النص المفهرس

صفحات 101-120

= ١٠١ -
أن: ولّ - تعالى - وحده ما فى السموات وما في الأرض ملكا وخلقا ،
لا شريك له فى ذلك، ولا منازع له فى أمره أو نهيه ... وله - أيضا - الطاعة
الدائمة ، والخضوع الباقى الثابت الذى لا يحول ولا يزول .
والآية الكريمة معطوفة على قوله (( إنما هو إله واحد))
والاستفهام فى قوله (( أفغير الله تتقون)، للإنكار والتعجيب، والفاء
للتعقيب، وهى معطوفة على محذوف، والتقدير: أفبعد أن عدتم أن اقله -تعالى-
له ما فى السموات والأرض، وله الطاعة الدائمة ... تتقون غيره، أو
ترهبون سواه ؟
إن من يفعل ذلك لا يكون من جملة العقلاء، وإنما يكون من الضالين
الجاهلين .
ثم بين - سبحانه - أن كل نعمة فى هذا الكون، هو - سبحانه -
مصدرها وموجدها، فقال: (( وما بكم من نعمة فمن الله ... ))
أى : وكل نعمة عندكم کمافية فى أبدانكم ، ونماء فی مالكم، و كترة فى
أولادکم، وصلاح فی بالكم ... فهى من الله - تعالى - وحده .
فالمراد بالنعمة هنا النعم الكثيرة التى أنعم بها - سبحانه - على الناس، لأنه
ثم يقم دليل على أن المراد بها نعمة معينة ، وعلماء البيان يعدون استعمال المفرد
فى معنى الجمع - اعتمادا على القرينة - من أبلغ الأساليب الكلامية، وهما،
موصولة مبتدأ، متضمنة معنى الشرط. وقوله (( فمن الله)) خبرها ،
وقوله (( من فعمة، بيان لما اشتملت عليه ما من إبهام.
وقوله ـ سبحانه ـ «ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون. ثم إذا كشف
الضر عنكم ، إذا فريق منكم بربهم يشر كون)) بيان لطبيعة الإنسان، ولموقفه
من خالقه - عز وجل - والضر: يشمل المرض والبلاء والفقر وكل ما يتضرر
منه الإنسان .

٠١٢٠
وقوله ((تجأرون)) من الجوار بمعنى - رفع الصوت بالاستغاثة وطلب.
العون، يقال: جار فلازيج أر جارا وجوارا، إذا رفع صوته بالدعاء وتفرع
واستغاث وأصله: صياح الوحش. ثم استعمل فى رفع الصوت بالدعاء.
والاستغاثة .
أى: كل ما يصاحبكم من نعمة فهو من الله - تعالى -، فكان من الواجب
عليكم أن تشكروه على ذلك، ولكنكم لم تفعلوا، فإنكم إذا نزل بكم الضر،
ميثم بالدعاء، ورفعتم أصواتكم بالتضرع، ليكشف عنكم ماحل بكم، فإذا
ما كشف - سبحانه - عنكم الضر، سرعان ما يقع فريق منكم فى الشرك الذى
نهى الله - تعالى - عنه .
و((ثم)، فى هاتين الآيتين للتراخى الرقمى، لبيان الفرق الشاسع بين
حالتهم الأولى وحالتهم الثانية .
والتعبير بالمس فى قوله « ثم إذا مسكم الضر .. ، للإيماء بأنهم بمجرد أن
ينزل بهم الضر ولو نزولا يسيرا، جأروا إلى الله - تعالى -- بالدعاء
لكهفه .
وقدم - سبحانه - الجار والمجرور فى قوله (( فإليه تجارون، لإفادة.
القصر ، أى اليه وحده ترفعون أصواتكم بالدعاء ليرفع عنكم ما نزل يكم من
بلاء, لا إلى غيره؛ لأنكم تعلمون أنه لا كاشف الضر إلا هو -- سبحانه -
و ((إذا، الأولى فى قوله (، ثم إذا كشف ... ، شرطية والثانية وهى قوله
(( إذا فريق منكم .... جائية , وهى جواب الأولى.
وهذا التعبير يشير إلى مسارعة فريق من الناس ، إلى جحود نعم الله
- تعالى -- بمجرد أن يكشف عنهم الضر بدون تريث أو تمهل .
وقال - سبحانه - (فريق منكم بربهم يشر كون)) لتسجيل الشرك على
هذا الفريق والإنصاف غيره من المؤمنين الصادقين ، الذين يشكرون اله.

- ١٣ -
- تعالى - فى جميع الأحوال: ويواظبون على أداء ما كلفهم به فى السراء
والضراء .
وهذا المعنى الذى تضمنته هاتان الآيتان ، قد جاء ما يشبهه فى آيات كثيرة
منها قوله - تعالى: ((وإذا أنعمنا على الانسان أعرض ونأى بجانبه، وإذا
مسه الشر فذو دعاء عريض ، (١)
وقوله - سبحانه -: ((وإذا مس الانسان الضر دعانا لجنبه ، أو قاعدا أو
قائما فلما كشفنا عنة ضره، مر كأن لم يدعنا إلى ضر مه ... (٢)
فهذه الآيات الكريمة تصور الطبائع البشرية أكمل تصوير وأصدقه، إذ
الناس - الا من عصم الله - بحارون إلى الله - تعالى - بالدعاء عند الشدائد
والمحن ، وينسونه عند السراء والرخاء ...
واللام فى قوله، ليكفروا بما آتيناه .. ، يصح أن تكون للتعليل ،
وأن تكون هى التى تسمى بلام العاقبة أو الصيرورة .
قال الشوكانى: ((واللام فى ((ليكفروا بما آتيناه ... ، لام كى. أى:
لكى يكفروا بما آتيناه من نعمة كشف الضر ، حتى لكأن هذا الكفر منهم
الواقع فى موقع الشكر الواجب عليهم، غرض لهم ومقصد من مقاصدهم. وهذا
غاية فى العشر والعناد ليس وراءها غاية .
وقيل: اللام للعاقبة: يعنى ما كانت عاقبة تلك التضرعات إلا الكفر ... (٣)
وقوله - سبحانه - ((فتمتعوا فسوف تعلمون)، تهديد ووعيد لهم على
جحودهم لنعم الله - تعالى - والجملة الكريمة معدولة لقول محذوف.
(١) سورة فصلت الآية ١،
(٢) سورة يونس الآية ٢.
(٣) تفسير الشوكانى جـ م ص ١٦٩

- ٠٤ : -
أى : قل له : - أيها الرسول الكريم - أعملوا ماشئتم فسوف تعلمون سو.
عاقبتكم يوم القيامة ..
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جانبا من عقائدهم الباطلة، وأفعالهم القبيحة
التى تمجها العقول السليمة ، والأفكار القويمة . فقال - تعالى -:
((ويجعلونَ لِمَ لا يعلمونَ نصيباً مِمّ رزقناهُم، تالله لتسألُن عما كنتُم
تفترونَ (٥٦) ويجعلُونَ لله البناتِ سبحانه ولهم ما يشتهون (٥٧) وإذا
يُشِّرأحدُهُم بِالْأنتَى ظل وجهُهُ مُسودًا وهو كِظِيمٌ (٥٨) يتوارَى مِنَ
القومِ مِنْ سُوء ما بُثِّرِ به، أيمسِكُهُ على حُونٍ أم يدُسُّه فى الترابِ ،
ألاَ ساءَ ما يُحُكُمون (٥٩) للَّذِينَ لا يُؤْمِنُوزَ بالآخرةِ مثلُ السَّوْءِ وله
المثل الأعْلَى وهو العزيز الحكيمُ (٦٠))).
٠٠٠
وقوله - سبحانه -: ((ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا ما رزقنام .
معطوف على ماسبقه بحسب المعنى، لتسجيل رذائلهم ، وتعداد جناياتهم ...
وضمير الجمع فى قوله (( لما لا يعلمون، يصح أن يعود إلى الكفار، كالذى
قبله فى ((ويجعلون))
فيكون المعنى: إن هؤلاء المشركين يفعلون ما يفعلون من إشراكهم بالله
- تعالى - ومن التضرغ اليه عند الضرر ونسيانه عند الرخاء ... ولا يكتفون
بذلك، بل ويجعلون للأصنام انتى لا يعلمون منها ضرا ولا نفعا ، نصيبا ما
رزقناهم من الحرث والأنعام وغيرهما .
ويصح أن يعود ضمير الجمع فى قوله (( لما لا يعلمون، للأصنام، فيكون
المعنى: ويحملون للأصنام التى لا تعلم شيئًا لأنها جماد لا يعقل ولا يبصر ...
يجعلون لها نصيبا ما رزقنام ....

- ٠١٠٥-
قال الآلوسي: قوله: (( لما لا يعلمون)) أى لآلهتهم التى لا يعلمون أحوالها
وأنها لاتضر ولا تنفع، على أن (( ما، موصولة، والعائد محذوف ؛ وضمير
الجمع للكفار. أولآلهتهم التى لا علم لها بشىء لأنها جماد. على أن «ما : موصوله
- أيضا - عبارة عن الآلهة، وضمير (يعلمون)) عائد عليها ومفهول ((يعلمون))
متروك لقصد العموم، وصيغة جمع العقلاء لوصفهم الآلهة بصفاتهم ... (١)
وقال - سبحانه , نصيبا، بالتنكير، للإيماء بأنه نصيب كبير وضعوه فى
غير موضعه ووصفه بأنه مما رزقهم - سبحانه - لتهو يل جهلهم وظلمهم ، حيث
تركوا التقرب إلى الرازق الحقيقى - جل وعلا -، وتقربوا بجانب كبير م)
رزقهم به - سبحانه - إلى جمادات لاتغنى عنهم شيئا.
وما أجملته هذه الآية الكريمة عن جهائتهم ، فصلته آيات أخرى منها
قوله - تعالى - فى سورة الأنعام: ((وجعلوا لله ما ذرأ من الحرث والأنعام
نصيبا، فقالوا هذا لله بزعمهم، وهذا لشركاتنا ، فما كان لشركائهم فلا يصل
إلى الله، وما كان له فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون، (٢)
وقوله - سبحانه - «قالته لتسألن عما كنتم تفترون، تهديد ووعيد لهم
على سوء أفعالهم. أى: أقسم بذانى لتسألن ـ أيها المشركون - سؤال توبيخ
وتأنيب فى الآخرة، عما كنتم تفترونه من أكاذيب فى الدنيا، ولأ عاقبنكم
العقاب الذى تستحقونه بسبب إفترائكم وكفركم. وصدرت الجملة الكريمة
بالقسم ، لتأكيد الوعيد، ولبيان أن العقاب أمر محقق بالنسبة لهم وجاءت
الجمله الكريمة بأسلوب الالتفات من الغيبه إلى الخطاب، لأن توبيخ الحاضر
أشد من توبيخ الغائب .
(١) تفسير الآلوسي حـ ١٤ ص ١٦٢
(٢) راجع تفسير نالهذه الآيه فى كتابنا (تفسير سورة الأنعام، ص ٢٥٢

٠- ١٠٦ -
وسؤالهم يوم القيامة عما اجترحوه - مع أنه سؤال تقريع وتأنيب - إلا
أنه يدل على عدل الله - تعالى - مع هؤلاء الظالمين، لأنه لم يعاقبهم إلا بعد
أن سألهم ، وبعد أن ثبت إجرامهم وفى ذلك مافيه من تعليم العباد أن يكونوا
منصفين فى أحكامهم ...
وقوله - سبحانه -: ((ويجعلون لله البنات سبحانه)، بيان الرذيلة أخرى.
من رذائلهم الكثيرة ، وهو معطوف على ما قبله ..
وهذه الآية الكريمة تحكى ما كان شائعا فى بعض قبائل العرب، من أنهم
كانوا يزعمون أن الملائكة بنات الله . قالوا: وكانت قبيلة خزاعة وقبيلة
كنافة تقولان بذلك فى الجاهلية .
أى: أن هؤلاء المشركين لم يكتفوا بجعل نصيب مما رزقناهم لآلهتهم ،
بل أضافوا إلى ذلك رذيلة أخرى، وهى أنهم زعموا أن الملائكة بنات الله
- تعالى -، وأشركوها معه فى العبادة ...
وقوله ((سبحانه)) مصدر نائب عن الفعل، وهو منصوب على المفعولية
المطلقة، وهو فى محل جملة معترضة، وقعت جوابا عن مقالتهم السيئة ، التى
حكاها الله - تعالى - عنهم، وهى ((يجعلون لله البنات)).
أى: تنزه وتقدس الله - عز وجل - عن أن يكون له بنات أو بنين،
فهو الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذى لم يلد ولم يولد، ولم يكن له
كفوا أحد .
والمراد بما يشتهونه فى قوله - عز وجل - ((ولهم ما يشتهون) الذكور
من الأولاد.
أى : أن هؤلاء المشركين يجعلون لأصنامهم نصيبا ما رزقناهم،
ويجعلون لله - تعالى - البنات ، أما هم فيجعلون لأنفسهم الذكور ،
ويختارونهم ليكونوا خلفاء لهم.

٠١٠٧٠
وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى -: ((وجعلوا الملائكة الذين هم
عباد الرحمن إناثا، أشهدوا خلقهم . ستكتب شهادتهم ويسألون. وقالوا لو
شاء الرحمن ماعبد ناهم ، مالهم بذلك من علم، إن هم إلا يخرصون،(١).
ثم صور - سبحانه - حالتهم عندما يبشرون بولادة الأفى، وحكى عادترم
الجاهلية المنكرة فقال - تعالى -: ((وإذا بشر أحدهم بالأفى ظل وجهه
مسودا وهو كظيم. يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ... ))
قال الآلوسي: قوله (( وإذا بشر أحدهم بالأنثى .. )، أى: أخبر بولادتها.
وأصل البشارة الإخبار بما يسر. لكن لما كانت ولادة الأنثى تسد. هم حملت
على مطلق الإخبار . وجوز أن يكون ذلك بشارة باعتبار الولادة، بقطع
النظر عن كونها أنثى ... )،(٢)
وقوله (( كظيم، من الكظم بمعنى الحبس. يقال: كطم فلان غيظه. إذا
حبسه وهو ممتلىء به . وفعله من باب ضرب ...
والمعنى: وإذا أخبر أحد هؤلاء الذين يجعلون لله البنات ( بولادة الأنثى
دون الذكر، صاروجهه مسودا كئيبا كان عليه غبرة، زهقه فترة - أى تحلوه
ظلمه وسواد -، وصار جسده ممتلئا بالحزن المكتوم ، والغيظ المحبوس ،
وأصبح يتوارى ويتخفى عن أعين الناس خجلا وحياء، من أجل أن زوجته
ولدت له أنثى ولم تلد له ذكرا ...
وقولُه - سبحانه -ـ ((أيمسكه على هون أم يدسه فى التراب، تصوير بليغ
لموقف دلك أشرك مما بشر به وهو ولادة الأنثى .
فالضمير المنصوب فى قوله ((أيمسكه ويدسه)) يعود على المبشر به.
وهو الأنثى .
(١) سورة الزخرف الآيتان ٢٠،١٩
(٢) تفسير الآلوسي ج ١٤ ٥ ١٦٩

- ١٠٨ -
والمون بمعنى الهوان والذل .
ويدسه من الدس بمعنى الإخفاء للشىء فى غيره. والمراد به. دفن الأنثى
حية فى التراب حتى تموت وهو المشار إليه فى قوله - تعالى - ((وإذا الموءودة
مثلت بأي ذنب قتلت .
أى : أن هذا المشرك بعد أن يبشر بولادة الأنثى ، يدور بذهنه أحد
أمرين: إما أن يمسكها ويبقيها على هو ان وذل ، وإما أن يدسها ويخفيها فى
التراب ، بأن يدفنها فيه وهى حية حتى تموت ،
والجار والمجرور فى قوله ((على هون، يصم أن يكون حالا من الفاعل
وهو المشرك : أى أمسك المبشر به مع رضاه - أى المشرك - بهوان نفسه
وذلها بسبب هذا الإماك ...
و يصح أن يكون حالا من المفعول وهو الضمير المنصوب . أى أيمسك
هذه الأفى ويبقيها بقاء ذلة وهو ان لها ، بحيث لا يورثها شيئا من ماله، ولا
يعاملها معامله حسنه ...
ومن بلاغة القرآن أنه عبر بقوله « أمسكه على هون ,ليشمل حالة المشرك
وحالة المبشر به وهو الاثنى .
وقوله - تعالى -: « ألا ساء ما يحكمون، ذم لهم على صنيعهم السىء ، وعلى
جهلهم الفاضح .
أى: بنس الحكم حكمهم، وتس الفعل فعلهم ، حيث نسبوا البنات إلى الله
- تعالى -، وظلموهن ظلما شنيعا، حيث كرهوا وجودهن، وأقدموا على
قتلهن بدون ذنب أو ما يشبه الذنب .
وصدر سبحانه - هذا الحكم العادل عليهم بحرف(( ألا)، الاستفتاحية:
لتأكيد هذا الحكم، ولتحقيق أن ما أقدموا عليه، إنما هو جور عظيم، قد
عمالدوا عليه بسبب جهلهم الفاضح، وتفكيرهم السىء.

-١٠٩ -
أسند - سبحانه - الحكم إلى جميعهم، مع أن من فعل ذلك كانبعضنا
منهم ، لأن ترك هذا البعض يفعل ذلك الفعل القبيح هذا الترك ، هو فى
ذاته جريمة يستحق عليها الجميع العقوبة، لأن سكوتهم على هذا الفعل مع
قدر تهم على منعه يعتبر رضا به .
ثم أقبع - سبحانه - هذا الذم لهم بذم آخر على سبيل التأكيد فقال
- تعالى -: ((الذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو
العزيز الحكيم ،.
والسوء: مصدر ساءه يرءه سوءا، إذا عمل معه ما يكره، وإضافة
المثل إلى السوء للبيان.
والمراد بمثل السوء: أفعال المشركين القبيحة التى سبق الحديث عنها .
والمعنى للذين لا يؤمنون بالآخرة وما فيها من حساب وثواب
-عقاب ... صفة السوء، التى هى كالمثل فى القبح. وهى وأدهم البنات،
وجعلهم لآلهتهم. نصيبا مما رزقناهم، وقولهم. الملائكـ بنات الله ، وفرحهم
بولادة الذكور للاستظهار بهم ....
فهذه الصفات تدل على غبائهم وجهلهم وقبح تفكيرهم ....
أما الله - عز وجل - فله المثل الأعلى، أى الصفة العليا، وهى أنه
الواحد الأحد، المنزه عن الوالد والولد، والمبرأ من مشابهة الحوادث ،
والمستحق لمكل صفات الكمال والجلال فى الوحدانية، والقدرة ، والعلم ...
وغير ذلك مما يليق به - سبحانه - .
وهو - عز وجل - ((العزيز) فى ملكه بحيث لا يغلبه غالب ((الحكيم،
فى كل أفعاله وأقواله .
وبعد أن ساق - سبحانه - ما يدل على جهالات المشركين ، وأفطماس
بصائرهم، وسوء تفكيرهم، أتبع ذلك بالحديث عن مظاهر رحمته بخلقه وعن

١٠ --
جانب من جرائم المشركين، وعن وظيفة القرآن الكريم، فقال - تعالى -:
(( ولو يُؤَاخِذُ اللهُ الناسَ بُظُلمِهِم ما تَرك عليها من دابةٍ، ولكن
يؤخِّرُهم إلى أجلٍ مُسمَّى، فإذا جاء أجلُهم، لا يستأخِرُون ساعةً
ولا يستقدِمُون (٦١) ويجعلُونَ لِله ما يكرهُونَ وتصِفُ السنّتُهُم
الكذبَ أنَّ لهُمُ الْحُسْنَى، لا جرَمَ أنَّ لهُمُ النارَ وأنهم مُفْرَطُونَ (٦٢)
اللهِ قد أرْسَلْنَ إلى أُمَمِ مِنْ قَبلِكَ فزيَّنَ لهم الشيطانُ أعمالَهم ، فهوَ
وليُهُمُ اليومَ، ولَهُم عذابٌ أليمٌ (٦٣) وما أنزلْنَاَ عليكَ الكتابَ إلا
لتبينَ لهم الذى اختلفوا فيه، وهُدَى ورحمةً لقومٍ ؤْمِنُون (٦٤))).
و((لو)، فى قوله - تعالى -: ((ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم .... حرف
إمتفاع لامتناع. أى : حرف شرط يدل على إمتناع وقوع جوابه،لأجل
إمتناع وفوع شرطه، وقد امتنع هنا إهلاك الناس، الإمتناع إرادة الله
- تعالى - ذلك .
وقوله,يؤاخذ، مفاعلة من المؤاخذة بممنى العقوبة، فالمفاصلة فية بمعنى
الفعل المجرد. فمعنى آخذ الله - تعالى - الناس يؤاخذهم: أخذهم وعاقبهم بسبب
ذنوبهم.
-
والأخذ بمعنى العقاب قد جاء فى القرآن الكريم فى آيات كثيرة، ومن ذلك
قوله - تعالى - وكذلك أخذربك إذا أخذ القرى وهى ظالمة إن أخذه أليم
شديد».
والباه فى بظلمهم، للسببيه. والظلم: مجاوزة الحدود التى شرعها الله - تعالى-
وأعظمه الإشراك بالله - تعالى-

- ١١١ -
كما قال - تعالى - (( إن الشرك لظلم عظيم))
والمراد من المؤاخذة بسبب ظلمهم : تعجيل العقوبة لهم فى الدنيا .
والضمير فى قوله - سبحانه - ((عليها)) يعود على الأرض. وصح عود
الضمير عليها مع أنه لم يسبق ذكر لها، لأن قوله (( من دابة، يدل على ذلك،
لافه من المعلوم، أن الدواب تدب على الأرض.
وفظيره قوله - تعالى - فى آبة أخرى (( ماترك على ظهرها من دابة)، وقوله
((حتى توارث بالحجاب)) أى: الشمس. فانه وإن كان لم يحر لها ذكر إلا
أن المقام يدل عليها .
ورجوع الضمير إلى غير مذكور فى الكلام إلا أن المقام يدل عليه كثير
فى كلام العرب ، ومنه قول حاتم الطائى :
أما وى مايغنى الثراء عن الفتى
إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
فقوله (( حشرجت وضاق بها) المقصود به الروح أو النفس، ولم يجر لها
ذكر، إلا أن قوله (( وضاق بها الصدر)) يعين أن المراد بها النفس.
والمراد بالساعه فى « لا يستأخرون عنه ساعة، مطلق الوقت الذى هو
غايه فى القلة .
والمعنى: ولو عاجل الله - تعالى - انتاس بالعقوبه، بسبب ما اجترحوه
من ظلم وآثام ، لأهلكهم جميعا، وماترك على ظهر الأرض من دابة قدب
عليها، ولكنه - سبحانه - فضلا منه وكرما، لا يماجلهم بالعقوبة التى تستأصلهم
بل يؤخرهم , إلى أجل مسمى، أى: إلى وقت معين محدد تنتهى عنده حياتهم،
وهذا الوقت المحدد لا يعلمه إلا هو - سبحانه - ((فإذا جاء أجلهم)).
أى : فإذا حان الوقت المحدد لهلاكهم، فارقوا هذه الدنيا بدون أذنى
تقديم أو تأخير عن هذا الوقت .

- ١١٢ -
هذا، ومن العلماء من ذهب إلى أن المراد بالناس هنا : الكفار خاصة ،
لأنهم هم الذين أشركـا مع الله آلهة أخرى ..
ويبدو لنا أن المراد بالناس هنا: العموم، لأن قوله (( من دابة ، يشمل
كل ما يطلق عليه اسم الدابة ، ولأن النكرة فى سياق النفى إذا زيدت قبلها لفظة
((من)) تكون نصا صريحا فى العموم.
وإلى العموم أثمار ابن كثير عند تفسيره للآيه بقوله: بخبر القه - تعالى.
عن حلمه بخلقه مع ظلمهم، وأنه لو يؤاخذهم بما كسبوا ماترك على ظهر الأرض
من دابة، أى : لأهلك جميع دواب الأرض تبعا لإهلاك بنى آدم. ولكن
الرب - جل وعلا - يحلم ويستر ويُغظِرِ ... ،(١).
وقال القرطبى : فإن قيل : فكيف يعم بالهلاك مع أن فيهم مؤمنا
ليس بظالم ؟
فالجواب : يجعل هلاك الظالم انتقاما وجزاء، وهلاك المؤمن معوضا
بثواب الآخرة، وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر قال : سمعت رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - يقول: إذا أراد الله - تعالى - يقوم عذابا، أصاب المذاب
من كان فيهم ثم بعثوا على فياتهم - وأعمالهم -،(٢).
وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى -: ((وربك الغفور ذو الرحمة
لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب، بل لهم موعد لن يجدوا من دونه
موقلا ،(٣) .
وقوله - تعالى -: ((ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون، إنما يؤخرم
ليوم شخص فيه الأبصار . (٤).
وقوله - تعالى -: ((إن أجل المه إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون، (*).
(١) تفسير ابن كثير ج ، ص ٤٩٧ .
(٢) تفسير القرطبى ج ١٠ ص ١٢٠
(٤) سورة إبراهيم الآية ٤٣
(٣) سورة الكهف الآية ٥٨
(٥) سورة نوح الآية ٤

٠ ١١٣ ٠
ثم حكى -- سبحانه - رذيلة أخرى من رذائل المشركين فقال - تعالى -
(( ويجعلون لله ما يكرهون ... »
أى : أن هؤلاء المشركين لا يكتفون بإنكارهم البعث وبححوهم نعم الله
- تعالى -: بل أضافوا إلى ذلك أنهم يثبتون له - سبحانه وينسبون اليه
كذبا وزورا - ما يكرهونه لأنفسهم، فهم يكرهون أن يشار كهم أحد فى
أموالهم أو فى مناصبهم، ومع ذلك يشر كون مع الله - تعالى - فى العبادة آلهة
أخرى، ويكرهون أراذل الأموال ، ومع ذلك يجعلون لله - تعالى - أراذل
أموالهم . ويجعلون لأصنامهم أكرمها، ويكرهون البنات ، ومع ذلك
ينسبونهن اليه - سبحانه -
فالجملة الكريمة تنعى عليهم أنافيتهم، وسوء أدبهم مع خالقهم - عزوجل -
وقوله - سبحانه - ((وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى ... )، تصوير
بليغ لما جبلوا عليه من كذب صريح، وبهتان واضح .
ومعنى: ((تصف، تقول وتذكر بشرح وبيان وتفصيل، حتى لكانها
تذكر أو صاف الشىء. وجملة (( أن لهم الحسنى)) بدل من ((الكذب))
والحسنى: تأنيث الأحسن ، والمراد بها زعمهم أنه إن كانت الآخرة
حقا ، فسيكون لهم فيها أحسن نصيب وأعظمه . كما كان لهم فى الدنيا ذلك ،
فقد روى أنهم قالوا: إن كان محمد - صلى الله عليه وسلم - صادقا فيما يخبر
عنه من أمر البعث ، قلنا الجنة ...
والمعنى: أن هؤلاء المشركين يجعلون لله - تعالى - ما يكرهونه من
الأولاد والأموال والشر كاء، وتنطق ألسنتهم بالكذب نطقاً واضحاصريحا
إذا زعموا أنه إن كانت الآخرة حقا، فسيكون لهم فيها أحز نصيب ...
وهذا الزعم قد حكاه القرآن عنهم فى آيات متعددة منها قوله - تعالى -
(٨ -سورة النحل ؟

- ١١٤ -
وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين ، (١)
وقوله - تعالى ((أفرأيت الذى كفر بآياتنا وقال لأوقين مالا
وولدا .... (٢).
قال صاحب الكشاف: فإن قلت ما معنى وصف ألسنتهم الكذب ؟ قلت:
هو من فصيح الكلام وبليغه. جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه ، فاذا
أنطقت به ألسنتهم فقد حلت الكذب بحليته ، وصورته بصورته. كقولهم:
وجهها يصف الجمال ، وعينها تصف السحر »
وقال بعض العلماء: والتعبير القرآنى فى قوله ((وتصف ألسنتهم الكذب.»
يجعل ألسنتهم ذاتها كأنها الكذب ذاته، أو كأنها صورة له ، تحكيه وتصفه
بذلتها، كما تقول: فلان قوامه يصف الرشاقة ... لأن ذلك القوام بذاته
تعبير عن الرشاقه ، مفصح عنها ...
كذلك فل - سبحانه ,وقصف ألسنتهم الكذب .. ، فهى بذاتها تعبير
عن الكذب ، لطول ما قالت الكذب ، ولكثرة ما عبرت عنه ، حتى صارت
رمزا علیه ، ودلالة له، (٤)
وقوله - سبحانه -- ((لاجرم أن لهم النار وأنهم مفرطون)) تكذيب
لهم فيما زعموه من أن لهم الحسنى، ووعيد لهم بإلقائهم فى النار.
وكلمة، لاجرم)، وردت فى القرآن الكريم فى خمسة مواضع ، متلوة بأن
واسمها وليس بعدها فعل. وجمهور النحاة على أنها مركبة من ((لا)) و((جرم))
تركيب خمسة عشر. ومعناها بعد التركيب معنى حق وثبت . والجملة بعدها
فاعل ، أى : حق وثبت كونهم لهم الفار وأنهم مفرطون فيها ،
(١) سورة سبأ الآية ٣٥
(٢) سورة مريم الآية ٢٧
(٣) تفسير الكشاف <ـ ٢ ص ٤٣٢
(٤) فى ظلال القرآن جـ ١٤ ص ٢١٧٩

- ١١٥ -
وقوله - سبحانه - (مفرطون)) قرأها الجمهور - بسكون الفاء وفتح
الراء- بصيغة إسم المفعول من أفرطه بمعنى قدمه. يقال: أفرطته إلى كذا.
أى : قدمته اليه .
قال القرطبى : والفارط: الذى يتقدم غيره إلى الماء. ومنه قول النبى
- صلى الله عليه وسلم -: أنا فرطكم على الحوض: أى: متقدمكم ... )، (١)
أبر من أفرط إذا نسبه وتركه. تقول: أفرطت فلانا خلفى، إذا
تر کته و نسيته .
والمعنى: أن هؤلاء الذين يزعمون أن لهم الحسنى فى الآخرة كذبوا فى
زعمهم، وجروا فى إفكهم ، فإنهم ليس لهم شىء من ذلك، وإنما الأمر الثابت
الذى لاشك فيه ، أن لهم فى الآخرة النار ، وأنهم مفرطون فيها، مقدمون
اليها بدون إمهال، ومتروكون فيها بدون إكتراث بهم، كما يترك الشىء الذى
لا قيمة له. قال تعالى: فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا، (٢)
وقرأ نافع (( أنهم مفرطون)) - بسكون الفاء وكسر الراء - بصيغة
إسم الفاعل . من أفرط اللازم بمعنى أسرف وتجاوز الحد. يقال : أفرط
فلان فى كذا ، إذا تجاوز الحدود المشروعه .
فيكون المعنى: لا جرم أن لهم النار ، وأنهم مفرطون ومسرفون فى
الأقوال والأعمال التى جعلتهم حطبا لها، ووقودا لنيرانها . كما قال - تعالى -
((( وأن المسرفون هم أصحاب النار، (٣)
ثم وجه - سبحانه -- خطابا لنبيه - صلى الله عليه وسلم - على سبيل
القسلية والتثبيت ، حيث بين له أن ما أصابه من مشركى قومه ، قد فعل
(١) تفسير القرطبى جـ ١٠ ص ١٢١
(٢) سورة الأعراف الآته ٥١
(٢) سورة غافر الآية ٤٣

- ١١٦ -
ما يشبههه المشركون السابقون مع أنبيائهم، فقال - تعالى - :«تا الله لقد أرسلنا
إلى أمم من قبلك، فزين لهم الشيطان أعمالهم ، فهو وليهم اليوم ، ولهم.
عذاب أليم .
وقوله ((زين)) من التزيين وهو نصيير الشىء زينا، أى: حسنا والزينة :
هى ما فى الشىء من محاسن ترغب الناس فيه .
والمعنى: أقسم لك - أيها الرسول الكريم - بذاتى، لقد أرسلنا رسلا
كثيرين إلى أمم كثيرة من قبلك ، فكانت النتيجة أن إستحوذ الشيطان على
نفوس عامة هؤلاء المرسل اليهم، حيث زين لهم الأفعال القبيحة، وقبح لهم
الأعمال الحسنة، وجعلهم يقفون من رسلهم موقف المكذب لأقوالهم،
المعرض عن إرشاداتهم ، المحارب لدعوتهم ...
وقوله - سبحانه -- ((فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم)) بيان لسوء
عاقبة هؤلاء الذين زين لهم الشيطان سو. أعمالهم فر أوه حسناً.
قال الإمام الشوكانى ما ملخصه: والمراد باليوم فى قوله - تعالى -«فهو
وليهم اليوم » يحتمل أن يكون المراد به زمان الدنيا - أى مدة أيام الدنيا -
فيكون المعنى: هو قرينهم فى الدنيا . ويحتمل أن يكون اليوم عبارة عن يوم
القيامة وما بعده. فيكون للحال الآتية. ويكون الولى بمعنى الناصر.
والمراد ففى الناصر عنهم بأبلغ الوجوه، لأن الشيطان لايتصور منه النصرة
أملا فى الآخرة ...
ويحتمل أن يكون المراد باليوم بعض زمان الدنيا، وهو على وجهين: الأول
أن يراد البعض الذى مضى، وهو الذى وقع فيه التزيين للأمم الماضية من
الشيطان ، فيكون على طريق الحكاية للحال الماضية . الثانى : أن يراد البعض
الحاضر ، وهو وقت نزول الآية . والمراد تزيين الشيطان لكفار قريش
أعمالهم، فيكون لضمير فى ((وليهم)) لكفار قريش. فيكون المعنى: فهوولى

- ١١٧ -
هؤلاء المشركين اليوم أى: معينهم على الكفر والمعاضى ولهم ولأمثالهم
عذاب أليم فى الآخرة ، (١)
ثم بين - سبحانه - أهم الوظائف التى من أجلها أنزل كتابه على نبيه محمد
صلى الله عليه وسلم - فقال: ((وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذى
إختلفوا فيه ، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ،
أى: وما أنزلنا عليك - أيها الرسول الكريم - هذا القرآن، إلا من أجل
أن تبين لمن أرسلت اليهم رجه الصواب فيما إختلفوا فيه من أمور العقائد
والعبادات والمعاملات والحلال والحرام .... وبذلك يعرفون الحق من
الباطل ، والخير من الشر .
وسيقت هذه المعانى بأسلوب القصر، لقصد الإحاطة بأهم الغايات التى
من أجلها أنزل الله - تعالى - كتابه على نبيه الكريم؛ ولترغيب السامعين فى
تقبل إرشادات هذا الكتاب بنفس منشرحة، وقلب متفتح .
وقوله ((وهدى ورحمة لقوم يؤمنون)) ثناء آخر على هذا الكتاب
الكريم .
أى : أنزلنا عليك هذا الكتاب يا محمد ، لتبين للناس عن طريقه وجه
الحق فيما إختلفوا فيه من أمور الدين ، وليكون هذا الكتاب هداية إلى
الطريق القويم، ورحمة لقوم يؤمنون به ، ويسيرون فى كل أمورهم على هدى
تعاليمه وإرشاداته وتشريعاته ...
وقال - سبحانه - ((لقوم يؤمنون) الإشارة إلى أن الظفر يما أشتمل عليه
القرآن من خبرات، إنما هو لقوم قد توجهت نفوسهم إلى الإيمان به ،
وتفتحت قلوبهم لاستقبال هداياته ..
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد بينت لنا جانبا من مظاهر
(١) تفسير فتح القدير للشوكانى ج ٢ ص ١٧٣

-١١٨ -
فضل الله - تعالى - على عباده، وردت على المشر كين فيما زعموه من أن لهم
فى الآخرة العاقبة الحسنى ، وسلت النبى - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه
منهم من أذى، وبينت أهم الوظائف التى من أجلها أنزل الله - تعالى - كتابه.
٠٠٠
ثم ساقت السورة الكريمة ألوانا من نعم الله - تعالى على خلقه، ومن
ذلك: نعمة إنزال الماء من السماء، ونعمة خلق الأنعام، ونعمة إيجاد النخيل
والأعناب ، فقال - تعالى - :
((واللهُ أنْزلَ من السَّماء ماءٍ فَأَحْياً به الأرضَ بعدمَوْتِها. إِنَّ فى
ذلكَ إِلَآيَةً لِقَومٍ بِسْعُونَ (٦٥) وإنّ لكم فى الأنعامِ لَعِبرةً، نسقِيكُم
مما فى بُطُونِهِ من بين فَرْثٍ وَدَمٍ لَبنا خالِصًا سائقاً للشاربينَ (٦٦) ومن
ثمراتِ النَّخِيلِ والأعنابِ تَخِذُونَ مِنْهُ سكراً وِزْقاً حسناً، إنَّ فى
ذلكَ لَآيَةَ لِقَومٍ يعقلونَ (٦٧))).
والمراد بالسماء فى قوله - تعالى -: ((واله أنزل من السماء ماء»: جهه العلو
أو السحاب المنتشر فى طبقات الجو العليا والذى تنزل منه الأمطار .
والمراد بإحياء الأرض : تحرك القوى النامية فيها، وإظهار ما أودعه الله
- تعالى - فيها من نبات وأزهار، وثمرات، وغير ذلك ما قنبته الأرض.
والمراد بموتها : خلوها من ذلك ، بسبب استيلاء القحط والجدب عليها.
قال - تعالى -: ((وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت
وربت وأنبتت من کل زوج بهيج )».
أى: وكما أنزل الله - تعالى - كتابه ليسكون هداية ورحمة لقوم يؤمنون،

- ١١٩ -
أنزل - سبحانه - أيضاً الماء من السماء على الأرض، فتحولت بسبب نزول
هذا الماء المبارك الكثير عليها ، من أرض جدباء خامدة ، إلى أرض خضراء
رابية .
ثم حرض - سبحانه - عباده على التدبر والشكر فقال - تعالى -: «إن فى
ذلك الآ ية لقوم يسمعون)).
أى: إن فى ذلك الذى فعلناه بقدرتنا وحدها، من إنزل الماء من السماء،
وإحياء الأرض به من بعد موتها، لآية عظيمة، وعبرة جليلة ، ودلالة واضحة
تدل على وحدانيتنا وقدرتنا وحكمتنا ، لقوم يسمعون ما يتلى عليهم من كلام الله
- تعالى -، سماع تدير واعتبار ، فيعملون بما اشتمل عليه من توجيهات حكيمة
وإرشادات سديدة ...
فالمراد بالسمع : سمع القلوب والعقول، لاسمع الآذان فقط ، إذ سمع
الآذان بدون وعى واستجابة للحق ، لاقيمة له ، ولافائدة ترجى من ورائه.
ثم أرشد - سبحانه - إلى مظهر آخر من مظاهر وحدانيته، وعظيم قدرته
وعجيب صنعه، وسعة رحمته، حيث خلق للناس الأنعام، وسقاهم من ألبانها،
فقال - تعالى -: ((وإن لكم فى الأنعام العبرة .... »
والأنعام: تطلق على الإبل والبقرة والغنم من الحيوان ، ويدخل فى
الغنم المعر .
والعبرة : ·صدر بمعنى العبور، أى: التجاوز من محل إلى آخر، والمراد
4) هنا : العظة والاعتبار والانتقال من الجهل إلى العلم، ومن الغفلة إلى اليقظه.
أى: وإن لسكم - أيها الناس - فى خلق الأنعام، وفيما يخرج منها من ألبان
لعبرة عظيمة ، وعظه بليغة ، ومنفعة جليلة توجب عليكم إخلاص العبادة لله
- تعالى - وحده، ومداومة الشكر له على نعمه .
فالتفكير فى قوله (( لعبرة)): للتفخيم والتهويل.

١٢٠٠ ~
وقوله - تعالى -: (( نسقيكم ما فى بطونه، استئناف بيانى، كأنه قيل:
وماوجه العبرة فى الأنعام ؟ فكان الجواب : فقيكم،! فى بطونه.
قال الألوسى: والضمير فى (( بطونه، يعود الأنعام، وهو اسم جمع،
واسم الجمسمع يجوز تذكيره وإفراده باعتبار لفظه، ويجوز تأفيئه وجمعه
باعتبار معناه ... (١)
وقوله - سبحانه -: ((من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين، بيان
لمواطن العبرة ومحل النعمة ، ومظهر الدلالة على وحدانية الله - تعالى -
وقدرته ورحمته ...
والفرُث : الطعام المتبقى فى أمعاء الحيوان بعد هضمه . وأصل الفرث:
التفتيت . يقال فرئت كبده. أى : فتنتها .
قال الجمل ما ملخصه : والفرث : الأشياء المأكولة المهضمة بعض الاتهضام
فى الكرش - يفتح الكاف وكسر الراء-، فإذا خرجت من الكرش الا تسمى
فرثا بل تسمى روما. وقوله (( لبنا، مفعول ثان لنسقيكم، والأول هو
الكاف »(٢)
والخالص: النقى الصافى الخالى من الشوائب والأكدار . يقال خلص
الشىء من التلف خلوصا - من باب قعد - إذا سلم منه ...
والسائغ: الذيذ الطعم، السهل المدخل إلى الحلق . يقال :ساغ الشراب
يسوغ سوغا - من باب قال - إذا سهل مدخله فى الحلق
أى: نسقيكم من بين الفرث والدم الذى اشتملت عليه بطون الأنعام،
(((لبنا)) نافعا لأبدافكم ((خالصا، من رائحة الفرث، ومن لون الدم، معأنه
(١) تفسير الألوسى ج ١٤ ص ٠١٧٦
(٢) حاشية الجمل على الجلالين ج٢ ص ٨٠)