النص المفهرس

صفحات 81-100

- ١ ٨ -
((وأمطرنا عليهم، أى على هؤلاء المجرمين من قوم لوط ((حجارة، كائنة ((من
-جيل)) أى من طين متحجر . فهلكوا جميعا .
وهكذا أخذ الله - تعالى - هؤلاء المجرمين أخذ زيق مقتدر، حيث
أملكهم بهذه العقوبة التى تتناسب مع جريمتهم، فهم قلبوا الأوضاع، فأتوا
بفاحشة لم يسبقوا اليها، فانتقم الله - تعالى - منهم بهذه العقوبة التى جعلت أعلى
مساكنهم أسفلها .
تم ساقت السورة الكريمة بعض العبر والعظات التى يهتدى بها العقلاء
من قصتى إبراهيم ولوط - عليهما السلام - كما ساقت بعد ذلك جانبا من
قصتى شعيب وصالح - عليهما السلام - فقال - تعالى -:
إنَّ فى ذلكَ لآياتٍ للمتوِّمِينَ (٧٥) وإنّها لبسَبِيلِ مُقِيمٍ (٧٦) إنّ
فى ذلكَ لآيةَ للمؤمنينَ (٧٧) وإن كانَ أصحاب الأيكةِ لظالمينَ (٧٨)
فانْتَقَمِنَا مِنْهمُ وإِنَّهُمَا لِإِمامِ مُبِينٍ (٧٩) ولقد كذَّبَ أصحابُ الحِجْر
المرسّلِينَ (٨٠) وَآتَيْنَاهُمْ فَكَانُوا عنها مُعْرِضِينَ (٨١) وكانُوا ينحِتُون
من الجبالِ بيوتاًآمنينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُم الصيحةُ مُصِحِينَ (٨٣) ذا أغْنَى
عنهم ما كانُوا يُكسِبُون (٨٤).
فاسم الإشارة فى قوله - سبحانه - ((إن فى ذلك لآيات لبتوسمين)) يعود
إلى ماتضمنته القصة السابقة من عبر وعظات .
والآيات جمع آية ، والمراد بها هنا الأدلة والعلامات الدالة على مايوصل
إلى الحق والهداية. والمتوسمون: جمع المتوسم، وهو المتأمل فى الأسباب
وعواقبها، وفى المقدمات ونتائجها ..
قائى القرطبى ما ملخصه: التوسم تفعل من الوسم، وهى العلامة انى يستدل
بها على مطلوب غيرها . يقال: توسمت فى فلان الخير، إذا رأيت مسم ذلك
فيه، ومنه قول عبد الله بن رواحة للنبي - صلى الله عليه وسلم -.
(٦ - سورة الحجر)

- ٨٢ -
إنى توسمت فيك الخير أعرفه والله يعلم أنى ثابت البصر
وأصل التوسم: التثبت والتفكر ، مأخوذ من الوسم وهو التأثير بحديدة
فى جلد البعير وغيره ...
وذلك يكون بجودة القريحة ، وحدة الخاطر ، وصفاء الفكر ، وتطهير
القلب من أدناس المعاصى.
والمراد بالمتوسمين : المتفرسين : أو المتفكرين، أو المعتبرين، أو
المتبصرين .. والمعنى متقارب .. )) (١).
والمعنى: إن فى ذلك لذى سقناه فى قصتى إبراهيم ولوط - عليهما السلام-
لأدلة واضحة على حسن عاقبة المؤمنين وسوء عاقبة الغاوين، لمن كان ذا فكر
سليم، وبصيرة نافذة تتأمل فى حقائق الأشياء، وتتعرف على ما يوصلها إلى
الهداية والطريق القويم .
قال بعض العلماء عند تفسيره لهذه الآية: هذه الآية أصل فى الفراسة .
أخرج الترمذى من حديث أبى سعيد مرفوعا: « اتقوا فراسة المؤمن فإنه
ينظر بنور الله، ثم قرأ- صلى الله عليه وسلم - هذه الآية ...
وقد أجاد الكلام فى الفراسة، الراغب الأصفهانى فى كتابه « الذريعة))
حيث قال فى الباب السابع: وأما الفراسة ، فالاستدلال بهيئة الإنسان وأشكاله
وألوانه وأقواله ، على أخلاقه وفضائله ورذائه ...
وقد نبه - سبحانه - على صدقها بقوله (( إن فى ذلك لآيات للمتوسمين))
وبقوله ((تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً)(١). وبقوله , ولو نشاء
لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولترفنهم فى لحن القول،(٢) ...
ولفظها مأخوذ من قولهم ((فرس السبع الشاه ، فكأن الفراسة اختلاس
المعارف(٣)
٠
(١) راجع تفسير القرطبى ج ١٠ ص ٤٢
(٢) سورة البقرة الآية ٢٧٣
(٣) سورة محمد الاية ٣٠
(٤) راجع تفسير القاسمى ج ١٤ ص ٣٧٦٤

- ٨٣ -
وفى هذه الآية الكريمة تعريض لمن تمر عليهم العبر والعظات. والأدلة
الدالة على وحدانية الله - تعالى -، وكمال قدرته ... فلا يعتبرون ولا يتعظون
ولا يتفكرون فيها، لانطاس بصيرتهم، واستيلاء الأهواء والشهوات على
نفوسهم، كما قال - تعالى - ((وكاين من آية فى السموات والأرض يمرون عليه!
وهم عنها معرضون. وما يؤمن أكثرهم بالله، إلا وهم مشركون، (٤).
والضمير فى قوله - سبحانه - (وإنها لبسبيل مقيم) يعود إلى المدينة أو
القرى التى كان يسكنها قوم لوط - عليه السلام -.
أى: وإن هذه المساكن التى كان يسكنها هؤلاء المجرمون، لبطريق
ثابت واضح يسلكه الناس ، ويراه كل مجتاز له وهو فى سفره من الحجاز إلى
الشام، كما قال - تعالى - (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين. وبالليل أفلا تعقلون)(٥):
والمقصود تذكير كفار قريش وغيرهم بعاقبة الظالمين، حتى يقلعوا عن
كفرهم وجحودهم، وحتى يعتبرواو يتعظوا، ويدخلوامع الداخلين فى دين الإسلام.
وقوله - سبحانه -: (إن فى ذلك لآية للمؤمنين) تدبيل قصد به التعميم
بعد التخصيص، لأن اسم الإشارة هنا يعود إلى جميع ماتقدم من قصتى
إبراهيم ولوط - عليهما السلام - وإلى ما انضم إليهما من التذكير بآثار
الأقوام المهلكين .
أى: أن فيما: كرناه فيما سبق من أدلة واضحة على حسن عاقبة المتقين ،
وسوء نهاية الظالمين، لعبرة واضحة، وحكمة بالغة ، للمؤمنين الصادقين.
وخصهم بالذكر لأنهم هم المنتفعون بالأدلة والعظات ، وللتنبيه على أن
التفرس فى الأمور لمعرفة أسبابها ونتائجها من صفاتهم وحدهم.
وجمع الآيات قبل ذلك فى قوله (( إن فى ذلك لآيات المتوسّمين، وأفردها
هذا فقال: ((إن فى ذلك لأية للمؤمنين)) للاشعار بأن المؤمنين الصادقين تكفى
(١) سورة يوسف الايتان ١٠٥، ١٠٦
(٢) سورة الصافات الايتان ١٣٧، ٠٠٨

--- ٨٤ -
لهدايتهم، ولزيادة إيمانهم، آية واحدة من الأبات الدالة على أن دين الإسلام
هو الدين الحق ، وفى ذلك مافيه من الثناء عليهم، والمدح لهم، بصدق الإيمان،
وسلامة اليقين ...
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانيا من قصة أصحاب الأيكةالزيادة العظات.
والعبر، فقال - تعالى -: وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين . فانتقمنا منهم
وإنهما لبإمام مبين، و (إن) هى المخففة من الثقيلة، وأسمها ضمير الشأن المحذوف.
وأصحاب الأيكة، هم قوم شعيب - عليه السلام -، والأم لاك الشجر
الكغير الملتف واحدته أيكة - كتمر وتمره۔
والمراد بها البقعة الكثيرة الأشجار التى كانت فيها مساكنهم، قرب
مدين قرية شعيب - عليه السلام - .
وجمهور العلماء على أن أهل مدين وأصحاب الأيكة قبيله واحدة، وأرسل
الله - تعالى - إليهم جميعا شعيبا - عليه السلام - لأمرهم بإخلاص العبادة لله
- تعالى -، وفهيهم عن تطفيف المكبل والميزان، وعن قطع الطريق ...
وكانوا جميعا يسكنون فى المنطقة التى تسمى بمعان، على حدود الحجاز
والشام، أو أن بعضهم كان يسكن الحاضرة وهم أهل مدين ، والبعض الأخر
كان يسكن فى البوادى المجاورة لها ، والمليئة بالأشجار .
وقيل: إن شعيبا - عليه السلام - أرسل إلى أمتين: أهل مدين، وأصحابه
الأيكة ، وهذه خصوصية له - عليه السلام ...
وعلى أية حال فالعلماء متفقون على أن أصحاب الأبكة هم قوم شعيب
- عليه السلام -- .
والإمام : الطريق الواضح المعالم . وسمى الفريق إماما لأن المسافر بأتم
به، ويهتدى بمسالكه، حتى يصل إلى الموضع الذى يريده .
والمعنى: وإن الشأن والحال أن أصحاب الأيكة كانوا طالمين متجاوزين
لكل حد، فاقتضت عدالتنا أن ننتقم منهم ، بسبب كفرهم وجودهم.

٨٥٨٠ ٠٠
(وإنهما، أى مساكن قوم لوط، ومساكن قوم شعيب (( لبإمام مبين))
أى: لبطريق واضح يأتمون به أهل مكة فى سفرهم من بلاده، إلى بلاد الشام.
قال ابن كثير: وقد كانوا - أى أصحاب الأيكة - قريبا من قوم لوط،
بعدهم فى الزمان ، ومسامتين لهم فى المكان، ولهذا لما أقذر شعيب قومه قال
فى إنذاره لهم ( وما قوم لوط منكم يبعيد)(١).
ثم ختمت السورة الكريمة حديثها عن قصص الأنبياء مع أقوامهم بجانب
من قصة صالح - عليه السلام - مع قومه، فقال - تعالى - ولقد كدب أصحاب
الحجر المرسلين )
....
وأصحاب الحجر: هم نمود قوم صالح - عليه السلام -.
والحجر : واد بين انشام والمدينة المنورة، كان قوم صالح يسكنونه.
والحجر فى الأصل : كل مكان أحاطت به الحجارة، أو كل مكان محجور أى
منوع من الناس بسبب أختصاص بعضهم به .
ومازال هذا المكان يعرف إلى الآن باسم مدائن صالح على اليطرق من
خيبر إلى تبوك، كما أشرنا إلى ذلك عند التعريف بالسورة الكريمة.
وقال - سبحانه -: ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين) مع أنهم لم
بكذبوا إلا رسولهم - عليه السلام -، لأن تكذيب رسول واحد، وتكذيب
لجميع الرسل، حيث إن رسالتهم واحدة، وهى الأمر بإخلاص العبادة لله
- تعالى - وحده، والدعوة إلى مكارم الأخلاق، والنهى عن الرذائل والمفاسد.
ثم بين - سبحانه .. مظاهر هذا التكذيب لرسولهم ــ عليه السلام .. فقال:
( وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين .
أى: وأعطينا قوم صالح - عليه السلام .. آياتنا الدالة على صدقه وعلى أنه
رسول من عندنا، والتى من بينها الناقة التى أخرجها الله - تعالى - لهم ببركة
دعاء نبيهم ( فكانوا عنها ) أى عن هذه الآيات الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا
(١) تفسير ابن كثير ج ٤ ص ٤٦٢

٨٦٠٠ -٠
(معرصين) لايلتفتون إليها، ولا يفكرون ن فيها، ولهذا عقروا الناقة
((وعتوا عن أمر ربهم وقالوا ياصالح أثننا بما تعدنا إن كنت من المرصلين)).
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر حضارتهم وتحصهم فى بيوتهم المنحوتة
فى الجبال فقال - تعالى، ( و کانوا ینحتون من الجبال بيوتا آمنين )،،
وينحتون: من النحت وهو برى الحجر من وسطه أو جوانبه، لإعداده
للبناء أو للسكن أى : وكانوا لقوتهم وغناهم يتخذون لأنفسهم بيوتا فى بطون
الجبال وهم آمنون مطمئنون ، أو يقطعون الصخر منها ليتخذوه بيوتا لهم.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - ,وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين(١).
أى: حاذقين فى نحتها. وقوله - تعالى - «واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد
عاد وبوأكم فى الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتوى من الجبال بيوتا(٢)».
قال ابن كثير: ذكر - تعالى - أنهم ( كانوا ينحتون من الجبال بيوتا
آمنين ) أى: من غير خوف ولا احتياج إليها، بل أشراو بطرا وعبثا، كما
هو المشاهد من صنيعهم فى بيوتهم بواذى الحجر، الذى مر به رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - وهو ذاهب إلى تبوك فقنع رأسه - أى غطاها بثوبه -
وأسرع دابته ، وقال لأصحابه: لا تدخلوا بيوت القوم المعذبين، إلا أن
تكونوا باكين، فإن لم تبكوا فتباكوا خشية أن يصيبكم ما أصابهم)(٢).
ولكن ماذا كانت نتيجة هذه القوة العاشمة، والثراء الذى ليس معه شكر
لله - تعالى - والإصرار على الكفر واشكذيب لرسل الله - تعالى -،
والإعراض عن الحق ... ؟
لقد بين القرآن عاقبه ذلك فقال: ( فأخذتهم الصيحة مصبحين . فما أغنى
عنهم ما كانوا يكسبون ) .
أى: فكانت نتيجة تكذيب أصحاب الحجر لرسولهم صالح - عليه السلام.
(١) سورة الشعراء الآية ١٤٩
(٢) سورة الأعراف الآية ٧٩
(٣) تفسير ابن كثير ج ٤ ص ٤٩٣

." AV -
أن أهلكهم الله - تعالى - وهم داخلون فى وقت الصباح، عن طريق الصيحة
الهائلة ، التى جعلتهم فى ديارهم جائمين ، دون أن يغنى عنهم شيئا ما كانوا
يكسبونه من جمع الأموال، وما كانوا يصنعونه من نحت البيوت فى الجبال.
وهكذا زى أن كل وقاية ضائعة ، وكل أمان ذاهب ، وكل تحصن زائل
أمام عذاب الله المسلط على أعدائه المجرمين .
وهكذا تنتهى تلك الحلقات المتصله من قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم
والتى تتفق جميعها فى بيان سنة من سنن الله - تعالى - فى خلقه، وهى أن النجاة
والسعادة والنصر للمؤمنين ، والهلاك والشقاء والهزيمة للمكذبين .
ثم ختمت السورة الكريمة بيان كمال قدرة الله - تعالى - ، وبيان جانب
من النعم التى منحها - سبحانه - لننبيه - صلى الله عليه وسلم-، وبتهديد المشركين
الذين جعلوا القرآن عضين، والذين جعلوا مع الله إلها آخر، وبتسليته - صلى
الله عليه وسلم - عما لحقه منهم من أذى ، فقال - تعالى -:
وما خَلَقْنا السمواتِ والأرضَ وما بينَهما إلا بالحقِّ، وإنّ الساعةَ
الآتية فاصفَحْ الصفحَ الجميلَ (٨٥) إنَّ ربَّك هو الخلاقُ العايمُ (٨٦)
ولقد آتيناكَ سبعاً من المثاني والقرآنَ العظيمَ (٨٧) لا تَمُدَّنَّ عينَيْكَ
إلا ما مَتَّعنابه أزواجاً منهم ولا تحزن عليهم واخفضْ جناحكَ المؤمنين (٨٨)
وقل إِى أنَا النذيرُ المبينُ (٨٩) كما أنزَلْنا على المقتسمينَ (٩٠) الذينّ
جمُلُوا القرآنَ عِضِينَ (٩١) فوربِّكَ لنسألَنَّهم أجمينَ (٩٢) عما كانُوا
يعمُلُونَ (٩٣) فاصدَعْ بما تُؤْمُرُ وأعرِضْ عن المشركينَ (٩٤) إِنَّا
كفَيْنَكَ المستهزئينَ (٩٥) الذين يجعلون مع اللهِ إلهاً آخرَ فسوفَ
يعلمونَ (٩٦) ولقدْ نعلَمُ أنَّكَ يضيق صدرُك بما يقولَونَ (٩٧) واعْبُدْ
ربَّكَ حتى يأتيكَ اليقينُ (٩٩).

- ٨٨ -٠
فقوله - سبحانه -- (وماخلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق)
توجيه للناس إلى التأمل فى مظاهر قدرة الله - تعالى-، وإلى الحق الأكبر
الذى قام عليه هذا الوجود، بعد أن بين - سبحانه - قبل ذلك، سنته التى
لاتتخلف ، وهى أن حسن العاقبة للمتقين، وسوء المصير المكذبين.
والحق: هو الأمر الثابت الذى تقتضيه عدالة الله - تعالى - وحكمته.
والباء فيه للملابسة .
أى: وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما من كائنات لا يعلمها إلااقـ،
إلا خلقا ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل ، وبالعدل الذى لا يخالطه
جور وبالحكمة التى تتنزه عن العبث، وقأبى استمرار الفساد ، واستبقاء
ضعف الحق أمام الباطل .
والمراد بالساعة فى قوله- تعالى -: ((وإن الساعة الآتية)): ساعة البعث
والحساب والثواب والعقاب فى الآخرة .
أى: وإن ساعة إعطاء كلذى حقحقه، ومعاقبة كل ذى باطل على باطله،
لآتية لاريب فيها، فمن فانه أخذ حقه فى الدنيا فسياً خذه وافيا غير منقوص فى الآخرة،
ومن أفلت من عقوبة الدنيا فسينال ماهو أشد وأخرى منها فى يوم الحساب.
فالجملة المكريمة إنتقال من تهديد المجرمين بعداب الدنيا، إلى تمديدم بعذاب
الاخرة، والمقصود من ذلك قسليته - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من
المكذبين من أذى .
وأكد - سبحانه - هذه الجملة بإن وبلام التوكيد، ليدل على أن الساعة آتية
لامحالة ، وليخرس ألسنة الذين ينكرون وقوعها وحدوثها ...
وجملة (« فاصفح الصفح الجميل، تفريع على ما قبلها .
والصفح الجميل : ترك المؤاخذة على الذنب، وإغضاء الطرف عن مرتك:
بدون معاقبة ،
أى: مادام الأمر كماذكرنالك أيها الرسول الكريم - من أن هذا الكون

٠٠٠ ٨٩ -
قد خلقناء بالحق، ومن أن الساعة آتية لاريب فيها ... فأصفح عن هزلا.
المكذبين لك صفحا جميلا، لا عتاب معه ولا حزن ولا غضب ... حتى يحكم
اته بينك وبينهم .
وهذا التعبير فيه ما فيه من تسليته - صلى الله عليه وسلم - وتكريمه، لأنه
- سبحانه - أمره بالصفح الجميل عن أعدائه، ومن شأن الذى يصفح عن غيره،
أن يكون أقوى وأعز من هذا الغير فكأنه - سبحانه - يقول له: اصفح عنهم
فعما قريب ستكون لك الكلمة العليا عليهم.
وشبيه بهذه الاية قوله - تعالى - ((فاصفع عنهم وقل سلام فسوف
يعلمون))(١) .
وقوله - سبحانه -: «فاعةو، واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على
شىء قدير ،(٢) .
وقوله - سبحانه - ((إن ربك هو الخلاق العليم، تعليل للأمر بالصفح
الجيل عنهم .
والخلاق والعليم: صيغتا مبالغة من الخلق والعلم، الدلالة على كثرة خلقه،
وشمول علمه .
أى: (( إن ربك، أيها الرسول الكريم، الذى رباك برعايته وعنايته،
واختارك لحمل رسالته، هو٤- سبحانه - ((الخلاق)) لك ولهم ولكل شىء فى
هذا الوجود :
((العليم) بأحو الك وبأحوالهم، وبما يصلح لك ولهم ولكل الكائنات.
وقـ على - سبحانه - أن الصفح عنهم فى هذا الوقت فيه المنفعة لك ولهم،
حقيق بك - أيها الرسول الكريم - أن تطيعه - سبحانه-، وأن تكل الأمور إليه.
وثقد تحقق الخير من وراء هذا التوجيه السديد من الله ، تعالى - لنبيه
(١) سورة الزخرف الا يه ٨٩.
(٢) سورة البقرة الايه ٠١٠٩

- ٩٠ -
- صلى الله عليه وسلم - فقد ترتب على هذا الصفح: النصر للنبي - صلى الله
عليه وسلم - وللمؤمنين، والهدايه لبعض الكافرين وهم الذين دخلوا فى الإسلام
بعد نزول هذه الايه، وصاروا قوة الدعوة الإسلامية بعد أن كانوا حربا
عليها، وتحقق - أيضا - قوله - صلى الله عليه وسلم - : ، لعل الله أن يخرج
من أصلابهم من يعبد الله - عز وجل -)).
ثم أتبع - سبحانه - هذه التسليه والبشارة للرسول- صلى الله عليه وسلم ..
بمنة ونعمة أجل وأعظم من كل ماسواها ، ليزيده اطمئنانا وثقه بوعد الله
- تعالى - فقال: ((ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم)).
والمراد بالسبع المثانى: سورة الفاتحه. وسميت بذلك، لأنها سبع آيات،
ولأنها تثنى أى تكرر فى كل ركعه من ركعات الصلاة .
قال صاحب الكشاف: والمثانى من التثنيه وهى التكرير للشىء ، لأن
الفاتحه تسكرر قراءتها فى الصلاة. أو من الثناء، لاشتمالها على ماهو ثناء على
الله - تعالى -.... (١)
والمعنى: ولقد أعطيناك - أيها الرسول الكريم - سورة الفاتحة أنى هى
سبع آيات، والتى تعاد قراءتها فى كل ركمه من ركعات الصلاة، وأعطيناك
- أيضا - القرآن العظيم الذى يهدى للطريق التى هى أقوم .
وأور فعل ((آتيناك)) بمعنى أعطيناك على أوحينا إليك، أو أنزلنا عليك؛
لأن الإعطاء أظهر فى الإكرام والإنعام.
وقوله ((وزقرآن العظيم)) معطوف على (( سبعا)) من باب عطف الكل على
الجزء، اعتناء هذا الجزء .
ووصف - سبحانه - القرآن بأنه عيظم: تنويها بشأنه، وإعلاء
لقدره .
(١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٢٩٧.

- ٩١ -
ومما يدل على أن المراد بالسبع المثانى سورة الفاتحة ما أخرجه البخارى
بسنده عن أبى سعيد بن المعلى قال: مربى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا أصلى،
فدعانى فلم آته حتى صليت ، ثم أتيته فقال : ما منعك أن تأتينى؟ فقلت: كنت
أصلى .
فقال: ألم يقل الله: ((يأيها الذين آمنوااستجيبو الله وللرسول إذا دعاكم.)
ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة فى القرآن قبل أن أخرج من المسجد ؟
ثم ذهب النبى - صلى الله عليه وسلم - ليخرج، فذكرته فقال: « الحمد فته
رب العالمين، هى السبع المثانى والقرآن العظيم الذى أوتيته.
وروى البخارى - أيضا - عن أبى هريرة قال: قال النبى - صلى الله
عليه وسلم .: أم القرآن هى: السبع المثانى والقرآن العظيم)).
هذا ، وهناك أقوال أخرى فى المقصود بالسبع المثانى، ذكرها بعض
المفسرين فقال: اختلف العلماء فى السبع المثانى: فقيل الفاتحة . قاله على
ابن أبى طالب ، وأبو هريرة، والربيع بن أنس ، وأبو العاليه ، والحسن
وغيرهم . وروى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - من وجوه ثابتة من حديث
أبي بن كعب وأبى سعيد بن المعلى ...
وقال ابن عباس: هى السبع الطوال: نبقرة. وآل عمران، والنساء،
والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال والتوبة معاد.،
وأفكر قوم هذا وقالوا: أنزلت هذه الآية بمكة ، ويرى من السبع
الطوال شىء إذ ذاك .
وقيل: المثانى القرآن كلة ، قال الله - تعالى - ((كتابا متشابها منانى)). هذا
قول الضحاك وطاووس، وقاله ابن عباس . وقيل له: «ثانى، لأن الأبناء
والقصص تنيت فيه ...

٠-٩٢ ٠
وقيل: المراد بالسبع المثانى أقسام القرآن من الأمر والنهى والتبشير
والإنذار . ..
ثم قال: والصحيح الأول لأنه نص. وقد قدمنا فى الفاتحة أنه ليس فى
تسميتها بالمثانى ما يمنع من قسمية غيرها بذلك، إلا أنه إذا ورد عن النبي
- صلى الله عليه وسلم - وثبت عنه فص فى شىء لايحتمل التأويل، كان
الوقونى عنده ،(٤) .
والذى نراه، أن المقصود بالسبع المثانى هنا: سورة الفاتحة، لثبوت
النص الصحيح بذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومتى ثبت
الغص الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - فى شىء فلا كلام لأحد معه أو
بعده - صلى الله عليه وسلم -.
ثم نهى الله - تعالى - المسلمين فى شخص نبيهم - صلى الله عليه وسلم - عن
التطلع إلى زينة الحياة الدنيا، فقال - تعالى -: «لاتمدن عينيك إلى مامتعنافه
أزواجا منهم » ...
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف وصل هذا بما قبله ؟
قلت: يقول الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: قد أوقيت
النعمة العظمى التى كل فعمة وإن عظمت فهى إليها حقيرة ضئيلة، وهى
القرآن العظيم، فعليك أن تستغنى به، ولا تمدن عينيك إلى متاع الدنيا ...
قال أبو بكر الصديق: من أوقى القرآن، فرأى أن أحدا أوتى من
الدنيا أفضل ما أوتى، فقد صغر عظيما، وعظم صغيرا،(٢).
(١) تفسير القرطبى ج ١٠ ص ٥٥
(٢) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٣٩٨

- ٠٠٩٣
وقال ابن كثير: وقال ابن أبى حاتم: ذكر عن وكيع بن الجراح،
قال : حدثنا موسى بن عبيدة، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي رافع
صاحب النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: أضاف النبى صلى الله عليه و سلم.
ضيف ، ولم يكن عنده - صلى الله عليه وسلم - شىء يصلحه ، فأرسل إلى رجل
من اليهود: يقول لك محمد رسول الله: أسلفنى دقيقا إلى هلال رجب . قال
اليهودى: لا إلا برهن. فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته، فقال:
أما والله إنى لأمين من فى السماء، وأدين من فى الأرض، ولئن أسلفنى أو
باعنى لأؤدين إليه. فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية. (( لا تمدن عينيك»
كأنه - سبحانه - يعزيه عن الدنيا))(١).
وقوله - سبحانه - ((تمدن)) من المد، وأصله الزيادة. واستعيرهنا للتطلع
إلى ما عند الغير بزغبة وتمن وإعجاب . يقال: مد فلان عينه إلى مال فلان،
إذا اشتهاه وتمناه وأراده .
والمراد بالأزواج : الأصناف من الكفار الذين متعهم الله بالكثير من
زخارف الدنيا .
والمعنى : لا تحفل - أيها الرسول الكريم - ولا تطمح ببصرك طموح
الراغب فى ذلك المتاع الزائل ، الذى متع الله - تعالى- به أصنافا من المشركين
فإن ما بين أيديهم منه شىء سينتهى عما قريب، وقد آتاهم الله - تعالى - إياه على
سبيل الاستدراج والإملاء، وأعطاك ماهو خير منه وأبقى، وهو القرآن
العظيم .
قال صاحب الظلال: والعين لا تمتد. إنما يمتد البصر أى: يتوجه.
ولكن التعبير التصويرى يرسم صورة العين ذاتها ممدودة إلى المتاع. وهى
صورة طريقة حين يتخيلها المتخيل ...
(١) تفسير ابن كثير ج ٤ ص ٠٥٦٦

- ٩٤ ٠
والمعنى وراء ذلك، ألا يحفل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بذلك المتاع
الذى آثاه الله - تعالى - لبعض الناس ... ولا يلقى إليه نظرة اهتمام، أو نظرة
استجمال، أو نظرة تمن )،(١).
وقال - سبحانه - هنا (( لا تهدن ... )) بدون واو العطف، وقال فى سورة
طه ((ولا تمدن ... )) بواو العطف، لأن الجملة هنا مستأنفة استئنافا بيانيا،
جوابا لما يختلج فى نفوس بعض المؤمنين من تساؤل عن أسباب الإملاء
والعطاء الدنيوى لبعض الكافرين، ولأن الجملة السابقة عليها وهى قوله ((ولقد
آتيناك سبعا من المثانى ... ، كانت بمنزلة التمهيد لها، والإجمال لمضمونها.
أما فى سورة طه، جملة ((ولا تمدن ... )) معطوفة على ماسبقها من طلب
وهو قوله - تعالى - ,فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع
الشمس وقبل غروبها ، ومن آناء الليل فسيح وأطراف النهار لعلك ترضى
ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ... ))(٢).
وقرله - سبحانه -((ولا تحزن عليهم، نهى له - صلى الله عليه وسلم - عن
الاهتمام بالمصير السىء الذى ينتظر أعداءه .
أى: ولا تحزن - أيها الرسول الكريم - لكفر من كفر من قومك،
أو الموتهم على ذلك، أولا عراضهم عن الحق الذى جئتهم به، فإن القلوب
بأيدينا تصرفها كيف نشاء، أما أنت قعليك البلاغ .
وقوله - سبحانه - (( وأخفض جناحك للمؤمنين) بيان لما يجب عليهنحو
أتباعه، بعد بيان ما يجب عليه نحو أعدائه .
وخفض الجناح كناية عن اللين والمودة والعطف .
(١) تفسير فى ظلال القرآن ج ١٤ ص ٢١٥٤
(٢) سورة طه الآيتان ١٣٠، ١٣١

= ٩٠ ٧
أى : وكن متواضعا مع أتباعك المؤمنين ، رموفا بهم، عطوفا عليهم .
قال الشوكانى وخفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب ...
وأصله أن الطائر إذا ضم فرخه إليه بسط جناحه ثم قبض على الفرخ ، بجمل
ذلك وصفا لتواضع الإنسان لأتباعه ... والجناحان من ابن آدم: جانباه))(١).
وقوله - سبحانه -: ((وقل إنى أما النذير المبين، معطوف على ماقبله.
أى: لا تحزن - أيها الرسول الكريم - على مصير الكافرين، وتواضع
لأتباعك المؤمنين، وقل للناس جميعا ما قاله كل فى قبلك لقومه: إنى أنا
المنذر لكم من عذاب الله إذا مابقيتم على كفركم، الموضح لكم كل ما يخفى عليكم.
فالنذير هذا بمعنى المنذر، والمبين بمعنى الكاشف والموضح .
وفى الصحيحين عن أبي موسى الأشعرى عن النبى - صلى اله عليه وسلم -
قال: إنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به، كمش رجل أتى قومه فقال: يا قوم، إنى
رأيت الجيش بعينى، وإنى أنا الغدير العريان، فالنجاء النجاء، وأطاعه طائفة
من قومه فأدلجوا، وانطلقوا على مهلهم فنجوا . وكذبه طائفة منهم فأصبحوا
مكانهم ، فصيحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم .
فذلك مثل من أطاعنى وأتبع ماجئت به، ومثل من عصانى وكذب ما جئت
به من الحق))(٢).
ثم هدد - سبحانه - الذين يحاربون دعوة الحق، ويصفون القرآن بأوصاف
لا تليق به فقال - تعالى -: ((كما أنزلنا على المقتسمين . الذين جعلوا القرآن
عضين » ...
والكاف فى قوله ((كما)، للتشبيه، و((ما)، موصولة أو مصدرية وهى المشبه
به أما المشبه فهو الايتاء المأخوذ من قوله -تعالى- ((ولقدآتيناك سبعا من المثانى)).
(١) تفسير فتح القدير للشوكانى ج ٣ ص ١٤٢
(٢) صحيح البخارى: كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - ج ٩ ص ١١٥. وصحيح مسلم كتاب الفضائل ج٧ =٦٣٠

- ٩٦ -
ولفظ: المنقسمين ، افتعال من القسم بمعنى تجزئة الشىء وحدث اقساما ..
والمراد بهم بعض طوائف أهل الكتاب، الذين آمنوا بعضه وكفروا
بالبعض الآخر .
أو المراد بهم - كما قال ابن كثير -: ((المقتسمين، أى المتحالفين، أى
الذين تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذام ... ))(١).
ولفظ (( عضين)) جمع عضة - بزنة عزة -، وهى الجزء، والقطعة من الشىء.
تقول: عضيت الشىء تعضية، أى . فرقته وجعلته أجزاء كل فرقة عضة.
ق لـ القرطبى ما ملخصه: وواحد العضين عضة، من عضيت الشىء تعضية أى
فرقته، وكل فرقة عضة قال الشاعر: وليس دين الله بالمعضى. أى: بالمفرق.
والعضه والعضين فى لغة قريش السحر . وهم يقولون للساحر عاضه،
والساحرة عاضهة ...
وفى الحديث: لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العضهة والمستعضهة
أى الساحرة والمستسحرة .. وقيل: هو من التضة، وهى النميمة. والعضيهة
البهتان .. يقال: أعضهت يافلان أى: جئت بالبهتان))(٢).
والمعنى: ولقد آتيناك - أيها الرسول الكريم - السبع المثاني والقرآن
العظيم ، مثلى ما أنزلنا على طوائف أهل الكتاب المقتسمين ، أى الذين قسموا
كتابهم أقساما، فأظهر وا قسما وأخذوا آخر ، والذين جعلوا - أيضا - القرآن
أقساما، فآمنوا ببعضه ، وكفروا بالبعض الآخر ..
جمله (الذين جهلوا القرآن عضين)) بيان وتوضيح للقتسمين.
ومنهم من يرى أن قوله - تعالى -، كما أنزلنا على المقتسمين ... ، متعلق
بقوله - تعالى - قبل ذلك، ((وقل إنى أنا النذير المبين، فيكون المشبه الانذار
بالعقاب المفهوم من الآية الكريمة .
(١) تفسير ابن كثير ج ٤ ص ٩٦٦
(٢) تفسير القرطبى ج ١٠ ص ٥٩

- ٩٧ -
وأن المراد بالمقتسمين: جماعة من مشركي قريش، قسموا أنفهم أقساما
لصرف الناس عن الإيمان بالنبى - صلى الله عليه وسلم -.
والمعنى: وقل - أيها الرسول الكريم - إنى أنا النذير المبين لكم من عذاب
مثل عذاب المقتسمين ...
وقد فصل الإمام الآلوسى القول عند تفسيره هاتين الآيتين فقال ما ملخصه:
قوله - تعالى - ((كما أنزلنا على المقتسمين .. ، متعلق بقوله - تعالى - ,ولقد
آتيناك سبعا .. ، على أن يكون فى موضع نصب نعتا لمصدر من آتينا محذوف
أى: آتيناك سبعا من المثانى إيتاء كما أنزلنا، وهو فى معنى: أنزلنا عليك ذلك
إنزالا كإنزالنا على أهل الكتاب ((الذين جعلوا القرآن عضين، أى قسموه
إلى حق وباطل ...
وقيل: هو متعلق بقوله - تعالى -: ((وقل إنى أنا النذير المبين، ...
وجوز أن يراد بالمقتسمين جماعة من قريش ... أرسلهم الوليد بن المغيرة،
أيام موسم الحج، ليقفوا على مداخل طرق مكة ، لينفروا الناس عن الإيمان
برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانقسموا على هاتيك المداخل، يقول بعضهم
لا تغتروا بالخارج فإنه ساحر ...
أى: وقل إنى أنا النذير عذايا مثل العذاب الذى أنزمناه على المقتسمين.
وقيل المراد بالمقتسمين، الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحا -أى
يقتلوه ليلا - فأهلكهم الله ...
ثم قال - رحمه الله -: والأقرب من الأقوال المذكورة أن قوله ، كما
أنزلنا .. )، متعلق بقوله - تعالى - ,ولقد آتيناك سبعا ... ، وأن المراد
بالمقتسمين أهل الكتابين ، وأن الموصول مع صلته ، صفة مبينة لكيفية
اقتسامهم ...
المعنى: لقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم، إيتاء مماثلا لإنزال
الكتابين على أهلهما .... (١) .
(١) راجع تفسير الآلوسى ج ١٤ ص ٧٤ وما بعدها .

- ٩٨ ٠
ويبدو لنا أن من الأفضل أن يكون المراد بالمقتسمين، ما يشمل أهل
الكتابين وغيرهم من المشركين المتحالفين على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم
- كما قال ابن كثير - وقد ذهب إلى ذلك الإمام ابن جرير ، فقد قال - رحمه
الله - بعد سرده الأقوال فى ذلك ما ملخصه: ((والصواب من القول فى ذلك
عندى أن يقال: إن الله - تعالى - أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يعلم قومه
الذين عضوا القرآن ففرقوه، أنه نذير لهم من سخط الله وعقوبته، أن يحل
بهم ماحل بالمقتسمين من قبلهم ومنهم ...
وجائز أن يكون عنى بالمقتسمين : أهل الكتابين .. وجائز أن يكون
عنى بذلك: المشركون من قريش ، لأنهم اقتسموا القرآن ، فسماه بعضهم
شعرا، وسماه بعضهم كهانة ...
وجائز أن يكون عنى به الفريقان ... وممكن أن يكون عنى به المقتسمون
على صالح من قومه . لأنه ليس فى التنزيل ولا فى سنة رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - ولا فى فطرة العقل، ما يدل على أنه عنى به أحد الفرق الثلاثة
دون الآخرين، وإذا فكل من اقتسم كتابا لله بتكذيب بعض وتصديق
بعض، كان داخلا فى هذا التهديد والوعيد .... (١).
ثم أكد - سبحانه - هذا التهديد والوعيد فقال: ((فوربك لنسألنهم
أجمعين عما كانوا يعملون)) .
والفاء هنا متفرعة على ماسبق تأكيده فى قوله ((وإن الساعة لآتية ... ))
إذ فى هذا اليوم يكون سؤ الهم .
والواو القسم ، أى: فوحق ربك - أيها الرسول الكريم - الذى خلفك
هو
سيط
(١) تفسير ابن جرير ج ١٤ ص ٢٣.

-٩٩ ~
فسواك فعدلك ، لنسألن هؤلاء المكذبين جميعا ، سؤال توبيخ وتقريع
وقبكيت، عما كانوا يعملونه فى الدنيا من أعمال قبيحة : وعما كانوا يقولونه
من أقوال فاسدة، ثم لننزان بهم جميعا العقوبة المناسبة لهم.
فالمقصود من هذه الآية الكريمة زيادة التسلية للرسول - صلى الله عليه
وسلم -- وتأكيد التهديد للمشركين .
ثم أمر - سبحانه - رسوله - صلى الله عليه وسلم- بأن يمضى فى طريقه،
وأن يجهر بدعوته وأن يعرض عن المشركين ، فقد كفاه - سبحانه - شرهم
فقال - تعالى -: فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين .
إنا كفيناك المستهزئين. الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون
وقوله («فاصدع .. )) من الصدع بمعنى الإظهار والاعلان . ومنه قولهم:
إصدع الصبح، إذا ظهر بعد ظلام الليل والصدبع الفجر لانصداعة أى
ظهوره . ويقال : صدع فلان بحجته ، إذا تكلم بها جهارا .
أى : فاجهر - أيها الرسول الكريم - بدعوتك، وبلغ ما أمر ذاك بتبليغه
علانية ، وأعرض عن سفاهات المشركين وسوء أدبهم.
قال عبد الله بن مسعود: مازال النبى - صلى الله عليه وسلم - مستخفيا
بدعوته حتى نزلت هذه الآية ، خرج هو وأصحابه وقوله « إنا كفيناك
المستهزئين)) تعليل للأمر بالجهر بالدعوة، بعد أن مكث - صلى الله عليه وسلم -
يدعو الناس إلى الاسلام سراثلاث سنين أو أكثر.
وقوله « كفيناك.)) من الكفاية. تقول: كفيت فلانا المؤنة إذا قوليتها
عنه، ولم تحوجه إليها . وتقول : كفيتك عدوك أى: كفيتك بأسه وشره.
والمراد بالمستهزئين : أكابر المشركين فى الكفر والعداوة والاستهزاء
بالرسول - صلى الله عليه وسلم -

- ١٠٠-
أى: إنا كفيناك الانتقام من المستهزئين بك وبدعوتك، وأر هناك
منهم، بإهلاكهم وذكر بعضهم أن المراد بهم خمسة من كبرائهم ، وهم: الوليد
ابن المغيرة ، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، والحارث بن
عيطل ، والعاص بن وائل: وقد أملكهم الله جميعا بمكة ، وكان هلا كهم العجيب
من أهم الصوارف لأتباعهم عن الاستهزاء بالنبى - صلى الله عليه وسلم -
قال الامام الرازى: وأعلم أن المفسرين قد اختلفوا فى عدد هؤلاء المستهزئين،
وفى أسمائهم، وفى كيفية طريق إستهزائهم ، ولا حاجة إلى شىء منها.
والقدر المعلوم أنهم طبقة لهم قوة وشوكة ورياسه، لأن أمثالهم هم الذين
يقدرون على إظهار مثل هذه السفاهة ، مع مثل رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - فى علو قدره، وعظم منصبه، ودل القرآن على أن الله - تعالى - أفناه
وأباده وأزال كيدهم ،(١) ،
ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المستهز ئين قد أضافوا إلى ذلك الشرك والكفر
فقال: (( والذين يجعلون مع الله إها آخر ، فى عباداتهم وفی عقيدتهم ،
((فسوف يعلمون، ما يترتب على ذلك فى الآخرة من عذاب شديد لهم،
بعد أن أهلكناهم فى الدنيا وقطعنا دابرهم.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بتسلية أخرى له - صلى الله عليه
وسلم -، وبإرشاده إلى ما يزيل ، همه. ويشرح صدره، فقال - تعالى -:
ولقد فعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين
واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)).
وضيق الصدر: كنايه عن كدر النفس، وتعرضها للهموم والأحزان .
أى: ولقد نعلم - أيها الرسول الكريم - أن أقوال المشركين الباطلة فيك
وفيما جئت به من عندنا، تحزن نفسك، وتكدر خاطرك .
(١) تفسير الفخر الرازى = ١٩ ص ٢١٥