النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١٠ --
موجود بينهما (( سائفا للشاربين، بحيث يمر فى الحلوق بسهولة ويسر، ويشعر
شاربه بلذة وارتياح ...
وقدم - سبحانه - قوله: (( من بين فرث ودم)) على قوله ((لبنا))، لأن
خروج اللبن من بينهما هو موطن العبرة، وموضع الدليل الأسمى على قدرة
الله - تعالى - ووحدانيته ..
قال صاحب الكشاف: قوله - تعالى - ((من بين فرث ودم)) أى: يخلق
الله اللبن وسيطا بين الفرث والدم يكتنفانه، وبينه وبينهما برزخ من قدرة
الله - تعالى -، بحيث لا يبغى أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة، بل هو
خالص من ذلك كله ... فسبحان الله ما أعظم قدرته، وألطف حكمته ، لمن
تفكر وتأمل. وسئل ((شقيق)) عن الإخلاص فقال: تمييز العملمن العيوب
كتمييز اللبن من بين فرث ودم .
ثم قال - رحمه الله -: فإن قلت: أى فرق بين ((من)) الأولى والثانية؟
قلت: الأولى للتبعيض ؛ لأن اللبن بعض مافى بطونها ... والثانية، الابتداء
الغاية ، لأن بين الفرث والدم مكان الإسقاء الذى منه يبتدأ ...
وإنما قدم - قوله (( من بين فرث ودم)) لأنه موضع العبرة، فهو آمن
بالتقديم ، (١)
وقال الألوسى عند تفسيره لهذه الآية: ((ومن تدبر فى بدائع صنع الله -
تعالى - فيما ذكر من الأخلاط والألبان وإعداد مقارها ومجاريها، والأسباب
المولدة لها، وتسخير القوى المتصرفة فيها ... اضطر إلى الاعتراف بكمال علمه
- سبحانه - وقدرته، وحكمته، وتناهى رأفته ورحمته:
حكم حارت البرية فيها وحقيق بأنها تحتار(*)
(١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٠٦١٦
(٢) تفسير الألوسى ج ١٤ ص ٠١٧٨

- ١٢٢ -
والحق ، أن هذه الآية الكريمة من أكبر الأدلة على وحدانية الله - تعالى
و نفاذ قدرته ، و عجيب صنعته ، حیث استخرج - سبحانه - من بین فرثودم
فى بطون الأنعام، لبنا خالصا سائنا للشاربين .
وهذا الاستخراج قد تكلم العلماء المتخصصون عن كيفيته وعن مراحله ..
كلاما يقوى إيمان المؤمنين ، ويدفع باطل الملحدين .
هذا، وفى الآية الكريمة إشارة إلى أن اللبن نعمة جزيلة من نعم الله -
تعالى - على خلقه .
قال القرطبى ماملخصه: روى أبو داود وغيره عن ابن عباس قال: أتى
رسول الله صلى الله عليه وسلم - بلبن فشرب، ثم قال : ((إذا أكل أحدكم
طعاما فليقل: الهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه ، وإذا سقى لبنا فليقل :
اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه، فإنه ليس شيء يجزىء عن الطعام والشراب
إلا اللبن،.
ثم قال الإمام القرطبى : قال علماؤنا: فكيف لا يكون كذلك، وهو أول
ما يغتذى به الإنسان ، وتنمو به الأبدان، فهو قوت به قوام الأجسام ,وقد
جعله الله - تعالى - علامة لجبريل على هداية هذه الأمة،، ففى الحديث الصحيح
أن رسول الله - صلى الله عليه - قال: جاءنى جبريل بإناء من خمر وإناء من
لبن، فاخترت اللبن . فقال لى جبريل: اخترت الفطرة ... ،(١)
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن نعمة أخرى من نعم الله التى
لا تحصى، وهى نعمة ثمرات النخيل والأعناب، فقال - تعالى: ((ومن ثمرات
النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ... )
قال الجمل ما ملخصه: قوله - سبحانه- ((ومن ثمرات النخيل والأعناب .. )).
(١) تفسير القرطى جـ ١٠ ص ٠١٢٧

٠٠ ١٢٣ -
خبر مقدم ، ومن تبعيضية ، والمبتدأ محذوف تقديره ثمر، وقوله (( نتخذون))
فعت لهذا المبتدأ المحذوف،- أى: ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون
منه سكرا ورزقا حسنا ..
ويجوز أن يكون الجار والمجرور متعلقا بمحذوف، والتقدير: ونسقيكم
من ثمرات النخيل والأعناب، أى : من عصيرهما، وحذف لدلاله نقيكم
قبله عليه . وقوله (( تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا)، بيان وكشف عن كيفية
الإسقاء ...
والضمير فى قوله (( منه) يعود على المضاف المحذوف الذى هو العصير،
أو على المبتدأ المحذوف وهو الثمر .. ،(١)
والسكر - بفتح السين والكاف ـ اسم من أسماء الخمر ، يقال: سكر فلان
- بوزن فرح - يسكر سكرا، إذا غاب عقله وإدراكه فهو سكران وسكر
- بفتح السين وكسر المكاف - .
وأما الرزق الحسن , فالمراد بهما كان حلالا من ثمرات النخيل والأعناب
كانتمر والزبيب وغير ذلك مما أحله الله - تعالى - من ثمارهما.
وعلى هذا المعنى سار جمهور العلماء من السلف والخلف .
قال الآلوسي ما ملخصه: والسكر: الخمر. قال الأخطل :
بئس الصُّحَاة وبئس الشرب شربهم . إذاجرى فيهم المزًّا. والسكر.
- والمزاء: فوع من الأشربة. والسكر مايسكر وهو الخمر -
وفسروا الرزق الحسن . بالخل والتمر والزبيب وغير ذلك ..
ثم قال: وتفسير ((السكر) بالخمر، هو المروى عن ابن مسعود، وابن
(١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٢ ص ٠٥٨٠

- ١٢٤ -
عمر، وأبى رزين، والحسن، ومجاهد، والشعبى .. والنخعى .. ، مع خلق
آخرين ... )(١) .
وعلى هذا التفسير الذى قاله جمهور العلماء يكون السكر غير الرزق الحسن،
ويكون المطف للتغاير .
ومن العلماء من فسر السكر بأن اسم للخل ، أو للعصير غير المسكر ،
أر لما لا يسكر من الأنبذة، وقد بسط الإمام القرطبى القول فى هذه المسألة
فقال ما ملخصه: قوله - تعالى - «سكراء السكر ما يسكر، هذا هو المشهور
فى اللغة . قال ابن عباس : نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر .
والمراد بالسكر: الخمر . وبالرزق الحسن: جميع ما يؤكل ويشرب حلالا
من هاتين الشجرتين .
وقد قيل: أن السكر : الخل بلغة الحبشة . الرزق الحسن: الطعام . وقيل
السكر: العصير الحلو الحلال، وسمى سكراً، لأنه قد يصير مسكرة إذا بقى،
فإذا بلغ الأسكار حرم ....
وقال الحنفيون. المراد بقوله (( سكرا، مالا يسكر من الأنبذه. والدليل
عليه أن الله - سبحانه - امتن على عباده بما خلق لهم من ذلك، ولا يقع
الامتنان إلا بمحلل لا بمحرم ، فيكون ذلك دليلا على جواز شرب ما دون
المسكر من النبيذ، فإذا انتهى إلى السكر لم يجز. وعضدوا هذا من السنة بها
روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «حرم الله الخمر بعينها والسكر
من غيرها)) .... (٢)
وأصحاب هذا الرأى كأنهم يرون أن عطف الرزق الحسن على السكر من
من باب عطف الشىء على مرادفه، كما فى قوله - تعالى - ((لمكل جعلنا منكم
(١) تفسير الآلوسي جـ ٢٤ ص ١٨٠
(٢) تفسير القرطبى ج ١٠ ص ١٢٨

-٠ ١٢٥ -
شرعة ومنهاجا)، وليس من باب العطف المقتضى للمغايره، فالسكر عندهم ليس
هو الخر ، وإنما هو الخل أو العصير أو النبيذ غير المسكر ..
ويبدو لنا أن ماذهب إليه الجمهور من أن السكر هو الخمر أولى بالقبول،
لأن هذا التفسير هو المروى عن جمع من الصحابة ومن التابعين ، ولأن
الأصل فى العطف أنه يقتضى المغايره .
قال ابن العرد: أسد هذه الاقوال قول ابن عباس : نزلت هذه الآية
قبل تحريم الخمر، والمراد بالسكر الخمر ، فتكون هذه الآيه منسوخة لانها
مكية باتفاق العلماء، وتحريم الخمر مدى (١)
وقال صاحب تفسير آيات الأحكام بعد أن ذكر أدلة الأحناف ورد
عليها: والحاصل أننا نرى أن الآية ليس فيها ما يشهد بالحل، إذ الكلام فى
الامتنان بخلق الأشياء لمنافع الانسان، ولم تنحصر المنافع فى حل التناول،
فقد قال الله - تعالى - فى شأن الخمر: « يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما
إثم كبير ومنافع للناس ... )، فهل انحصرت منافع السكر - على فرض
أنه النبيذ - فى الشرب ؟(٢).
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: « إن فى ذلك الآية لقوم
يعقلون ، أی : إن فى ذلك الذی ذ کر ناه لكم من إخراج اللبن من بین فرت
ودم، ومن اتخاذ السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب،(( لآية))
باهرة، ودلالة واضحة، على قدرة الله - تعالى- ووحد انيته، «لقوم يعقلون))
(١) تفسير القرطبي ــ ١٠ صـ ١٢٨
(٢) راجع تفسير آيات الأحكام ج ٣ ص ٥٢ لفضيلة الشيخ محمد على
السادس - رحمه الله .
-

- ١٢٦ -
هذه التوجيهات الحكيمة ، فيدركون أن من يفعل كل ذلك وغيره، هو
المستحق للعبادة والطاعة (( ألاله الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين)).
***
ثم ساق - سبحانه بعد ذلك مادل - أبضا - على وحدانيته وقدرته ،
عن طريق إخراج العسل الذى فيه شفاء للناس بواسطة حشرة ضعيفة وهى
التحثة ، فقال - تعالى -:
((وأَوْحَى ربُّكَ إِلى النَّحْلِ أَن الخِذِى من الجبال بيوتاً ومن الشَّجْرِ
وما يَعْرِشُون (٦٨) ثم كُلِى مِنْ كلِّ الثمراتٍ فَاسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ
ذْلَلاَ، يخرجُ مِنْ بُطونها شرابٌ مختلفٌ ألوانُه فيه شفاء للناس ، إن
فى ذلكَ لآيةً لقومٍ يتفكرونَ (٦٩))).
وقوله - سبحانه ـ((وأوحى، من الوحى، وهو هنا بمعنى الالهام، وهو
- كما يقول القرطبى - مأيحلقه الله - تعالى- فى القلب ابتداء من غير سبب ظاهر.
ومنه قوله - تعالى -: ((ونفس وماسواها، فألهمها خورها وتقواها)). ومن
ذلك إلهام البهائم لفعل ما ينفعها، وترك ما يضرها، وتدبير معاشها .. (١)
وقال صاحب المكشاف: والإيحاء إلى النحل : إلهامها والقذف فى قلوبها
على وجه هو أعلم به ، لاسبيل لأحد إلى الوقوف عليه، وإلا فتأنقها فى صفعتها
ولطفها فى تدبير أمرها، وإصابتها وما يصلحها دلائل شاهدة على أن الله - تعالى-
أودتها علما بذلك وفطنها، كما أودع أولى العقول عقولهم ... ))(٢)
والخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - ويشمل كل من يصلح للخطاب
من الأمة الإسلامية .
٠ ١) تفسير القرطبى : ١٠ ص ١٣٣
(٢) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٦١٨

١٢٧٠-
والنحل: اسم جنسى يفرق بينه وبين واحده بالتاء، ويطلق على الذكر
والأنثى، وسمى بذلك لأن الله - تعالى - نحله أى منحه العسل الذى خرج منه.
وقوله - سبحانه - ((أن اتخدى من الجبال بيوتا ومن الشجر وما يعرشون))
بيان لما ألهمه أنله للنحل من أوامر. ولما كلفها به من أعمال.
و((أن)) مفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول دون حروفه وما بعدها
لامحل له من الإعواب، ويجوز بأن تكون مصدرية فيكون ما بعدها فى محل
نصب على تقدير الجار . . أى : بأن اتخذى .
والمعنى: وألهم ربك النحل وأرشدها وهداها إلى أن تتخذ من نجوات
الجبال بيوتا تسكن فيها، وكذلك من تجاريف الأشجار ، وما يرفعه الناس
وإعرشونه من السقوف وغيرها .
يقال: عرش الشىء - بكسر الراء وضعها - إذا رفعه عن الأرض،
ومنه العريش الذى صنع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر
لمشاهدة سير المعركة .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت ما معنى ((من)) فى قوله أن أتخذى من
الجبال بيوتا ومن الشجروء! يعرشون)؟ وهلا قبل فى الجبال وفى الشجر؟
قلت: أريد معنى البعضية: وأن لا قبنى بيوتها فى كل جبل، وكل شجر ،
وكل ما يعرش ، ولا فى كل مكان منها .
وقد علق الشيخ ابن المنير على هذا الكلام بقوله: ويتزين هذا المعنى الذى
فيه عليه الزمخشرى فى تبعيض ((من ، المتعلقة بإتخاذ البيوت باطلاق الأكل ،
كأنه - تعالى - وكل الأكل إلى شهوتها واختيارها فلم يحجز عليها فيه ،
وإن حجر عليها فى البيوت، وأمرت باتخاذها فى بعض المواضع دون بعض
لأن مصلحة الأكل على الإطلاق باستمرار مشتها ها منه، وأما البيوت فلا تحصل
مصلحتها فى كل موضع. ولهذا المعنى دخلت ثم - فى قوله (( ثم كلى ... )).

١٢٨٠٠ -
لتفاوت الأمر بين الحجر عليها فى إتخاذ البيوت ، والإطلاق لها فى تناول
التمرات ، كما تقول:داع الحلال فيما تأكله ثم كل أى شىء شئت. فتوسط
ثم التفاوت . الحجر والإطلاق فسبحان اللطيف الخبير)، (١)
وقوله : «ثم كلى من كل التمرات فاسلكى سبل ربك ذللا ... )) بيان للون.
آخر من الإلهامات التى أهمها الله - تعالى - إياها.
والسبل: جمع سبيل. والمراد بها الطرق التى تسلكها الفحلة فى خروجها
من بيتها وفى رجوعها اليه وأضاف - سبحانه - السبل اليه ، لأنه هو خالقها
وموجدها .
وذللا : جمع ذلول وهو الشىء المعهد المنقاد ، وهو حال من السبل ، أى:
قاسلکی سبل ربك حال كونها ممهدة لك ، لا عسر فى سلوكها عليك، وإن
كانت صعبة بالنسبة لغيرك .
قالوا : ربما أجدب عليها ما حولها ، فتنتجع الأماكن البعيدة للمرعى ،
ثم تعود إلى بيوتها دون أن تضل عنها
وقيل إن ((ذلولا)) حال من النحلة أى: ثم كلى من الثمرات، فاسلكى
سبل ربك ، حالة كرنك منقادة لما يراد منك، مطيعة لما سخرك الله له من
أُمور تدل على قدر ته وحكمته - سبحانه -.
وقوله - تعالى -: ((يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء
للناس ، كلام مستأنف ، عدل به من خطاب النحلة إلى خطاب الناس، تعددا
للنعم، وتعجيبا لكل سامع ، وتضبيها على مواطن العظات والعبر الدالة على
وحدانية الله - تعالى - وقدر ته وعجيب صنعه فى خلقه ,
أى: يخرج من بطون النحل - بعد أكلها من كل الثمرات وبعد إتخاذها
(١) الكشاف وحاشيته حـ ٢ ص ٦١٨

- ١٢٩ -
لبيوتها - شراب هو العسل، مختلف ألوانه ما بين أبيض وأصفر وغير ذلك
من ألوان العسل، على حسب إختلاف مراعيها ومآ كلها وسنها ، وغير ذلك
مما اقتضته حکمته - سبحانه - .
والضمير فى قوله - تعالى - «فيه شفاء للناس) يعود على الشراب المستخرج
من بطونها وهو العسل .
أى : فى العسل شفاء عظيم للناس من أمراض كثيرة تعرض لهم
وقيل : الضمير يعود إلى القرآن الكريم ، والتقدير: فيما قصصنا عليكم
فى هذا القرآن الشفاء للناس .
وهذا القيل وإن كان صحيحا فى ذاته ، إلا أن السياق لايدل عليه، لأن
الآية تتحدث عما يخرح من بطون النحل وهو العسل ، ولا وجه للعدول عن
الظاهر ، ومخالفة المرجع الواضح ...
قال الإمام ابن كثير: والدليل على أن المراد بقوله ، فيه شفاء للناس))
هو العسل، الحديث الذى رواه البخارى ومسلم فى صحيحيهما عن أبى سعيد
الخدرى - رضى الله عنه -، أن رجلا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم
فقال: إن أخى استطلق بطنه فقال: « اسقه علا،، فذهب فقاه علام
جاء فقال: يارسول الله، سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا. قال: «اذهب
فاسقه عسلا)). فذهب فسقاه عسلا ثم جاء فقال يارسول الله، سقيته عسلا
فمازاد. إلا استطلاقا .
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((صدق الله وكذب بطن أخيك.
أذهب فاسقه عسلا (( فذهب فسقاه عسلا فبرى.)).
ثم ساق الإمام ابن كثير بعد ذلك جملة من الأحاديث فى هذا المعنى منها
مارواه البخارى عن ابن عباس قال: الشفاء فى ثلاثة: فى شرطة محجم ،
أو شربة عسل، أوكية بار-، وأنهى أمتى عن المكر)).
{ ٩ - سورة النحل)

- ١٢٠ -
وروى البخارى - أيضا .. عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول اقه
صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إن كان فى شىء من أدويتكم - أو يكون فى
شىء من أدويتكم - خير: ففى شرطة محجم، أو شربة عسل , أو لذعة بنار،
توافق الداء، رما أحب أن أكتوى)،(١).
وقال صاحب فتح البيان : وقد اختلف أهل العلم هل هذا الشفاء الذى
جعله الله فى العسل عام لكل داء، أو خاص ببعض الأمراض.
فقالت طائفة : هو على العموم فى كل حال ولكل أحد .
وقالت طائفة أخرى: إن ذلك خاص ببعض الأمراض، ولا يقتضى
العموم فى كل علة وفى كل إنسان، وليس هذا بأول لفظ خصص فى القرآن
فالقرآن مملوء منه، ولغة العرب يأتى فيها العام كثيرا بمعنى الخاص، والخاص
بمعنى العام.
وما يدل على هذا ، أن العسل فكرة فى سياق الإثبات فلا يكون عاما
باتفاق أهل اللسان. ومحققى أهل الأصول. وتفكيره إن أريد به التعظيم
لا يدل إلا على أن فيه شفاء عظيما لمرض، أو أمراض، لا لكل مرض، فإن
تنكير التعظيم لا يفيد العموم ...
ثم قال: قلت : وحديث البخارى: أن أخى استطلق بطنه ... أوضح
دليل على ماذهبت إليه طائفة من تعميم الشفاء، لأن قوله - صلى أفقه عليه وسلم
صدق الله، أى: أنه شفاء، فلو كان لبعض دون بعض لم يكرر الأمر بالمقياء(٢).
والذى نراه ، أن من الواجب علينا أن نؤمن إيمانا جازما بأن العسل
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ م ٠٥٧٥
(٢) تفسير فتح البيان جه ــ ٢٦٧ للشيخ صديق خان .

-١٣١-
المذكور فيه شفاء للناس، كما صرح بذلك القرآن الكريم ، وكما أرشد إلى
ذلك النبى - صلى الله عليه وسلم ....
وعلينا بعد ذلك أن نفوض أمر هذا الشفاء وعموميته وخصوصيته لعلم الله
- تعالى - وقدرته وحكمته ويكفينا بقينا فى هذا المجال، إصرار النبى -
صلى الله عليه وسلم - على أن يقول للرجل الذى استطلق بطن أخيه أكثر من
مرة ، اذهب فاسقه عسلا .
وقد تولى كثير من الأطباء شرح هذه الآية الكريمة شرحا علميا وافيا ،
وبينوا ما اشتمل عليه عسل النحل من فوائد (١).
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: «إن فى ذلك الآية لقوم
يتفكرون ..
أى: إن فى ذلك الذى ذكرناه لكم من أمر النحل ، من إلهامها اتخاذ
البيوت العجيبة، ومن إدارتها لشئون حياتها بدقة متناهية، ومن سلوكها الطرق
التى جعلها الله مذللة فى ذهابها وإيابها للحصول على قوام حياتها ، ومن خروج
العسل من بطونها .... إن فى ذلك وغيره ، لآية باهرة ، وعبرة ظاهرة ،
ودلالة جاية، على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، وحكمته، لقوم يحسنون
التفكير فيما أخبرهم الله - تعالى - عنه، ويوقنون بأن هذا الكون رباواحدا
لا إله إلا هو ((تبارك الله رب العالمين)).
وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد ساقت لنا ألوانا من عجائب صنع الله
فى خلقه، كاستخراج اللبن من بين فرث ودم، وكاتخاذ السكر والرزق الحسن
من ثمرات النخيل والأعناب، وكاستخراج العسل الذى فيه شفاء للناس من
بطون النحل .
(١) راجع على سبيل المثال كتاب: الإسلام والطب الحديث ، للدكتور
عبد العزيز إسماعيل .

- ١٣٢ -
فهذه الأشربة قد أخرجها الله - تعالى - من أجساد مخالفة لها فى شكلها،
وقد ساقها - سبحانه - فى آيات جمع بينها التناسق الباهر فى عرض هذه النعم
مما يدل على أن هذا القرآن من عند الله، (( ولو كان من عند غير الله لوجدوا
فيه اختلافا كثيراً ».
وبعد هذا الحديث المتنوع عن عجائب خلق الله - تعالى - فى الأنعام
والأشجار والنحل ... ساقت السورة الكريمة ألوانا أخرى من مظاهر
قدرته - تعالى - فى خلق الإنسان ، وفى التفاضل فى الأرزاق، ومن نعمه على
عباده فى إيجاد الأزواج والبنين والحفدة ... فقال - تعالى -:
((واللهُ خلَقَكُمْ ثم يتَوفَاكُم، ومنكُم من يُرَدُّ إلى أرْذَلِ المُر
لكىْ لا يعلمَ بعد علم شيئاً، إنّ اللهَ عليمٌ قديرُ (٧٠) والله فضَّل بعضَكُم
على بعضٍ فى الرِّزْقِ، فما الذِنَ فَضَلُوا بِرَادِى رزقهم على ما ملكتْ
أيمانهم، فهُمْ فيهِ سواء، أَفِعَةِ الله يَجْحَدُون (٧١) واللهُ جَعَل لَكُم
من أنفُسِكُم أزواجاً، وجعلَ لكُم من أزواجِكُم بنينَ وحقّدةٌ ،
ورزَ قَكُم من الطيباتِ أَبِالباطِ يُؤْمِنُونَ وبنعمةِ اللهِهُمْ يَكْفُرون (٧٢))
قال الإمام الرازى - رحمه الله: لما ذكر - سبحانه - بعض عجائب أحوال
الحيوانات، ذكر بعده بعض عجائب أحوال الناس، ومنها ماهو مذ كور فى هذه
الآية: «والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر - وهو إشارة
إلى مراتب عمر الإنسان . والعقلاء ضبطوها فى أربع مراتب: أولها : سن
النشوء والنماء ، وثانيها: سن الوقوف وهو سن الشباب - من ثلاث وثلاثين
سنة إلى أربعين سنة -، وثالثها: سن الانحطاط القليل وهو سن الكهو له -
وهو من الأربعين إلى الستين -، ورابعها: سن الانحطاط الكبير وهو سن

١٣٣٠٠-
الشيخوخة - وهو من الستين إلى نهاية العمر -))(١).
والمعنى: ((والله)) - تعالى - هو الذى ((خلقكم)) بقدرته، ولم تكونوا
قبل ذلك شيئا مذ كورا .
((ثم)) هو وحده الذى ((يتوفاكم، وينهى حياتكم من هذه الدنيا عند
إنقضاء آجالكم .
وقوله (( ومنكم من يرد إلى أرذل العمر .. ، معطوف على مقدر. أى:
والله - تعالى - هو الذى خلقكم، فمنكم من يبقى محتفظا بقوة جسده
وعقله حتى يموت ، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ..
والمراد بأرذل العمر: أضعفه وأوهاه , وهو وقت الهرم والشيخوخة،
الذى تنقص فيه القوى ، وتعجز فيه الحواس عن أداء وظائفها .
يقال: رذل الشىء يرذل ـ بضم الذال فيهما - رذالة .. ، إذا ذهب جيده
وبقی رديئه .
وقوله: لكى لا يعلم بعد علم شيئا ، تعليل للرد إلى أرذل العمر .
أى : فعلنا مافعلنا من إبقاء بعض الناس فى هذه الحياة إلى سن الشيخوخة
لكى يصير إلى حالة شبيهة بحالة طفولته فى عدم إدراك الأمور إدراكا
ناما سلما .
ويجوز أن تكون اللام الصيرورة والعاقبه. أى: ليصير أمره بعد العقم
بالأشياء، إلى أن لا يعلم شيئا منها عدما كاملا.
ولقد استعاذ النبى - صلى الله عليه وسلم - من أن يصل عمره إلى هذه السن،
لأنها سن تتكائر فيها الآلام والمتاعب . وقد يصير الإنسان فيها عالة على
غيره. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -( الله الذى خلقكم من ضعف ، ثم جعل
(١) تفسير الفخر الرازى جه صـ ٣٢".

- ١٢٤ --
من بعد ضعف قوة: ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة، يخلق ما يشاء وهو العليم
القدير)،(١).
قال الإمام ابن كثير : روى البخارى عند تفسير هذه الآية ، عن أنس بن
مالك ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو فيقول: اللهم إنى
أعوذ بك من البخل، والكسل، والهرم، وأرذل العمر، وعذاب القبر، وفتنة
الدجال ، وفتنة المحيا والممات ,.
وقال زهير بن أبي سلمى فى معلقته المشهورة :
ثمانين حولا لا أيالك يسأم
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش
تمته، ، من تخطى. يعمر فيهرم (٢)
رأيت المنا ياخبط عشواء من تصب
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على كمال علمه، وتمام قدرة"،
فقال - تعالى -: ((إن الله عليم قدير)). أى: إن اته - تعالى - عليم بأحوال
مخلوقاته، لا يخفى عليه شىء من تصرفاتهم ((قدير)) على تبديل الأمور كماتقتضى
حكمته وإرادته .
ويؤخذ من هذه الآية الكريمة إمكان البعث وأنه حق، لأن الله - تعالى -
القادر على خلق الإنسان وعلى نقله من حال إلى حال ... قادر - أيضا - على
إحياته بعد موته :
ثم انتقلت السورة الكريمة من الحديث عن خلق الإنسان، وتقلبه فى
أطوار عمره، إلى الحديث عن التفاوت بين الناس فى أرزاقهم، فقال - تعالى -
((والله فضل بعضكم على بعض فى الرزق .. )) جمل منكم الغنى والفقير، والمالك
والمملوك ، والقوى والضعيف ، وغير ذلك من ألوان التفاوت بين الناس.؛
لحكمة هو يعلمها - سبحانه ..
(١) سورة الروم. الآية ٥٥ (٣) تفسير ابن كثير جـ ٢ ٥ ٥٧٧

٠٠٠ ١٣٥ -
ثم بين - سبحانه - موقف المفضلين فى الرزق من غيرهم فقال: (فما الذين
فضلوا برادى رزقهم على ماملكت أيمانهم فهم فيه سواء .. ))
أى: فليس الذين فضلهم الله - تعالى - فى الرزق على غيرهم «برادى، أى:
بما يحى وبأذلى («رزقهم)) الذى رزقهم الله إياه على ماليكهم أو خدمهم الذين
هم إخوة لهم فى الإنسانية (( فهم)) أى الأغنياء الذين فضلوا فى الرزق وماليكهم
وخدمهم « فيه، أى: فى هذا الرزق (سواء، من حيث إنى أنا الرازق للجميع.
فالجملة الكريمة يجوز أن تكون دعوة من الله - تعالى - الذين فضلوا على
غيرهم فى الرزق ، بأن ينفقوا على مماليكهم وخدمهم ، لأن ما ينفقونه عليهم
هو رزق أجراه الله للفقراء على أيدى الأغنياء.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله عند تفسير الآيه : أى :
جعلكم متفاوتين فى الرزق ، فرزقكم أفضل ما رزق مماليككم وهم بشر
مثلكم، وإخوانكم، فكان ينبغى أن تردوا فضل مارزقتموه عليهم ، حتى
تتساووا فى الملبس والمطعم . كما يحكى عن أبى ذر أنه سمع النبى - صلى الله
عليه وسلم - يقول: إنما هم إخوانكم، فاكسوهم ما تلبسون، وأطعموهم ٠)
تطعمون ، فما رؤی عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه : وإزاره إزاره من
غير تفاوت (١) .
وبحوز أن تكون الآية الكريمة توبيخ للذين يشركون مع الله - تعالى -
آلهة أخرى فى العبادة. فيكون المعنى: لق فضل الله - تعالى - بعضكم على
بعض فى الرزق - أيها الناس -، ومع ذلك فالمشاهد الغالب بينهم، أن الأغنياء
لايردون أموالهم على خدمهم وعبيدهم بحيث يتساوون معهم فى الرزق ، وإذا
ردوا عليهم شيئا، فإنما هو شىء قليل يسير يدل على بخلهم وحرصهم :..
مع أنى أنا الرازق للجميع ..
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٦٢٠

-١٣٦ -
وإلى هذا المعنى أشار ابن كثير بقوله عند تفسيره للآية: يبين - تعالى-
للمشركين جهلهم وكفرهم فيمازعمو هلله من شركاء ، وهم يعترفون بأنهم عبيدله،
كما كانوا يقولون فى قلبيتهم فى حجهم: لبيك لا شريك لك الا شريكا هو لك
تملكه وما ملك ، فقال - تعالى - منكرا عليهم: أنتم لا ترضون أن تساووا
عبيدكم فيما رزقنا كم، فكيف يرضى هو - تعالى - بمساواة عبيد له فى الإلهية
والتعظيم ، كما قال - تعالى - فى آية أخرى «ضرب لمكم مثلا من أنفسكم، هل
لكم ما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تحافونهم
كخيف تكم أنفسكم .....
وقال العوفى عن ابن عباس فى هذه الآية يقول: لم يكونوا ليشر كواعبيدهم
فى أموالهم ونسائهم، فكيف يشركون معى عبيدى فى سلطانى ... (١)
وهذا المعنى الثاني هو الأقرب إلى سياق آبات السورة الكريمة، لأن
السورة الكريمة مكية ، ومن أهدافها الأساسية دعوة الناس إلى اخلاص
العبادة لله .. عز وجل -، وفيد الإشراك والمشركين، وإقامة الأدلة المتنوعة
على بطلان كل عبادة الغير الله - تعالى -.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله. «أشنعمة الله يجحدون)).
والاستفهام هنا للتوبيخ والتقريع، والفاء عطوفة على مقدراى :
أيشر كون به - سبحانه - فيجحدون نعمه: وينكرونها ، ويغمطونها حقها،
مع أنه - تعالى - هو الذى وهبهم هذه النعم ، وهو الذى منحهم ما منحهم
من أرزاق ؟ !!
ثم ذكرت السورة الكريمة بعد ذلك نعمة أخرى من نعم انقه - تعالى -
على الناس : فقال - تعالى - ((والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ،
أى: والله - تعالى - هو وحده الذى جعل لكم ((من أنفسكم، أى: من
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ صـ ٥٧٧

١٢٧ ٠٠
جنسكم ونوعكم ((أزواجا لتسكنوا إليها، وتستأنسوا بها، فإن الجنس إلى
الجنس آنس وأسكن .
قال - تعالى -: ((ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا، لتسكنوا
إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة ... )) (١)
قال الإمام ابن كثير ، يذكر - تعالى - نعمه على عبيده، بأن جعل لهم
من أنفسهم أزواجا ، أى: من جنسهم وشكلهم ، ولو جعل الأزواج من نوع
آخر ماحصل الائتلاف والمودة والرحمة ، ولكن من رحمته أنه خلق من بنى
آدم ذكورا وإناثا ، وجعل الإناث أزواجا للذكور ... ،(٢)
وقوله - سبحانه -: وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة)» بيان لنعمة
أخرى من نعمه - تعالى - والحمدة ، جمع حافد، يقال ، حفد فلان بحفد حفدا
من باب ضرب إذا أُسرع فى خدمة غيره وطاعته . ومن دعاء القنوت : وإليك
نسعى ونحفد، أى نسرع فى طاعتك باربنا .
والمراد بالحفدة: أبناء الأبناء. روى عن إبن عباس أنه قال: الحفيد
ولد الإبن والبنت ، ذكرا كان أو أنى .
وقيل المراد بهم: الخدم والأعوان. وقيل المراد بهم: الأختان والأصهار
اى: أزواج البنات وأقارب الزوجة ...
قال الجمل بعد أن نقل جملة من أقوال المفسرين فى ذلك: وكل هذه الأقوال
متقاربة ، لأن اللفظ يحتمل الكل بحسب المعنى المشترك. وبالجمله فالحفدة
غير البنين ، لأن الأصل فى العطف المغايرة)، (٢)
وقوله - سبحانه - ((ورزقكم من الطيبات) بيان لنعمة ثالثة من النعم
المذكورة فى هذه الآية .
(١) سورة الروم الآية ٢٢ (٢) تفسير ابن كبير حـ ٢ صـ ٥٧٧
(٣) حاشية الجمل على الجلالين حـ ٢ ص ٥٨٦

-
١٢٨.٠٠ -
أى : ورزقكم - سبحانه - من الطيبات التى تستلذونها و تشتهونها، وقد
أحل لكم التمتع ؟! فضلا منه وكرما.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بتأنيب الذين يؤثرون الفى على
الرشد فقال - تعالى -، أفبا الباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون،
والباطل يشمل كل إعتقاد أو قول أو فعل يخالف الحق والرشاد والاستفهام
للتوبيخ والتقريع، والفاء معطوفة على مقدر. والمعنى: أيجحدون نعم الله
- تعالى - فيؤمنون بالباطل ، ويكفرون بكل ما سواه من الحق والهدى
والرشاد .
وفى تقديم الباطل على الفعل ، يؤمنون، إشارة إلى أنهم قد إختلط الباطل
بدمائهم فأصبحوا لا يؤمنون إلا به ، ولا ينقادون إلا له .
والمراد بنعمة الله عموم النعم التى أنعم الله بها عليهم، والتى لا تعد
ولا تحصى .
وفى تقديم النعمة وتوسيط ضمير الفصل، إشعار بأن كفرهم بالنعمة مستمر
وإنكارهم لها لا ينقطع، لأنهم «إستحوذ = لميهم الشيطان : أنساهم ذكراه ...
وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد ذكرت الناس بعجائب خلقهم
وبأطوار حياتهم ، وبتقاوت، أرزاقهم، وببعض نعم الله - تعالى -- عليهم
لعلهم عن طريق هذا التذكير يفيئون إلى رشدهم ، ويخلصون العبادة لخالقهم
- سبحانه -، ويستعملون نعمه فيما خلقت له .
ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك لونا من ألوان العقول المنحرفة عن
الطريق الحق ، كما ساقت مثلين للرب الخالق العظيم، والمملوك العاجز
الضعيف ، لعل فى ذلك عبرة لمن يعتبر ، وهداية لمن يريد الصراط المستقيم ،
فقال - تعالى - :

١٣٩-
((ويعبدونَ من دونِ اللهِ مالاً يملكُ لهم رِزْناً من السمواتٍ
والأرضِ شيئاً ولا يستطيعونَ (٧٣) فلا تضرِبُوا لِ الأمثالَ، إنَّ اللهَ
يعلمُ وَأَنْتُم لا تعلمون (٧٤) ضربَ اللهُ مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدرُ على
شىءٍ، ومَنْ رزقناهُ منَّا رزقاً حسناً فهُوَ ينفِقُ منه سِرًّا وجَهْراً، هَلْ
يستوُ ونَ الحمدُ للهِ بَلْ أكثرُهُم لا يَعَلُونَ (٧٥) وضَربَ اللهُ مثلاً
رجُلِينٍ: أحدُهُما أبكمُ لا يقدِرُ على شىء وهو كَلٌّ عَلَى مولاَهُ، أينَما
يوجّهُهُ لا يأتِ بخيرٍ . هل يستوِى هو ومَنْ يَأْمُر بالعدلِ وهُوَ على
مراطٍ مستقيمٍ (٧٦))).
و المراد بقوله .. سبحانه -: ((ويعبدون من دون الله .... )) كل معبود
سوى الله - تعالى - من صنم أو وأن أو غير ذلك من المعبودات الباطلة.
والجملة الكريمة داخلة تحت مضمون الاستفهام الافكارى ، ومعطوفة
عليه، وهو قوله - تعالى -: أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون))
أى أن هؤلاء الجاحدين لنعم الله - تعالى -، بلغ من جهالتهم وسفاهاتهم
أنهم يؤمنون بالباطل ، ويكفرون بالحق ، ويعبدون من دون الله - تعالى -
أصناما وأوثانا لا تملك لعابدها ر أى شىء من الرزق ، فهى لا تنزل مطرا من
السماء ولا تخرج نباتا من الأرض، ولا تستطيع أن تنفع أو تضر ...
و ((ما، فى قوله - تعالى - «مالا يملك .. , كنايه عن معبوداتهم الباطلة
فهى مفردة أفظا، مجموعة معنى.
والتفكير فى قوله - سبحانه - ((رزقا)) للإشعار بقلته وتفاهته، وأن
معبوداتهم لا تملك لهم أى شىء من الرزق ، حتى ولو كان تفها حقيرا.

- ١٤٠ -
وقوله شيئا, منصوب على المصدر، أى: ويعبدون من دون الله
ما لا يملك لهم ملكا، أى شيئا من الملك .
والضمير فى قوله ((ولا يستطيعون)، يعود إلى ((ما، وجمع بصيغة العقلاء
وبناء على زعمهم الفاسد، من أن هذه الأصنام فى إمكانها النفع والضر .
وجاءت جملة ((ولا يستطيعون، بعد قوله - تعالى - ما لا يملك لهم رزقا
من السموات والأرض .. ، لتأكيد عجز هذه المعبودات عن فعل أى شىء
فهى لا تملك شيئا، وليس فى إستطاعتها أن تملك لأنها ليست أهلا لذلك.
وقوله - سبحانه ــ ((فلا تضربو الله الأمثال٠٠، نهى منه - سبحانه -
عن أن يشب فى ذاته أو صفاته بغيره، وقد جاء هذا النهى فى صورة الالتفات
من الغائب إلى المخاطب للاهتمام يشأن هذا النهى ، والفاء لترتيب النهى
على ما عدد من النعم التى وردت فى هذه السورة والتى لم ينته الحديث
عنها بعد .
والأمثال: جمع مثل وهو النظير والشبيه لغيره ، ثم أطلق على القول
السائر المعروف ، لمائلة مضربه - وهو الذى يضرب فيه - ، لمورده - وهو
الذى ورد فيه أولا .
وضرب الأمثال: لتوضيح الشيء الغريب، وتقريب المعنى المعقول من
المحسوس ، وعرض ما هو غائب فى صورة ما هو مشاهد ، فيكون المعنى الذى
ضرب له المثل أوقع فى القلوب ، وأثبت فى النفوس ..
وقوله - تعالى - ((إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون، تعليل لهذا النهى عن ضرب
الأمثال قه - عز وجل-
أى: فلا تتجاسروا، وتتطاولوا، وتضربوالله - تعالى - الأمثال، كما
يضرب بعضكم لبعض، فإن الله - تعالى - هو الذى يعلم كيف تضرب الأمثال
وأنتم لا تعلمون ذلك .