النص المفهرس
صفحات 61-80
- ٦١ ـ ثم ختم - سبحانه - بيان جزائهم بقوله: « لا يمسهم فيها نصب وماهم منها مخر جين ». والنصب: التعب والإعياء . يقال: نصب الرجل قصبا - من باب طرب - إذا نزل به التعب والهم ويقال فلان فى عيش ناصب ، أى فيه كدوجهد . قال ابن كثير قوله - تعالى -: (( لايمسهم فيها نصب)، يعنى مثقه وأدى. كما جاء فى الصحيحين، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال، .. إن الله أمرنى أن أبشر خديجة ببيت فى الجنة من قصب لاصخب فيه ولا نصب)). وقوله ( وماهم منها بمخرجين ، - بل هم باقون فى الجنات بقاء سر مديا دائما لا ينقطع - كاجاء فى الحديث: يقال - لأهل الجنة - يا أهل الجنة: إن لكم أن تصحوا فلا تمرضوا أبدا، وإن لكم أن تعيشوا فلا نموقوا أبدا، وإن لكم أن تشبر أفلاتهرموا أبدا، وإن لكم أن تقيموا فلا تظعنوا أبدا.(!). فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على بشارات للمؤمنين الصادقين ، هذه البشارات مقرونة بالتعظيم ، خالية من الشوائب والأضرار، باقية لا انقطاع لها . أما البشارات فتراها فى قوله - تعالى - ((إن المتقين فى جنات وعيون)). وأما اقترانها بالتعظيم والتكريم، فتراه فى قوله - تعالى -: ((ادخلوها بسلام آمنين )) . وأما خلوها من الشوائب والأضرار، فراء فى قوله - تعالى -: «ونزعنا مافى صدورهم من غل إخوانا ... )). وأما بقاؤها واستمرأوها، فتراه فى قوله - تعالى -: وماهم منها بمخرجين )). (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٠٤٥٨ - ٦٢ - هذا، وشبيه بهذه الآيات قوله- تعالى -: «إن المتقين في جناتوعيون. آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محصنين .. ،(١). وقوله - تعالى - (ونزعنا ما فى صدورهم من غل تجرى من تحتهم الأنهار وقالوا الحمدة الذي هدانا لهذا، وماكنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ٠ ٠،(٢) وقوله - تعالى -: «وقاوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنالغفور شكور. الذى أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ، (٢). وقوله - تعالى -: ((إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا . خالدين فيها لا يبغون عنها حولا)، (٤). ثم بين - سبحانه - نماذج لمن شملتهم رحمته لإيمانهم وعملهم الصالح ، ولمن شملتهم نقمته لكفرهم وعملهم الطالح ، ومن هذه النماذج تبشيره لإبراهيم - وهو شيخ كبير - بغلام عليم، وإنجاؤه للوط ومن آمن معه من العذاب المهين، وإهلا كه المجرمين من قومه .. قال - تعالى -: (( أَى: عبادِى أنى أنا الغفورُ الرحيمُ (٤٩) وأنّ عذابى هو العذابُ الأليمُ (٥٠) ونَبَتْهُم عن ضَيفِ إبراهيمَ (٥١) إذ دخُلُوا عليه فقالوا سلاماً، قالَ إنَّ مِنكُ وَحِلُونَ (٥٢) قَالُوا لا تَوْجَلْ إنَّا نبشِّرك بغلامٍ عليمٍ (٥٣) قال أَبتْرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مسَِّىَ الكِبَرُ فَيِمَ تبشِّرُونِ (٥٤) قَالُوا بِشَّرْنَكَ بالحقِّ فِلاَ تَكُنْ من القاَنِطِنَ (٥٥) قَالَ ومَن يقنطُ من (١) سورة الذاريات الآيتان ٠١٦،١٥ (٢) سورة الأعراف الآية ٤٣. (٣) سورة فاطر الآيتان ٣٤، ٠٣٥ (٥) سورة الكهف الآيتان ٩٠٧، ٠١٠٩ رحمةٍ ربِّه إلا الضَّأَلُون (٥٦) قال فى خطب كم أيُّها المرسلون (٥٧) قالوا إِنَّا أُرْسِلْنَاَ إلى قومٍ مُجرِمينَ (٥٨) إلَّآلَ لوطٍ إنَّالمنجُوهُمْ أَجمينَ (٥٩) إلَّ امرَأَتَه قدَّرنا إِنْهَا لَمِنَ الغابرِينَ (٦٠). والخطاب فى قوله - تعالى - . «فى عبادى ... للرسول - صلى الله عليه وسلم ... والنبأ: الخبر العظيم. والمراد(( بعبادى)): المؤمنون منهم، والإضافة للنشريف. أى: أخبر - أيها الرسول الكريم - عبادى المؤمنين أنى أنا الله - تعالى - الكثير المغفرة لذنوبهم ، الواسع الرحمة لمسيتهم، وأخبرهم - أيضا - أن عذابى؟ هو العذاب الشديد الإيلام ، فعليهم أن يقدموا القول الطيب، والعمل الصالح، لكى يظفروا بمغفرفى ورحمتى، وينجو من عذابى ونقمتى. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد جمع فى هاتين الآيتين بين المغفرة والعذاب، وبين الرحمة والانتقام، وبين الوعد والوعيد، لبمان سنته - سبحانه - فى خلقه، ولكى يعيش المؤمن حياته بين الخوف والرجاء، فلا يقنط من رحمة الله، ولا يقصر فى أداء ما كلفه - سبحانه - به . وقدم - سبحان - فيأ الغفران والرحمة، على نبأ العذاب والانتقام، جريا على الأصل الذى ارتضته مشيئته، وهو أن رحمته سبقت غضبه، ومغفرته سبقت انتقامه . والضمير « أنا وهو، فى الآيتين الكريمتين، للفصل؛ لإفادة تأكيد الخبر ... قال الإمام الرازى ما ملخصه: وفى الآيتين الطائف : إحداها: أنه أضاف - سبحانه - العباد إلى نفسه بقوله ((عبادى، وهذا تشريف عظيم لهم ... وثانيها . أنه لما ذكر الرحمة والمغفرة بالغ فى التأكيد بألفاظ ثلاثة: - ٦٤ ٠٠٠ أولها: قوله (( إنى، وثانيها قوله (( أنا))، وثالثها. إدخال حرف الألف واللام على قوله ((الغفور الرحيم))، ولما ذكر العذاب لم يقل: إنى أنا المعذب ، بل قال (( وأن عذابٍ هو العذاب الأليم)). وثالثها : أنه أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يبلغ إليهم هذا المعنى، فكأنه أشهده على نفسه فى التزام المغفرة والرحمة . ورابعها: أنه لما قال (( فى عبادى، كان معناه نبىء كل من كان معترفا بعبودبتى، وإذا كما يدخل فيه المؤمن المطيع. فكذلك يدخل فيه المؤمن العاصى، وكل ذلك يدل على تغليب جانب الرحمة من الله - تعالى -،(١). وقال الآلوسي : وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال: إن الله - تعالى - خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة ، فأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة ، وأرسل فى خلقه كلهم رحمة واحدة فلو يعلم الكافر كل الذى عنده من رحمة لم ييأس من الرحمة ، ولو يعلم المؤمن بكل الذى عند الله - تعالى - من العذاب، لم يأمن من النار)). وأخرج عبد بن حميد وجماعة عن قتادة أنه قال فى الآية: بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائى: «لو يعلم العبد قدر عفو الله - تعالى - لما تورع من حرام , ولو يعلم قدر عذابه لبخع نفسه, (٢). وقوله - سبحانه - دونبثهم عن ضيف إبراهيم ... ، معطوف على قوله قبل ذلك دخيره عبادى .... قال الجمل: وأصل الضيف: الميلى، يقال أضفت إلى كذا. اذا ملت إليه والضيف: من مال إليك نزولا بك، وصارت الضيافة متعارفة فى القرى. وأصل (١) تفسير الفخر الرازى ج ١٩ ص ٩٥٪ (٢) تفسير الآلوسى جـ ١٤ ص ٥٥ ٠ : الضيف مصدر ، ولذلك أستوى فيه الواحد والجمع فى غالب كلامهم وقد يجمع فيقال أضياف وضيوف ... )،(١) والمراد بضيف إبراهيم هنا : الملائكة الذين نزلوا عندد ضيوفاً فى صوره بشرية ، وبشروه بغلام عليم، ثم أخبروه بأنهم أرسلوا إلى قوم لوط لإهلاكهم ... ثم فصل - سبحانه - ما دار بين إبراهيم وضيوفه فقال: (( إذا دخلوا عليه فقالوا سلاما ... والظرف (( إذ، منصوب على أنه مفعول به لفعل مقدر. أى: ونبثهم - أيضا - أيها الرسول الكريم - عن ضيف إبراهيم: وقت أن دخلوا عليه، فقالوا له على سبيل الدعاء أو التحيه «سلاما، أى .. سلمت سلاما . أو سلمنا سلام !. فلفظ « سلاما ، منصوب بفعل محذوف . وقوله - سبحانه - ((قال إنا منكم وجنون)) بيان لما رد به إبراهيم - عليه السلام - على الملائكه . و («وجلون، جمع وجل، والوجل: اضطراب يسترى النفس لتوقع حدوث مكروه. يقال: وجل الرجل وجلا فهو وجل إذا خاف . أى: قال لهم إبراهيم بعد أن دخلوا عليه وبادروة بالتحية إنا منكم خائفون. وقال «إنا معكم .... بصيغة الجمع، لأنه قصد أن الخوف منهم قد اعتراه هو، واعترى أهله معه. وكان من أسباب خوفه منهم، أنهم دخلوا عليه بدون إذن، وفى غير وقت الزيارة وبدون معرفة سابقة لهم، وأنهم لم يأكلوا من الطعام الذى قدمه إليهم ... هذا، وقد ذكر - سبحانه - فى سورة الذاريات أنه ود عليهم السلام (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٠٥٤٨ (٥ - سورة أحمي) - ١١ - فقال - تعالى - «هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين. إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما، قال سلام قوم منكرون))(١). كما بين - سبحانه - فى سورة هود أن من أسباب خوفه منهم، عدم أكلهم من طعامه: قال - تعالى -: ((فلما رأى أيديهم لا تصل إليه - أى إلى طعامه - تكرم وأوجس منهم خيفة ... )، (١). ثم حكى - سبحانه - ما قالته الملائكه لإدخال الطمأنينة على قلب إبراهيم فقال - تعالى -: ((قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم)). أى: قالت الملائكة لا براهيم على سبيل البشارة وإدخال السرور على قلبه : لا تخف منا يا إبراهيم ، إنا جئنا إليك لنبشرك بغلام ذى على كثير بشريعة الله - تعالى - وبأوامره ونواهيه، وهو إسحق - عليه السلام -. وجملة (« إنا نبشرك .. ، مستأنفة لتعليل النهى عن الوجل. وقد حكى - سبحانه - هنا أن البشارة كانت له ، وفى سورة هود أن البشارة كانت لامر أته، ومعنى ذلك أنها كانت لهما معا، إما فى وقت واحد ، وإما فى وقتين متقاربين بأن بشروه هو أولا، ثم جاءت امرأته بعد ذلك فبشروها أيضا -، ويشهد لذلك قوله - تعالى -,وامر أته قائمة فضحك: فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب ... )). ثم حكى - سبحانه - ماقاله إبراهيم للملائكة بعد أن بشروه بهذا الغلام العليم ، فقال - تعالى - ((قال أبشر تمونى على أن منى الكهر فيم تبشرون»(٣). والاستفهام للتعجيب. كأنه تعجب من أن يرزقه الله - تعالى - بغلام عليم بعد أن مه الكهر ، وبلغ سن الشيخوخة . ودعلى، بمعنى مع، والمس: اتصال شىء بآخر على وجه الاحساس والاصابة. أى: قال إبراهيم للملائكة ، بعد أن بشروه بالولد، أبشر تمونى بذلك مع أن الكبر قد أصابنى، والشيخوخة قد اعترآنى فبأى شىء عجيب قدبشر تمونى (١) الآيات ٢٤، ٢٥ (٣) سورة هود الآية ٧١ (٢) الآية ٧٠ - ٦٧ ٠٠ . وتعجب إبراهيم إنما هو من كمال قدرة الله - تعالى - ونفاذ أمره، حيث وهبه هذا الغلام فى تلك السن المتقدمة بالنسبة له ولامر أته، والتى جرت العادة أن لا يكون معها إنجاب الأولاد. وقد حكى القرآن هذا التعجب على لسان امرأة إبراهيم فى قوله - تعالى - قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلى شيخا، إن هذا لشىء عجيب .. ))(٢). قال الامام الرازى ما ملخصه : والسبب فى هذا الاستفهام أن العادة جارية بأنه لا يحصل الولد حال الشيخوخة التامة ... وهناك جواب آخر، وهو أن الانسان إذا كان عظيم الرغبة فى شىء ، وفاته الوقت الذى يغلب على ظنه حصول ذلك المراد فيه، فإذا بشر بعد ذلك بحصوله ازداد فرحه وسروره، ويصير ذلك الفرح القوى كالمدهش له وربما يجعله هذا الفرح يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرة أخرى، طلبا الالتذاذ :سماعها .... (٣). وقوله - سبحانه - قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين)). أى : قال الملائكة لابراهيم لزيادة اطمئنانه، ولتأكيد بشارته بالغلام العليم : يا إبراهيم إنا بشرفاك بالأمر المحقق الوقوع، وباليقين الذى لا خلف معه، وهو أن الله - تعالى - سيهبك الولد مع تقدم منك وسن زوجك، فلا تكن من الآيسين من رحمة الله - تعالى - ، فان قدرته - عز وجل- لا يعجز ها شىء . وهنا دفع إبراهيم - عليه السلام - عن نفسه رذيلة اليأس من رحمة الله. فقال على سبيل الافكار والنفى ((ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون، أى: أنا ليس فى قنوط أو يأس (ن رحمة الله، لأنه لا ييأس من رحمة الله-تعالى- إلا القوم الضالون عن طريق الحق والصواب ، الذين لا يعرفون سعة رحمته (١) سورة هود الآية ٧١ (٣) تقسير الفخر الرازى - ١٩ ص١٩٧ . ٦٨٠ = - تعالى - ، ونفاذ قدرته، ولكن هذه البشارة العظيمة - مع تقدم سنى وسن زوجى - هى التى جعلتنى - من شدة الفرح والسرور -، أعجب من كمال قدرة الله - تعالى -، ومن جزيل عطائه، ومن سابغ مننه ، حيث رزقنى الولد فى هذه السن التى جرت العادة بأن لا يكون معها إنجاب أولاده. تم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما قاله إبراهيم للملائكة، بعد أن اطمأن إليهم، فقال: (( قال فما خطبكم أيها المرسلون)). والخطب: مصدر خطب يخطب ، ومنه قولهم: هذا خطب يسير، وخطب جلل، وجمعه خطوب، وخصه بعضهم بما له خطر من الأمور. وأصله الأمر العظيم الذى يكثر فيه التخاطب ويخطب له . أى: قال إبراهيم - عليه السلام - للملائكة على سبيل الاستيضاح بالتفصيل عن سبب مجيئهم : فما شأنكم الخطير الذي من أجله جئتم إلينا سوى هذه البشارة . وكأنه قد فهم أن مجيتهم إليه ليس لمجرد البشارة ، بل من وراء البشارة أمر آخر جاؤا من أجله . وهنا بادرة الملائكة بقولهم - كما حكى القرآن عنهم - «قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمین» . أى: قالوا له إنا أرسلنا - بأمر الله - تعالى - إلى قوم شأنهم الاجرام)) ودأبهم الفجور، والمراد بهم قوم لوط - عليه السلام - وكانوا يسكنون مدينة « سدوم، بمنطقة وادى الأردن وقوله (( إلا آل لوط إنا لمنجوم أجمعين)» استثناء من القوم المجرمين ، الذين أرسل الملائكة لاهلاكهم. والمراد بآل لوط: أتباعه الذين آمنوا به وصدقوه, ولم يشاركواقومهم فى كفرهم وشذوذهم . أى: إنا أرسلنا إلى قوم لوط لاهلا كهم ، إلا من آمن منهم فإنا لمنجوم أجمعين . - ٦٩ - وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال: فإن قلت . قوله - تعالى - ((إلا آل لوط، استثناء متصل أم منقطع؟ قلت : لا يخلو من أن يكون استثناء من قوم فيكون منقطعا، لأن القوم موصوفون بالاجرام فاختلف لذلك الجنسان، وأن يكون استثباء من الضمير فى ((مجرمين)) فيكون متصلا، كأنه قيل: قد أزسلنا إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط وحدهم ، كما قال: « فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين)) فإن قلت : فهل يختلف المعنى لاختلاف الاستثناءين ؟ قلت: نعم، وذلك أن آل لوط مخرجون فى المنقطع من حكم الإرسال، وعلى أنهم أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصة، ولم يرسلوا إلى آل لوط أصلا ... كأنه قيل: إنا أهلكنا قوما مجرمين : ولكن آل لوط أنجيناهم. وأما فى المتصل ، فهم داخلون فى حكم الإرسال، وعلى أن الملائكة أرسلوا إليهم جميعا ليهلكوا هؤلاء، وينجو هؤلاء، فلا يكون الإرسال مخلصا بمعنى الإهلاك والتعذيب كما فى الوجه الأول)(١) ... وقوله - سبحانه - ((إلا امرأته قدرنا إنها لمن العابرين)) استثناء من الضمير فى (لمنجوم)، إخراجالها من التنجية. أى: إلا امرأة لوط .. عليه السلام - فليست ممن سفنجيه، بل هى ممن سنهلكه مع القوم المجرمين . ومعنى ( قدرنا ): قضينا وحكنا . والغابر: الباقى. يقال غير الشىء غبوراً إذا بقى وأصله من الغبرة وهى بقية اللبن فى الضرع . وقد يستعمل فى الماضى فيكون هذا اللفظ من الأضداد، ونسب الملائكة التقدير إليهم فقالوا ( إلا امرأته قدرنا ... ) مع أنه فعل الله - تعالى -، ما لهم من الزافى عنده - سبحانه-، ولأنهم ما أرسلوا لإهلاك المجرمين وإنجاء المؤمنين إلا بأمره. (١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٣٩٣ - ٧٠ - قال الآلوسي ما ملخصه: والظاهر أن قوله - تعالى - ( إلا امر أته قدرنا ... ) من كلام الملائكة، وأسندوا التقدير إلى أنفسهم - وهو فعل الله - سبحانه -، لما لهم من القرب والاختصاص، وهذا كما يقول أحد حاشية السلطان: أمرنا بكذا .. والآمر فى الحقيقة هو السلطان. وقيل. - ولايخفى بعده - هو من كلام الله - تعالى - فلا يحتاج إلى تأويل، وكدا لايحتاج إلى تأويل إذا أريد بالتقدير العلم . قال بعض العلماء: وفى هذه الآية الكريمة دليل واضح لما حققه علماء الأصول من جواز الاستثناء من الاستقناء، لأنه - تعالى - استثنى آل لوط من إهلاك المجرمين بقوله (إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين ) ثم استثنى من هذا الاستثناء امرأة لوط بقوله ( إلا امرأته قدرنا أنها لمن العابرين)(١). وبهذا نرى أن الآيات الكريمة قد حكمت لنا بأسلوب بليغ حكيم ، مادار بين إبراهيم وبين الملائكة الذين جاءوا لتبشيره بغلام عليم، وإخبار، بإهلاك القوم المجرمين ، وهم قوم لوط - عليه السلام - .. ثم حكت السورة بعد ذلك مادار بينهم وبين اوط - عليه السلام - بعد أن جاءوا إليه، ومادار بين لوط - عليه السلام - وبين قومه المجرمين من مجادلات ومحاورات، وماحل هؤلاء المجرمين من عذاب جعل أعلى مدينتهم أسفلها ... فقال - تعالى -: فلمَّا جاءَ آلَ لوظِ المرسَلُونَ (٦١) قالَ إِنكُم قومٌ مُنكَرون (٦٢) قالوا جئناك بما كانُوا فِيه ◌ِمْتَرُونَ (٦٣) وأَتَيْنَاكَ بالحقِّ وإنَّا لصادِقُونَ (٦٤) فأسْرٍ بأهلِكَ بِقِطْع من الَّيلِ وَاتَّبِعِ أَدْبَرَمٍ، ولا يلتفِتْ مِنْكُم أحدٌ، وامضُوا حيثُ تُؤْمَرون (٦٥) وقَضَيْنا إليه ذلكَ الأمر أنَّ دابرَ هؤلاء مقطوعٌ مُصبِحِين (٦٦) وجاء أهلُ المدينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قالَ إنَّ (١) تفسير (أضواء البيان) ج ٤ ص ١٥٥ للشيخ محمد الأمين الشنقيطى. - ٧١ - هؤلاء ضَيْفِى فَلاَ تَفْضَحون (٦٨) واتّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أوَ لَمْ نَنْهَكَ عن العالَمِينَ (٧٠) قالَ هؤلاء بناَ فِى إن كثُم فاعلينَ (٧١) لعمركَ إنّهم لِفِى سَكْرَتِهِمٍ يَعْهُون (٧٢) فأخذتُهم الصَّيحةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فجَعَلْنَاَ عالِيهاَ سافِلَهَا وأَطَرْنَا عليهِمْ حِجَارةً من سِجِيلٍ (٧٤). قال الآلوسي: وقوله - تعالى -: ( فلما جاء آل لوط المرسلون) شروع فى بيان إهلاك المجرمين ، وتنجية آل لوط . ووضع الظاهر موضع الضمير، للابذان بأن مجيئهم لتحقيق ما أرسلوا به من ذلك)(1) ... والآية الكريمة معطوفة على كلام محذوف يفهم من السياق والتقدير : وخرج الملائكة من عند إبراهيم - بعد أن بشروه بغلامه وبعد أن أخبروه بوجهتهم - فانجهوا إلى المدينة التى يسكنها لوط - عليه السلام - وقومه، فلما دخلوا عليه قال لهم : ( إنكم قوم منكرون). أى: إنكم قوم غير معروفين لى، لأنى لم يسبق لى أن رأيتكم، ولا أدرى من أى الأقوام أنتم ، ولا أعرف الغرض الذى من أجله أتيتم، وإن نفسى ليساورها الخوف والقلق من وجودكم عندى ... ويبدو أن لوطا - عليه السلام - قد قال لهم هذا الكلام بضيق نفس، لأنه يعرف شذوذ المجرمين من قومه، ويخشى أن يعدوا بوجود هؤلاء الضيوف أصحاب الوجوه الجميلة عنده، فيدوا عليهم دون أن يملك الدفاع عنهم ... وقد صرح القرآن الكريم بهذا الضيق النفسى ، الذى اعترى لوطابسبب وجود هؤلاء الضيوف عنده، ومن ذلك قوله - تعالى -: «ولما جاءت وسلنا لوطا سىء بهم وضاق بهم ذرعا، وقال هذا يوم عصيب،(١) (١) تفسير الآلوسي ج ١٤ ص ٦٢ (٢) سورة هود الآية ٧٧ - ٧٢ = وقال - سبحانه -: ((فلما جاء آل لوط المرسلون، مع أن المجىء كان للوط - عليه السلام - والخطاب كان معه ، تشريفا وتكريما للمؤمنين من قوم لوط ، فكأنهم كانوا حاضرين ومشاهدين لوجود الملائكة بينهم، ولما دار بينهم وبين لوط - عليه السلام - وقوله - سبحانه -: ، قالوا بل جئناك بما كانرا فيه يمترون. وأتيناك بالحق وإنا الصادقون)،، حكاية مارد به الملائكة على لوط ، لكى يزيلوا ضيقه بهم، وكراهيته لموجودهم عنده . وقوله («يمترون) من الامتراء، وهو الشك الذى يدفع الإنسان إلى المجادلة المبنية على الأوهام لا على الحقائق . وهو - كما يقول الامام الفخر الرازى - مأخوذ من قول العرب: مريت الناقة والشاة إذا أردت حلبها ، فكأن الشاك يجتذب بشكه مراء، كاللبن الذى يجتذب عند الحلب . يقال: قد مارى فلان فلانا، إذا جاء له كأنه يستخرج غضبه،(١) أى: قال الملائكة نلوط لادخال الطمأنينة على نفسه: يا لوط نحن ماجئنا لإزعاجك أو إساءتك ، وإنما جئناك بأمر كان المجرمون من قومك ، يشكون فى وقوعه ، وهو العذاب الذى كنت تحذرهم منه إذا ما استمروا فى كفرهم وجورهم ... وإنا ما أتيناك إلا بالأمر، الثابت المحقق الذى لامرية فيه ولا تردد، وهو إهلاك هؤلاء المجرمين من قومك، وإنا لصادقون فى كل ما قلناه لك، وأخبر فاك به، فكن آمنا مطمئنا. فالاضراب فى قوله (( قالوا بل جئناك ... )، إنما هو لازالة ما وقر فى قلب لوط - عليه السلام - تجاه الملائكه من وساوس وهواجس. (١) تفسير الفخر الرازى حـ ٨ ص ٠٨٠ - ٧٣ - فكانهم قالوا له: نحن ما جئناك بشىء منكره أو تخافه .. وإنما جئناك بما يسرك ويشفى غليلك، من هؤلاء القوم المنكوسين. وعبر عن العذاب بقوله (( بما كانوا فيه يمترون، زيادة فى إدخال الأنس على نفسه , وتحقيقا لوفوع العذاب بهم. وقوله ((وأتيناك بالحق وإنا لصادقون)، تأكيد على تأكيد. وهذه التأكيدات المتعددة والمتنوعة تشعر بأن لوطا - عليه السلام - كان فى غايه الهم والكرب مجىء الملائكة إليه بهذه الصورة التى تغرى المجرمين بهم دون أن يملك حمايتهم أو الدفاع عنهم. إذا كانت هذه التأكيدات عن الملائكه له فى أسمى درجات البلاغة، حتى يزول خوفه، ويزداد اطمئنانه إليهم، قبل أن يخبروه بما أمرهم الله - تعالى - بإخناره به، وهو قوله - تعالى - فأسر بأهلك بقطع من الليل. واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد، وامضوا حيث تؤمرون)). قال القرطبى: قوله (( فأسر .. ، قرى. فاسر وقرىء فأسر، بوصل الهمزة وقطعها لفتان فصيحتان ، قال - تعالى - ((والليل إذا يسر .. )) وقال: ((سبحان الذي أسرى بعبده ليلا .... وقيل : فأسر تقال لمن سار من أول الليل .. وسرى أن سار فى آخره، ولا يقال نی النهار إلا سار ،(١). وقوله ((بقطع من الليل.، أى: بجزء من الليل. والمر دالجزء الأخير منه أى: قال الملائكة للوط - عليه السلام - بعد أن أز الواخوفه منه: بلوط إنا نأمرك - بإذن الله تعالى - أن تخرج من هذه المدينة يتى تسكنها مع قومك وأن يخرج معك أتباعك المؤمنون، وليكن خروجكم فى الجزء الأخير من الليل وقوله («واتبع أدبارهم، أى: وكن وراءهٍ لتطلع عليهم وعلى أحوالهم. (١) تفسير القرطبي < ٩ ص ١٧٩ ٥- ٧٤ - قال الامام ابن كثير: يذكر الله - تعالى - عن الملائكة أنهم أمروا لوطا أن يسرى بأهله بعد مضى جانب من الليل ، وأن يكون لوط - عليه السلام - يمشى وراءهم ليكون أحفظ لهم . وهكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يعمشى فى الغزامنا كان يكون ساقة، يزجى الضعيف، وبحمل المنقطع)، (١). رقوله (( ولا يلتفت منكم أحد)، أى: ولا يلتفت منكم أحد أيها المؤمنون - خلفه، حتى لا يرى العذاب المروع النازل بالمجرمين. وإنما امرهم - سبحانه - بعدم الالتفات إلى الخلف، لأن من عادة التارك لوطنه ، أن يلتفت إليه عند مغادرته ، كأنه يودعه . قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما معنى أمره باتباع أدبارهم ونريهم عن الالتفات ؟ قلت: قد بعث الله الهلاك على قوم لوط، ونجاه وأهله إجابة لدعوته عليهم وخرج مهاجرا فلم يكن له بد من الاجتهاد فى شكر الله، وإدامة ذكره وتفريغ باله لذلك، فأمر بأن يقدِّمهم لئلا يشتغل بمن خلفه قلبه، وليكون مطلعا عليهم وعلى أحوالهم ، فلا تفرط منهم انتفاته احتشاما منه ولا غيرها من الهفوات فى تلك الحال المهولة المحذورة، ولثلا يتخلف منهم أحد لغرض له فيصيبه العذاب ، وليكون مسيره مسير أطارب الذى يقدم سربه ويفوت به. ونهوا عن الالتفات لئلا يروا ما ينزل بقومهم من العذاب فيرقوا له ، وليوطنوا نفوسهم على المهاجرة، ويمضوا قدما غير ملتفتين إلى ما وراءهم، كالذى يتحدر على مفارقة وطنه ... أو جعل النهى عن الالتفات ، كناية عن مواصلة السير، وترك التوانى والتوقف ، لأن من يتلفت لا بد له فى ذلك من أدنى وقفة))(٢). (١) تفسير ابن كثير حـ١ ص ٠٤٥٩ (٢) تفسير الكشاف - ٢ ص ٠٢٩٥ - ٧٥ -٠ وقوله ((واعضوا حيث قؤمرون)) إرشاد من الملائكة للوط - عليه السلام - إلى الجهة التى أمره الله - تعالى - بالتوجه إليها. أى: وأمضوا فى سيركم إلى الجهة التى أمركم الله - تعالى - بالسير إليها، مبتعدين عن ديار القوم المجرمين ، تصحبكم رعاية الله وحمايته. قيل: أمروا بالتوجه إلى بلاد الشام، وقيل إلى الأردن ، وقيل إلى مصر. ولم يرد حديث صحيح يحدد الجهة التى أمروا بالتوجه إليها، ولكن الذى نعتقده أنهم ذهبوا بأمر الله - تعالى - إلى مكان آخر، أهله لم يعملوا ما كان يعمله العادون من قوم لوط - عليه السلام -. وقوله - سبحانه - «وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين ، بيان لجانب آخر من جوانب الرعاية والتكريم لوطعليه السلام. وعدى (( قضينا ، بإلى، لتضمنة معنى أو حينا. والمراد بذلك الأمر : إهلاك الكافرين من قوم لوط - عليه السلام-، وجملة (( أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين، مفسرة ومبينة لذلك الأمر . وعبر عن عذابهم وإهلاكهم بالإبهام أولا . ثم بالتفسير والتوضيح ثانيا، للإشعار بأنه عذاب هائل شديد. ودابرهم : أى آخرهم الذى يدبرهم . يقال : فلان دبر القوم يدبرهم دبورا إذا كان آخرهم فى المجى .. والمراد أنهم استوصلوا بالعذاب استصالا. وقوله «مصبحين، أى: داخلين فى الصباح، مأخوذ من أصبح التامة، وصيغة أفعل تأتى للدخول فى الشىء، نحو أنجد واتهم ، أن: دخل فى بلاد نجد وفى بلاد تهامه، وهو حال من اسم الإشارة هؤلاء، والعامل فيه معنى الإضافة . والمعنى: وقضينا الأمر بإبادتهم، وأوحينا إلى نبينا لوط عليه السلام. أن آخر هؤلاء المجرمين مقطوع ومستأصل ومملك مع دخول وقت الصباح . - ٧٦ - وفى هذا التعبير من فيه من الدلالة على أن العذاب سيمحقهم جميعا، بحيث لا يبقى منهم أحدا، لا من كبيرهم ولا من صغيرهم، ولا من أولهم ولا من آخرهم . ثم حكى - سبحانه - ما حدث من القوم المجرمين ، بعد أن تسامعوا بأن فى بيت لوط عليه السلام - شيانا فيهم جمال ووضاءة فقال - تعالى - , وجاء أهل المدينة يستبشرون)). والمراد بأهل المدينة : أهل مدينة سدوم التى كان يسكنها لوط وقومه. ويستبشرون : أى يبشر بعضهم بعضا بأن هناك شبانا فى بيت لوط . .. عليه السلام - ، من الاستبشار وهو إظهار الفرح والسرور. وهذا التعبير الذى صورفه الآية الكريمة ، يدل دلالة واضحة على أن القوم قد وصلوا إلى الدرك الأسفل من الانتكاس والشذوذ وانعدام الحياء ... إنهم لا يأتون لارتكاب المنكر فردا أو أفرادا، وإنما يأتون جميعا - أهل المدينة - وفى فرح وسرور، وفى الجهر والعلانية، لا فى الحر والخفاء ... ولأى غرض يأتون؟ إنهم يأتون لارتكاب الفاحشة التى لم بسبقهم اليها أحد من العالمين . وهكذا النفوس عندما ترتكس وتنتكس ، تصل فى مجاهرتها بإتيان الفواحش، إلى ما لم تصل اليه بعض الحيوانات ... ويقف لوطا - عليه السلام - أمام شذوذ قومه مغيظا مكروبا، يحاول أن يدفع عن ضيفه شرورهم، كما يحاول أن يحرك فيهم ذرة من الآدميه فيقول لهم: ((إن هؤلاء ضيفى فلا تفضحون)، وتفضحون: من الفضح والفضيحة . يقال فضح فلان فلافا فضحا وفضيحة ، إذا اظهر من أمره ما يلزمه العار بسببه . أى: قال لوط - عليه السلام - لمن جاؤا يهرعون اليه من قومه لارتكاب الفاحشة مع ضيوفه : يا قوم إن هؤلاء الموجودين عندى ضيوفى الذين يلزمنى حمايتهم ، فابتعدوا عن دارى وعودوا إلى دياركم، ولا تفضحون عندهم بتعرضكم لهم بالفاحشة فأهون فى نظرهم، لعجزى عن حمايتهم، وأنتم تعلمون أن كرامة الضيف جزء من كرامه مضيفه ... وعبر لوط - عليه السلام - عن الملائكة بالضيف لأنه لم يكن قد علم أنهم ملائكة ولأنهم قد جاؤا اليه فى هيئه الآدميين . ثم أضافه لوط - عليه السلام - إلى رجاء قومه رجاء آخر ، حيث ذكرهم بتقوى الله فقال: ((واتقوا الله ولا تخزون)). أى: وأتقوا الله وصولوا أنفسكم عن عذابه وغضبه، ولا تخزون مع صنیفی، وقذلونى وتهيغو فى أمامهم . يقال: خَزِىَ الرجا يخزى خزيا وخزَى، إذا وقع فى مصيبة فدل لذلك ولكن هذه النصائح الحكيمه من لوط - عليه السلام - لقومه، لم تجد أذنا صاغية، بل قابلوها بسوء الأدب معه، وبالتطاول عليه، بشان الطغاة الفجرة ( قالوا أو لم تنتهك عن العالمين) والاستفهام للافكار . ولواو للعطف على محذوف، والعالمين : جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله - تعالى - والمراد بالعالمين هنا: الرجال الذين كانوا يأتون معهم الفاحشة من دون النساء . أى: قال قوم لوط له بوقاحة وسوء أدب . أو لم يسبق لنا يالوط أننا نهيناك عن أن تحول بينناوبين من تريد إرتكاب الفاحشة معه من الرجال، وإذا كان الأمر كذلك فكيف ساغ لك بعد هذا النهى أن تمنعنا عما نريده من ضيوفے وأنت تعلم ما نريده منهم ؟ ولكن لوطا - عليه السلام - مع شناعة قولهم هذا ، لم ييأس من محاولة منعهم عما يريدونه من ضيوفه، فأخذ يرشدهم إلى ماتدعو إليه الفطرة السليمة فقال: « هؤلاء بناتى إن كنتم فاعلين : - ٧٨ - والمراد ببناته منا: زوجانهم ونساؤهم اللائى يصلحن الزواج. وأضافهن إلى نفسه لأن كل فى أب لأمته من حيث الشفقة والرعاية وحسن التربية . قال إبن كثير ما ملخصه: يرشد لوطا - عليه السلام -قومه إلى نسائهم فإن النبى للأمة بمنزلة الوالد، فأرشدهم إلى ماهو أنفع لهم، كما قال - تعالى - فى آية أخرى: أقاتون الذكر ان من العالمين. وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون )) .... (١) وقيل المراد بينانه هنا: بناته من صلبه، وأنه عرض عليهم الزواج بهن ويضعف هذا الرأى أن لوطا - عليه السلام - كان له بنتان أو ثلاثة كما جاء فى بعض الروايات، وعدد المتدافعين من قومه إلى بيته كان كثيرا، كما يرشد اليه قوله - تعالى - ((وجاء أهل المدينة يستبشرون، فكيف تكفهم بنتأن أو ثلاثة للزواج بهن؟ قال الإمام الرازى فى ترجيح الرأى الأول ما ملخصه: ((وهذا القول عندى هو المختار ، ويدل عليه وجوه منها: أنه قال هؤلاء بناتى ... وبناته اللاتى من صلبه لا تكفى هذا الجمع العظيم ، أما نساء أمته ففيهن كفاية للكل ومنها: أنه محت الرواية أنه كان له بنتان وهما: ((زنتا وزاعورا)، وإطلاق لفظ البنات على البنتين لا يجوز، لما ثبت أن أقل الجمع ثلاثة)، (١) والمعنى: أن لوطا - عليه السلام - لما رأى هيجان قومه، وإصرارهم على إرتكاب الفاحشة مع ضيوفه، قال لهم على سبيل الإرشاد إلى ما يشبع الفطرة السليمة : ياقوم هؤلاء نساؤكم اللاتى من بمنزله بناقى، فاقضوا معهن شهوتكم إن كنتم فاعلين، لما أرشدكم اليه من توجيهات وآداب. وعبر بإن فى قوله ((إن كنتم فاعلين) لشكه فى إستجابتهم لما يدعوهم اليه فكأنه يقول لهم : إن كنتم فاعلين لما أطلبه منكم، وما أظنكم تفعلو نهلانتكاس فطرتكم ، وإنقلاب أمزجتكم :.. (١) تفسیر إبن کثیر < ٤ ص ٢٦٨ (٢) تفسير الفخر الرازى حـ ١٨ ص ٢٢ - ٧٩ - وجواب الشرط محذوف، أى : إن كنتم فاعلين ما أرشدكم اليه فهو خير لكم وقوله - سبحانه -: « لعمرك إنهم لفی سکر تهم يعمهون )) يرى جمهور المفسرين أنه كلام معترض بين أجزاء قصة لوط - عليه السلام ، مع قومه، لبيان أن الموعظة لاتجدى مع الفوم الغاوين، ولتسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من سفهاء قومه. فالخطاب فيه النبى - صلى الله عليه وسلم - واللام فى ((لعمرك، لام الفسم، والمقسم به حياته - صلى الله عليه وسلم - والعمر - بفتح العين - لغة فى العمر - بضمها، ومعناهما: مدة حياة الإنسان وبقائه فى هذه الدنيا، إلا أنهم الزموا مفتوح العين فى القسم ، وهو مبتدأ وخبره محذوف وجوبا والتقدير لعمرك قسمى أو يمينى. والسكرة: ذهاب العقل، مأخوذة من السكر - بنمح العين وإسكان المكاف - وهو السد والإغلاق . وأطلقت هنا على الغواية والضلاله لإزالتهما الرشد والهداية و ((يعمهون)) من العمه بمعنى التحير والتردد فى الأمر. وهو للبصيرة بمنزله العمى للبصر . يقال: عمه فلان - كفرح - عمها، إذا تردد وتحير، فهو عمه وعامه ، وهم عبون وعمہ - کر کع - والمعنى: بحق حياتك - أيها الرسول الكريم - إن هؤلاء المكذبين لك، افى غفلتهم وغوايتهم يترددون ويتحيرون، شأنهم فى ذلك شأن الضالين من قبلهم كقوم لوط وقوم شعيب وقوم صالح، وغيرهم من المتكبرين فى الأرض بغير الحق .. قال الألوسى: وقوله (( لعمرك، قسم من الله - تعالى - بعمر نبينا - صلى اللّه عليه وسلم - على ما عليه جمهور المفسرين. وأخرج البيهقى فى الدلائل، وأبو نعيم وإبن مردويه وغيرهم عن إبن عباس - رضى الله عنهما - قال: ما خلق الله - تعالى - وما ذرأ وما برأ نفسا أكرم عليه من محمد - صلى الله = ٨٠ - عليه وسلم - وما سمعت الله - تعالى - أقسم بحياة أحد غيره، ذل - تعالى -: ( لعمرك أنهم !فى سكرتهم يعمهون، وقيل هو قسم من الملائكة بعمر لوط - عليه السلام - ، وهو مع مخالفته المأثور محتاج لتقدير القول، أى . قالت الملائكة للوط - عليه السلام - لعمرك .. وهو خلاف الأصل وإن كان سياق القصة شاهدا له وقرينة عليه ((.))(١) ثم ختم - سبحانه - القصة بيان النهاية الآليمه لهؤلاء المفسدين من قوم لوط فقال - تعالى -،فأخذتهم الصيحة •شرقين. جعلنا عاليها سافلها و مطر ناعليهم حجارة من سجيل » والصيحة: من الصياح وهو الصوت الشديد. يقال: صاح فلان إذا رفع صوته بشدة. وأصل ذلك تثدقيق الصوت من قولهم: انصاح الخشب أو الثوب، إذا إنشق فسمع منه صوت. قالوا: وكل شىء أهلك به قوم فهو صيحة وصاعقة . (( مشرقين،: اسم فاعل من أشرقوا إذا دخلوا فى وقت شروق الشمس، أى: أن الله - تعالى - بعد أن أخبرلوطا - عليه السلام - بإهلاك قومه، وأمره عن طريق الملائكة - بالخروج ومعه المؤمنون من هذه المدينة .. جاءت الصيحة الهائلة من السماء فأهلكتهم جميعاً وهم داخلون فى وقت شروق الشمس. وقال - سبحانه - قبل ذلك: « وقضينا إليه ذلك الأمر أن دار هؤلاء مقطوع مصيحين)) وقال هنا فأخذتهم الصيحة مشرقين، للإشارة إلى أن إبتداء عذابهم كان عند الصباح وإنتهاءه بإستئصال شأفتهم كان مخ وقت الشرق . والضمير فىقوله (( عاليها وسافلها، يعود إلى المدينة التى كان يسكنها المجرمون من قوم لوط . أى: جعلنا بقدرتنا على هذه المدينة سافلها، بأن قلبناها قلبا كاملا (١) تفسير الألوسى حـ ١٤ ص ٦٦