النص المفهرس

صفحات 61-80

- ٦١ -
وقد صح عن أم المؤمنين زينب بنت جحش أنها قالت : قلت، يارسول
أنته، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا آثر الخبث،(١).
ثم بين - سبحانه - أن هذه القرية لم تكن بدعا فى نزول العذاب بها ، بل
هناك قرى كثيرة عقت عن أمر ربها فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر،
فقال - تعالى -، وكم أهلكنا من الفرون من بعد نوح ٠ ٠٠،.
و((كم، هذا خبرية أى: أن معناها الإخبار عن عدد كثير. وهى فى محل
نصب مفعول به لجملة ((أهلكنا)، و((من، فى قوله - تعالى - ((من القرون))
بيان للفظ ((كم، وتمييز له كما يميز العدد بالجنس. وأما، من، فى قوله - تعالى -
((من بعد فوح، فهى لابتداء الغاية.
والقرون : جمع قرن ، ويطلق على القوم المفترفين فى زمان واحد.
والمشهور أن مدته مائة سنة .
أى أن هذه القرية المديرة بسبب فسوق أهلها، وعصيهم الأمرنا .
ليست هى القرية الوحيدة التى نزل ها عذابنا، بل إننا قد أهلكنا كثيرا من
القرى من بعدزمن نوح - عليه السلام - كفوم عاد ونمود وغيرهم مدن استحبو"
العمى على الهدى وآثروا الكفر على الإيمان والغى على الرشد .
وخص نوح - عليه السلام - بالذكر. لأنه أو فى رسول كذبه قومه وآذوه
وسخروا منه ... فأهلكهم الله - تعالى - بالطوفان.
قال ابن كثير : ودل هذا على أن القرون التى كانت بين آدم ونوح على
الإسلام ، كما قاله ابن عباس: كان بين آدم وفوح عشرة قرون كلهم على
الإسلام)،(٢) .
(١) تفسير الآلوسي جـ ١٥ ص ٠٤٤
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٠٥٩

٠ ٦٢
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالتهديد الشديد لمن يخالف أمره فقال
- تعالى - : «وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصبراء.
أبى : وكفى بربك - أيها الرسول الكريم - إحاطة وإطلاعا وعلما بما
يقدم الناس من خير أو شر، فإنه - سبحانه - يعلم السر وأخفى.
والآية الكريمة بجانب أنها قلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - فهى
- أيضا - تهديد للمشركين، وإنذار لهم بأنهم إذا ما استمروا على (فرهم،
ومعاداتهم للحق، وتطاولهم على من جاء به وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم
فسيكونون محلا لغضب الله - تعالى - وسخطه، ولنزول عذابه الذى أهلك به
أمثالهم فى الشرك والكفر والجحود .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ، أفلم يسيروا فى الأرض فينظرواكيف
كان عاقبه الذين من قبلهم، دمر اته عليهم والكافرين أمثالها, (١).
وقوله - تعالى -: ((ولقد خلقنا الانسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن
أقرب إليه من حبل الوريد، (٢).
ثم بين .. سبحانه - بعد ذلك مصير الذين يؤثرون العاجلة على الآجلة،
فقال - تعالى -: ((من كان يريد الماجلة عجلنا له فيها مانشاء لمن زيد» ..
والمراد بالعاجلة: دار الدنيا، وهى صفة لموصوف محذوف أى . الدار
العاجلة التى ينتهى كل شىء فيها بسرعة وعجلة .
أى : من كان يريد بتقوله وعمله وسعيه، زينة الدار العاجلة وشهواتها
فحسب، دون التفات إلى ثواب الدار الآخرة ، ((عجلنا له فيها، أى: عجلنا
لذلك الإنسان فى هذه الدنيا، (( ما نشاء، تعجيله له من زينتها ومتعها ...
(١) سورة محمد الآية ١٠ .
(١) سورة ق الآية ١٦

- ٦٣ -
وهذا العطاء العاجل المقيد بشيئتنا ليس لكل الناس، وإنما هو ((لمن تريد))
عطاءه منهم ، بمقتعى حكمتنا وإرادتنا .
فأنت ترى أنه - سبحانه - قد قيد العطاء لمن يريد العاجلة بمشيئته وإرادته.
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: (( من
كانت العاجلة همه، ولم يرد غيرها كالكفرة وأكثر الفسقة ، تفضلنا عليه
من منافعها بما فشاء لمن تريد. فقيد الأمر تقييدين: أحدهما: تقييد المعجل
بمشيئته، والثانى: تقييد المعجل بإرادته .
وهكذا الحال ، نرى كثيرا من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون
إلا بعضا منه، وكثيراً منهم يتمنون ذلك البعض وقد حرموه فاجتمع عليهم
فقر الدنيا وفقر الآخرة. وأما المؤمن التقى فقد اختار مراده، وهو غنى
الآخرة فما يبالى أولى حظا من الدنيا أو ذيؤت . فإن أوتى فيها، وإن لم يؤت
فربما كان الفقر خير اله ، وأعون على مراده.
وقوله ((لمن تريد)) بدأ من ((له، وهو بدأ البعض من الكل، لأن
الضمير يرجع إلى ((من)) وهو فى معنى الكثرة(١) ومفعول نريد محذوف.
أى : لمن تريد عطاءه .
وقوله . ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا، بيان لسوء مصير
هذا المريد العاجلة فى الآخرة .
و((يصلاها، أى: يلقى فيها ويذوق حرما وسعيرها: يقال: صليت
الشاة: شويتها. وصلى فلان بالنار - من باب تعب - إذا وجد حرها .
و((مذموما، من الذم الذى هو ضد المدح .
و((مدحورا)، من الدحور بمعنى الطرد واللعن. يقال: دحره دحرا
ودحورا . إذا طرده و أبعده .
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٠٤٤٣

- ٦٤ ٠-
أى: من كان يريد بسعيه الدنيا وزينتها أعطيناه منها مانشاء إعطاءه له،
أما فى الآخرة فقد جعلتا له جهنم يدخلها، ويصلى حرها ولهيبها ، حالة كونه
((مذوما)، أى}: مبغوضا بسيب سوء صنيعه، ((مدحورا)) أى: مطرودا
وبعدا من رحمة الله - تعالى -.
قال الإمام الرازى ما ملخصه: وفى لفظ هذه الآية فوائد: منها: من العقاب
عبارة عن مضرة مقرونة بالإهانة والذه، بشرط أن تكون دائمة وخالية عن
شوب المنفعة، فقوله: ( ثم جعلنا لهم جهنم يصلاها، إشارة إلى المضرة
العظيمة. وقوله « هذهوما، إشارة إلى الإمالة والذم. وقوله (( مدحورا)
إشارة إلى البعد والطرد عن رحمة الله - تعالى -
وهى تفيد كون تلك المضرة خالية عن شوب النفع والرحمة ، وتفيدكونها
دائمة وخالية عن التبدل بالراحة والخلاص ... ،(١ ..
وقوله - سبحانه - ((ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن،
فأولئك كان سعيهم مشكورا)) بيان لحسن عاقبة المؤمنين الصادقين بعد بيان
سوء عاقبة المؤترين متع الدنيا وشهواتها.
أى: ومن أراد بقوله وعمله ثواب الدار الآخرة، وما فيها من عطاء غير
مقطوع، وسعى لهذه الدار سعيها الذى يوصله إلى مرضاة الله - تعالى - حالة
كونه مؤمن بالله - فعالى - وبكل ما يحب الإيمان به، «فأولئك، الذى فعلوا
ذلك،، كان سعيهم، للدار الآخرة سعياه مشكورا: من الله - تعالى - ،
حيث قبله - سبحانه - منهم، ويكافئهم عليه:ما يستحقون من ثواب لايعلم
مقداره إلا هو - سبحانه - وعبر - عز وجل بالسعى عن أعمالهم الصالحة،
للإشعار بجدهم وحرصهم على أداء ما يرضيه - تعالى - بدون إبطاء أو تأخير،
إذ السعى يطلق على المشى الذى تصاحبه السرعة .
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٢٠ ص ٠١٧٨

-- ٩٥ -
قال بعض العلماء ما ملخصه : وفى الآية الدليل الواضح على أن الأعمال
الصالحة لاتتفع إلا مع الايمان بالله - تعالى - لأن الكفر سيئة لا تنفع معها
حسنة .
ولذا قال - سبحانه - ((ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو
مؤمن ... )) .
وقد أوضح - سبحانه - هذا فى بات كثيرة: منها قوله - تعالى - : «من
عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة .....
ومفهوم هذه الأية وأمثالها، أن غير المؤمن إذا قدم عملا صالحا فى الدنيا
لا ينفعه فى الآخرة لفقد شرط الإيمان، قال - تعالى -: «وقدمنا إلى ماعملوا
من عمل بجعلناه حياء منشورا، .
وروى الإمام مسلم فى صحيحه عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - : (( إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة يعطى بها فى الدنيا،
وبجزى بها فى الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسناته .ا عمل بها لله فى الدنيا،
حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها، (١) .
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك مايدل على كمال قدرته ، وسعة عطائه. فقال:
((كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك، وما كان ربك محظورا، ولفظ
((كلا، هما: مفعول به للفعل نمد، والتنوين عوض عن المضاف إليه. أى:
نمدكل واحد من الفريقين .
وقوله (( نمد)) من الإمداد بمعنى الزيادة. يقال: أمد القائد الجيش بالجند،
إذا زاده وقواه .
والمراد باسم الإشارة الأول ((هؤلاء)): المؤثرون للعاجلة، والمراد بالثانى
الراغبون فى ثواب الآخرة .
(١) تفسير أضواء البيان جـ ٢ ص ٤٨، للشيخ محمد الأمين الشنقيطى.
( ٥- سورة الإسراء

- ٦٦ -
والمعنى: كلا من الفريقين تمده من فضلها وإحسافنا فتعطى مازيد إعطاءه
لمن يريد العاجلة ولمن يريد الآجلة، دون أن ينقص ما عن د ناشىء، ودون
أن يخرج عن مشيئنا شىء.
((وما كان عطاء ربك، أيها الرسول الكريم ,محظورا، أى: ممنوعا
لاعن المؤمن ولا عن الكافر ، ولا فى الدنيا ولا فى الآخرة .
من الحظر بمعنى لمنع يقال: حظره يحظره - من باب قتل- فهو محظور،
أى : ممنوع .
ثم أمر - سبحانه - عباده بالنظر والتأمل فى أحوال خلقه، ليزدادوا
عظة وعبرة، فقال: « أفظر كيف فضلنا بعضهم على بعض، وللآخرة أكبر
درجات وأكبر تفضيلا ».
أى: أنظر - أيها العاقل - نظر تأمل وتدبر وأعتبار فى أحوال الناس،
لترى عن طريق المشاهدة كيف فضل الله - تعالى - بعض الناس على بعض فى
هذه الحياة ، فهذا غنى وذك فقير، وهذا قوى وذاك ضعيف ، وهذا ذكى
وذاك خامل ، وهذا مالك وذلك ملوك ...
إلى غير ذلك من الأحوال التى تدل على تفاوت الناس فى هذه الدنيا ،
على حسب ما تقتضيه إرادة الله - تعالى - وحكمته، ومشيئته.
أما فى الآخرة فالناس فيها أكبر تفاضلا وتفاوتا فى الدرجات والمنازل،
مما كانوا عليه فى لد نيا .
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: وقوله( وللآخرة
أكبر درجات وأكبر تفضيلا، أى: ولتفاوتهم فى الدار الآخرة أكبر من
الدنيا ، فإن منهم من يكون فى الدركات فى جهنم وسلاسلها وأغلالها ، ومنهم
من يكون فى الدرجات العلا ونعيمها وسرورها . ثم أهل الدركات يتفاوتون
فما هم فيه، كما أن أهل الدرجات يتفاوتون؛ فإن فى الجنة مائة درجة مابين

- ٦٧ -
كل درجتين كما بين السماء والأرض. وفى الصحيحين: ((إن أهل الدرجات
العلا ليرون أهل عليين، كما قرون الكوكب الغابر فى أفق السماء،(١).
وبذلك زى الآيات الكريمة قد ساقت لنا سنة من سنن الله - تعالى - فى
إهلاك الأمم، وأنه - تعالى - ما أهلكها إلا بعد أن عنت عن أمره، وعصمت
رسله كما أنها بينت لنا سوء عاقبة الذين يؤثرون متع الدنيا على صناعة اله
- تعالى -، وحسن عاقبة الذين يريدون الآحرة وما فيها من ثواب جزيل،
وأن الفريقين لابنالون مما يطلبونه إلا ما قدره الله - تعالى - لهم، وأن عطاء.
للناس جميعا لا ينقص مما عنده شيئا، وأن حكمته - سبحانه - قد اقتضت
تفضيل بعض الناس على بعض فى الدنيا والآخرة، وصدق - عز وجل -
حيث يقول: ( انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض،وللآخرة أكبر درجات
وأكبر تفضيلا ».
ثم ساق - سبحانه - بضع عشرة آية، تناولت مجموعة من التكاليف تزيد
على عشرين أمراً ونهيا .
وهذه التكاليف قد افتتحت بالنهى عن الإشراك باقه - تعالى-، وبالأمر
بالإحسان إلى الوالدين . قال - تعالى -:
((وقضَى رَبُّكَ أَنْ لاَ تعبُدوا إِلّ إياهُ وبالوالِدَينِ إحساناً، إمَّا
يَبْلِغَنْ عندكَ الكِبَرِ أحَدُهُما أو كلاهما، فَلاَ تَقَلْ لَهُمَا أُفِّ وَلا تَنْهَرْهُما
وقل لهُما قولاً كريماً (٢٣) واخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلُ من الرّحمةِ، وَقُلْ
ربِّ ارَْجْهُمَ كَمَا رَبََّفِى صَغِيراً (٢٤) ربَكُمْ أعْلَمُ بما فى تَقُوسِكُم إنْ
إنْ تكونُوا مَاَلِينَ، فإنَّهَ كَانَ للأُوَّابِيِنَ غَوراً (٢٥))).
(١) تفسير ابن كثير ج ٥ ص ٦٠ - طبعة دار الشعب بالقاهرة.

- ٦٨ -
قال الإمام الرازى ما ملخصه : بعد أن بين ـ سبحانه ــ أن الناس فريقان:
فريق بريد بععله الدنيا فقط، وفريق يريد بعمله طاعة الله، ثم شرط ذلك
بشرائط ثلاثة: أولها : إرادة الآخرة ، وثانيها : أن يسعى سعيا مو أفقالطلب.
الآخرة ، وثالثها: أن يكون مؤمناً.
لاجرم فصل فى هذه الآيات تلك المجملات: فأ أولا بشرح حقيقة
الإيمان ... ثم ذكر عقيبه سائر الأعمال .... (١).
والخطاب فى قوله - تعالى - ((لا تجعل ... )) لكل من يصلح له.
والقعود فى قوله (( فتقعد ((.) قيل بمعنى المكث: كما يقول القائل: فلان
قاعد فى أسوأ حال، أى: ماكث فى أسوأ حال سواء أ كان قاعداً أم غير قاعد.
وقيل بمعنى العجز، لأن العرب تقول: فلا ن ما أقعده عن المكارم ( أى
ما أعجزه عنها، وقيل هو بمعنى الصيرورة، من قولهم: فلان شحذ الشفرة حتى
قعدت كأنها حربة ، أى صارت .
والذى تطمئن إليه النفس أن القعود على حقيقته، لأن من شأن المذموم.
المخدول أن يقمد حائراً نادما على مافرط منه .
وقوله - سبحانه -: «مخذولا)) من الخذلان، وهو, ترك القصرة عنه
الحاجة إليها .
يقال: خذل فلان صديقه، أى: امتنع عن نصره وعونه مع حاجته
العديدة إليهما
والمعنى: لاتجعل - أيها المخاطب - مع الله - تعالى - إلها فى عبادةك أو
خضوعك ، فتقعد جامعاً على نفسك مصييتين :
مصيبة الذم من الله - تعالى - ومن أوليائه،لأنك تر کت عبادة من له اخلق
والأمر، وعبدت مالا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا.
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٢٠ ص ١٨٢

- ٦٩ -
ومصيبة الخذلان، بحيث لا تجد من يعينك أو ينصرك، فى ساعة أنت أحوج
ما تكون فيها إلى العون والنصر.
وجاء الخطاب فى قوله - تعالى - (( لا تجعل)) عاما، لكى يشعر كل فرد
يصلح للخطاب أن هذا النهى موجه إليه، وصادر إلى شخصه لأن سلامة
الاعتقاد مسألة شخصية، مسئول عنها كل فرد بذاته ، وسيتحمل وحده قبعة
انحرافه عن طريق الحق (« يوم لا ينفع مال ولا بنون. إلا من أتى الله بقلب
سليم ،.
وقوله ((فتقعد)، منصوب لأنه وقع بعد الفا. جوابا للنهى. وقوله «مذموما
مخذولا ، حالان من الفاعل .
وفى هذه الجملة الكريمة تصوير بديع لحال الإنسان المشرك، وقد حط به
التذم والخذلان ، فقعد مهموما مستكينا عاجزا عن تحصيل الخيرات ، وعن
السعى فى تحصيلها .
قال الألوسى: وفى الآية الكريمة إشعار بأن الموحد جامع بين المدح
والنصرة : (١):
وبعد أن ذكر - سبحانه - الأساس فى قبول الأعمال، وهو إخلاص
العبادة له - عز وجل - وحده، أتبع ذلك بتأكيد هذا الأساس بما هو من
شرائط الإيمان الحق وشعائره، فقال - تعالى - ,وقضى ربك ألا تعبدوا إلا
إياه، وبالوالدين إحسانا .....
قال القرطى ما ملخصه: ((قضى، أى: أمر وألزم وأوجب ...
والقضاء يستعمل فى اللغة على وجوه، فالقضاء ، فى الأمر، كما فى هذه
الآية)، والقضاء بمعنى احلق، كقوله (( فقضاهن سبع سموات فى يومين)) يعنى
خلقهن، والقضاء بمعى الحكم، كقوله - تعالى -, فاقض ما أنت قاض ، يعنى:
(١) تفسير الآلوسي = ١٥ ص ٠٥٣

- ٧٠ -
أحكم ما أنت تحكم . والقضاء بمعنى الفراغ من الشىء، كقوله « قضى الأمر
الذى فيه تستفتيان ، أى فرغ منه .
والقضاء بمعنى الإرادة، كقوله - تعالى - ((إذا قضى أمرا فإنما يقول له
كن فيكون ... »(١).
والمعنى: لقد نهى ربك عن الاشراك به نهيا قاطعا، وأمر أمراً محكما
لا يحتمل الفسخ ، بأن لا تعبدوا أحداً سواه ، إذ هو الخالق لكل شرء،
والقادر على كل شىء: وغيره مخلوق وعاجز عن فعل شىء إلا بإذنه-سبحانه ..
فالجملة الكريمة أمر لازم لإخلاص العبادة لله، بعد النهى عن الإشراك به
فى قوله - تعالى - (( لا تجعل مع الله إلهاً آخر ... ).
وقد جاء هذا الأمر بلفظ ((قضى)) زيادة فى التأكيد، لأن هذا اللفظ هنا
يفيدا الوجوب القطعى الذى لا رجعة فيه، كما أن اشتمال الجملة الكريمة على
النفي والاستثناء - وهما أعلا مراتب القصر - يزيد هذا الأمر تأكيداً
وتوثقا .
ثم اتبع - سبحانه - الأمر بوحدانيته، بالأمر بالإحسان إلى الوالدين
فقال: ((وبالوالدين إحسانا ... )).
أى: وقضى - أيضا - بأن تحسنوا - أيها المخاطبون - إلى الوالدين إحسانا
کاملا لا يشوبه سوء أو مكروه .
وقد جاء الأمر بالاحسان إلى الوالدين عقب الأمر بوجوب إخلاص
العبادة لله. فى آيات كثيرة. منها قوله - تعالى -: (قل تعالوا أقل ما حرم ربكم
عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ... ))(٢) .
(١) تفسير القرضى جـ ١٠ ص ٠٢٢٧
(٢) سورة الأنعام الآية ٫ ٠١٥

٠٠ ٧١ -
وقوله - تعالى - ((وإذ أخذنا ميثاق بنى إسرائيل لا تعبدون إلا الله
وبالوالدين إحسانا ... .(١)،
ولعل السر فى ذلك هو الإشعار للمخاطبين بأهمية هذا الأمر المقتضى
لوجوب الإحسان إلى الوالدين ، حيث إنهما هما السبب المباشر لوجود
الإنسان فى هذه الحياة ، وهما اللذان لقيا مالقيا من متاعب من أجل راحة
أولادهما، فيجب أن يقابل مافعلاه بالشكر والاعتراف بالجميل .
قال بعض العلماء: وقدجاءت هذه الوصية بأسلوب الأمر بالواجب المطلوب،
وهو الإحسان إلى الوالدين، ولم تذكر بأسلوب النهى سموا بالإنسان عن أن
تظن به الإساءة إلى الوالدين، وكأن الاساءة إليهما، ليس من شأنها أن تقع
منه حتى يحتاج إلى النهى عنها ... )، (٢).
ثم فصل - سبحانه - مظاهر هذا الاحسان فقال: ((إما يبلغن عندك
الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف، ولا تنهرهما، وقل لهما قولا
کربما ... ..
و((إما، حرف مركب من ((إن، الشرطية، ومن ((ما، المزيدة عليها
للتأكيد، وقوله: ((أحدهما، فاعل. يبلغن). وقرأ حمزة والكسائى , إما
يبلغان، فيكون قوله (( أحدهما، بدل من ألف الاثنين فى ((يبلغان)).
وقوله ((فلا تقل لهما أفى)) جواب الشرط .
قال الألوسى: و((وأف)، اسم صوت ينبىء عن التضجر, أو اسم فعل
مضارع هو أنضجر .. .
(١) سورة البقرة الآية ٨٣.
(٢) تفسير القرآن الكريم ص ٤٣٤ لفضيلة الإمام الأكبر الشيخ محمود
شلتوت - رحمه الله - .

- ٧٢
وفيه نحو من أربعين لغة . والوارد من ذلك فى القراءات سبع. ثلاث
متواترة، وأربعة شاذة .
فقرأ نافع وحفص بالكسر والتنوين، وهو للتفكير ، فالمعنى: فلا تقل
أتضجر تضجراما .
وقرأ ابن كثير وابن عامر بالفتح دون تنوين . والباقون بالكسر بدون
تنوين . .. )) (١) .
وقوله ((ولا تنهرهما) من الفهن بمعنى الزجر، يقال نهر فلان فلانا إذا
زجره بغلظة .
والمعنى: كن - أيها المخاطب - محسناً إحسافاتاماً بأبويك، فإذا ما بلغ
(عندك)) أى: فى رعايتك وكمالتك ((أحدهما أو كلاهما)) من ((الكبر))
والضعف ((فلا تقل لهما)، آف)) أى: فولا بدل على التضجر منهما والاستثقال
لأى تصرف من تصر فانهما.
قال البيضاوى : والنهى عن ذلك بدل على المنع من سائر أنواع الايذاء
قياسا بطريق الأولى، وقيل عرفا كقولك: فلان لا يملك النفير والتقطير - فإن
هذا القول يدل على أنه لا يملك شيئا قليلا أو كثيراً _(٢).
وقوله ((ولا تنهرهما)) أى: ولا تزجر هما عما يتعاطيانه من الأفعال التى
لا تعجبك ،
فالمراد من النهى الأول : المفع من إظهار التضجر منهما مطلقا.
والمراد من النهى الثانى: المنع من إظهار المخالفة لهما على سبيل الرد
والتكذيب والتغليظ فى القول .
والتعبير بقوله: ((عندك)) يشير إلى أن الوالدين قد صارا فى كنف
(١) تفسير الآلومى ج ١٥ ض ٥٥ ٠
(٢) تفسير البيضاوى ج ١ ص٢ ٠٥٨

- ٧٣ -
الإبن وتحت رعايته، بعد أن بلغ أشده واستوى، وبعد أن أصبح مؤولا
عنهما ، بعد أن كانا هما مسئولين عنه .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: معنى ((عندك، ؟ قلت هو أن يكبرا
ويعجزا، وكانا كلا على ولدهما لا كافل لهما غيره، فهما عنده فى بيته وكنفه،
وذلك أثق عليه وأعد احتمالا وصبرا، وربما تولى منهما ما كانا يتوليانه منه
فى حالة الطفوله فهو مأمور بأن يستحمل معهما وطأة الحلق، ولين الجانب،
حتى لا يقول لهما إذا أضجره مايستقذر منهما، أو يستثقل من مؤنهنا: أف.
فضلا عما يزيد عليه ... (١)
والتقييد بحالة الكبر فى قوله - تعالى - ((إما يبلغن عندك الكبر» جرى
مجرى الغالب ، إذ أنهما يحتاجان إلى الرعاية فى حالة الكبر، أكثر من احتياجهما
إلى ذلك فى حالة قوتهما وشبا بهما، وإلا فالإحسان إليهما، والعناية بشأنهما.
واجب على الأبناء سواءا كان الآباء فى سن الكبر أم فى سن الشباب أم فى
غيرهما .
وقوله - سبحانه -: (( وقل لهما قولا كريما، أمر بالكلام الطيب معهما.
بعد النهى عن الكلام الذى يدل على الضجر والقلق من فعلهما.
أى: وقل لهما بدل التأفيف والزجر، قولا كريما حسناً، يقتضيه حسن
الأدب معهما، والاحترام لهما , والحظف عليهما.
وقوله (( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة .. )) زيادة فى تبجيلهما
والتلطف دههما فى القول والفعل والمعاملة على اختلاف ألوانها .
أى: وبجانب القول الكريم الذى يجب أن تقوله لهما، عليك أن تكون
متواضعا معهما، متلطفا فى معاشرتهما، لا ترفع فيهما عينا، ولا ترفض له)
قولا، مع الرحمة التامة بهما ، والشفقة التى لانهاية لها عليهما .
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٠٤٤٤

٠ ٧٤ -
قال الإمام الرازى ماملخصه: قوله (( واخفض لهما جناح الذل من
الرحمة ، المقصود منه المبالغة فى التواضع.
وذكر القفال فى تقريره وجهين: الأول : أن الطائر إذا أراد ضم فرخه
إليه للتربية خفض له جناحه، ولهذا السبب صار خفض الجناح كناية عن
حسن التربية - فكأنه قال الولد: اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما
فعلا ذلك بك فى حال صغرك .
والثاني: أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه، وإذا
أراد ترك الطيران وترك الارتفاع خفض جناحه . فصار خفض الجناح
كناية عن التواضع(١).
وإضافة الجناح إلى الذل إضافة بيانية، أى: أخفض لهما جناحك
الذليل و((من)) فى قوله (( من الرحمة، ابتدائية. أى تواضع لها تواضعا
ناشئا من فرط رحمتك عليهما .
قال الآلوسى: وإنما احتاجا إلى ذلك؛ لافتقارهما إلى من كان أفقر الخلق
إليهما، واحتياج المرء إلى من كان محتاجا إليه أدعى إلى الرحمة ، كما
قال الشاعر :
ما حال من يسأل من سائله ؟
يامن أبى يسألنى عن فاقتى
أصبح محتاجا إلى عامله
ماذلة السلطان إلا إذا
وقوله «وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا، تذكير للإنسان بحال ضعفه
وطفولته ، وحاجته إلى الرعاية والحنان .
أى : وقل فى الدعاء له): يارب ارحمهما برحمتك الواسعة، واشملهما
بمغفرتك القاهرة، جزاء مابذلا من رعاية لى فى صغرى ، فأنت القادر على
مثربتهما ومكافأتهما .
(١) تفسير الفخر الرازى ــ ٢٠ ص ١٩١.

٧٥ -
قال الجمل: والكاف فى قوله، كماربياني .. ، فيها قولان: أحدهما أنها
نعت لمصدر محذوف .
أى: ارحمهما رحمة مثل رحمتهما لى والثانى أنها للتعليل. أى: ارحمهما
لأجل تربيتهما لى، كما فى قوله ((واذكروه كما هداكم،(١).
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات التى سمت بمنزلة الوالدين، بما يدل على
كمال علمه، وعلى التحذير من عقابه، فقال - تعالى -: «ربكم أعلم بما فى نفوسكم
إن تكونوا صالحين فإنه كان الأوابين غفورا ..
والآدابون: جمع أواب. وهو الكثير الأوبة والتوبة والرجوع إلى
انه - تعالى - يقال : آب فلان يثوب إذا رجع
قال ابن جرير بعد أن ساق الأقوال فى ذلك : وأولى الأقوال فى ذلك
بالصواب، قول من قال: الأواب هو التاثب من الذنب، الراجع عن معصية
الله إلى طاعته، وما يكرهه إلى ما يرضاه؛ لأن الأواب إنما هو فعال من
قول القائل: آب فلان من سفره إلى منزله، كما قال الشاعر:
وكل ذى غيبة يتوب
وغائب الموت لا يؤوب(٢٪
أى: ربكم - أيها الناس - أعلم بما فى نفوسكم، وضمائركم، سواء أكان
خيرا أو شرا، وسواء أكنتم تضمرون البر بآبائكم أم تخفون الإساءة إليهما
ومع ذلك فإنكم إن تكونوا صالحين ، أى: قاصدين الصلاح والبر بهما،
والرجوع عما فرط منكم فى حقهما أو فى حق غيرهما، فاته - تعالى - يقبل
توبتكم، فإنه - سبحانه - بفضله وكرمه كان للأوابين، أى الرجاءين إليه
بالتوبة ما فرط منهم ، غفورا لذنوبهم .
فالآية الكريمة وعيد لمن تهاون فى حقوق أبويه،، فى كل حق أوجبه الله
عليه، ووعد لمن رجع إليه - سبحانه - بالتوبة الصادقة.
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٠٦٢٢
(٢) تفسير ابن جرير ج ١٥ ص ٠٥٢

- ٧٦ ٠
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أمرت بالإحسان إلى الوالدين، بأسلوب
يستجيش عواطف البر والرحمة فى قلوب الأبناء، ويبعثهم على احترامهما
ورعايتهما والتواضع لهما، وتحذيرهم من الإساءة إليهما، ويفتح باب التوبة
أمام من قصر فى حقهما أو حق غيرهما .
وقد كرر القرآن هذا الأمر للأبناء بالإحسان إلى الآباء، ولم يفعل ذلك
مع الآباء .
وذلك لأن الحياة - كما يقول بعض العلماء - وهى مندفعة فى طريقها
بالأحياء، توجه اهتمامهم القوى إلى الأمام. إلى الذرية. إلى الناشئة الجديدة.
إلى الجيل المقبل. وقلما توجه اهتمامهم إلى الوراء. إلى الأبوة. إلى الحياة
الموالية . إلى الجيل الذاهب.
ومن ثم تحتاج البنوة إلى استجاشة وجدلها بقوة لتنعطف إلى الخلف ،
وتتلفت إلى الآباء والأمهات .
إن الوالدين يندفعان بالفطرة إلى رعاية الأولاد. إلى التضحية بكل شىء
حتى بالذات ، وكما تمتص النابتة الخضراء كل غذاء فى الحبة فإذا هى فتات ،
ويمتص الفرخ كل غذاء فى البيضة فإذا هى قشر، كذلك يمتص الأولاد، كل
رحيق. وكل عافية، وكل جهد، وكل اهتمامٍ من الوالدين ، فإذا هما شيخوخة
قانية - إن أمهلهما الأجل - وهما مع ذلك سعيدان.
فأما الأولاد فسرعان ما ينسون هذا كله ويندفعون بدورهم إلى الأمام.
إلى الزوجات والذرية .. وهكذا تندفع الحياة .
ومن ثم لايحتاج الآباء إلى توصية بالأبناء. إنما يحتاج هؤلاء إلى
استشاجة وجدانهم بقوة، ليذكروا واجب الجيل الذى أنفق رحيقه كله
حتى أدر كه الجفاف .

- ٧٧ -
وهنا يجىء الأمر بالإحسان إلى الوالدين ، فى صورة قضاء من اله يحمل
معنى الأمر المؤكد، بعد الأمر المؤكد بعبادة الله، (١).
هذا ، وقد ساق المفسروى عند تفسيرهم لهذه الآيات ، كثيرا من
الأحاديث والآثار التى توجه الأبناء إلى رعاية الآباء، وأحترامهم، والعطف
عليهم، والرحمة بهم ، والاهتمام بشئونهم.
قال الإمام ابن كثير : وقد جاء فى بر الوالدين أحاديث كثيرة، منها
الحديث المروى من طرق عن أنس وغيره: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-
لما صعد المنبر قال: آمين. آمين. آمين.
فقالوا: يارسول الله، علام أمنت؟ قال: أقانى جبريل فقال: يامحمد،
رغم أنف امرىء ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقل: آمين . ثم قال : رغم
أنف امرىء دخل عليه شهر رمضان ثم خرج ولم يغفر له، قل: آمين.
فقلت: أمين. ثم قال: رغم أنف امرىء أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخلاه
الجنة. قل آمين فقلت آمين)).
وعن مالك بن ربيعة الساعدى قال : بينما أنا جالس عند رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - إذ جاءه رجل من الأنصار فقال: يارسول الله، هل بقى على
من بر أبوى شىء بعد موتهما أبرهما به؟ قال نعم، خصال أربع. الصلاة عليها
والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التى
لارحم لك إلا من قبلهما، قهو الذى بقى عليك بعد موتهما من برهما،(٢).
وقال القرطبى: أمر الله - سبحانه- بعبادته وتوحيده،وجعل بر الوالدين
مقرونا بذلك. كما قرن شكر هما بشكره، فقال: (( وقضى ربك أن لا تعبدوا
إلا إياه وبالوالدين إحسانا ..
(١) ((فى ظلال القرآن» ج ١٥ ص ٢٣٢١
(٢) راجع تفسير ابن كثير - ٥ ص ٦٢.

- ٧٨
وقال: (( إن أشكر لى ولو الديك إلى المصير)).
وفى صحيح البخارى عن عبد الله قال: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم -:
أى الأعمال أحب إلى الله - تعالى -؟
قال: الصلاة على وقتها. قلت: ثم أى؟ قال: ((ير الوالدين)). قلت ثم
أى: قال : الجهاد فى سبيل الله ...
ثم قال القرطبى - رحمه الله -: ومن عقوق الوالدين مخالفتهما فى
أغراضهما الجائزة لهما، كما أن من برهما موافقتهما على أغراضهما. وعلى هذا
إذا أمرا أو أحدهما ولدهما بأمر وجبت طاعتهما فيه مالم يكن ذلك الأمر معصية
ولا يختص برهما بأن يكونا مسلمين، بل إن كانا كافرين يبرهما ويحن
إليهما.
ففى صحيح البخارى عن أسماء قالت : قدمت أمى وهى مشركة فاستفتيت
النبى - صلى الله عليه وسلم - فقلت: إن أمى قدمت وهى راغية أفأصلها - أى
وهى راغبة فى برى وصلتى، أو وهى راغبة عن الإسلام كارهة له - قال :
صل أمك ..
ثم قال القرطبى: ومن الإحسان إليهما والبر بهما، إذا لم يتعين الجهاد
ألا يجاهد إلا بإذنهما. فعن عبد الله بن عمروقال: جاء رجل إلى النبي - صلى
الله عليه وسلم - يستأذنه فى الجهاد فقال: أحى ولداك؟ قال: نعم. قال:
ففيهما جاهد .
قال ابن المنذر : فى هذا الحديث النهى عن الخروج بغير إذن الأبوين
مالم يقع النفير ، فإذا وقع وجب الخروج على الجميع ...
ثم قال : ومن تمام بر هما صلة أهل ودهما، ففى الصحيح عن ابن عمر قال:
سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن من أبر البرصالة الرجل
أهل وذأبيه بعد أن يولى » ...

- ٧٩ -
وكان - صلى الله عليه وسلم - يهدى الصدائق خديجة برابها ووفاء لها وهى
زوجته ، فما ظنك بالوالدين،(١) ...
وبعد أن بين - سبحانه - ما يجب على الإنسان نحو خالقه - عز وجل -
ونحو والديه، أقيع ذلك بيبيان ما يجب على هذا الإنسان نحو أقاربه، ونحو
المسكين وابن السبيل، ونحو ماله الذى هو نعمة من نعم الله عليه. فقال
- تعالى - :
((وَآتٍ ذَا القُرْبَى حقَّهُ والمِسْكينَ وابنَ السبيلِ، ولا تُبدِّرْ
تبذيراً (٢٦) إِنَّ المبذرينَ كانُوا إِخوانَ الشياطينِ، وكانَ الشيطانُ
لربّةٍ كَفُوراً (٢٧) وإمّا تُعرِضَنَّ منهم ابتغاء رحمةٍ مِن رَبِّكَ تَرَجُوهَاَ،
فَقُلْ لَهُم قولاً ميسُوراً (٢٨) ولا تَجْعَلْ يَدِكَ مَغْلُولةٌ إلى عِنْقِكَ ولا
تبُطْهاَ كلَّ البَسْطِ فتقعُدَ مَلَوماً محسُوراً (١٩) إِنَّ ربَّكَّ يِسُطُ
الرُّزْقَ لِمَنْ بِشَاءُ ويقدِرْ، إنّه كانَ بعبادِهِ خبيراً بصيراً (٣٠))).
قال أبو حيان فى البحر: (( لما أمر الله - تعالى - بير الوالذين، أمر
بصلة القرابة. قال الحسن : نزلت فى قرابة النبى - صلى الله عليه وسلم -.
والظاهر أنه خطاب لمن خوطب بقوله: (( إما يبلغن عندك الكبر .. ، وألحق
هنا ما يتعين له من صلة الرحم، وسد الخلة ، والمواساة عند الحاجة بالمال
والمعونة بكل وجه. قال فحره: ابن عباس وعكرمة والحسن وغيرهم،(٢).
والمراد بذوى القربى : من تربطك بهم صلة قرابة سواء أكانوا من
المحارم أم لا .
(١) راجع تفسير القرطبي ج ١٠ ص ٢١٨.
(٢) تفسير البحر المحيط لأبي حيان ح ٦ ص ٢٩
لكن

٠٨٠٠
والمسكين: ٥, من لا يملك شيئا من المال، أو يملك مالا يسد حاجته.
وهذا النوع من الناس فى حاجة إلى العناية والرعاية ، لأنهم ، فى الغالب -
يفضلون الاكتفاء بالقليل ، على إراقة ماء وجوههم بالسؤال
وفى الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
ليس المسكين الذى يطوف على الناس فترد، القمة واللقمتان، والمرة
والمرتان ، قالوا: فما المسكين يارسول الله؟ قال الذى لا يجد غنى يغنيه،
ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئا)).
وابن السبيل هر المسافر المنقطع عن ماله سمى بذلك - كما يقول الآلوسي
لملازمته السبيل - أى: الطريق فى الصفر. أو لأن الطريق تبرزهفكأنها ولدته،(١).
وهذا النوع من الناس - أيضا - فى حاجة إلى المساعدة والمعاونة، حتى
يستطيع الوصول إلى بلده .
وفى هذا الأمر تنبيه إلى أن المسلمين وإن اختلفت أومانهم ، ينبغى أن
يكونوا فى التعاطف والتعاون على متاعب الحياة كالأسرة الواحدة.
والمعنى: وأعط ــ أيها العاقل - ذوى قرباك حقوقهم الثابتة لهم من البر،
وصلة الرحم، والمعاونة، والزيارة، وحسن المعاشرة، والوقوف إلى جانبهم
فى السراء والضراء، ونحو ذلك مما توجبه تعاليم دينك الحنيف .
وأعط - كذلك - المسكين وابن السبيل حقوقهما التى شرعها الله - تعالى-
لهما، من الإحمان إليهما، ومعاونتهما على مايسد حاجتهما .
وقدم - سبحانه - الأقارب على غيرهم، لأنهم أولى بالمعروف، ولأن
إعطاءهم إحسان وصلة رحم .
روى الإمام أحمد والترمذى والنسائى وغيرهم ، عن سليمان بن عامر قال:
(١) تفسير الألوسى ج ٢ ص ٠٤٦