النص المفهرس

صفحات 181-200

- ١٨١ -
ولذا قال صاحب الكشاف: فإن قلت ((مَن ، متناول فى نفسه للذكر
والأنثى فما معنى تبيينه بهما؟ قلت: هو مبهم صالح على الإطلاق للنوعين ،
إلا أنه إذا ذكر كان الظاهر تناوله للذكور، فقيل ((من ذكر أو أنثى،
على التبيين ليعم الموعد النوعين جميعا ،(!).
وقيد - سبحانه - العامل بكونه مؤمنا فقال: ((وهو مؤمن))، لبيان أن
العمل لا يكون مقبولا عند الله - تعالى - إلا إذا كان مبنيا على العقيدة
الصحيحة، وكان صاحبه يدين بدين الإسلام، وقد أوضح القرآن هذا
المعنى فى آيات كثيرة، منها قوله - تعالى - ((وقدمنا إلى ما عملوا من عمل جعلناه
هباء منثورا)).
والمراد بالحياة الطيبة فى قوله - تعالى -: ((فلنحيينه حياة طيبة، الحياة
الدنيوية التى يحياها المؤمن إلى أن ينقضى أجله .
قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: هذا وعد من الله - تعالى-
لمن عمل صالحا من ذكر أن أنثى، بأن يحبه الله حياة طيبة فى الدنيا ..
والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أى جهة كانت . وقد روى عن
ابن عباس وجماعة أنهم فسروها بالرزق الحلال. وعن على بن أبى طالب أنه
فسرها بالقناعة .
والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله، كما جاء فى الحديث الذى رواه
الإمام أحمد عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: قد أفلح
من أسلم ورزق كفافا وقتعه الله بما آتاه (٢).
وقيل المراد بالحياة الطيبة هنا: الحياة الأخروية ، وقد صدر الشيخ
(١) تفسير الكشاف ج ٢ صـ ٤٢٧
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٢ ــ ٥٨٥

- ١٨٢ -
الألوسى تفسيره بهذا الرأى فقال ما ملخصه: قوله - تعالى - ,فلنحيينه حياة
طيبة ، والمراد بالحياة الطيبة التى تكون فى الجنة ، إذ هناك حياة بلا موت،
وغنى بلا فقر، وصحة بلا سقم، وسعادة بلاشقاوة ... فعن الحسن: لا تطيب
الحياة لأحد إلا فى الجنة .
وقال شريك: هى حياة تكون فى البرزخ .. وقال غير واحد هى
فی الدنیا ،(١) .
ويبدو لنا أن تفسير الحياة الطيبة هنا بأنها الحياة الدنيوية أرجح، لأن
الحياة الأخروية جاء التصريح بها بعد ذلك فى قوله - تعالى - , ولنجزينهم
أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون).
فلو فسرنا الحياة الطيبة بالحياة الأخروية لكان فى الآية الكريمة ما يشبه
التكرار ، ولكننا لو فسرفاها بالحياة الدنيوية لكانت الآية الكريمة مبنية
لجزاء المؤمنين فى الدارين .
وأيضا فإن قول النبى - صلى الله عليه وسلم - السابق: ((قد أفلح من
أسلم ورزق كفافا ، يشير إلى أن المراد بالحياة الطيبة ، الحياة الدنيوية، لأن
من نال الفلاح قال حياة ريبة .
وعلى ذلك يكون المعنى الإجمالى الاية الكريمة : من عمل عملا صالحا من
ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة فى الدنيا، يظفر معها بالسيادة
وصلاح البال، والأمان والاطمئنان: (أما فى الآخرة فسنجزيه جزاء أكرم
وأفضل مما كان يعمله فى الدنيا من أعمال صالحة .
قال صاحب الكشاف قوله: « حياة طيبة)، يعنى فى الدنيا، وهو الظاهر
لقوله ((ولنجزينهم، وعدهم الله ثواب الدنيا والآخرة، كقوله: «فآتام
الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ..
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٤ ص ٥٨٥

١٨٣٠٠ -
وذلك أن المؤمن مع العمل الصالح موسرا كان أو معسرا ، يعيش عيها
با، إن كان موسرا فلا مقال فيه، وإن كان معرا فعه ما يطيب عيشه
والقناعة والرضا بقسمة الله.
وأما الفاجر فأمره على العكس. إن كان معسرا فلا إشكال فى أمره،
ن كان موسراً. فالحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه (١).
ثم أشار - سبحانه - إلى أن من الأعمال الصالحة، أن يستعيذ المسلم عند
أمته للقرآن الكريم ، من الشيطان الرجيم ، فقال - تعالى -:
((فإذا قرأتَ القرآنَ، فاستعِذْ باللهِ من الشيطانِ الرَّحِيمِ (٩٨) إنّه
ـَ له سلطانٌ على الذِينَ آمَنُوا وَلَى ربهم يتوكَّلُونَ (٩٩) إنَّما
طابقُه على الذِينَ يتَوَلَّوَ والذينَ مُمْ بِهِ مُشْرِ كُونَ (١٠٠))).
والمراد بقوله - تعالى -. فإذا قرأت القرآن ... ، أى فإذا أردت قراءته.
-كلام على حذف الإرادة، وذلك لأن المعنى الذى طلبت من أجود الاستفادة
و دفع وسوسة الشيطان يقتضى أن يبدأ القارى. بها - أى بالاستعاذة -
، القراءة لا بعدها وشبيه بهذه الآية فى حذف الإرادة لدلالة المقام عليها
ه - تعالى -، يأيها الذين آمنوا إذا تم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكموأيديكم
المرافق ... )،(*، أى: إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا.
وقوله - تعالى -: ((وكم من قرية أملكناها جاءها بأسنابياتا أوهم قائلون»(٣)
: أردنا إهلاكما فجاءها بأسنا.
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٤٢٨
(٢) سورة المائدة الآ يه ٦.
(٣) سورة الأعراف الآية ٤.

٠٠ ١٨٤ ٠٠
والمعنى: فإذا أردت - أيها المسلم - قراءة القرآن , فاستعذ بالله)): أى
فاستجر بالقه؛ والتجى. إلى حماه ((من الشيطان الرجيم)).
قال ابن كثير : والشيطان فى لغة العرب، كل متمرد من الجن والإنس
والدواب وكل شىء)، وهو مشتق من شطن بمعنى بعد ، فهو بعيد بطبعه عن
طباع البشر ((وبعيد بفسقه عن كل خير ... ))(١) :
والرجيم بزنة فعيل بمعنى مفعول. أى: أنه مرجوم ومطرود من رحمة
الله - تعالى -.
قال بعض العلماء: وإنما خصت القراءة بطلب الاستعاذة، مع أنه قد
أمر بها على وجه العموم فى جميع الشئون، لأن القرآن مصدر هداية والشيطان،
مصدر ضلال ، فهو يقف للانسان بالمرصاد فى هذا الشأن على وجه خاص ،
فيثير أمامه ألوانا من الشكوت هيما يفيد من قراءته، وفيما يقصد بها، فيفوث
عليه الانتفاع بهدى اللّه وآياته. فعلنا الله - تعالى - أن نتقى ذلك كله بهذه
الاستعاذة التى هى فى الواقع عنوان صادق ، وتعبير حق ، عن امتلاء قلب
المؤمن بمعنى المجوه إلى الله . وقوة عزيمته فى طرد الشيطان ووساوسه ،
واستقبال هدايته بقلب طاهر، وعقل واع وإيمان ثابت، (٢).
وكيفية الاستعاذة أن يقول القارىء عند إرادة قراءتة للقرآن ، أعوذ
بالله من الشيطان الرجم ، فقد تضافرت الروايات عن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - بهذه الصيغة .
قال الآلوسى . وروى التعلى والواحدى أن ابن مسعود قرأ على النى
- صلى الله عليه وسلم - فقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم،
(١) تفسير أن كثير جـ ١ ص ١٤،
(٢) تفسير القرآن الكريم ص ١٦ لفضيلة الإمام الأكبر المرحوم الشيخ
محمود شلتوت .

- ١٨٥ -
فقال له النى - صلى الله عليه وسلم -: يابن أم عبد قل: أعوذ بالله من الشيطان
الرجم، هكذا أقرأنى جبريل ..... (١).
وقال صاحب تفسير آيات الأحكام: والأمربها - أى بالاستعاذة -
للندب عند الجمهور .
وعن الثورى أنها واجبة. وظاهر الآية يؤيده، إذ الأمر للوجوب.
والجمهور يقولون: صرفها عن الوجوب ما ورد من أنه - صلى الله عليه وسلم -
لم يعلمها للأعرابى - أى الذى سأله عن كيفية الصلاة - وأيضا فقدروى أنه
كان - صلى الله عليه وسلم - يتركها .... ،(٢).
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن وسوسة الشيطان لا أثر لها على المؤمنين
الصادقين فقال - تعالى -: «إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم
يتوكلون، أى إن الشيطان مهما فرد وعنى ((ليس له سلطان)) أى: ليس له
تسلط واستيلاء واستحواذ بالقهر والغلية ، على نفوس الذين آمنوا بالله
- تعالى - حق الإيمان والذين هم عليه - تعالى - وحده يتوكلون ويعتمدون
لا على غيره .
وشبيه بهذه الآية قوله تعالى -، إن ءبادى ليس لك عليهم سلطان إلا من
اتبعك من الغاوين)، وقوله - تعالى -: إن عبادى ليس لك عليهم سلطان
وكفى بربك وكيلا)) .
وبعد أن نفى - سبحانه - أن يكون الشيطان سلطان على نفوس المؤمنين
الصادقين، أثبت - سبحانه - أن تسلط الشيطان إنما هو على نفوس الضالين،
فقال - تعالى - إنما سلطانه على الذين يتولونه، والذين هم به مشركون)).
(١) تفسير الآلوسي جـ ١٤ ص ٠٢٢٨
(٢) تفسير آيات الأحكام من ٥٢ جـ ٣. لفضيلة الشيخ محمد على السايس
- رحمه الله - .

- ١٨٦ -
أى: إنما تسلط الشيطان وتأثيره على الضالين الفاسقين الذين ((يتولونه)،
أى: يتقربون منه، ويجعلونه واليا عليهم ، فيحبونه ويطيعونه ويتبعون
خطواته .
فقوله (( يتولونه)) من الولى - بفتح الواو وسكون اللام - بمعنى القرب
والنصرة وقوله، والذين هم به مشر كون)) أى: والذين هم بسبب الشيطان
وإغوائه لهم، مشر كون مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة.
فالضمير فى (( به)) يعود إلى الشيطان، والباء للسببية.
ويرى بعضهم أن الضمير فى ((به، يعود على الله - تعالى -، وأن الباء
للتعدية، فيكون المعنى: إنما سلطان الشيطان على الذين يطيعونه ، والذين هم
بالله - تعالى - مشركون .
قالوا، والأول أرجح لاتحاد الضمائر فيه، ولأنه هو المتبادر
إلى الذهن .
وبذلك رى الآيات الكريمة ، تأمر المؤمنين بأن يستعيذوا باقه من
الشيطان الرجيم، عند قراءتهم للقرآن الكريم ، كما زاها تبشرهم بأنه لاسلطان
للشيطان عليهم ما داموا معتصمين بحبل الله - تعالى ، ومنفذين لأوامره ،
ومعتمدين عليه .
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك بعض الأقاويل التى قالها المشركون عن النبى
- صلى الله عليه وسلم - وعن القرآن الكريم، ورد عليها بما يخرس ألسنتهم
فقال تعالى :
((وإذَا بِدْلنَ آيَةً مكانَ آيةٍ ، واللهُ أعلمُ بما يُنزِّلُ، قَالُوا إِنَّما أنت
مفتَرٍ، بل أكثرهم لا يعلمُون (١٠١) قل نزَّلَه روحُ القُدُسِ مِنْ ربَّكَ

٠٠ ١٨٧ -
بالْحَقِّ ليثَبِّتَ الذينَ آمنُوا، وهُدَّى ويُشْرَى المُسْلِمِينَ (١٠٢) ولقدْ
فعلم أنهُم يقولُون إنما يعلَّهُ بِشَر، لسانُ الذى يلحدُونَ إليه أعجِيٌّ،
وهذا لسانٌ عَرَبيّ مبينٌ (١٠٣) إنّ الذينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ
لا يهديهُم اللهُ ولهم عذابٌ أليمٌ (١٠٤) إنما يفتَرِى الكذبَ الذينَ
لا يُؤمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُوائِكَ مُمِ الكَاذِبُونَ (١٠٥))) .
وقوله - تعالى -: «وإذا بدلنا آية مكان آية ... ، التبديل رفع الشى ءمع
وضع غيره مكانه . فتبديل الآية رفعها بآية أخرى.
وجمهور المفسرين على أن المراد بالآية هنا: الآية القرآنية . وعلى أن
المراد بتبديلها نسخها .
قال صاحب الكشاف: تبديل الآية مكان الآية هو النسخ، والله - تعالى.
يتسخ الشرائع بالشرائع ,لأنها مصالح، وما كان مصلحة بالأمس يجوز أن
يكون مفسدة اليوم وخلافه مصلحة. والله - تعالى - عالم بالمصالح والمفاسد،
فيثبت مايشاء، وينسخ ما يشاء بحكمته ... ،(١).
وقال الجمل: قوله - تعالى - ((وإذا بدلنا آية مكان آية ... ، وذلك أن
المشركين من أهل مكة قالوا: إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - يسخر بأصحابه.
يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا، ما هذا إلا مفترى يتقوله من تلقاء نفسه
فأنزل الله - تعالى -: (وإذا بدلنا آية مكان آية ... )، والمعنى: وإذا نسخنا حكم
آية فأبدلنا مكانه حكما آخر ،(٢).
وقال الآلوسي: قوله - تعالى - . وإذا بدلنا آية مكان آية)) أى، وإذا
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٤٢٨.
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٠٥٩٨

- ١٨٨ -
تزادا آية من القرآن مكان آية منه. وجعلنا بدلا منها بأن نسخناها بها .. )) (١).
ومنهم من يرى أن المراد بالآية هنا« الآية الكونية، أى المعجزة التى أنى
بها كل فى لقومه وأن المراد بتبديلها: الإتيان بمعجزة أخرى سواها.
قال الشيخ القاسمى عند تفسيره لهذه الآية: وذهب قوم إلى أن المعنى
تبديل آية من آيات الأنبياء المتقدمين . كآبة موسى وعيسى وغيرهما من الآيات
الكونية الآفاقية ، بآية أخرى نفسية علية، وهى كون المنزل هدى ورحمة
وبشارة در كها العقل ...
فبدلت تلك - وهى الآيات الكونية - بآية هو كتاب أعلم والهدى من
بنى أمى - صلى الله عليه وسلم ... ،(٢)
ويبدولنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب، لأن قوله - تعالى - بعد
ذلك: « قل نزله روح القدس من ربك .. )، يدل دلالة واضحة على أن المراد
بالآية، الآية القرآنية:
وقوله - سبحانه ـ ((والله أعلم بما ينزل، حملة معترضة بين الشرط وعوابه
للمسارعة إلى توبخ المشركين وتجهيلهم .
أر: والله - تعالى - أعلم من كل مخلوق بما هو أصلح لعباده، وبما يزله
من آيات ، وبما يغير ويبدل من أحكام ، فمكل من الناسخ والمنسوح منزل
حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة. (( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون)).
وقوله - تعالى -((قالوا إنما أنت مفتر, جواب الشرط، وهو حكاية لما
تفوهوا به من باطل وبهتان: وقوله ((مفتر)) من الافتراء وهو أشنع
أنواع الكذب .
(١) تفسير الآلوسي جـ ١٤ ص ٠٢٣١
(٢) تفسير القاسمى جـ ١٠ ص ٣٨٥٨

- ١٨٩ -
أى: قال المشركون للنبى - صلى الله عليه وسلم - عند تبديل آية مكان
آبة: إنما أنت يا محمد تختلق هذا القرآن من عند نفسك، وتفترية من إنشائك
وإختراءك ...
وقوله - تعالى - (( بل أكثرهم لا يعلمون)) تسلية للنبى - صلى الله عليه وسلم
عما أصابه منهم.
أى: لاتهتهم - أيها الرسول الكريم - بما قاله هؤلاء المشر كون فى شأنك
وفى شأن القرآن الكريم، فإن أكثرهم جهلاء أغبياء، لا يعلمون فى تبديلنا
للآبات من حكمه ، ولا يفقهون من أمر الدين الحق شيئا .
وقال - سبحانه - «بل أكثرهم لا يعلمون، للإشارة إلى أن هناك قلة منهم
تعرف الحق وتدركه ، ولكنها شكره عنادا وجودا وحسدا للرسول الله
- صلى الله عليه وسلم - على ماأتاه الله من فضله.
ثم لقن الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - الرد الذى يقذفه على
باطلهم فيزهقه فقال :
((قل نزله روح القدس من ربك بالحق، ليثبت الذين آمنوا، وهدى
وبشرى للمسلمين، وروح القدس: هو جبريل - عليه السلام -، والإضافة
فيه إضافة الموصوف إلى الصفة .
أى: الروح المقدس . ووصف بالقدس لطهارته وبركته. وسمى روما
لمشابهته الروح الحقيقى فى أن كلا منها مادة الحياة للبشر، جبريل من حيث
ما يحمل من الرسالة الإلهية تحيا به القلوب، والروح نحيا به الأجسام .
والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاهلين، إن هذا القرآن
الذى تزعمون أننى افتريته، قد نزل به الروح الأمين غلى قلبى من عندربى ،
نزولا ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل ، ليزيد المؤمنين ثباتا في إيمانهم
وليكون هداية وبشارة لكل من أسلم وجهه لله رب العالمين.

- ١٩٠ -
وفى قوله ((من ربك: تكريم وتشريف للرسول - صلى الله عليه، سلم -
حيث اختص - سبحاته - هذا النبى الكريم بإنزال القرآن عليه ، بعد أن رباه
برعايته ، وتولاه بعنايته .
وقوله (( بالحق)) فى موضع الحال: نزله إنزالا ملتبا بالحكمة المقتضية
له، بحيث لا يفارقها ولا تفارقه.
وقوله ((ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين)) بيان للوظيفة التى من
أجلها نزل القرآن الكريم، وهى وظيفة تسعد المؤمنين وحدهم، أما الكافرون
فهم بعيدون عنها .
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك مقولة أخرى من مقولات المشركين فقال
- تعالى -: ، ولقد فعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ٠٠٠)
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ماملخصه: يقول - تعالى -
مخرا عن المشركين ما كانوا يقولونه من الكذب والافتراء : إن محمدا -
صلى الله عليه وسلم - إنما يعلمه هذا الذى يتلوه علينا من القرآن بشر، ويشيرون
إلى رجل أعجمى كان بياعا يبيع عند الصفا، وربما كان النبى - صلى الله عليه وسلم
يجلس إليه ويكلمه بعض الشىء، وذاك كان أعجمى اللسان لا يعرف إلا اليسير
من العربية ...
وعن عكرمة وقتادة كان اسم ذلك الرجل يعيش ، .. وعن ابن عباس كان
أسمه بلعام، وكان أعجمى المان، وكان المشركون يرون رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا: إنما يعالمه بلمام
فأنزل الله هذه الآية)، (٩).
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠٥٨٦

- ١٩١ -
والمعنى: ولقد نعلم - أبه الرسول الكريم - علما مستمر الا يغرب عنه شىء))
ما يقوله المشركون فى شأنك، من أنك تتعلم القرآن من واحد من البشر.
قال الألوسى: وإنما لم يصرح القرآن باسم من زعموا أنه يعلمه -
عليه الصلاة والسلام - مع أنه أدخل فى ظهور كذبهم ، للإبذان ،أن مدار
خطئهم ، ليس بنسبته - صلى انّه عليه وسلم - إلى التعلم من شخص معين، بل
من البشر كائناً من كان، مع كونه - صلى الله عليه وسلم - معدنا لعلوم
الأولين والآخرين))(١).
وقوله - تعالى -: (لسان الذى يلحدون إليه أعجمى، وهذا لسيان عربى
مبين ، رد عليهم فيما زعموه وافتروه .
والمراد باللسان هنا: الكلام الذى يتكلم به الشخص ، والمغة التى
ينطق بها .
وقوله ((يلحدون)) من الإلحاد بمعنى الميل. يقال لحد وألحد، إذا مال عن
القصد ، وسمى الملحد بذلك، لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها .
والأعجمى : نسبة إلى الأعجم: وهو الذى لا يفصح فى كلامه سوا.
أ كان من العرب أم «ن العجم . وزيدت فيه ياء النسب على سبيل التوكيد.
والمعنى: لقد كذبتم - أيها المشركون - كذبا شنيعا صريحا ، حيث زعتم
أن الرسول الله عليه وسلم - بعلمه القرآن بشر، مع أن لغة هذا الإنسان
الذى زعمتهم أنه يعلم الرسول - صلى الله عليه وسلم - لغة أعجمية، ولغة هذا
القرآن لغة عربية فى أعلى درجات البلاغة والفصاحة ، فقد أعجزكم بفصاحته
وبلاغته، وتحداكم وأنتم أهل السن والبيان أن تأتوا بسورة من مثله .
(١) تفسير الآلومى جـ١٤ ص ٠٢٣٣

- ١٩٢ -
خبرونى بربكم، من أين للأعجمى أن يذوق بلاغة هذا التنزيل، وماحواه
من العلوم، فضلا عن أن ينطق به ، فضلا عن أن يكون معلما له !!
ثم حدد - سبحانه - المعرضين عن آيات بقوله: ((إن الذين لا يؤمنون
بآيات الله، الدالة على وحدانيته - سبحانه -، وعلى صدق نبيه - صلى الله عليه وسلم
فيما يبلغه عنه .
((لا يهديهم اللّه)) إلى طريق الحق فى الدنيا، بسبب فىيفهم وعنادهم وإيثارهم
الغى على الرشد .
((ولهم، فى الآخرة ((عذاب أليم، جزاء إصرارهم على الباطل، وإعراضهم
عن الآيات التى لو تأملوها واستجابوا لها لاهتدوا إلى الصراط المستقيم.
ثم بين - سبحانه - أن افتراء الكذب لا يصدر عن المؤمنين فضلا عن
الرسول الأمين، وإنما يصدر عن المكافرين فقال - تعالى -: ((إنما يفترى
الكذب، أى يختلقه ويخترعه (( الذين لا يؤمنون بآيات الله)) الدالة على
وحدانيته وعلى وجوب إخلاص العبادة له ، وعلى صدق رسله ، وعلى صحة
البعث يوم القيامة، لأن عدم إيمانهم بذلك يجعلهم لا يخافون عقابا،
ولا يرجون ثوابا .
( وأولئك، الكافرون بما يجب الإيمان به. هم الكاذبون، فى قولهم
عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ((إنما يعلمه بشر، وفى قولهم، إنما أنت
مفتر))، وفى غير ذلك من أقوالهم الباطلة، التى حاربوا بها دعوة الحق.
قال بعض العلماء: ولا يخفى ما فى الحصر بعد القصر من العناية بمقامه
- صلوات الله عليه -، وقد كان أصدق الناس وأبرهم ... بحيث كانوا
يلقبونه بالصادق الأمين .
ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان فقال له - من بين ماقال -:

- ١٩٣ -
هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ماقال ؟ قال : لا . فقال هرقل:
ما كان ليدع الكذب على الناس ، ويكذب على الله - تعالى -.
وفى هذه الآية دلالة على أن الكذب من أكبر الكبائر، وأخش
الفواحش. والدليل عليه أن كلمة « إنما، للحصر.
وروى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قيل له: هل يكذب المؤمن؟
قال : لا ثم قرأ هذه الآية (١).
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك حكم من أكره على النطق بكلمة الكفر ،
وحكم من استحب الكفر على الإيمان فقال - تعالى -:
((مَنْ كَفَر باللهِ مِنْ بعدِ إِيمانِهِ، إلاَّ من أُكْرِهَ وقلبه مطمئنٌ
بالإيمانِ، ولكنْ مَنْ شرحَ بالكفرِ صِدْرًا فَعَلَيهِمْ غضبٌ من اللهِ
ولهُم عذابٌ عظيمٌ (١٠٦) ذلِكَ بِأَنَّهُم استحبُوا الحياةَ الدّنياَ على
الآخِرِةِ، وأنَّاللهَ لا يَهْدِى القومَ الكافرينَ (١٠٧) أولئكَ الذينَ
طَبَعَ اللهُ على قلوبِهِم وسمْعهم وأبصارِم، وأولئكَ مُ الغافِلِونَ (١٠٨)
لا جَرمَ أنهم فى الآخرةِ م الخاسِرُون (١٠٩)».
ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى -: «من كفر بالله من بعد
إيماند .... روايات منها قول الآلوسي: روى أن قريشا أكرهوا عمارا
وأبويه ياسرا وسمية ، على الارتداد فأبوا، فربطوا سمية بين بعيرين ...
ثم قتلوها وقتلوا ياسرا، وهما أول شهيدين فى الإسلام. وأما عمار فأعطاهم
بلسانه ما أكرهوه عليه، فقيل يارسول الله، إن عمارا قد كفر. فقال
(١) تفسير القاسمى = ١٠ ص ٠٣٨٦١
١٣٫ - سورة النحل؟

١٩٤٠ -
- صلى الله عليه وسلم -: كلا، إن عمارا ملىء إيمانا من قرته إلى قدمه، واختلاط
الإيمان بلحمه ودمه .
فأتى عمار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يبكى، جعل رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح عينيه وقال له: مالك، إن عادوا فعدلهم
بما قلت . وفى رواية أنه قال له: كيف تجد قلبك؟ قال مطمئن بالإيمان
قال - صلى الله عليه وسلم - إن عادوا فعد . فنزلت هذه الآية ...
ثم قال الألوسى: والآية دليل على جواز التكلم بكلمة الكفر عند
الإكراه، وإن كان الأفضل أن يتجنب عن ذلك إعزازا للدين ولو تيقن
القتل ، كما فعل ياسر وسمية، وليس ذلك من إلقاء النفس إلى التهلكة ، بل
هو كالقتل فى الغزو كما صرحوا به ... (١).
و((من، فى قوله (( من كفر بالله، مبتدأ أو شرطية، والخبر أو جواب
الشرط محذوف والتقدير : فعليه غضب من الله، أو فله عذاب شديد، ويدل
عليهما قوله - تعالى - بعد ذلك: ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم
غضب من الله .
والمعنى: من كفر بالله - تعالى - من بعد إيمانه بوحدانيته - سبحانه -
وبصدق رسوله - صلى الله عليه وسلم - فإنه بسبب هذا الكفر يكون قد
عضل ضلالا بعيدا، يستحق من أجله العذاب المهين .
وقوله: (( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)) استثناء متصل من الجملة
السابقة أى: إلا من أكره على النطق بكلمة الكفر ، والحال أن قلبه مطمئن
بالإيمان ، ثابت عليه، متمكن منه .. فإنه فى هذه الحالة لا يكون من
يستحقون عقوبة المرتد .
(١) تفسير الآلوسي جـ ١٤ ص ٠٢٣٧

- ١٩٥ -..
قال بعض العلماء: وأما قوله: ((إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان))
فهو استثناء متصل من ((من، لأن الكفر أعم من أن يكون اعتقادا فقط،
أو قولا فقط، أو اعتقادا وقولا .. وأصل الاطمئنان سكون بعد ازعاج،
والمراد به هنا: السكون والثبات على الإيمان بعد الانزعاج الحاصل بسبب
الإكراه .. (١).
وقوله: ((ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم
عذاب أليم ، بيان لسوء مصير من استحب الكفر على الإيمان باختياره
ورضاء .
و((من)) فى قوله: من شرح، شرطية، وجوابها, فعليهم غضب
من الله)).
أى: حكم من تلفظ بكلمة الكفر مكرها أنه لا يعتبر مرتدا ، ولكن
حكم من طابت نفوسهم بالكفر ، وانشرحت له صدورهم، واعتقدوا صحته
أنهم عليهم من الله - تعالى - غضب شديد لا يعلم مقداره إلا هو ، ولهم يوم
القيامة عذاب عظيم الهول ، يتناسب مع عظيم جرمهم .
هذا، وقد ذكر الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من
الأخبار التى حكت ما تعرض له المسلمون الأولون من فتن وآلام. فقال
ما ملخصه : ولهذا تفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالى
إبقاء مهجته ، وبحوز له أن یابی کما کان بلال - رضى الله عنه - يأبى عليهم
ذلك ، وهم يفعلون به الأفاعيل، حتى إنهم ليضعوا الصخرة العظيمة على صدره
فى شدة الحر ويأمرونه بالشرك بالله، فيأبى عليهم وهو يقول: أحد، أحد،
ويقول: والله لو أعلم كلمة هى أغيظ لكم منها لقلتها (٢).
(١) تفسير آيات الأحكام ج ٣ ص ٠٥٤
(٢) راجع تفسير ابن كثير - ٢ ص ٠٥٨٧

١٩٦٠٠ -
وقوله - سبحانه -: ((ذلك بأنهماستحبوا الحياة الدنيا على الآخرة)).
بيان للأسباب التى جعلتهم محل غضب الله ونقمته.
واسم الإشارة , ذلك، يعود إلى كفرهم بعد إيمانهم، أو إلى ماتوعدهم.
أقه - تعالى - به من غضب عليهم ، وعذاب عظيم لهم.
أى : ذلك الذى جعلهم يرتدون عن دينهم، ويكونون محل غضب الله
وفقمته ، من أسبابه أنهم آثروا الحياة الدنيا وشهواتها على الآخرة ومافيها
من ثواب .
((وأن الله، - تعالى -ـ((لايهدي القوم الكافرين) إلى الصراط المستقيم،
لأنهم زاغوا عن الحق، فأزاغ الله قلوبهم.
ثم أضاف - سبحانه - إلى رذائلهم رذيلة أخرى فقال: « أولئك الذين
طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، وأولئك هم الغافلون).
والطبع: الختم والوسم بطابع ونحوه على الشىء، لكى لا يخرج منه
ماهو بداخله، ولا يدخل فيه ماهو خارج عنه .
أى : أولئك الذين شرحوا صدورهم للكفر ، وطابوا به نفسا، قد طبع
الله - تعالى - على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، فصارت منوعة من وصول الحق
إليها، وعاجزة عن الانتفاع به، وأولئك هم الكاملون فى الغفلة والبلاهة ،
إذ لا غفلة أشد من غفلة المعرض عن عاقبة أمره، ولا بلاهة أفدح من بلاهة.
من آثر الفافية على الباقية .
ثم ختم - سبحانه - الآيات الكريمة بالحكم العادل عليهم فقال: (( لاجرم.
أنهم فى الآخرة هم الخاسرون ).
أى: لاشك ولا محالة فى أن هؤلاء الذين اختاروا الكفر على الإيمان

- ١٩٧ -
سيكونون يوم القيامة من القوم الخاسرين ، لأنهم لم يقدموا فى دنياه
ما ينفعهم فى أخراه .
وكلمة (( لا جرم)) قد وردت فى القرآن فى خمسة مواضع، متلوة فى كل
موضع بأن واسمها ، وليس بعدها فعل ,
وجمهور النحاة على أن هذه الكلمة مركبة من ((لا)) و ((جرم)) تركيب
خمسة عشر، ومعناها بعد التركيب معنى الفعل: حق، أو ثبت ، أو مايشبه
ذلك، أى : حق وثبت كونهم فى الآخرة من الخاسرين .
والذى يتدبر هذه الآيات، راها قد توعدت المرتدين عن دينهم بألوان
من العقوبات المغلظة ، لقد قوعدتهم بغضب الله - تعالى - وبعذابه العظيم،
وبعدم هدايتهم إلى طريق الحق، وبالطبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم،
وبالغفلة التى ليس بعدها غقلة ، وبالخسران الذى لاشك فيه يوم القيامة ،
نعوذ بالله - تعالى - من ذلك .
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر لطفه ورأفته لقوم هاجروا من بعد
مافتنوا ، فقال - تعالى - :
(( ثم إنَّ رَبَّك لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعَدِمَا فَتِنُوا، ثم جاهَدُوا
وصَبْرُوا، إنَّ رَبَّك مِنْ بَعْدِهَاَ لنَفُورٌ رحيمٌ (١١٠) يومَ تَأْتِى كلُ نفسٍ
تجادِلُ عن نَفْسِها، وتُوفّى كلُ نَفْسٍ ما عمِلتْ وهُمْ لا يُظْلَمون (١١١)».
وقوله - سبحانه -: ((من بعد ما أفتنوا ( أى: عذبوا وأوذوا من أجل
أن يرتدوا إلى الكفر .
وأصل الفتن : إدخال الذهب فى النار لتظهر جودته من رداءته ، ثم
إستعمل فى الإختبار والإمتحان بالمحن والشدائد، وبالمنح واللطائف ، لما فيه

- ١٩٨-
من إطهار الحال والحقيقة ، وأكثر ما تستعمل الفتنة فى الإمتحان والمحن ،
وعليه يحمل بعضهم تفسير الفتنة بالمحتة .
والمراد بهؤلاء الذين هاجروا من بعد مافتنوا - كما يقول ابن كثير - جماعة
كانوا مستضفين بمكة، مهاني فى قومهم ، فوافقوهم على الفتنة، ثم إنهم.
أمكنهم الخلاص بالهجرة، فتركوا بلادهم وأموالهم إبتغاء رضوان الله
وغفرانه ، وإنتطعوا فى سلك المؤمنين ، وجاهدا معهم الكافرين ،
وصبروا ... ، (١)
والمعنى: (( ثم إن ربك)) - أيها الرسول الكريم - تكفل بالولاية والمغفرة.
لهؤلاء الذين هاجروا من دار الكفر إلى دار الإسلام ، من بعد أن عنيهم
المشركون لكى يرتدوا عن ديتهم.
قال الآلوسى: وقرأ ابن عامر ((من بعد ما فتنوا)) بالبناء للفاعل ، وهو
ضمير المشر كين عند غير واحد، أى : عذبوا المؤمنين كالحضرمى ، أكرم
مولاه (( جبرا، حتى أرتد، ثم أسلما وهاجرا .... (٢)
وقوله - تعالى - , ثم جاهدوا وصبروا، أى جاهدوا المشركين حتى تكون
كلمة الله هى العليا، وصبروا على البلاء والأذى طلبا لرضا الله - تعالى -
والضمير فى قوله ((من بعدها، يعود إلى ما سبق ذكره من الهجرة
والفتنة والجهاد والصبر .
أى: أن ربك- أيها الرسول الكريم - من بعد هذه الأفعال لكثير
المغفرة والرحمة لهم، جزاء هجرتهم وجهادهم وصبرهم على الأذى .
(١) تفسير إن كثير حـ ٢ صـ ٥٨٨
(٢) تفسير الآلوسي - ١٤ م- ١٣٩

- ١٩٩ -
قال المحمل فى حاشيته ما ملخصه: وفى خبر (إن)) فى قوله «ثم إن ربك للذين
هاجروا .. )) ثلاثة أقوال أحدها: أن قوله ((لغفور رحيم)، وقوله (( إن ربك،
الثانية وأسبها تأكيد للأولى وأسمها، فكأنه قيل: ثم إن ربك الغفور رحيم.
والثانى أن الخبر هو نفس الجار بعدها، كمانقول: إن زيدالك، أى: هولك لاعليك،
بمعنى: هو ناصرهم لاخاذلهم - وإلى هذا المعنى أشار الزمخشرى بقوله: ومعنى
(( إن ربك، أنه لهم لا عليهم كما يكون الملك للرجل لاعليه، فيكون محميا
منفوعا غير مضرور - والثالث : أن خبر الأولى مستغنى عنه بخبر الثانية ،
يعنى أنه محذوف لفظا لدلالة ما بعده عليه (١)
وقوله - سبحانه - ((يوم تأتى كل نفس تجادل عن نفسها .. ، منصوب
على الظرفية بقوله (( رحيم)) أو منصوب على المفعولية بفعل محذوف تقديره
أذكر . والمراد باليوم : يوم القيامة .
والمجادلة هنا بمعنى المحاجة والمدافعة، والسعى فى الحلاض من أهوال ذلك
اليوم الشديد .
والمعنى: إن ربك أيها الرسول الكريم - من بعد تلك المذكورات من
الهجرة والفتنة والجهاد والصبر، لغفور رحيم ، يوم تأتى كل نفس مشغولة
بأمرها، مهتمة بالدفاع عن ذاتها ، بدون التفات إلى غيرها، ساعية فى الخلاص
من عذاب ذلك اليوم .
والمتأمل فى هذه الجملة الكريمة ، يراها تشير بأسلوب مؤثر بليغ إلى
مايعترى الناس يوم القيامة من خوف وفزع يجعلهم لا يفكرون إلا فى ذواتهم
ولا يهمهم شن آبائهم أو أبنائهم.
(١) حاشية الجمل على الجلالين <ـ ١ ص ٦٠٠

- ٢٠٠ -
قال صاحب الكشاف فإن قلت: ما معنى النفس المضافة إلى النفس؟
قلت: يقال لعين الشىء وذاته نفسُه. وفى نقيضه غيره، والنفس الجملة كما
هى ، فالنفس الأولى هى الجملة ، والثانية عينها وذاتها ، فكا نه قيل : يوم بائى
كل إنسان بجادل عن ذاته ، لا يهمه شأن غيره، كل يقول: نفسى نفسى.
ومعنى المجادلة عنها: الاعتذار عنها ، كفرلهم : (( ماكنا مشركين ، وكقولهم:
((هؤلاء أضلوزا ... )(١)
وقوله - سبحانه - ((و توفی كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون)، بيان مظهر
من مظاهر عدل الله - تعالى - فى قضائه بين عباده.
أى: وفى هذا اليوم تعطى كل نفس جزاء ما عملته من أعمال فى الدنيا
وافيا غير منقوص، بدون ظلم أو حيف أو ميل عن العدل والقسطاس ، وأن
ينفع نفسا مجادلتها عن ذاتها، وإعتذارها بالمعاذير الباطلة، وإنما الذى ينفعها
هو عملها .
وبذلك نرى الآيتين الكريمتين ، قد بينتا بأسلوب بليغ جانبا من مظاهر
فضل الله - تعالى - على عباده، وجانبا من أهوال يوم القيامة، ومن القضاء
العادل الذى يحكم الله به بين الناس.
ثم ضرب - سبحانه - مثلا لسوء عاقبة الذين يجحدون نعم أنه، ويكذبون
بآياته ، فقال - تعالى -:
((وضرَب اللهُ مَثلا، قريةً كَانَتْ آمِنَةً مُطمئِةً يأنيها رِزْقُها رغداً
من كل مكانٍ فكفَرَتْ بَأَنْتُ اللهِ فأذَاقَهَا اللهُ لباسَ الجوعِ والحوفِ
بما كانوا يَصْنَعُونَ (١١٢) ولقد جَاءهُمُ رسولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوه، فأخذَمُم
العذابُ وهم ظالِمُون (١١٣))).
(١) تفسير الكشاف حـ ٢ ص ٤٣١