوك له .
وما دامت شريعة الله - تعالى - قد أعطت الولى هذا السلطان على القاتل ،
فعليه أن لا يسرف فى القتل، وأن لا يتجاوز ماشرعه الله - تعالى -.
ومن مظاهر هذا التجاوز : أن يقتل اثنين - مثلا - فى مقابل قتیل واحد،
أو أن يقتل غير القاتل، أو أن يمثل بالقاتل بعد قتله .
قال الألوسى ما ملخصه: كان من عادتهم فى الجاهلية، أنهم إذا قتل منهم
واحد ، قتلوا قاتله ، وقتلوا معه غيره ....
(١) سورة المائدة الآية ٣٢

وأخرج البيهقى فى سننه عن زيد بن أسلم أنه قال : إن الناس فى الجاهلية
كانوا إذا قتل من ليس شريفاً شريفاً، لم يقتلوه به، وقتلواشريفاً من قومه،
فتهوا عن ذلك، كانهوا عن المثلة بالقاقل.
وقرأ حمزة والكسائى : فلا تسرف بالخطاب للولى على سبيل
الإلتفات ، (١).
وقوله: «إنه كان منصورا)، تذييل المقصود به تعليل النهى عن الإسراف
فى القتل . والضمير يعود إلى الولى - أيضا - .
أى: فلا يسرف هذا الولى فى القتل، لأن الله - تعالى - قد نصره عن
طريق ماشرعه له من سلطان عظيم ومن مظاهره : المطالبة بالقصاص من
القاتل ، أو بأخذ الدية، ومن مظاهره - أيضا - وقوف الحاكم وغيره إلى
إلى جانبه حتى يستوفى حقه من القاتل، دون أن ينازعه منازع فى هذا الحق.
ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله «إنه، يعود إلى المقتول ظلما، على
معنى: أن الله - تعالى - قد نصره فى الدنيا بمشروعية القصاص والدية حتى
لا يضيع دمه، ونصره فى الآخرة بالثواب الذي يستحقه، ومادام الأمر كذلك
فعلى وليه أن لا يسرف فى القتل .
ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب. لأنه هو الظاهر من معنى
الآية الكربه.
قال ابن جرير بعد أن ساق الأقوال فى ذلك : وأشبه ذلك بالصواب
عندى ، قول من قال: عنى بها - أى بالهاء فى إنه - الولى ، وعليه عادت ، لأنه
هو المظلوم ووليه المقتول ، وهى إلى ذكره أقرب من ذكر المقتول ، وهو
المنصور - أيضا - لأن الله - جل ثناؤه - قضى فى كتابه المنزل، أن سلطه على
قاتل وليه، وحكمه فيه ، بأن جعل إليه قتله إن شاء، واستبقاءه على الدية
(١) تفسير الآلوسي جـ ١٥ ص ٧٠

٩٧ ٠
إن أحب ، والعفو عنه إن رأى . وكفى بذلك نصرة له من الله - تعالى -،
فلذلك هو المعنى بالها. التى فى قوله (( إنه كان منصورا))(١).
والمتأمل فى هذه الآية الكريمة التى هى أول آية نزلت فى شأن القتل كما
قال الضحاك (٢) -: يراها قد عالجت هذه الجريمة علاجا حكما.
فهى أولا : تنهى عن القتل، لأنه من أكبر الكبائر التى تؤدى إلى غضب
الله - تعالى - وسخطه، قال - تعالى -: ((ومن يقتل مؤمنا متعمدا جزاؤه
جهنم خالدا فيها، وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما، (٣).
وجاء النهى عنه فى بعض الآيات بعد النهى عن الإشراك بالله - عز وجل -،
قال - سبحانه -: ((والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس
التى حرم الله إلا بالحق ... »(٤)
كما جاء النهى عنه فى كثير من الأحاديث النبوية ، ومن ذلك ١٠ جاء فى
الصحيحين عن ابن مسعود - رضى الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - قال: أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة فى الدماء)).
وفى حديث آخر يقول - صلى الله عليه وسلم - الآدمى بنيان الرب ، ملعون
من هدم بنيان الرب ، .
وفى حديث ثالث : لو اجتمع أهل السموات والأرض على قتل رجل
مسلم، لأ كبهم الله فى النار)).
وهذا النهى الشديد عن قتل النفس من أسبابه: أنه يؤدى إلى شيوع الغل
والبغض والتقاتل .... بين الأفراد والجماعات .
(١) تفسير ابن جرير جـ ٨ ص ٦٠: طبعة دار المعرفة - بيروت
(٢) تفسير الآلوسي = ١٥ ص ٧٠
(٣) سورة النساء الآية ٩٣
(٤) سورة الفرقان الآية ٦٨
(٧ - سورة الإسراء

٠- ٩٨ -
إذ النفس البشرية فى كل زمان ومكان، يؤلمها ، ويشير غضبها وانتقامها،
أن ترى قائل عزيز لديها يمشى على الأرض ...
وهى ثانيا: تسوق لولى المقتول من التوجيهات الحكيمة، ما يهدىء نفسه،
ويقلل من غضبه ، ويطفى. من قار ثورته المشتعلة ..
وقد أجاد صاحب الظلال - رحمه الله - فى توضيح هذا المعنى فقال :
(( وفى تولية صاحب الدم على القصاص من القاتل، وتجنيد سلطان الشرع
وتجنيد الحاكم لنصرته ، قلبية للفطرة البشرية، وتهدئة للغليان الذى تستشعره
نفس الولى . الغليان الذى قد يحرفه ويدفعه إلى الضرب يمينا وشمالا، فى حمى
الغضب والانفعال على غير هدى. فأما حين يحس أن الله قد ولاه على دم القاتل.
وأن الحاكم مجند لنصرته على القصاص، فإن ثائرته تهدأ ، ونفسه تسكن،
ويقف عند حد القصاص العادل الهادىء.
والإنسان إنسان ، فلا يطالب بغير ماركب فى فطرته من الرغبة العميقة
فى القصاص . لذلك يعترف الإسلام بهذه الفطره ويلبيها فى الحدود المأمونة،
ولا يتجاهلها فيفرض القسامح فرضا. إنما هو يدعو إلى التسامح ويؤثره،
وبحبب فيه، ويأجر عليه، ولكن بعد أن يعطى الحق . فلولى الدم أن يقتص
أو يصفح .
وشعور ولى الدم بأنه قادر على كليهما، قد يجفح به إلى الصفح والتسامح ،
أما شعوره بأنه مرغم على الصفح فقد يهيج نفسه ، ويدفع به إلى الغلو
والجموح)،(١).
هذا، والذى نعتقده وندين الله - تعالى - عليه، أنه لاعلاج لجريمة
القتل - وغيرها - إلا بتطبيق شريعة الله - تعالى - التى جمعت بين الرحمة
والعدل .
(١) فى ظلال القرآن ــ ١٥ ص ٢٢٣٥

- ٩٩ -
وبالرحمة والعدل: تتلاقى القلوب بعد التفرق ، وتلتثم بعد التصدع ،
وتتسامى عن الانتقام إلى ما هو أعلى منه وهو العفو .
وبعد أن نهى - سبحانه - عن إتلاف النفوس عن طريق القتل والزنا،
أتبع ذلك بالنهى عن إتلاف الأموال التى هى قرام الحياة ، وبدأ - سبحانه -
بالنهى عن الاقتراب من مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن، ثم ثنى بالأمر بإيفاء
الكيل والميزان عند التعامل، فقال - تعالى -:
ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده ، وأوفوا
بالعود إن العهد كان مسئولا ٣٤ وأوفوا الكيل إذا كلتم ، وزنوا بالقسطاس
المستقيم، ذلك خير وأحسن تأويلا ٣٥.
والبقيم : هو الصغير الذى مات أبوه مأخوذ من اليتم بمعنى الانفراد ،
ومنه الدرة اليتيمه .
والخطاب فى قوله: ((ولا تقربوا ... )) لأولياء اليقيم، والأوصياء
على ماله .
والأشد: قوة الإنسان ، واشتعال حرارته ، من الشدة معنى القوة.
يقال: شد النهار إذا ارتفع واكتمل، وهو مفرد جاء بصيغة الجمع. أو هو
جمع لا واحد له من لفظه، أو جمع شدة 5أنعم وقسمة .
أى: ولا تقربوا - أيها الأولياء على اليتيم - ماله الذى منحه الله إياه عن
طريق الميراث أو غيره، إلا بالطريقة التى هى أحسن الطرق، والتى من
شأنها أن تنفعه ، كالمحافظة عليه ، واستثماره له، وانفاقه فى الوجوه المشروعة.
واعلموا أن كل تصرف مع اليتيم أو فى ماله , لا يقع فى تلك الدائرة .
دائوة الأنفع والأحسن ـ فهو تصرف محظور ومنهى عنه، وسيحاسبكم الله
- تعالى - عليه .
وتعليق النهى بالقربان، للمبالغة فى الزجر عن التصرف فى مال اليتيم ،
إلا بالطريقة التى أحس .

-١٠ -
وقوله: ((حتى يبلغ أشده)، ليس غاية للنهى ، إذ ليس المعنى: فإذا بلغ
أشده فاقربوه، لأن هذا المعنى يقتضى إباحة أكل الولى لمال اليتيم بعد بلوغه
وإنما هو غاية لما يفهم من النهى، فيكون المعنى لا تقربوا مال اليتيم إلا
بالطريقة التى هى أحسن ، واستمروا على ذلك حتى يبلغ أشده، أى: حتى
يصير بالغا عاقلا رشيدا ، فإذا ماصار كذلك ، فلموا إليه ماله بأمانته
واستعفاف عن التطلع إلى شىء منه .
هذا ، وقد أمرت شريعة الإسلام، بحسن رعاية اليقيم ، وبالمحافظة على
حقوقه، ونهت عن الإساءة إليه، بأى لون من ألوان الإساءة:
قال - تعالى -: ((ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير، وإن
تخالطوهم فإخوانكم ... (١))
وقال - سبحانه -: ((إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما، إنما يأكلون
فى بطونهم نارا، وسيصلون سعيرا،(٢).
وقال - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى الحديث الذى رواه الإمام.
البخارى عن سهل بن سعد رضى الله عنه - ((أنا وكافل اليتيم فى الجنة هكذا)،
وأشار بالسبابة والوسطى(٣).
وروى السيخان عن أبى هريرة - رضى الله عنه - أنه قال: اجتنبوا السبع
الهوبقات ، قالوا : يارسول الله وماهن؟ قال: الشرك بالله، والسحر ، وقتل
النفس التى حرم الله إلا بالحق ، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولى
يوم الزحف ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات، ,
ومن الحكم التى من أجلها أمر الإسلام بالعطف على اليتيم ونهى عن ظلمه،
أنه إنسان ضعيف فقد الأب الحانى، والعائل والنصير منذ صغره ...
(١) سورة البقرة الآية ٢٢٠
(٢) سورة النساء الآية ١٠
(١٣ من كتاب رياض الصالحين، ص ١٣٧ للإمام النووى