النص المفهرس

صفحات 21-40

- ٢١ ٠٠
وجىء بها هنا لزيادة التمجيب من حال الإنسان، لأنه كان المنتظر منه
بعد أن خلقه الله - تعالى - بقدرته، ورباه برحمته ورعايته، أن يشكر خالقه
على ذلك ، وأن يخلص العبادة له، لكنه لم يفعل ما كان منتظرا منه ، بل فهل
ما يناقض ذلك من الإشراك والمجادلة فى أمر البعث وغيره .
وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى - : ((ولقد صرفنا للناس فى
هذا القرآن من كل مثل، وكان الإنسان أكثر شىء جدلا)،(١).
وقوله - تعالى - : ((ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ،
و کان الكافر على ربه ظهيرا )،(٢) .
وبعد أن بين - سبحانه - ما يدل على وحدا فيته، قدرته عن طر ق خلقه
السموات والأرض والإنسان، أقبع ذلك ببيان أدلة وحدانيته وقدرته عن
طريق الحيوان فقال - تعالى -: ((والأنعام خلقها، لكم فيها دفء، ومنافع،
ومنها تأكلون ... ».
والأنعام: جمع نعم ، وهى الإبل والبقر والغنم. و((تطلق على الإبل خاصة)).
وانتصب الأفعام عطفا على الانسان فى قوله: (( خلق الانسان من نطفة.،،
أو هو منصوب بفعل مقدر يفسره المذكور بعده. أى : وخلق الأنعام
خلقها .
والدفء: السخونة. ويقابله شدة البرد . يقال؟: دفىء الرجل - من باب
طرب - فهو دفىء - كتعب - ودفآن، إذا لبس مايدفته، ويبعد عنه البرد .
والمراد بالدفء هنا: مايتخذ من أصواف الأنعام وأوبازها وأشعارها
لهذا الغرض .
(١) سورة الكهف الآية ٠٤٣
(٢) «الفرقان ,٥٥.

- ٢٢ -
وعطف ، منافع)) على ((دف.)) من باب عطف العام على الخاص، إذ
المنافع تشمل ما يستد فابه منها وغيره .
وخص الدفء بالذكر من عموم المنافع ، للعناية به ، وللتد به بأهميته فى
حياة الناس .
أى: ومن مظاهر نعم الله - تعالى - عليكم -أيها الناس -، أن الله - تعالى -.
خلق الأنعام، وجعل لكم فيها ما تستدفئون به، من الثياب المأخوذة من
أصوافها وأوبارها واشعارها، فتقيكم برودة الجو وجعل لكم فيها منافع
متعددة، حيث تتخذون من ألبانها شرابا سائنا للشاربين ، ومن لحومها أكلا
نافعا للآكلين .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ((وإن لكم فى الأنعام لعبرة ، نسقيكم
مما بطونها، ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون)).
وقوله - سبحانه -: ((ولكم فيها جمال حين تريحون وحين آسرحون).
بيان لنوع آخر من أنواع منافع الحيوان الانسان.
قال أبو حيان فى البحر؟ والجمال مصدر جمل ـ بضم الميم -، يقال رجل.
جميل وامرأة جميلة وجملاء ، قال الشاعر :
فهى جملاء كدر طالع
بذت الخلق جميعا بالجمال
والجمال يكون فى الصورة بحسن التركيب، بحيث يدركه البصر فتتعلق به
النفس ...
ويكون فى الأخلاق، باشتمالها على الصفات المحمودة، كالعلم والعفة والحلم ..
ويكون فى الأفعال، بوجودها ملائمة لمصالح الخلق. وجلب المنفعة لهم.
وصرف الشر عنهم .... (١)
(١) تفسير البحر المحيط جـ ٥ ص ٤٧٥ - بتصرف وتلخيص -.

- ٢٣ -
وجمال الأنعام من النوع الأول، ومن جمالها - أيضا - كثرتها ودلاتها
على صاحبها من أهل السعة واليسار.
وقوله ((تريحون))من الإراحة، يقال: أراح فلان ماشيته إراحه، إذا
ردها إلى المراح، وهو منزلها الذى تأوى إليه، وقبيت فيه .
و ((تسرحون، من السروح، وهو الخروج بها غدوة من حظائرها إلى
مسارحها ومراعيها .
يقال: مَرَّحْتُ الماشية أمر حهاسر حاوسروحا، إذا أخرجتها إلى المرعى.
ومفعول الفعلين « تريحون وأسر حون، محذوف للعلم به.
والمعنى : ولكم - أيها الناس - فى هذه الأنعام جمال وزينة ، حین تردونها
بالعشى من مسارحها إلى معاطفها التى تأوى إليها ، وحين تخرجونها بالغداةمن
معاطفها إلى مسارجها ومراعيها .
وخص - سبحانه - هذين الوقتين بالذكر، لأنهما الوقتان اللذان زامى
الأنعام فيهما، وتتجاوب أصواتها ذهابا وجيئة ، ويعظم أصحابها فى أعين
الناطرين إليها .
وقدم - سبحانه - الإراحة على التسريج ، لأن الجمال عند الإراحة أقوى
وأبهج ، حيث تقبل من مسارحها وقد امتلأت بطونها، وحفلت ضروعها ،
وازدانت مشيتها ...
وقال - سبحانه -: ((تريحون وتسرحون)) بالفعل المضارع، لإفادة
التجديد والتسكر ار، وفى ذلك ما يزيد السرور بها، ويحمل على شكر الله - تعالى-
على وافر نعمه .
قال صاحب الكشاف: (( من الله بالتجمل بها، كما من بالانتقاع بها لأنه.
من أغراض أصحاب المواشى . بل هو من معاظمها. لأن الرعيان

- ٢٤ -
إذا روحوها بالعشى، وسرحوها بالغداة فزينت بإراحتها وتسريحها الأفنية
وتجاوب فيها الثغاء والرغاء ، أنست أهلها ، وفرحت أربابها. وأجلتهم فى عيون
الناظرين إليها ، وأكسبتهم الجاه والحرمة عند الناس ..
فإن قلت: لم قدمت الإراحة على التسريح - مع تأخر الإراحة فى الوجود؟
قلت: لأن الجمال فى الإراحة أظهر , إذا أقبلت ملأى البطون، حافلة
الضروع، ثم أوت إلى الحظائر حاضرة لأهليا)، (١).
ثم بين - سبحانه - منفعة ثالثة من منافع الأفهام، التى سخرها الله - تعالى.
الإنسان فقال: (( وتحمل أنفا لكم إلى بلد لم تكونوا بالفيه الابشق الأنفس
إن ربكم لرءوف رحيم )).
والضمير فى قوله (( وتحمل، يعود إلى الإبل خاصة، لأنها هى التى
يحمل عليها .
والأثقال : جمع ثقل. وهو ما يثقل الإنسان حمله من متاع وغيره .
والمراد بالبلد جنسه , لأن الارتحال قد يكون إلى الشام أو إلى اليمن
أو إلى غيرهما .
والشق - بالكسر - المشقة: ومن كل شىء نصفه، والباء للملابسة. أى:
إلا بمشقة شديدة. كان نفوسكم قد ذهب نصفها خلال تلك الرحلة الطويلة
الشاقة التى لم تستخدموا فيها الأنعام.
قال القرطى: وشق الأنفس : ومشقها وغايه جهدها. وقراءة العامة
بكسر الشين ...
قال المهدوى: وكسر المبين وفتحها فى (( شق)) متقاربان. وهما
بمعنى المشقة ...
(١) تفسير الكشاف حص.

- ٢٥ -
وقرأ أبو جعفر( إلا به الأنفس)) - بفتح الشين - وهما لغتان مثل
رق ورق ...
والشرق - أيضاً - بالكسر - النصف . وقد يكون المراد من الآية هذا
المعنى. أى: لم تكونوا بالغيه إلا بنقص من القوة وذهاب شق منها ... )، (١)
والمعنى: ومن فوائد هذه الأنعام - أيضا-، أنها تحمل أمتعتكم وأنه لكم
من بلد إلى بلد آخر بعيد، هذا اللد الآخر البعيد، لم تكونوا واصلين إليه
بدونها ، إلا بعد قعب شديد، وجهد مضن ، وكلفة تذهب معها نصف قوتكم ..
والتنكير فى ((بلد)، لإفادة معنى البعد، لأن بلوغ المسافر إليه بمشقة،
هو من شأن البلد البعيد، الذى يصعب الوصول إليه بدون راحلة .
وجمله ((لم تك فوا بالغيه إلا بشق الأنفس، التى هى صفة البلد، تشير
إلى هذا المعنى .
وشبيه بهذه الآية قوله تعالى -: ، الله الدى جعل لكم الأنعام لتر كبوا
منها ، ومنها تأكلون . ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة فى صدور كم
وعليها وعلى الفلك تحملون ))(٢) .
وقوله - سبحانه -: « أولم يروا أنا خلقنا لهم ما عملت أيدينا أنعاما فهم
لها مالكون . وذللناها لهم، فمنها ركوبهم ومنها يأكلون، (٢).
وجملة (( إن ربكم لرموف رحيم)) تعليل لخلقه - سبحانه - الأنعام
لخدمة الإنسان .
أى: خلق لكم هذه الأنام، لأن رءوف رحيم بكم ، حيث لم يتركلكم
تحملون أثقالكم بأنفسكم ، وتقطعون المسافات الطويلة على أرجلكم، بنى
(١) تفسير القرطبی +١٠ صر ٧١
(٢) سورة غافر الآيتان ٠٨٠،٨٩
(٣) سورة يس . الآيتان ٠٧٢،٧١

- ٢١ -٠
أوجد هذه الأنعام لمنافسكم ومصالحكم. ثم ذكر - سبحانه - أنواعا أخرى
من الحيوان المنتفع به ، فقال - تعالى -: والخيل والبغال والحمير لتركبوها
وزبنة ، وبخلق مالا تعلمون . .
قال الجمل: الخيل اسم جنس لاواحد له من لفظه، بل من معناه وهو
فرس . وسميت خيلا لاختيالها فى مشيها. والبغال جمع يغل : وهو المتولد
بين الخيل والحمير .... (١)
واللام فى قوله (, لتر كبوها، التعليل.
ولفظ ((وزينه، مفعول لأجله، معطوف على محل «لتر كبوها)).
والزينة : اسم لما يتزين به الإنسان .
قال القرطبى: هذا الجمال والتزبين وإن كان من متاع الدنيا، إلا أن الله
تعالى - أذن به لعباده، ففى الحديث الشريف: « الإبل عز لأهلها، والغنميركه.
والخيل فى نواصيها الخير ، خرجه البرقانى وابن ماجة فى السنن ، .. )، (٢)
والمعنى: ومن مظاهر فضله عليكم، ورحمته بكم، أنه خلق لمنفعتكم.
أيضا - الخيل والبغال والحمير، لتركبوها فى غزوكم وتنقلاتكم، ولتكون
زينة لكم فى أفراحكم ومسراتكم.
وأتى - سبحانه - باللام فى((لتركوها)) دون مابعدها، الإشارة إلى أن
الركوب هو المقصود الأصلى بالنسبة لهذه الدواب ، أما التزين بها فهو أمر
تابع للركوب ومتفرع عنه .
قال صاحب الظلال : وفى الخيل والبغال والخمير ، تلبية للضرورة فى
الركوب ، وتلبية لحاسة الجمال فى الزينة .
وهذه اللفتة لها قيمتها فى بيان نظرة القرآن ونظرة الإسلام للحياة .
(١) حاشية الجمل على الجلالين -٢ ص ٢٥٩
(٢) تفسير القرطى ح١٠ ص ٧٩

-٢٧ -
فالجمال - المتمثل فى الزينة- عنصر له قيمة فى هذه النظرة، وليست النعمة هى
هى مجرد تلبية الضرورات من طعام وشراب وركوب ، بل تلبية الأشواق
الزائدة عن الضرورات . تلبية حاسة الجمال ووجدان الفرح والشعور الانسانى
المرتفع على ميل الحيوان ، وحاجة الحيوان،(٤).
وقال بعض العلماء : وقد استدل بهذه الآية، القائلون بتحريم لحوم الخيل
قائلين بأن التعليل بالركوب والزينة يدل على أنها مخلوفه لهذه المصلحه
دون غيرها ...
وأجاب المجوزن لأكلها، بأن ذكر ماهو الأغلب من منافعها - وهو
الركوب والزينة - لا ينافى غيره ...
وقد ورد فى حل أكل لحوم الخيل أحاديث منها ما فى الصحيحين وغيرهما،
من حديث أسماء قالت نحرنا على عهد رسول الله على الله عليه وسلم - فرسا
فا کا:اه
...
وثبت - أيضا - فى الصحيحين من حديث جابر قال: نهى رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن فى الخيل.(٢).
وقد بسط الإمام القرطى القول فى هذه المسألة، ورجح حل أكل لحوم
الخيل ((وساق الأدلة والأحاديث فى ذلك ثم قال: ((وكل تأويلمن غير ترجيح
فى مقابلة النص ، فإنما هو دعوى، لا يلتفت إليه، ولا يعرج عليه،(٣).
ويعجبنى فى هذه المقام قول الامام البغوى : ليس المراد من الآيه بيان
التحليل والتحريم، بل المراد منها تعريف الله عباده نعمه ، وتنبيههم على كمال
قدرته وحكمته، والدليل الصحيح المعتمد عليه فى إباحة لحوم الخيل أن السنة
مبينة للكتاب .
( ١) تفسير فى ظلال القرآن حـ١٤ ص ٢١٦١ للأستاذ سيد قطب.
(٢) تفسير القاسمي حـ١٠ ض ٠٣٨٧٠
(٢) راجع تفسير القرطبي -١٠ ص ٧٦، وتفسيرا ابن كثير حـ ص٤٧٦
طبقة دار الشعب .

- ٢٨ -
ولما كان نص الآية يقتضى أن الخيل والبغال والحمير مخلوقة للركوب
والزينة ، وكان الأكل مسكوتا عنه، ودار الأمر فيه على الإباحة والتحريم،
وردت السنة النبوية بإباحة لحوم الخيل ، وبتحريم لحوم البغال والحمير
فوجب الأخذ بما جاء فى السنة التى هى بيان للكتاب»(١)،
هذا وقد ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على عظيم قدرته، وسعة
علمه ، فقال: ( ويخلق مالا تعلمون)).
أى: ويخلق - سبحانه - فى الحال والاستقبال ، مالا تعلمونه - أيها
الناس - من أنواع المخلوقات المختلفة سوى هذه الدواب، كالسفن التى
تمخر عباب الماء، ولطائرات التى تشق أجواز الفضاء، والسيارات التى تنهب
الأرض نهبا لسرعتها ، وغير ذلك من أنواع المخلوقات التى لا يعلمها سواه
- سبحانه - والتى أوجدها لمنفعتكم ومصلحتكم ..
وهذه الجملة الكريمه تدل على أن القرآن من عند الله - تعالى - فقد أوجد
- سبحانه - العقول البشرية، التى أهمها صنع الكثير من المخترعات النافعه
فى البر وفى البحر وفى الجو ، والتى لم يكن للناس صعرفة بها عند نزول
القرآن الكريم ...
وتشير - أيضا - إلى مزيد فضل الله - تعالى - على الناس، حيث أخبرهم
بأنه سيخلق لهم فى مستقبل الأيام من وسائل الركوب وغيرها، مافيه منفعة
لهم، سوی هده الدواب التى ذكرها .
فعليهم أن يستعملوا هذه الوسائل فى طاعة الله - تعالى - ، لا فى معصيته
وعليهم أن يتقبلوا هذه الدلائل، وأن يفتحوا عقولهم لكل ما هو نافع.
ورحم الله صاحب الظلال ، فقد قال عند تفسيره الآيه ما ملخصه :
يعقب الله - تعالى - على خلق الأنعام والخيل والبغال والحمير بقوله ((ويخلق
(١) ماشية الجمل على الجلالين <ـ ٢ ص ٥٦٠

٢٩٫٠٠٠ ٠.
مالا تعلمون، ليظل المجال مفتوحا فى التصور البشرى، لتقبل أنماط جديدة
من أدوات الحمل والركوب والزبته ...
وحتى لا يقول بعض الناس: إنما إستخدام آباؤنا الأنعام والخيل والبغال
والحمير، فلا نستخدم سواها، وإنما نص القرآن على هذه الأصناف فلا
تستخدم ما عداها ...
ولقد جدت وسائل للحمل والنقل والركوب والزيته ، لم يكن يعلمها
أهل ذلك الزمان. ستجد وسائل أخرى لا يعلمها أهل هذا الزمان: والقرآن
يهى لها القلوب والأذهان، إلا جمود ولا تحجـ، ((ويخلق مالا تعلمون))(١).
وبعد أن بين -- سبحانه - دلائل وحدانيته وقدرته ، عن طريق خلق
السموات والأرض والإنسان والدواب ... أتبع ذلك ببيان أنه - عز وجل-
كفيل بالإرشاد إلى الطريق المستقيم لمن يتجه إليه فقال - تعالى -: ((وعلى الله
قصد السبيل ، ومنها جائر ، ولو شاء لهدا كم أجمعين)).
والقصد: الاستقامه ، والسبيل: الطريق والقصد منه: هو المستقيم
الذى لا إعوجاج فيه .
يقال: سبيل قصد وقاصد، أى: مستقيم . قال الشاعر:
ومن الطريقة جائر وهدى قصد السبيل، ومنه ذو دخل
قال الجمل ١٠ ملخصه: ((وعلى الله)) أى: تفضلا ((قصد السبيل، على
تقدير مضاف، أى: وعلى الله بيان قصد السبيل. وهو بيان طريق الهدى
من الضلالة، وهو من إضافة الصفه إلى الموصوف، والقصد مصدر يوصف به .
يقال: سبيل قصد وقاصد أى: مستقيم، كأنه يقصد الوجه الذى يؤمه
السالك لا يعدل عنه . والمراد بالسبيل: جنسه .. (٢)
(١) فى ظلال القرآن جـ ٤ ص ٢١٦١
(٢) حاشية الجمل على الجلالة حمص ٥٦١

٣٠ ٢٠
والضمير فى قوله ( ومنها جائر)) يعود إلى السبيل. والجائر: المائل عن
الاستقامة، المنحرف عن الجادة وهوصفة لموصوف محذوف. أى: ومنها
سبيل جائز .
أى وعز الله - تعالى - وحده، تفضلا منه وكرما، بيان الطريق المستقيم
وهو طريق الحق، الذى يوصل من مسلكه إلى السعادة فى الدنيا والآخرة .
وهذا الطريق الحق: هو الذى جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -.
ومن الطريق ماهو حائد عن الإستقامة، وهو كل طريق يخالف ماجاء
به خاتم الرسل، - صلى الله عليه وسلم - من عقائد وشرائع وآداب.
قال - تعالى -: «وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه. ولا تتبعوا السبل
فتفرق بكم عن سبيله .. »(١).
فالمراد بالطريق القصد : الطريق الموصل إلى الإسلام . والمراد بالطريق
الجائر : الطريق الموصل إلى غيره من ملل الكفر والضلال .
ثم ختم - سبحان - الآية الكريمة، ببيان أن الهداية والإضلال بقدرته
ومشيئته، فقال - تعالى -: ((ولو شاء لهداكم أجمعين).
أى: ولو شاء - سبحانه - «دايتكم - أيها الناس - إلى الطريق المستقيم،
لهداكم جميعا، ولكنه - عز وجل - لم يشأ ذلك، بل اقتضت حكمته أن
يخلق الناس مستعدين الهدى والضلال، وأن يترك لهم إختيار أحد الطريقين
فكان منهم من استحب العمى على الهدى، وكان منهم من سنك الطريق المستقيم.
وسيجازى - سبحانه- الذين أساؤا بما عملوا، وسيجازى الذين أحسنوابالحسنى.
قال تعالى -: ( إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه جعلناه سميعاً
بصيراً. إنما هديناه السبيل. إما شاكرا وإما كهورا)،(٢).
(١) سورة الأنعام الآ به ١٥٣ (٢) سورة الإنسان الآيتان ٢، ٣

- ٢١ -
وقال - سبحانه -: ((ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم
جميعا ... ،(١).
وبعد أن بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على عباده عن طريق
خلق الأنعام وغيرها من البهائم ، التى لهم فيها منافع ، أتبع ذلك بيان نعمه
عليهم فى إنزال المطر ، فقال - تعالى - :
((هو الذى أنزل من السماء ماء، لكم منه شرابٌ، ومنه شجرٌ فيه
تُسِيمُون (١٠) ◌ُنبِتُ لكُم بِه الزَّرْعَ، والنخيلَ، والأعنابَ، ومن كل
التمرات، إنّ فى ذلكَ لَآيةَ لقومٍ يتفكرُ ونَ (١١):
والمراد بالسماء : السحاب المرتفع فى طبقات الجو ، حيث ينزل منه
الماء بقدرة الله - تعالى - والشراب : اسم للمشروب الذي يشربه الإمان
والحيوان وغيرهما .
والشجر : يطلق على النبات ذى الساق الصلبة على سبيل الحقيقة ، ويطلق
على العشب والمكلا على سبيل المجاز ، وهو المراد هنا ، لأنه هو الذى
ترعاه الأنعام .
والضمير فى قوله - سبحانه - ((ومنه شجر)) يعود على الماء، باعتباره
السبب فى وجود الشجر .
قال الألوسى: قوله - -. حانه - ((ومنه شجر، أى : نبات مطلقا سواء
أ كان له ساق أم لا . كما نقل عن الزجاج، وهو حقيقة فى الأول ؛ ومن
إستعماله فى الثانى قول الراجز:
والخيل فى إطعامها اللحم ضرر
نعلفها اللحم إذا عز الشجر
فإنه قيل: الشجر فيه بمعنى الكلأ، لأنه الذى يعلف .... (٢):
(١) سورة يونس الآيه ٩٩ (٢) تفسير الألوسى جـ ١٤ ص ١٠٥

- ٣٢ -
وقوله: «تسيمون)) من الاسامة، بمعنى إطلاق الابل وغيرها للسوم، أى
الرعى: يقال: أسام فلان إبله للرعى إمامة، إذا أخرجها إلى المرعى .
وساهت هى تسوم سوما، إذا رعت حيث شات، وأصل السوم: الابعاد
فى المرعى .
والمعنى: هو - سبحانه - وحده وليس غيره ، الذى غمركم بنعمه ، حيث
أنزل لكم من السحاب ماء كثيرا، هذا الماء الكثير المنزل بقدر معلوم، منه
تأخذون ما تشر بونه وما نتفعون فى حواتحكم الأخرى، وبسببه تخرج المراعى
التی ة عون فيها دوابكم .
فالآية الكريمة دليل آخر من الأدلة على وحدافيه الله - تعالى - وقدرته،
وبديع خلقه، حيث أزل - سبحانه - المطر من السماء، ولو شاء لأمكة،
أو لأنزله غير صالح للشراب .
قال - تعالى -: «أفرأيتم الماء الذى تشربون. القم أنزلتموه من المزن أم
نحن المنزلون . لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون)،(١).
وأتى - سبحانه - يلفظ ((فى)) المفيدة للظرفيه، فى قوله - تعالى - ,فيه
تسيمون))؛ للإشارة إلى أن الرعى فى هذا الشجر، قد يكون عن طريق أكل
ما تحته من الأعشاب .
وقوله - سبحانه -: ((ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب
ومن كل الثمرات ... ، تفعيل لأهم منافع الماء.
أى: يخرج لكم من الأرض ، بسبب الماء الذى أنزله عليه من السماء
((الزرع، الذى هو أصل أغذيتكم، وعماد معاشكم، كالقمح والشعير وغيرهما
(((والزيتون)) الذى تستعملونه إداما فى أغذيتكم ,والنخيل والأعناب، اللذين
فيهما الكثير من الفوائد، ومن التلذذ عند أكل ثمارها .
(١) سورة الواقعة الآيات ٦٨ - ٧٠

-
- ٣٣ -
وأخرج لكم - أيضا - بسبب هذا الماء ((من كل الثمرات، التى تشتهونها
وتنتفعون بها، والتى تختلف فى أنواعها، وفى مذاقها، وفى روائحها ، وفى
ألوانها، مع أن الماء الذى سقيت به واحد، والأرض التى نبتت فيها
متجاورة .
ولاشك أن فى هذا الانبات بتلك الطريقة ، أكبر دليل على قدرة الله -
تعالى -. لأنه لا يقدر على ذلك سواه - سبحانه -.
وأسند - سبحانه - الإنبات إليه فقال: ((ينبت لكم به ... ))؛ لأنه
الفاعل الحقيقى لهذا الإنبات والإخراج للزروع من الأرض، أما غيره -
سبحانه - فيلقى الحب فى الأرض، ويرجو الثمار والإنبات منه - عز وجل.
قال - تعالى: ((أفر أيتم ما تحرثون. النتم تزرعونه أم نحن الزارعون.
لو نشاء لجعلناه خطاما فظلتم تفكرون. إنا لمغرمون. بل نحن محر ومون))().
وقال - سبحانه -: ((وفى الأرض قطع متجاورات، وجنات من أعناب
وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد، وتفضل بعضها على
بعض فى الأكل , إن فى ذلك لآيات لقوم يعقلون))(٢).
وقال - عز وجل -: ((أم من خلق السموات والأرض، وأزل لكم
من السماء ماء ، فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ، ما كان لكم أن تنبتوا شجرها
أإله مع الله ، بل هم قوم يعدلون، (٣) .
وختم - سبحانه - الآية بقوله (( إن فى ذلك لآية لقوم يتفكرون، للحض
على التفكر والتأمل فى عظيم قدرته - سبحانه - حتى يصل المتأمل إلى إخلاص
العبادة له - عز وجل .
(١) سورة الواقعة. الآيات ٦٣ - ٧٠.
(٢) سورة الرعد الآية ٤.
(٣) سورة النمل الآية ٦٠.
٣٠ - سورة النحل)

٢٤٠ ٠٠
أى: إن فى ذلك المذكور، من إنزال الماء من السماء، وإنبات الزروع
والثمار بسبه، لآية باهرة، ودلالة عظيمة، على وحدافيه الله - تعالى -
وقدرته، لقوم يحسنون التفكير ، ويجيدون التأمل فى خلقه ، أما الذين
لا يحسنون التفكير والتأمل ، فهم كالأنعام بل هم أض .
قال الآلوسي ما ملخصه: وقال - سبحانه -: ((لقوم يتفكرون، لأن من
تفكر فى أن الحبة والنواة، تقع فى الأرض ، وتصل إليها نداوة تنفذ فيها،
فينشق أسفلها، فيخرج منه عروق تنبسط فى أعماق الأرض ، وينثق أعلاها
وإن كانت منتكسة فى الوقوع ....
من تفكر فى ذلك على أن من هذه آثاره وأفعاله، لا يمكن أن يشبهه
غيره فى صفة من صفات الكمال، وفضلا عن أن يشاركه فى أخص صفاته
التى هى الألوهية واستحقاق العبادة ....
وحيث كان الاستدلال بما ذكر ، مشتملا على أمر خفى محتاج إلى
إلى التفكر والتدبر مز له نظر سديد، ختم - سبحانه - الآية بالتفكير،(١).
ثم ساق. سبحانه . دلائل أخرى مماخلق لنفع الإنسان. تدل على وحدانيته
وقدرته . فقال - تعالى :
((وسخّر لكم الليل والنهارَ والشمسَ والقمر، والنجومُ مسخراتٌ
بأمره. إنْ فى ذلك لآياتٍ لقوم يعقلون (١٢) وما ذرَأَ لكم فى الأرضِ
مختلفاً ألوانُه، إِنَّ فى ذلكَ لآيةً لقومٍ يذَّ كُرُون (١٣).
وقوله ((سخر)) من التسخير بمعنى التذليل والتكليف، يقال. سخر فلان
(١) تفسير الآلوسي =١٤ ص ٠١٠٩

- ٣٠ -
فلانا تسخيرا، إذا كلفه عملا بلا أجرة . والمراد به منا : الإعداد والتهيئة
لما يراد الانتفاع به .
وأنه - سبحانه - سخر لكم «الشمس والقمر، يد أبان فى سيرهما بدون
كلل أو اضطراب، بل يسيران من أجل منفعتكم ومصلحتكم بنظام ثابت ،
كما قال - تعالى؛ «لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر، ولا الليل سابق النهار
وكل فى فلك يسبحون! (١).
وأنه- سبحانه- أوجد النجوم مسخرات بأمره وإذنه، لکی تهتدوا بها فى
ظلمات البر والبحر ...
هذا وقد قرأ جمهور القراء هذه الأسماء: الليل والنهار ... إلخ بالنصب
على المفعولية لفعل ((سخر، كماقرأ الجمهور. أيضاً. ((مسخرات)، بالنصب
على الحالية .
وقرأ ابن عامر: «والشمس والقمر والنجوم، بالرفع على الابتداء ،
وقرأ . أيضا قوله.«مسخرات، بالرفع على أنه خبر عنها.
وقرأ حفص برفع النجوم ومسخرات، على أنهما مبتدأ وخبر : أما بقيه
الأسماء السابقة فقرأها بالنصب .
وقوله ((بأمره)) متعلق بمسخرات. والمراد بأمره: إرادته ومشيئته
وتدبيره، الجارى على هذا الكون وفق حكمته وإذنه ,
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ((إن فى ذلك لآيات لقوم يعقلون)).
أى : إن فى ذلك المذكور من تسخير الليل والنهار وغيرهما لمنفعتكم
ومصلحتكم ۔ یانی آدم. لآيات بينات، ودلائل واضحات، على وجوب
العبادة لله - تعالى - وحده ، لقوم يعقلون نعم الله - تعالى.، ويستدلون بها على
وحدانيته . سبحانه . وقدرته .
(١) سورة يس الآية ٤٠.

- ٣٦ -٠
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - ((إن ربكم الله الذى خلق السموات
والأرض فى ستة أيام، ثم استوى على العرش، يغشى الليل والنهار يطلبه
حثيثاً , والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره. ألا له الخلق والأمر،
تبارك الله رب العالمين، (١).
وقوله - سبحانه -: ((وماذر ألكم فى الأرض مختلفا ألوانه ... )، معطوف
على ما قبله من النعم وأصل الذرأ: الخلق بالتناسل والتوالد عن طريق الحمل
والتفريخ ..
قال القرطبى: ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرها، أى خلقهم ، ومنه الذرية
وهى نسل الثقلين، والجمع الذرارى . ويقال: أتمى اللّه ذرأك وذروك أى :
ذريتك ... ,
والمعنى: وسخر لكم - أيضاً - ما أوجده فى الأرض من أجل منفعتكم
من عجائب الامور ، ومختلف الاشياء، من حيوان ونبات ، ومعادن مختلفة
الالوان والاجناس والخواص .
ولاشك أن فى اختلاف الالوان والمناظر والهيئات وغير ذلك ، فيه
الدلالة الواضحة على قدرة الله - تعالى -، وعلى أنه الخالق لكل شىء.
قال - تعالى -: ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألستكم
وألوانكم ... ،
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله (( إن فى ذلك الآية لقوم يذكرون
أى: إن فى ذلك اننى ببناء لكم، لآية واضحة على قدرة الله - تعالى، لقوم
يعتبرون، ويتذكرون آلاء الله ونعمه، فيشكرونه عليها، ويخلصون
له العبادة .
(١) سورة الأعراف الآية ٥٤.

- ٣٧ -
وبعد أن ذكر - سبحانه - جملة من نعمه التى أوجدها لعباده فى البر ،
أتبع ذلك ببيان جانب من نعمه عليهم عن طريق خلقه للبحر، فقال - تعالى -:
((وهو الذى سخّر البحرَ لتأكُلُوا منهُ لحماً طريً، وتَسْتخرِجُوا
منهُ حِلْيةً تلبسونها، وتَرَى الْقُلكَ مَواخرَ فيه، ولتبتغُوا من فضْلِه،
ولعلكم تشكرون (١٤) » .
ففى هذه الآية الكريمة بين - سبحانه - أربع نعم على عباده فى تسخير
البحر لهم .
أما النعمة الأولى فتتجلى فى قوله - تعالى -: ((وهو الذى سخر البحر
لتأكلوا منه لحما طريا ».
والطرى: عند اليابس . والمصدر الطراوة، وفعله طُرُ وَ بوزن خشن
وقرب ٠٠,
أى: وهو - سبحانه - وحده الذى ذلل لكم البحر، بحيث مكنكم من
الانتفاع به، وأقدركم على الركوب عليه ، وعلى الغوص فيه، وعلى الصيد
منه، لتأكلوا من أسماكه لحما طريا غضا شهيا.
ووصف - سبحانه - لحم أسماكة بالطراوة، لأن أكله فى هذه الحالة
أكثر فائدة ، وألذ مذاقا، فالمئة بأكله على هذه الحالة أتم وأكمل .
وقال بعض العلماء: وفى وصفه بالطراوة، تنبيه إلى أنه ينبغى المسارعة
إلى أكله ، لأنه يسرع إليه الفساد والتغير ، وقد أثبت الطب أن تناوله بعد
ذهاب طراوته من أضر الأشياء ، فسبحان الخبير بخلقه، ومعرفته ما يضر
إستعماله وما ينفع ، وفیه أیضا إيماء إلی کال قدر ته - تعالى - فى خلقه الحلو
الطرى فى الماء المر الذى لا يشرب .
: وقد كره السلماء أكل الطافى منه على وجه الماء، وهو الذى يموت حقف

- ٢٨ -
أنفه فى الماء فيطفو على وجهه، لحديث جابر - رضى الله عنه - عن النبي
- صلى الله عليه وسلم -: ((مانضب عنه الماء فكلوا، وما لفظه فكلوا، وما طقا
فلا تأكلوا ،.
فالمراد من ميتة البحر فى الحديث: ( هو الطهور ماؤه الحل ميقته،
ما لفظه البحر لا مامات فيه من غير آفة»(١).
وقوله (( وتستخرجوا منه حلية تلبسونها، نعمة ثانية من نعم الله - تعالى ..
للإنسان فى تسخير البحر له .
والحلية - بالمكسر - إسم لما يتحلى به الناس. وجمعها حلى وُحلّى - بضم
الحاء وكسرها - يقال. تحلت المرأة إذا لبست الحلى، أى: ومن فوائد تسخير
البحر لكم أنه سبحانه أقدركم على الغوص فيه، لتستخرجوا منه ما يتحلى به
نساؤكم كاللؤلؤ والمرجان وما يشبههما . .
قال - تعالى - ((مرج البحرين يلتقيان. بينهما برزخ لا يبغيان. فبأى
آY. ربكما تكذبان. يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان،(٢).
والتعبير بقوله - سبحانه - تستخرجوا .. )) يشير إلى كثرة الاخراج.
قالسين والتاء للتأكيد، مثل استجاب بمعنى أجاب. كما يشير إلى أن من
الواجب على المسلمين أن يباشروا بأنفسهم إستخراج ما فى البحر من كنوز
وألا يتركوا ذلك لأعدائهم .
وأسند - سبحانه - لباس الخلية إلى ضمير جمع الذكور فقال: ((تلبسونها،
على سبيل التغليب، وإلا فإن هذه الحلية يلبسها النساء فى معظم الأحيان ..
قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله: ((تلبسونها، أى: تلبسها نساؤكم؛
وأسند الفعل إلى ضمير الرجال ، لاختلاطهم بهم ، وكونهم متبوعين، أو
(١) تفسير المراغى - ١٤ ٦١٠ (٢) سورة الرحمن لا يات ٢٢،١٩

- ٣٩ -
٢
لأنهم سبب لنزبنهن، فإنهن يتزين ليحسن فى أعين الرجال ، فكان ذلك
زیفتهم ولباسهم.
قال ابن المنير : ولله در مالك - رضى الله عنه - حيث جعل الزوج الحجر
على زوجته فيما له بال من مالها ، وذلك مقدر بالزائد على الثلث لحقه فيه
بالتجمل . فانظر إلى مكنة حظ الرجال من مال النساء ، ومن زينتهن، حتى
جعل كحظ المرأة من مالها وزينتها ، فعبر عن حظه فى لبسها بلبه ... (١)
ومال القرطى: ((امتن، الله - تعالى - على الرجال والنساء إمتنانا عاما
بما يخرج من البحر، فلا يحرم عليهم شىء منه، وإنما حرم الله - تعالى - على
الرجال الذهب والحرير، ففى الصحيح عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه -
قال: قال رسول - صلى الله عليه وسلم -: لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه فى
الدنيا لم يلبسه فى الآخرة » .
وروى البخارى عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اتخذ
خاتما من ذهب .. ، فاتخذ الناس مثله، فرمى به وقال: (( لا ألبسه أبدا)).
ثم اتخذ خاتما من فضة فاتخذ الناس خواتيم الفضة .... (٢)
وقوله - سبحانه -: ((وترى الفلك مواخر فيه، نعمة ثالثة من نعمه
- تعالى - فى تسخير البحر للناس وأصل المخر: الشق. يقال: مخر الماء والأرض
إذا شقها. ويقال مخرت السفينة تمخر، وتمُخر، مخرا، ومخورا، إذا
جرت فى الماء وأخذت نشقه بمقدمتها .
أى: وترى - أيها العاقل - بعينيك السفن وهى تشق البحر بسرعة،
متجهة من بلد إلى بلد، ومن قطر إلى آخر ، لا تحرسها إلا رعاية الله تعالى
وقدرته ، كما قال - سبجانه -: وآية لهم أنا حملنا ذريتهم فى الفلك المشحون .
(١) تفسير الآلوسي : ٥١٤ ١١٣
(٢) تفسير القرطبى حـ ١٠ ص ٨٧

- ٤٠ -
وخلقنا لهم من مثله ما يركبون، وإن نشأ نغرقهم فلاصريخ لهم ولام ينقذون
إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين))(١).
والتعبير بقوله: «وترى .. ، لاستحضار الحالة العجيبة عن طريق الرؤية
البصرية ، وهى حالة تدل على قدرة الله تعالى ورحمته بعباده . حيث سخر
لهم السفن لتجرى فى البحر بأمره .
ثم بين - سبحانه - النعمة الرابعة من نعم تسخير البحر للناس فقال تعالى:
(ولتبتغوا من فضله)) والابتغاء: الطلب للشىء عن رغبة ومحبة.
أى: وسخر لكم البحر - أيضا - لتستخرجوا منه الحلية، ولتطلبوا
فضل الله تعالى: رزقه، عن طريق التجارات والأسفار على ظهر البحر من
مكان إلى آخر . سعيا وراء الربح .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بعض الناس على شكره على نعمه فقال
«ولعلكم تشكرون )).
أى: ولعلكم تشكرون الله - تعالى - على آلائه، حيث سخر لكم البحر،
وجعله وسيلة من وسائلى منفعتكم ومعاشكم .
ثم انتقلت السورة المكريمة إلى الحديث عن فوائد الجمال والأنهار
والسبل والنجوم، فقال - تعالى -:
((وألقَى فى الأرضِ رواسِىَ أنْ تميدَ بكم، وأنهاراً، وسُيُلاًّ اعلَكُم
تهتدون (١٥) وعلاماتٍ وبِالنجم هُمْ يهتَدُون (١٦))).
ولفظ: ((رواسى)) جمع رأس من الرسو - بفتح الراء وسكون السين ،
بمعنى الثبات والتمكن فى المكان، يقال رسا الشىء يرسو إذا ثبت . وهو صفة
الموصوف محذوف . أى : جبالا رواسى.
(١) سورة بس الآيات : ٤: ٤٤