النص المفهرس

صفحات 41-60

- ٤١ ٣
والسبب فيه أن أهل الحق فى كل زمان يكونون قليلين . وأهل الباطل
يكونون كثيرين .
والظلمة والفسقة يكونون متعاونين متعاضدين، فلهذه الأسباب قدروا
على هذه السفاهة» (١) :
والتعبير بقوله - سبحانه - ((أو لتعودن فى ملتنا، يفيد بظاهره أن
الرسل كانوا على ملة الكافرين ثم تركوها ، فإن العود معناه : الرجوع إلى
الشىء بعد مفارقته. وهذا محال ، فإن الأنبياء معصومون - حتى قبل النبوة -
عن إرتكاب الكبائر، فضلا عن الشرك .
وقد أجيب عن ذلك بإجابات منها :
أن الخطاب وإن كان فى الظاهر مع الرسل ، إلا أن المقصود به أتباعهم
المؤمنون ، الذين كانوا قبل الإيمان بالرسل على دين أقوامهم ، فكأنهم
يقولون هؤلاء الأتباع: لقد كنتم على ملتنا ثم تركتموها، فإما أن تعودوا
إليها وإما أن تخرجوا من ديارنا، إلا أن رءوس الكفر وجهوا الخطاب إلى
الرسل من باب التغليب .
ومنها: أن العود هنا بمعنى الصيرورة، إذ كثيرا مايرد (( عاد)، بمعنى صار،
فيعمل عمل كان ، ولا يستدعى الرجوع إلى حالة سابقة، بل يستدعى الانتقال
من حال سابقة إلى حال جديدة مستأنفه ، فيكون المعنى : لنخرجنكم من
أرضنا أو لتصيرن كفارا مثلنا .
ومنها : أن هذا القول من الكفار جار على توهمهم وظنهم ، أن الرسل
كانوا قبل دعوى النبوة على ملتهم، لتكوتهم قبل البعثه عن الإفكار عليهم ،
فلهذا التوهم قالوا ما قالوا، وهم كاذبون فيما قالوه .
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٩ ص ٩٩

- ٤٦ ٠٠
وشبيه بهذة الآيه قول قوم شعيب - عليه السلام - له ((لنخرجنك يا شعيب
والذين آمنوا متك من قريتنا أو لتعودن فى ملتنا ... ،(١)
وقول قوم لوط له ((أخرجوا آل لوط من قريتكم أنهم أناس
يتطهرون ))(٢).
وقوله - سبحانه -: (أوحى إليهم ربهم لهلكن الظالمين. ولنسكننكم
الأرض من بعدهم .. )) إشارة عظيمة من الله - تعالى - لرسله ، ووعد لهم
بالنصر على أعدائهم ..
أى: فأوحى الله - تعالى - إلى الرسل - بعد أن قال لهم الكافرون
ما قالوا -: أبشروا أيها الرسل ((لنهلكن الظالمين)) الذين مددوكم بالإخراج
من الديار، أو بالعودة إلى ملتهم، ((ولنسكننكم)) - أبها الرسل - ((الأرض)
أى أرضهم (( من بعدهم)) أى: من بعد إهلاكهم واستئصال شأقتهم.
قال الآلوسي ما ملخصه: ((وأوحى هنا يحتمل أن يكون بمعنى فعل الإيحاء
فلا مفعول له )).
وقوله (( لنهلكن، على إضمار القول، أى: قائلا لنهلكن. ويحتمل أن
يكون جاريا مجرى القول لكونه ضربا منه، وقوله (« لهلكن)) مفعوله ...
وخص - سبحانه - الظالمين من الذين كفروا، لأنه من الجائز أن يؤمن
من الكفرة الذين قالوا تلك المقالة أناس معينون ، فالتوعد لإهلاك من
خاص للظلم ،(٢) .
وأكد - سبحانه - إهلاك الظالمين وإسكان الرسل أرضهم، بلام القسم
وفون الموكيد ... زيادة فى إدخال السرور على نفوس الرسل، وفى تثبيت
(١) سورة الأعراف . الآيه ٨٨
(٢) سورة النمل . الآ ية : ٨
(٣) تفسير الآلوسي ج ١٣ ص ١٧٩

٤٣٠ -
قلوبهم على الجق ، وردا على أولئك الظالمين الذين أقسموا بأن يخرجوا
الرسل من ديارهم، أو يعودوا إلى ملتهم .
قال صاحب الكشاف والمراد بالأرض فى قوله ((ولنكنكم الأرض
من بعدهم، أرض الظالمين وديارهم: ونحوه: ((وأورثنا القوم الذين يستضعفون
مشارق الأرض ومغاربها، ((وأورثكم أرضهم وديارهم)) ..
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من آذى جاره ورثه الله داره)).
ثم قال : ولقد عاينت هذا فى مدة قريبة، كان لى خال يظلمه عظيم القرية
التى أنا منها ويؤذينى فيه ، فمات ذلك العظيم وملكنى الله ضيعته، فنظرت يوما
إلى أبناء خالى يترددون فيها ، ويدخلون فى دورها ويخرجون ويأمرون
وينهون، فذكرت قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحدثتهم به،
وسجدنا شكرا لله»(١).
واسم الإشارة فى قوله - سبحانه - (ذلك لمن خاف مقامى وخاف وعيد،
يعود إلى ما قضى الله به من إهلاك الظالمين ، وتمكين الرسل وأتباعهم
من أرضهم.
أى: ذلك الذى قضيت به كائن لمن خاف قيامى عليه ، ومراقبتى له ،
ومكان وقوفه بین یدی للحساب ، وخاف وعيدى بالعذاب لمن عصانى .
قال الجمل : وفى السمين: ومقامى فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه مقحم
وهو بعيد إذ الأسماء لا تقحم - أى ذلك لمن خافنى - الثاني : أنه مصدر
مضاف للفاعل .
قال الفراء : مقامى مصدر مضاف لفاعله: أى قيامى عليه بالحفظ .
الثالث . أنه اسم مكان . قال الزجاج: مكان وقوفه بين يدى للحساب)) .. (٢)
(١) تفسير الكشاف حـ ٢ ص ٣٧١
(٢) حاشية الجمل على الجلالين حـ ٢ ص ٥١٨

- ٤٤ -
وقوله - سبحانه، ((واستفتحوا)) من الاستفتاح بمعنى الاستنصار، أى:
طلب النصر من الله - تعالى - على الأعداء. والسين والتاء للطلب.
ومنهقوله - تعالى - ((إن تستفتخوا فقد جاءكم الفتح ... ) وقوله - تعالى -:
((وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ... ))
أو يكون ((واستفتحوا)) من الفتاحة بمعنى الحكم والقضاء ، أى:
واستحكموا الله - تعالى - وطليوا منه القضاء والحكم، ومنه قوله - تعالى -
«ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين)).
والجملة الكريمة معطوفة على ((فأوحى إليهم ربهم،، والضمير يعود
إلى الرسل .
والمعنى: والتمس الرسل من خالقهم - عز وجل - أن ينصرهم على أعدائه
وأعدائهم، وأن يحكم بحكمه العادل بينهم وبين هؤلاء المكذبين .
قالوا: ومما يؤيد ذلك قراءة ابن عباس ومجاهدوا بن محيصن ((واستفتحوا)
يكسر التاء - أمرا للرسل.
ومنهم من يرى أن الضمير يعود للفريقين: الرسل ومكذبيهم. أى : أن
كل فريق دعا الله أن ينصره على الفريق الآخر .
وقوله (( وخاب كل جبار عنيد)) بيان لنتيجة الاستفتاح.
والجبار : الإنسان المتكبر المغرور المتعالى على غيره، المدعى لمنزلة أو
لشىء ليس من حقه .
والعنيد: مأخوذ من العند - بفتح النون - بمعنى الميل. يقال: عند فلانٌ
عن الطريق - كنصر وضرب وكرم - عنودا، إذا مال عنها . وعند فلان
عن الحق ، إذا خالفه .
والجملة الكريمة معطوفة على محذوف، والتقدير. واستفتحوا فنصر اله
- تعالى - رسله على أعدائهم، وخاب وخسر ، كل متكبر متجبر معاند للحق.

== ٤٥ -
قال ابن كثير: قوله ((وخاب كل جبار عنيد)) أى: متجبر فى نفسه
معاند للحق، كما قال - تعالى - ألقيا فى جهنم كل كفار عنيد مناع للخير
معتد مريب. الذى جعل مع الله إلها آخر فألقياه فى العذاب الشديد، (١).
وفى الحديث: يؤتى بجهنم يوم القيامة ، فتنادى الخلائق فتقول . إنى
وكلت بكل جبار عنيد .. ،(٢)
رق ل - سبحانه - ((وخاب كل جبار عنيد، ولم يقل وخاب الذين كفروا
كما هو مقتضى الظاهر من السياق، للتنبيه على أن الذين كفروا كانوا جبابرة
معاقدين للحق ، وأن كل من كان كذلك فلا بد من أن تكون عاقبته
الخيبة والخسران .
وقوله (( من ورائه جهنم، صفة لجبار عنيد.
والمراد بقوله (( من ورائه)) أى: من أمامه، أو من بعد هلاكه:
أى: من أمام خيبة هذا الجبار العنيد جهنم، تنتظر ليحل بها ، بسبب
کفره وظله.
قال صاحب أضواء البيان: قوله ((من ورائه جهنم .. ، الوراء هنا بمعنى
الأمام كما هو ظاهر، ومنه قوله - تعالى - ,وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة
غصبا : أى: وكان أمامهم ملك ...
ومنه قول الشاعر :
أترجو بنومر وان سمعى وطاعتى وقومى تميم والفلاة وراثيا
نى والغلاة أماميا .
وقال بعضهم: قوله «من ورائه ( أى من بعد هلاكه، ومنه قول النابعة:
(١) سورة ق الآيات من ٢٤ - ٢٦
(٢) تفسير ابن كثير حـ ٤ ص ٤٠٣

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهب
أى: وليس بعد الله للمرء مذهب، والأول هو الظاهر وهو الجق)(١).
وعلى أية حال فإن الجملة الكريمة تدل على أن جهنم تنتظر هذا الجبار
العنيد، ونترصد له، وتتبعه حيث كان، بحيث لا يستطيع الفرار منها ، أو
الهرب عنها .
وجملة ((ويسقى من "ما. صديد، معطوفة على مقدر، أى: من ورائه جهنم
يلقى فيها مذم وما مدحورا، ويسقى من ماء مخصوص ليس كالمياه المعهودة ،
هو الصديد ، أى ما يسيل من أجساد أهل النار من دم مختلط بقيح ، واشتقاقه
من الصد، لأنه يصد الناظرين عن رؤيته .
وهو بدل أو عطف بيان من ماء.
وقوله ((يتجرعه ولا يكاد يسيغه .. ، بيان لحالة هذا الجبار العنيد عند
تعاطيه للصديد .
والتجرع : تكلف الجوع وهو بلح الماء ، وفعله - كسمع ومنع ..
ويسيغه : من السوغ وهو انحدار الشراب فى الحلق يسهولة وقبول
يقال ساغ الشراب سوخا وسواغا إذا كان سهل المدخل.
أى : يتكلف بمع هذا الصديد مرة بعد أخرى لمرارته وقبحه، ولا يقارب
أن يسيغه فضلا عن الإساغة . بل يغص به فيشربه بعد عناء ومشقة جرعة
غب جرعة »
وقوله ((وبأتيه الموت من كل مكان وماهو بميت ومن ورائه عذاب غليظ)،
معطرف على قوله ((يتجرعه، لبيان حالة أخرى من أحوال شقائه وعذابه.
(١) تفسير أضواء البيان حـ ٣ ص ١٠١ للشيخ محمد الأمين الشنقيطى

٠٠- ٤٧ -
أى: وتأتيه الأسباب المؤدية الموت والهلاك من كل جهة من الجهات ،
ومن كل موضع من مواضع بدنه، وما هو بميت فيستريح من هذا الشقاء
والعذاب ، ومن وراء كل ذلك عذاب غليظ أى : شاق شديد لا يقل فى ألمه عا
هو فيه من نكال .
وشبيه بهذه أجملة قوله - تعالى- ((والذين كفروا لهم نارجهنم لا يقضى
عليهم فيموتو ولا يخفف عنهم من عذابها، كذلك نجزى كل كفور ،(١).
وقوله - تعالى - ويتجنبها الأشقي. الذى يصلى النار الكبرى. ثم لا يموت
فيها ولا يحي)،(٢).
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد صورت لنا سوء عاقبة المكذبين للحق.
تصويراً مؤثرا، تهتز له النفس ، وقوجل منه القلوب .
ثم ضرب - سبحانه - مثلا لأعمال الكافرين فى حبوطها وذهابها يوم
القيامة ، وساق الأدلة الدالة على قدرته القاهرة ، وصور أحوال الكافرين
يوم يقوم الناس لرب العالمين ، وحكى ما يقوله الضعفاء المستكبرين وما يقوله
الشيطان لأتباعه فى هذا اليوم العصيب ، وما أعده للمؤمنين الصادقين فى هذا
اليوم فقال - تعالى - :
((مثلُ الذينَ كفرُوا بريّهم أعمالُهم كرمادِ اشْتَدَّتْ به الريحُ فى
يومٍ ماصفٍ لا يقدِرُونَ مما كسَبُوا على شىءٍ، ذلكَ هُوَ الضلالُ
البعيدُ (١٨) ألم تر أن الله خلقَ السمواتِ والأرضَ بالحقِّ، إنْ يشأ
◌ُذهِبَكُمْ ويأْتِ بُخَلْقٍ جديدٍ (١٩) وما ذلكَ على الله بعزيزٍ (٢٠)
(١) سورة فاطر الآية ٣٦
(٢) سورة الأعلى الآيات من ١ - ١٣

- ٤٨ -
وبَرَزُواللهِ جميعاً فقالَ الضُّفَاءِ الذينَ اسكبُرُون، إذَا كُنَّاذُكُم تبعاً،
فهل أنتُ مُفْنُونَ مَنَّ مِنْ عذابِ اللهِمن شىءٍ قَالُوا لو هدَانَ اللهُ هدَ يناكُ
سواء علينا أجَزِعْنا أم صبرنا مالَنَا من محميصٍ (٢١) وقال الشيطانُ لما
قُضِىَ الأمرُ ، إن الله وعدَ كُم وعد الحقِّ وَوَعَدْتَكُمْ فأخْلَفَتَ كُم،
وما كانَ لىَ عليكُم من سلطانٍ إلا أنْ دعوتَكُم فاستجِيْتُم ◌ِى ، فلا
تُلُومُونِى ولومُوا أنفُسَكُم، ما أثُم ◌ُصْرِ خُكُم وما أنتُم بِمُصْرِخِىَّ، إنى
كفرتُ بما أشر كتُمونٍ مِنْ قبلُ، إنّ الظالمينَ لهم عذابٌ أليمٌ (٢٢)
وأُدخِلَ الذينَ آمنوا وعملوا الصالحاتِ جناتٍ تَخْرِى مِنْ تَحتّها الأنهارُ
خالدينَ فيها بإذْذِ رِبِهم، تحيتُهم فيها سلامٌ (٢٣))).
قال الإمام الرازى: اعلم أنه - تعالى - لما ذكر أنواع عذابهم فى الآية
المتقدمة ، بين فى هذه الآية وهى قوله - تعالى ((مثل الذين كفروا بربهم ... »
أن أعمالهم بأسرها ضائعة باطلة، لا ينتفعون بشىء منها. رعند هذا
يظهر كمال خسرافهم، لأنهم لا يجدون فى القيامة إلا العقاب الشديد وكل ما عملوه
فى الدنيا وجدوه ضائعا باطلا ،(٣).
والمثل : النظير والشبيه . ثم أطلق على القول السائر المعروف، لمخالفة
مضربه بمورده. ولا يكون إلا فيما فيه غرابة ، ثم استغير للصفة، أو الحال ،
أو القصة إذا كان لها شأن عجيب , وفيها غرابة.
(١) تفسير الفخر الرازى < ١٩ ص ١٠٤

- ٤٩ -
والمراد بأعمال الذين كفروا فى الآية الكريمة: ما كانوا يقومون به فى
الدنيا من أعمال حسنة كإطعام الطعام، ومساعدة المحتاجين ، وإكرام الضيف،
إلى غير ذلك من الأعمال الطيبة .
والرماد: ما يتبقى من الشىء بعد احتراق أصله، كالمتبقى من الخشب
أو الخطب بعد إحتراقهما .
والعاصف: من العصف وهو اشتداد الريح ، وقوة هبوبها.
قال الجمل: وقوله: ((مثل الذين كفروا ... )) فيه أوجه من الإعراب:
أحدها وهو مذهب سيويه أنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره: فيما يتلى عليكم
مثل الذين كفروا، وتكون الجملة من قوله (( أعمالهم كرماد ... ، مستأنفة
جواب السؤال مقدر ، كأنه قيل : كيف مثلهم .. ؟ فقيل : كيت وكيت .
والثانى ; أن يكون ((مثل)) مبتدأ، و((أعمالهم)) مبتد ثان، و((كرماء))
خبر المبتدأ الثانى، والمبتدأ الثانى وخبره خبر المبتدأ الأول ... )، (١)
والمعنى : حال أعمال الذين كفروا فى حبوطها وذهابها وعدم انتفاعهم
بشء منها فى الآخرة ، كحال الرماد المكدس الذى أقت عليه الرياح العاصفة ،
فحقته وبددته، ومزقته تمزيقا لا يرجى معه إجتماع .
فالآية الكريمة تشبيه بليغ لما يعمله الكافرون فى الدنيا من أعمال
البر والخير .
ووجه الشبه: الضياع والتفرق وعدم الانتفاع فى كل ، فكما أن الريح
العاصف تجعل الرماد هباء منثورا، فكذلك اعمال الكافرين فى الآخرة
تصير مبامنشورا. لأنها أعمال بنيت على غير أساس من الإيمان وإخلاص
العبادة لله - تعالى -.
ووصف - سبحانه- اليوم بأنه عاصف، مع أن العصف وشدة الريح،
(١) حاشية الجمل على الجلالين <٢ ص ١٢٠
(٤ - سورة إبراهم)

للمبالغة فى وصف زمانها- وهو اليوم - بذلك، كما يقال: يوم حار ويوم بارد،
مع أن الحر والبرد فيهما وليس منهما .
وقوله - سبحانه - ((لا يقدرون مما كسبوا على شىء)) بيان للمقصود من
التشبيه، وهو أن هؤلاء الكافرين، لا يقدرون يوم القيامة ، على الانتفاع
بشىء مما فعلوه فى الدنيا من أفعال البر والخير، لأن كفرهم أحبطها فذهبت
سدى. دون أن يستفيدوا منها ثوايا ، أو تخفف عنهم عذابا.
قال الألوسى: وفى الصحيح عن عائشة - رضى الله عنها - أنها قالت:
يارسول الله، إن ابن جعان فى الجاهلية كان يصل الرحم ، ويطعم المسكين،
هل ذلك نافعه؟ قال: لا ينفعه؛ لأنه لم يقل ربى اغفر لى خطيتتى يوم الدين))(١)
وقال الإمام ابن كثير- ماملخصه -: هذا مثل ضربه الله - تعالى - لأعمال
الكفار الذين عبدوا مع الله غيره، وكذبوا رسله ، وبنوا أعمالهم على غير
أساس صحيح، فانهارت وعدموها وهم أحوج ما كافوا إليها ...
كما قال - تعالى -، وقدمنا إلى ما عملوا من عمل جعلناه هباء منثورا)،(٢).
وكما قال - تعالى - ((مثل ما ينفقون فى هذه الحياة الدنيا، كمثل ريح فيها
صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته(٣) .... (٤)
واسم الإشارة فى قوله (( ذلك هو الضلال البعيد)) يعود إلى مادل عليه
التمثيل من بطلان أعمالهم ، وذهاب أثرها.
أى: ذلك الحبوط لأعمالهم، وعدم إنتفاعهم بشىء منها ، هو الضلال
المبعي : .
(١) تفسير الآلوسى ج ١٣ ص ١٨٣
(٢) سورة الفرقان الآية ٢٣.
(٣) سورة آل عمران الآية ١١٧٪
(٤) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ١٦.

- ٠٠٥١
أى: البالغ أقصى نها يته، والذى ينتهى بصاحبه إنى الملاك والعذاب
المهين .
ووصف - سبحانه - التضلال بالبعد، لأنه يؤدى إلى خران لا يمكن
تدار كه ، ولايرجى الخلاص منه .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك. بعض مظاهر قدرته التى لا يعجزها شىء فقال
- تعالى -: «ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق، إن يشأ يذهبكم
ويأت بخلق جديد ، وماذلك على الله بعزيز)).
والخطاب فى قوله ((ألم تر .. ، لكل من يصلح له بدون تعيين .
والاستفهام للتقرير.
والرؤية مستعملة فى العلم الناشىء عن النظر والتفكر والتأمل فى ملكوت
السموات والأرض .
قال الألوسى ما ملخصه : قوله - تعالى - ((ألم تر ... )، هذا التعبير قد
يذكر لمن تقدم عليه فيكون للتعجب ، وقد ویذ کر لمن لا يكون كذلك ،
فیکون لتعريفه و تعجیبه ، وقد اشتهر فى ذلك حتى أجرى مجرى المثل فىهذا
الباب، بأن شبه من لمير الشىء مجال من رآه فى أنه لا ينبغى أن يخفى عليه ،
و أنه ينبغى أن يتعجب منه ، ثم أجری الكلام معه ، كما يجرى مع من رأى ،
قصدا إلى المبالغة فى شهرته وعراقته فى التعجب ... )(١)
والمعنى: ألم تعلم - أيها العاقل - أن الله - تعالى- ((خلق السموات والأرض
بالحق ».
أى: خلقهما بالحكمة البالغة المنزهة عن البعث، وبالوجه الصحيح الذى
تقتضيه إرادته، وهو - سبحانه-((إن بدأ يذمبكم) أى - يهلككم أيها الناس
(١) تفسير الآلوسي ج ٢ ص ٠١٦٠

٥٢٠٠ .٣
((ويأت بخلق جديد)، سواكم، لأن القادر على خلق السموات والأرض وما
فيهما من أجرام عظيمة، يكون على خلق غيرهما أقدر ، كما قال - تعالى- «الخلق
السموات والأرض أكبر من خلق الناس .. (١).
وقوله - سبحانه - ((وما ذلك على الله بعزيز، معطوف على ما قبله،
ومؤكد لمضمونه .
أى: إن يشأ - سبحانه - هلككم - أيها الناس - ويات بمخلوقين آخرين
غيركم، وما ذلك الإذهاب بكم، والإتيان بغيركم بمتعذر على الله ، أو بمتعاص
عليه ، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شيء، ولا يحول دون نفاذ قدرته
حائل .
وشبيه بهذا قوله - تعالى -,يأيها النساس أنتم الفقراء إلى الله والله هو
الغنى الحميد، إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ، وما ذلك على الله
بعزیز ،(٢) .
وقوله - تعالى -: (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا
أمثالكم(٣).
وقوله - تعالى -: ((إن يهأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله
على ذلك قديرا ،(٤) .
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جانبا من الحوار الذى يدور يوم القيامة بين
الضعفاء والمستكبرين، بين الأتباع والمتبوعين ... فقال - تعالى -: «وبرزوا
(١) سورة غافر الآية ٥٧.
(٢) سورة فاطر الآيات من ١٥ - ٠١٧
(٣) سورة محمد الآ ية ٠٢٨
(٤) سورة النساء الآية ١٣٣.

- ٠٣ -
الله جميعا، فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً، فهل أنتم مغنون
عنا من عذاب الله من شىء ... ))
وقوله (( وبرزوا)) من البرون بمعنى الظهور، مأخوذمن البراز وهو الفضاء
الواسع ، الذى يظهر فيه الناس بدون استتار .
أى: وخرج الكافرون جميعا من قبورهم يوم القيامة ، وظهروا ظهوراً
لا خفاء : عه، لكى يحاسبهم - سبحانه - على أعمالهم فى الدنيا .
وقال - سبحانه - ((وبرزوا ((بلفظ الفعل الماضى مع أن الحديث عن يوم
القيامة ، للتنبيه على تحقق وقوع هذا الخروح، وأنه كائن لا محالة .
وعبر - سبحانه - بهذا التعبير، مع أنهم لا يخفون عليه سواء أبرزوا أم لم
يرزوا، لأنهم كانوا فى الدنيا يستترون عن العيون عن اجتراحهم للسيئات
ويظنون أن ذلك يخفى على الله - عز وجل -.
ثم بين - سبحانه - ما سيقوله الضعفاء للمستكبرين فى هذا الموقف
العصيب فقال :
((فقال الضعفاء، وهم العوام والأتباع الذين فقدوا نعمة التفكير، وفعمــ
حرية الإرادة، فهانوا وذلوا ...
قال هؤلاء الضعفاء ((للذين استكبروا)) وهم السادة المتبوعون الذين
كانوا يقودون أتباعهم إلى طريق العى والضلال .
((إنا كنا لكم)) - أيها السادة - «تبعا (( جمع تابع كخادم وخدم.
أى : إناكنا فى الدنيا تابعين لكم، ومنقادين لأمركم، فى تكذيب الرسل،
وفی کل ما تريدو نه منا .
والاستفهام فى قوله - سبحانه - فهل أنتم مغنون عنا من عذاب اله من
ش.، للتقريع والتفجع .

٠
ومعنون من الإغناء بمعنى الدفاع والنصرة .
قال الشوكانى: يقالى أغنى عنه إذا دفع عنه الأذى, وأغناه إذا أوده،
إليه النفع ،(!) .
أى ؛ فهل أنتم - أبها المستكيرون - دافعون عنا شيئا من عذاب الله
النازل بنا ، حتى ولو كان هذا الشىء المدفوع قليلا؟ إن كان فى إمكانكم ذلك
ناظهروه لنا ، فقد كنتم فى الدنيا سادتنا وكيراءنا، وكنتم تزعمون أنكم أصحاب
الحظوة يوم القيامة .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: أى فرق بين ((من، فى (( من عذاب
ڵله » وبينه فی (( من شیء )،؟
قلت: الأولى للتبيين، والثانيه للتبعيض ، كأنه قيل: هل أنتم عمون عنا
بعض الشىء الذى هو عذاب الله؟ ويجوز أن يكون للتبعيض معا بمعنى:
هل أنتم مغنون عنا بعض شىء، هو بعض عذاب الله؟ أى: حض بعض
عذاب الله))(٢) .
ثم حكى - سبحانه - رد المستكبرين على المستضعفين فقال: « قالوا لو
هدانا الله لهدينا كم ...
أى: قال المستكبرون - بضيق وتحسر - فى ردهم على المستضعفين: لو
هدانا الله - تعالى - إلى الإيمان الموصل إلى النجاة من هذا العذاب الأليم
((لهدينا كم، إليه، ولكن ضللنا عنه وأضللنا كم معنا، واخترنا لكم ما اخترناه
لأنفسنا، ولو كنا نستطيع النفع لنفعنا أنفسنا ...
ثم أضافوا إلى ذلك قولهم: ((سواء علينا أجز عنا أم صبرنا ما لنا من
محيص)) ،
(١) تفسير الشو کانی < ٣ ص ٠٣.
(٢) تفسير الكثافة ج ٢ ص٠٣٧٣

والجزع : حزن يصرف الإنسان عما هو بصدده لشدة اضطرابه وذهوله
مقال: جَزِع فلان يجزَع جزعا وجزوعاً، إذا ضعف عن حمل ما نزل به
ولم يجد صبراً.
والمخيص : المهرب والمنجى من العذاب. يقال: حاص فلان عن الشىء
يحيص حيصا ومحيصا ، إذا عدل عنه على جهة الهرب والفرار .
أى: مستو عندنا الجزع ما نحن فيه من عذاب، أو الصبر على ذلك،
وليس لنا من مهرب أو منجى من هذا المصير الأليم.
فالآية الكريمة تحكى أقوال الضعفاء يوم القيامة، وهى أقوال يبدو فيها
طابع الذلة والمهانة كما هو شأنهم فى الدنيا ، كما تحكى رد المستكبرين عليهم ،
وهو رد يبدو فيه التبرم والتفجع والتأنيب من طرف خفى لهؤلاء الضعفاء ،
والتسليم بالواقع الأليم الذى لا محيص لهم عنه .
قال الإمام ابن كثير: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إن أهل النار
قال بعضهم لبعض : تعالوا، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة ببكاتهم وتضرعهم
إلى الله - تعالى -، تعالوا نبك ونتضرع إلى الله، قبكوا وتضرعوإ، فلا
رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا: تعالوا، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر،
نعوا حتى نصير، فصبروا صبراً لم ير مثله، فلم ينفعهم ذلك، فعند ذلك
قالوا: « سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص)) (١).
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما يقوله الشيطان لأتباعه يوم القيامة،
فقال ... تعالى -: ، وقال الشيطان لما قضى الأمر، إن الله وعدكم وعد الحق
ووعدتكم فأخلفتكم .... )، والمراد بالشيطان منا: إبليس - لعنه الله - .
قال الفخر الرازى: وأما الشيطان فالمراد به إبليس , لأن لفظ الشيطان
مفرد فيتناول الواحد ، وإبليس رأس الشياطين ورئيسهم ، لحمل المفظ عليه
١٠) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٤٠٨،

- ٥٦ -
أولى. لاسيما وقد قال - رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا
جمع الله الخلق وقضى بينهم، يقول الكافر ، قد وجد المسلمون من يشفع لهم
فمن يشفع لنا ، ما هو إلا إبليس، فهو الذى أضلنا، فيأتونه ويسألونه فعند
ذلك يقول هذا القول .. ،(١).
والمراد بقوله - سبحانه - ((لما قضى الأمر)) أى: حين تم الحساب،
وعرف أهل الجنة ثوابهم، وعرف أهل النار مصيرهم ، واستقر كل فريق فى
المكان الذى أعده الله - تعالى - له .
والمقصود من حكاية ما يقوله الشيطان للكافرين فى هذا اليوم: تحذير
المؤمنين من وسوسته وإغوائه، حتى ينجو من العذاب الذى سيحل بأتباعه
يوم القيامة .
والمراد بالحق فى قوله ((إن الله وعدكم وعد الحق)): الصدق والوفاء بما
وعدم به .
والمراد بالإخلاف فى قوله ((ووعدتكم فأخلفتكم»: الكذب والغدر
وعدم الوفاء بما مناهم به ، من أمانى باطلة .
قال - تعانى -: ((يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا)،(٢)
على ألسنة رسله وإضافة الوعد إلى الحق من إضافة الموصوف إلى الصفة أى:
إن الله - تعالى - وعدكم الوعد الحق الذى لا نقض له، وهو أن الجزاء
حق ، والبعث حق ، والجنة حق ، والنار حق ، ووعدتكم وعداً باطلا بأنه
لا بعث ولا حساب ... فأخلفتكم ما وعدتكم به، وظهر كذبى فيما قلته لكم.
ثم أضاف إلى ذلك قوله - كما حكى القرآن عنه -: ((وما كان لى عليكم من
سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي .....
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ١٩ ص ١١٠.
(٢) سورة النساء الآية ١٢٠.

- ٥٧ -
والسلطان : اسم مصدر بمعنى القسلط والقهر والغلبة .
أى: وما كان لى فيما وعدتكم به من تسلط عليكم، أو إجبار لكم، لكى
دعوتكم إلى مادعوتكم إليه من باطل وغواية ، فانقدتم لدعوتى، واستجبتم
لوسوستى عن طواعية واختيار.
فالاستثناء فى قوله ((إلا أن دعوتكم، استثناء منقطع، لأنما بعدحرف
الاستثناء ليس من جنس ما قبله ، وبعضهم يرى أن الاستثناء متصل .
قال الجمل : وفى هذا الاستثناء وجهان: أظهرهما: أنه استثناء منقطع،
لأن دعاءه ليس من جنس السلطان وهو الحجة البيئة. والثانى: أنه متصل لأن
القدرة على حمل الإنسان على الشىء تارة تكون بالقهر، وتارة تكون بتقوية
الداعية فى قلبه بإلقاء الوساوس إليه. فهو نوع من التسلط» (١).
وقوله، فلا تلومونى ولوموا أنفسكم، زيادة فى نأنيهم وفى حسراتهم على
انقیادم لا .
أى: فلا تلومرفى بسبب وعودى إياكم. ولوموا أنفسكم، لأنكم تقبلتم
هذه الوعود الكاذبة بدون تفكر أو تأمل، وأعرضتم عن الحق الواضح الذى
جاءكم من عند ربكم ، ومالك أمركم .
ثم ينفض يده منهم، ويخلى بينهم وبين مصيرهم السىء فيقول: « ما أنا
بمصرخكم وما أنتم بمصرخى)).
أى: ما أنا بمغيثكم ومنقذكم ما أنتم فيه من عذاب، وما أقتم بمغينىما أنا
فيه من عذاب - أيضا -، فقد أفقطعت بيننا الأواصر والصلات ...
قال القرطى ماملخصه: والصارخ والمستصرخ هو الذى يطلب النصرة
والمعاونة، والمصرخ هو المغيث لغيره ... قال أمية بن أبى الصلت:
وليس لكم عندى غناء ولا قصر
ولا تجزعوا إنى لكم غير مُصرِخ
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٠٥٢٢

- ٥٨ -
ويقال: صرّخ فلان أى: استغاث يصرخ صرخا وصراخا وصرخة ...
ومنه : استصرخنى فلان فأصرخته، أى: استغاث بى فأغنته ... ، (١)
وجملة (( إفى كفرت بما أشر كتمون من قبل .. )) مستأنفة، لإظهار المزيد
من التنصل والتبرى من كل علاقة بينه وبينهم .
و((ما، فى قوله (( بما أشر كتمون، الظاهر أنها مصدرية.
قال الآلوسى ماملخصه: وأراد بقوله (( إنى كفرت)) أى: زفى كفرت
اليوم (( بما أشر كتمون من قبل )).
أى: من قبل هذا اليوم، يعنى فى الدنيا، و((ما، مصدرية، و ((من قبل))
متعلق بأشر كتمون .
والمعنى: إنى كفرت باشر كلكم إياى لله - تعالى - فى الطاعة، لأنهم
كانوا يطيعون الشيطان فيما يزينه لهم من عبادة غير الله - تعالى -، ومن أفعال
الشر ...
ومراد اللعين: أنه إن كان إشراكلكم لى مع الله - تعالى -، هو الذى
أطمعكم فى نصرتى لكم ... فإنى متبرأ من هذا الشرك، فلم يبق بينى وبينكم
علاقة ... فالكلام محمول على إنشاء التبرى منهم يوم القيامة ..
ثم قال : وجوز غير واحد أن تكون ((ما، موصولة بمعنى من، والعائد
محذوف، و((من قبل ، متعلق بكفرت. أى: إنى كفرت من قبل حين أبيت
السجود لآدم بالذى أشر كتمونيه. أى: جعلتمونى شريكا له فى الطاعة وهو
الله - عز وجل - ...
والكلام على هذا إقرارمن اللعين بقدم كفره، وبسبق خطيئته. فلا يمكنه
أن يقدم لهم عونا أو نصرا ... )، (٢)
١١) تفسير القرطي ج ٩ص ٣٥٧.
(٢) تفسير الالودى ج ١٣ ص ٠١٨٩

- ٥٩ -
وجمله (( إن الظالمين لهم عذاب أليم)) فى موقع التعليل لهما تقدم، والظاهر
أنها ابتداء كلام من جهته - تعالى -، لبيان سوء عاقبة الظالمين.
ويجوز أن تكون من تتمة كلام إبليس - الذى حكاه القرآن عنه - ،
ويكون الغرض منها قطع أطماعهم فى الإغاثة أو النصر ، وتنبيه المؤمنين فى
كل زمان ومكان إلى عداوة الشيطان لهم . وتحذيرهم من إتباع خطوته .
قال الشيخ الشوكانى - رحمه الله - ما ملخصه: لقد قال الشيطان للكافرين
فى هذا اليوم مقاما يقصم ظهورهم، ويقطع قلوبهم ، فأوضح لهم أولا : أن
مواعيده التى كان يعدهم بها فى الدنيا باطله معارضه لوعد الحق من الله - تعالى-،
وأنه أخلفهم ما وعدهم به ...
ثم أوضح لهم ثانيا: بأنهم قبلوا قوله بما لا يتفق مع العقل ، لعدم الحجة
التى لابد للعاقل منها فى قبول قول غيره .
ثم أوضح لهم ثالثا : بأنه لم يكن منه إلا مجرد الدعوة العاطلة عن البرهان،
الخالية عن أيسر شىء مما يتمسك به العقلاء.
ثم نعى عليهم رابعا: ما وقعوا فيه، ودفع لومهم له ، وأمرهم بأن يلوموا
أنفسهم ، لأنهم هم الذين قبلوا الباطل المحض الذى لا يلتبس بطلانه على من له
أدنى عقل .
ثم أوضح لهم خامسا: بأنه لا نصر عنده ولا إغائه .. بل هو مثلهم فى
الوقوع فى البليه ..
ثم صرح لهم سادسا: بأنه قد كفر بما اعتقدوه فيه وأثبتوم له - وهو
إشراكه مع الله - تعالى - فتضاعفت عليهم الحسرات، وتوالت عليهم
المصائب .
وإذا كانت جمئه (( إن الظالمين لهم عذاب أليم )) من تتمه كلامه - كما ذهب
إليه البعض - فهو نوع سابع من كلامه الذى خاطبهم به، فيكون قد أثبت

- ٦٠ -
ـهم الظلم، وذكر لهم جزاء . ....! )
وبعد هذا الحديث المتنوع عن ٠٠ عاقبة الكافرين ... بين - سبحانه
ما أعده للمؤمنين من ثواب جزيل ، وأجر عظيم فقال - تعالى -:
((وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار
خالدين فيها بإذن ربهم ، .
أى: وأدخل الله - تعالى - فى هذا اليوم، وهو يوم القيامة، الذين آمنوا
بكل ما يجب الإيمان به، وعملوا الأعمال الصالحة ، أدخلهم - سبحانه - حنات
تجرى من تحت ثمارها وأشجارها الأنهار، حالة كونهم خالدين فيها خلودا
أبديا لاموت معه ولاتعب .
وجاء التعبير بصيغة الماضى لتحقق الوقوع، وتعجيل البشارة وقولە«باذن
ربهم، أى: بإرادته - سبحانه - وتوفيقه وهدايته لهم.
وقوله (( تحيتهم فيها سلام)) أى: تحيتهم فى الجنة سلام لهم من خالفهم
- عز وجل - ومن الملائكة ، ومن بعضهم لبعض .
كما قال - تعالى - ((تحيتهم يوم يلقونه سلام،(٢)
وكما قال - تعالى - ((والملائكة يدخلون عليهم من كل باب. سلام
عليكم ... .(٣)
وكما قال - سبحانه - ((ويلقون فيها تحية وسلاما)،(٤).
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد بينت بأبلغ أسلوب بوار أعمال الذين
(١) تفسير الشو کانی جـ ٣ صر ٤.
(٢) سورة الأحزاب الآية ٤٤.
(٣) سورة الرعد الآية ٦٣.
(٤) سورة الفرقان الآية ٧٠.