النص المفهرس
صفحات 61-80
- (٠٦ وقوله «ويفدون فى الأرض، بيان لصفة ثالثة من صفاتهم القبيحة. أى = أنهم كانوا يفسدون فى الأرض عن طريق حربهم لدعوة الحق ، واعتدائهم على المؤمنين ، وغير ذلك من الأمور التى كانوا يقترفونها مع أن الله - تعالى . قد حرمها ونهى عنها، وقوله - تعالى -- ((أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار، إخبار عن العذاب الشديد الذى سيلقونه فى آخرتهم . أى: أولئك الموصوفون بتلك الصفات الذميمة ((لهم، من الله - تعالى - ((اللعنة)، والطرد من رحمته. ((ولهم)) فوق ذلك، الدار السيئة وهى جهنم التى ليس فيها إلا ما يسو. الصائر إليها. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن الغنى والفقر بيده، وأن العطاء والمنع بأمره فقال - تعالى - ,الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر .. )) وبسط الرزق كتابة عن سعته ووفرته وكثرته . ومعنى («يقدر ، يضيق ويقلل . قال الإمام الشوكانى: لماذكر - سبحانه - عاقبة المشركين بقوله «أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ، كان لقائل أن يقول : قد نرى كثيرا منهم قدوفر الله له فى الرزق وبسط له فيه . فأجاب - سبحانه - عن ذلك: « الله بيبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، فقد يبسط الرزق لمن كان كافرا، ويقترد على من كان مؤمنا ابتلاء وإمتحانات ولا يدل البسط على الكرامة ، ولا القبض على الإهانة ... ،!) أى: الله - تعالى - وحده هو الذى يبسط الرزق لمن يشاء من خلقه» (١) تفسير فتح القدير للشوكانى ج ٣ ص ٠٨٠ - ٦٢ - وهو وحده - أيضا - الذى يضيقه على من يشاء منهم، لحكم هو يعلمها ، ولا تعلق لذلك بالكفر أو الإيمان، فقد يوسع على الكافر استدراجا له، وقد يضيق على المؤمن امتحانا له ، أو زيادة فى أجره. والضمير فى قوله: (( وفرحوا بالحياة الدنيا، يعود إلى مشركى مكة ،وإلى كل من كان على شاكلنهم فى الكفر والطغيان . والمراد بالفرح هنا: الأشر والبطر وجحود النعم. أى: وفرح هؤلاء السكافرون بربهم، الناقضون لعهودهم ، بما أوتوا من بسطة فى الرزق فى دنياهم ، فرح بطر وأشر ونسيان للآخرة لافرح سرور بنعم الله، وشكر له - سبحانه - عليها، وتذكر للآخرة وما فيها من ثواب وعقاب. وقوله - سبحانه -((وما الحياة الدنيا فى الآخرة إلا متاع)) بيان لقلة نعيم الدنيا بالنسبة لنعيم الآخرة . والمتاع: مايتمتع به الإنسان فى دنياه من مال وغيره لمدة محددة ثم ينقضى أى: إن هؤلاء الفر حين بنعم الله عليهم فى الدنيا، فرح بطر وأشر وجحود، لن يتمتعوا بها طريلا، لأن نعيم الدنيا ليس إلاشيئا قليلا بالنسبة لنعيم الآخرة . وتفكير (( متاع) للتقليل، كقوله - تعالى - فى آية أخرى: «لا يغرنك تقلب الذين كفروا فى البلاد . متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد)،(١). قال الآلوسى ما ملخصه: قوله (( وما الحياة الدنيا فى الآخرة)، أى: كائنة فى جغب نعيم الآخرة، فالجار والمجرور فى موضع الحال ، وفى هذه معناها المقايسة وهى كثيرة فى الكلام ، كما يقال : ذنوب العبد فى رحمة الله - تعالى - كقطرة فى بحر ، وهى الداخلة بين مفضول سابق، وفاضل لاحق ... (١) سورة آل عمران الآية ١٩٧ - ٦٢ - والمراد بقوله ((إلا متاع)) أى: إلا شيئا يسيرا يتمتع به كزاد الراعى. والمعنى: أنهم رضوا بحظ الدنيا معرضين عن نعيم الآخرة ، والحال أن ما فرحوا به فى جنب ما أعرضوا عنه قليل النفع ، سريع النفاد . أخرج الترمذى وصححه عن عبد الله بن مسعود قال : نام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على حصير، فقام وقد أثر فى جنبه، فقلنا يا سول أق: لو اتخذنا لك؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((مالى والدنيا، ما أنا فى الدنيا إلا كراكب استظل بشجرة ثم راح وتركها ... ، (٢) وبذلك نرى الآيات الكريمة قد بينت صفات المؤمنين وحسن عاقبتهم، وصفات الكافرين وسوء: صيرهم . كما وضحت أن الأرزاق بيد الله - تعالى - يعطيها بسعة لمن يشاء من عباده، ويعطيها بقلة لغيرهم ... ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك بعض المطالب المتعنتة التى طلبها الكافرون من النبى - صلى الله عليه وسلم -، ورد عليها بما يبطلها، ومدح المؤمنين المؤمنين لاطمئنان قلوبهم إلى سلامة دينهم من كل فقص ، وأياسهم من إيمان أعداتهم لاستيلاء العناد والجحود على قلوبهم، فقال - تعالى -: (( ويقولُ الدين كفرُوا لَوْلاَ أُنزِلَ عليه آيَةٌ مِن ربِهُ، قل إنّاللهَ يُضِلُّ مَن يشاءٍ، ويهدِى إليهِ مَنْ أَنَبَ (٢٧) الذينَ آمَنُوا وتطمئِنُ قلوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْبْنُّ القلوبُ (٢٨) الذين آمنُوا وعملوا الصالحاتِ طوبَى لَهُم وحُسْنُ مَآَبٍ (٣٩) كذلكَ أرسلناكَ فى أُمَّةٍ قد خلَتْ من قبلها أُمَمُ لتَلَوَ عليهِمُ الذى أَوْحَينا إليكَ، وَهُمْ يكفرونَ بالرَّحَن قُلْ هو ربِّى لا إلَه إلا هُوَ عليه توكلتُ وإليه (١) تفسير الآلومي جـ ٠١٣١،٥١٣ - ٦٤ -٠ أنيبُ (٣٠) ولو أنَّ فرآناً سُيِّرَتْ به الجبالُ، أو قَطُعتْ به الأرضُ أو كُلِّم به الموّى بل الله الأمرُ جميعاً، أَفْلَمْ بِيأْسِ الذينَ آمَنُوا أنْ لو يشاء اللهُ لهدَى الناسَ جميعاً ولا يزالُ الذينَ كفرُوا تصيبُهم بماَ صِنَُّوا قارعةٌ أو تحلُّ قريباً من دارِمٍ حتى يَأْتِىَ وَعْدُ الله، إن الله لا تخلف الميعادَ (٣١))). وقوله - سبحانه -، «ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه، حكاية لما طلبه مشركو مكة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سبيل التعنت والطغيان. ومرادهم بالآية: آية كونية كإحياء الموتى، وإزاحة الجبال من أما كنها. ولولا هنا : حرف تحضيض بمعنى هلا . أى : ويقول الكافرون على سبيل العناد والجحود، هلا أنزل على هذا الرسول آية كونية تدل على صدقة ، كأن يحي لنا موتانا، أو أن يحول لها جيل الصفا ذهبا .. وكأنهم يرون أن القرآن الذى نزل عليه - صلى الله عليه وسلم - لا يكفى - فى زعمهم - أن يكون آية ومعجزة شاهدة على صدقه . وقد أمر الله - تعالى - رسوله- صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم بقوله: (( قل إن الله يضل من يشاء ويهدى إليه من أناب، .. أى : قل لهم أيها الرسول الكريم على سبيل التعجيب من أحوالهم ، ومن شدة ضلالهم: إن الله - تعالى - يضل عن طريق الحق من يريد إضلاله، الاستحباب هذا الضال العمى على الهدى ، ويهدى إلى صراعله المستقيم ، من أناب إليه - سبحانه - ورجع إلى الحق الذى جاء به رسوله - صلى الله عليه وسلم - بقلب سليم . وعقل متفتح لمعرفة الصواب والرشاد . فالحملة الكريمة تعجيب من أقوالهم الباطلة ، ومن غفلتهم عن الآيات الباهرة التى أعطاها الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى رأسها القرآن الكريم الذى هو آبه الآيات، وحض لهم على الإقلاع عما هم عليه من العتو والعناد. والإنابة: الرجوع إلى الشىء بعد تردد، فقد جرت عادة كثير من النفوس البشرية أن يعرض عليها الحق فتردد فى قبوله فى أول الأمر ، ثم تعود إلى قبوله واعتناقه بعد قيام الدلائل على صحته وسلامته من الفساد . قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف طابق قولهم ( لولا أنزل عليه آية من ربه، قوله ((قل إن الله يضل من يشاء ... )؟ قلت : هو كلام يجرى مجرى التعجب من قولهم ، وذلك أن الآيات الباهرة والمنكائرة التى أوتيها رسول الله - ص - لم يؤتها فى قبله ، وكفى بالقرآن وحده آية وراء كل آيه، فإذا جحدوها ولم يعتدوا بها وجعلوه كأن آية لم تنزل عليه قط، كان موضعا للتعجب والاستنكار ، فكأنه قيل لهم: ما أعظم عنادكم وما أشد تصميمكم على كهركم، إن الله يضل من يشاء ممن كان على صفتكم من التصميم وشدة الشكيمة فى الكفر ، فلا سبيل إلى اهتداتهم وإن أنزلت كل آية، ((ويهدى إليه من، كان على خلاف صفتكم ، أذاب، أقبل إلى لحق وحقيقته دخل فى نوبة الخير(١))). ثم رسم القرآن صورة مشرقة للقلوب المؤمنة ، والجزاء الحسن الذى أعده الله لها فقال - تعالى - ((الذين آمنوا، حق الإيمان، «رتطمئن قلوبهم بذكر الله، أى: تستقر قلوبهم وتسكن ، بسبب تدبرهم لكلامه المعجز وهو القرآن الكريم وما فيه من حدايات . وإطلاق الذكر على القرآن الكريم ورد فى آيات منها قوله - تعالى - (١) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٠٣٥٩ ٥٠ - سورة الرعد : ٠ ٦٦ ٠٠ (( وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفا قتم له منكرون)، (١) وقوله - تعالى - , إنانحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون، (٢). وقوله: (( ألا بذكر الله تطمئن القلوب)) أى: ألا بذكره وحده دون غيره من شهوات الحياة تسكن القلوب أنساً به ، ومحبة له . ويصح أن يراد بذكر الله هنا ما يشمل القرآن الكريم، ويشمل ذكر الخالق - عز وجل - باللسان، فإن إجراءه على اللسان ينبه القلوب إلى مراقبته - سبحانه -، كما يصح أن يراد به خشيته - سبحانه - ومراقبته بالوقوف عند أمره ونهيه . إلا أن الأظهر هنا أن يراد به القرآن الكريم ، لأنه الأنسب للرد على المشركين الذين لم يكتفوا به كمعجزة دالة على صدقه - صلى الله عليه وسلم - وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه . واختير الفعل المضارع فى قوله - سبحانه - ((تطمئن)) مرتين فى آية واحدة، الإشارة إلى تجدد الأطمئنان واستمراره، وأنه لا يتخلله شك ولا تردد . وافتتحت جملة (( ألا بذكر الله تطمئن القلوب) بأداة الاستفتاح المفيدة للتنبيه , الاهتمام بمضمونها، وللإغراء بالإكثار من ذكره - عز وجل -، ولإثارة الكافرين إلى الاقسام بسمة المؤمنين لتطمئن قلوبهم. ولاقنافى بين قوله - تعالى - هنا (( ألا بذكر الله تطمئن القلوب)) وبين قوله فى سورة الأنفال ((إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ... ) أى : خافت .. (١) سورة الأنبياء الآية .. (٢) سورة الحجر الآية ٩ - ٦٧ - لأن وجلهم إنما هو عند ذكر الوعيد والعقاب والطمأنينة عند ذكر الوعد والثواب . أو وجلت من هيبته وخشيته - سبحانه-، وهو لا ينافى اطمئنان الاعتماد والرجاء . وقوله - تعالى - ((الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب)) بيان للثواب الجزيل الذى أعده - سبحانه - المؤمنين الصادقين. وطوبى: مصدر كبشرى وزلفى من الطيب. وأصله طيى ، فقلبت الياء واو الوقوعها ساكنة إثر ضمة ، كما قلبت فى موقن وهو من اليقين واليسر. وقيل : طوبى ، اسم شجرة فى الجنة ، قال ابن كثير ماملخصه: قوله ((طوبى لهم)) قال ابن عباس: أى فرح وقرة عين لهم . وقال الضحاك: أى غبطة لهم. وقال إبراهيم النخعى: أى. خير لهم. وقال قتادة : طوبى: كلمة عربية . يقول الرجل لغيره: طوبى لك أى : أصبت خيرا . وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس («طوبى لهم، قال: هى أرض الجنة بالحبشية . وقال سعيد بن مشجوج ((طوبى، اسم الجنة بالهندية)). وروى ابن جرير عن شهر بن حوشب قال: «طوبى: شجرة فى الجنة، كل شجر الجنة منها ... وهكذا روى عن ابن عباس وأبي هريرة وغير واحد من السلف، أن طوبى شجرة فى الجنة ، فى كل دار فى الجنة غصن منها))(١) . (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٣٧٦ طبعة دار الشعب. ١٠ ! والمآب: المرجع والمنقلب من الأوب وهو الرجوع . يقال: آب بثوب أوبا وإيابا ومآ با إذا رجع . والمعنى: الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات لهم فى آخرتهم ، عيش طيب . وخير كامل، ومرجع حسن يرجعون به إلى ربهم وخالقهم . ثم بين - سبحانه - أن إرسال محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس ليس بدعا، فقد سبقه رسل كثيرون إلى أقوامهم فقال - تعالى -: (كذلك أرسلناك فى أمة قد خلت من قبلها أمم لتلو عليهم الذى أوحينا إليك ... ، فالكاف فى قوله , كذلك، للقشبيه حيث شبه - سبحانه - إرساله - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس، بإرسال الرسل السابقين إلى أقوامهم. واسم الإشارة يعود إلى الإرسال المأخوذ من فعل (أرسلناك)). والمراد بالأمة هنا : أمة الدعوة التى أرسل إليها الرسول - صلى الله عليه. وسلم - فآمن من آمن من أفرادها، وكفر من كفر . إلى: كما أرسلنا رسلا سابقين إلى أقوامهم، أرسلناك يامحمد إلى قومك. الذين قد سبقهم أقوام ورسل كثيرون، لكى نقرأ على مسامعهم هذا القرآن العظيم الذى أو حيناه إليك من لدنا، ونتبين لهم ما اشتمل عليه من هدايات وتشريعات، كما بين الرسل الذين سبقوك لأقوامهم ما أمرهم الله - تعالى - بيانه . وفى قوله - تعالى - ((قدخلت من قبلها أمم ، تعريض بمشرکی مکه، وأنهم. إذا ما استمروا فى طغيانهم، فسيصيبهم ما أصاب الأسم الخالية. وقوله (( لتتلو عليهم الذى أوحينا إليك، المقصود منه تفخيم شأن القرآن الكريم، وأنه هو المعجزة الكبرى للرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأن وظيفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - قراءته عليهم قراءة تدبر وإستجابة. لايدعوهم إليه .. - ٠٦٩٪ وأن قول المشركين (( لولا أنزل عليه آية من ربه)، إنما هو قول يدل على عنادهم وغبائهم وجحودهم للحق بعد أن تبين . 1 وجملة « وھم یکفروں بالرحمن ، حاليه . أى: أرسلناك أيها الرسول الكريم إلى هؤلاء الضالين. لتلو عليهم ما ينقذهم من الضلال ، ولكنهم عموا وصموا عن سماعه، والحال أنهم يكفرون بالرحمن أى العظيم الرحمة ، الذى وسعت رحمته كل شىء . وأوثر اختيار اسم الرحمن من بين أسمائه - تعالى -، للإشارة إلى أن إرساله - صلى المه علية وسلم - مبعثه الرحمة كما قال - تعالى - (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، (١). والرد عليهم فى إنكارهم أن يكون الله - تعالى - رحمانا، فقد حكى القرآن عنهم ذلك فى قوله ((وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن، (٢). وقد ثبت فى الحديث الصحيح أنهم لميرضوا بكتابة هذا الإسم الكريم فى صلح الحديبية ، فعندما قال - صلى الله عليه وسلم - لعلى أكتب « بسم الله الرحمن الرحيم، قال أحد زعمائهم. ما ندرى ما الرحمن الرحيم ... وقد أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم بما يبطل كفرهم فقال: (( قل هو ربى لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب)). أى: قل لهم أيها الرسول الكريم: الرحمن الذى تتجافون النطق بأسمه الكريم هو وحده دبى وخالقى، لا إله مستحق للعبادة سواه ، عليه لا على أحد سواه توكلت فى جميع أمورى، وإليه لا إلى غيره مرجعى وتوبتى وإنانى. فهذه الجملة الكريمة اشتملت على أبلغ رد على أولئك المشركين الذين (١) سورة الأنبياء الآية ٠١٠٧ (٢) سورة الفرقان الآية ٠٦٠ - ٧٠ - ٦ أنکروا أن يكون الإله - جل وعلا - رحمانا ، وأنه - سبحانه - هو المستحق للعبادة . ثم أشار - سبحانه - إلى عظمة هذا القرآن الذى أوحاه إلى نبيه - صلى اقه عليه وسلم - فقال: ((ولو أن قرآنا سيرت به الجبال، أو أقطعت به الأرض ، أو كلم به المونى ... ، والمراد بالقرآن هذا معناه اللغوى أى الكلام المفروء. وجواب لو محذوف لدلالة المقام عليه . والمعنى: ولو أن كتابا مقروءا من الكتب السماوية، «سيرت به الجبال» أى: تحركت من أما كنها، ((أو قطعت به الأرض، أى شفقت وصارت قطعا، (( أو كلم به الموتى، بأن يعودوا إلى الحياة بعد قراءته عليهم. "لو أن كتابا مقروء! كان من وظيفته أن يفعل ذلك لكان هذا القرآن، لكونه الغاية القصوى فى الهداية والتذكير ، والنهاية العظمى فى الترغيب والترهيب وعلى هذا المعنى يكون الغرض من الآية الكريمة بيان عظم شأن القرآن الكريم ، وإيطال رأى الكافرين الذين طلبوا من الرسول - صلى الله عليه وسلم - آبة كونية سواء. ويصح أن يكون المعنى: ولو أن كتابا مقروءا من الكتب السماوية نزل عليك يامحمد فسيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى، لما آمن هؤلاء المعاندون . قال - تعالى - ((ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلهم الموتى وحشر فاعليهم كل شىء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله .... (١). وعلى هذا المعنى يكون المقصود من الآية الكريمة ، بيان غلوهم فى العناد والطغيان، وتماديهم فى الكفر والضلال، وأن سبب عدم إيمانهم ليس مرده (١) سورة الأنعام الآية ٠١١١ - ٧١ -. إلى عدم ظهور الدلائل الدالة على صدقه - صلى الله عليه وسلم -، وإنما سببه الجسد والعناد والمكابرة . ووجه تخصيص هذه الأشياء الثلاثة من بين الخوارق التى طلبوها منه - صلى الله عليه وسلم - ماذكره الإمام ابن كثير من أن المشركين قالوا للفى - صلى الله عليه وسلم -: يا محمد، لوسيرت لنا جبال مكة حتى تتسع فنحرث فيها، أو قطعت لنا الأرض كما كمان سليمان يقطع لقومه بالريح، أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى - يحى الموتى لقومه، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية) (١). وقوله - سبحانه - ((بل لله الأمر جميعا)) إضراب عن مطالبهم المتعفتة إلى بيان أن الأمور كلها بيد الله، وأن قدرته - سبحانه - لا يعجزها شىء. أى: إن الله - تعالى - لا يعجزه أن يأتى بالمقترحات التى افتر حوها ، ولكن إرادته - سبحانه - لم تتعلق بما اقترحوه، لعلمه - سبحانه - بعتوهم ونفورهم عن الحق مهما أوتوا من آيات. وقوله - سبحانه -: ((أفلم ييأس الذين آمنوا أن لويشاء الله لهدى الناس جميعا ، تيئيس للمؤمنين من إستجابة أولئك الجاحدين للحق، إلا أن يشاء الله لهم الهداية ، والاستفهام الإنكار . وأصل اليأس : قطع الطمع فى الشىء والقنوط من حصوله . والعلماء فى تفسير هذه الجملة الكريمة اتجاهان : أحدهما يرى أصحابه أن الفعل بيأس على معناه الحقيقى وهو قطع الطمع فى الشىء ، وعليه يكون المعنى: أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان كفار قريش، ويعلموا أن الله - تعالى - لو يشاء هداية الناس جميعا لاهتدوا، ولكنه لميشأ ذلك ، ليتميز الخبيث من الطيب . وعلى هذا الاتجاه سار الإمام ابن كثير فقد قال - رحمه الله - : وقوله (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ض ٠٣٨٢ - ٧٢ ٠- - تعالى - ((أفلم يبأس الذين آمنوا) أى: من إيمان جميع الخلق ويعلموا أو يتبينوا, أن لويشاء الله لهدى الناس جميعا، فإنه ليس هناك حجة ولا معجزة أبلغ ولا أنجع فى النفوس والعقول من هذا القرآن ، الذى لو أنزله الله على جبل لر أيته خاشعا متصدعا من خشية الله . وثبت فى الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: مامن في إلا وقد أوفى ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذى أوتيته وحيا أو حاه الله إلى ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة،(١) . ويؤبد هذا الاتجاه ماذكره السيوطى فى تفسيره من أن بعض الصحابة قالوا للرسول - صلى الله عليه وسلم - يارسول الله، أطلب لهم- أى للمشر كين. ما اقتر حوه عسى أن يؤمنوا. أما الاتجاه الثانى فيرى أصحابه أن الفعل ييأس بمعنى يعلم، وعليه يكون المعنى: أفلم يعلم المؤمنون أنه - سبحانه- لوشاء هداية الناس جميعا لآمنوا ... وهذا الاتجاه صدر به الآلوسي تفسيره فقال ما ملخصه : ومعنى قوله - سبحانه - («أفلم ييأس الذين آمنوا، أفلم يعلموا . وهى كما قال القاسم بن معن لغة هوازن . وقال المكلبى هى لغة حتى من النخع، وأنشدوا على ذلك قول سحيم بن وثيل الرياحى : ألم تيأسوا أنى ابن فارس زهدم أقول لهم بالشعب إذ يأسروننى وقول رباح بن عدى : ألى ييأس الأقوام أنى أنا ابنه وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا والظاهر أن استعمال اليأس فى ذلك حقيقة . وقيل بجاز لأنه متضمن للعلم، فإن الآيس عن الشىء عالم بأنه لا يكون ... (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٣٨٥. - ٧٣ ٠. والفاء للعطف على مقدر. أى: أغفلوا عن كون الأمر جميعه الله - تعالى. فلم يعلموا أن لويشاء الله لهدى الناس جميعا ... ))(١) ثم حذر - سبحانه - الكافرين من التمادى فى كفرهم، وبشر المؤمنين بحسن العاقبة فقال - تعالى -: ((ولايزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعواقارعة أو تحل تريبا من دارهم حتى يأتى وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد)). والقارعة : من القرع، وهو ضرب الشىء بشىء آخر بقوة وجمعها قوارع. والمراد بها : الرزية والمصيبة والمكارثة . أى: ولا يزال الذين كفروا من أهل مكة وغيرهم تصيبهم بسبب ما صنعوه من الكفر والضلال (( قارعة)) أى مصيبة تفجؤهم ونز: جهم أو تحل تلك المصيبة فى مكان قريب من دارهم، فيتطاير شرها إليهم ، حتى يأتى وعد الله بهلاكهم وهزيمتهم ونصر المؤمنين عليهم، إن الله - تعالى - لا يخلف المعياد، أى: موعوده لرسله ولعباده المؤمنين . وأبهم - سبحانه - ما يصيب الكافرين من قوارع، أنهو يله وبيان شدته. والتعبير بقوله (( ولا يزال)) يشير إلى أن ما أصابهم من قوارع كان موجودا قبل نزول، هذه الآية، واستمرت إصابته لهم بعد نزولها، لأن الفعل ((لا يزال)) يدل على الإخبار باستمرار شىء واقع . ولعل هذه الآية الكريمة كان نزولها فى خلال سنين الجدب التى حلت بقريش والتى أشار إليها القرآن بقوله: ((فارتقب يوم تأتى السماء بدخان مبين . يغشى الناس هذا عذاب أليم ... ،(٢) وعبر - سبحانه - عما أصابهم من بلاء بالقارعة، للمبالغة فى شدته وقوته. حتى إنه ليقرع قلوبهم بجأة فيبهتهم ويزعجهم، ولذلكسميت القيامة بالفارعة، لأنها تقرع القلوب بأهوالها . (١) تفسير الألوسى جـ ١٣ ض ١٤١ (٢) سورة الدخان الآية ١١،١٠ - ١٤ - وقال سبحانه (( أو تحل قريبا من دارهم)) لبيان أنهم بين أمرين أحلاهما) من . لأن القارعة إما أن تصيبهم بما يكرهونه ويتألمون له ، وإما أن تنزل قريبا منهم فتفزعهم، تقلق أمنهم، وهم مستمرون على ذلك حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا . ولقد قضى الله - تعالى - أمره، بهزيمتهم فى بدر وفى غيرها. وأنم نصره على المؤمنين بفتح مكة . وبدخول الناس في دين الله أفواجا . ثم أخذت السورة الكريمة بعد ذلك فى تسلبة الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وفى إقامة الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وعلى بطلان الشر، وفى بيان ما أعده للكافرين من عقاب ، وما أعده للمتقين من ثواب فقال تعالى: ((ولقد استهزِى بِرُسُل مِن قبلِكَ، فَأَمَلَيْتُ للكافرينَ ثم أخذتُهُمِ فكيفَ كانَ عقاب (٣٢) أَفَرْ هُوَ قْمٌّ على كلِّ نفسٍ بما كسَبتْ، وجعلُوا لِه شركاء، فل ◌َمُوهُم، أم تُنَبِئُونَه بما لا يعلمُ فى الأرضِ ، أم بظاهرٍ من القَوْلِ ، بل زُيْنَ للذينَ كفرُوا مكرُهُم، ومُدُّوا عنِ السبيلِ، ومن يُضِلِل اللهُ فَآَلَهُ من هادٍ (٣٣) لهم عذابٌ فى الحياةِ الدنيا، ولعذابُ الآخِرِة أشقُّ ومالَهُم من اللّهِ واقٍ (٣٤) مثلُ الجنةِ التى وُعِدَ المتقونَ أَكَلَهَا دائمٌ وظِلْها، تَلِكَ عقتى الذينَ اثْقوا، ومقتى الكافرينَ النارُ (٣٥))). وقوله - سبحانه - ((ولقد استهزىء برسل من قبلك .... تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من حزن بسبب تعنت المشركين معه. ومطالبتهم له بالمطالب السخيفة التى لا صلة لها بدعوته، كطلبهم منه تسيير الجبال وتقطيع الأرض، وتكليم الموتى . -- ٧٥ - والاستهزاء : المبالغة فى السخرية والتهكم من المستهزء به. والإملاء: الإعمال والترك لمدة من الزمان . والتفكير فى قوله « برسل، للتكثير، فقد استهزأ قوم نوح به، وكانوا كلما مروا عليه وهو يصنع السفينة سخروا منه . واستهزأ قوم شعيب به وقالوا له : «فأسقط علينا كفا من السماء إن كنت من الصادقين(١) .. واستهزأ قوم هود به وقالوا له: (« إنا لنراك فى سفاهة(٢) ... )، واستهزأ فرعون بموسى فقال: «أم أنا خير من هذا الذى هو مهين ولا يكاد يبين(٣)، والمعنى: ولقد استهزأ الطغاة والجاحدون برسل كثيرين من قبلك - أيها الرسول الكريم - ((فأمليت للذين كفروا)) أى: فأمهلتهم وتركتهم مدة من الزمان فى أمن ودعة . (( ثم أخذتهم)) أخذ عزيز مقتدر ((فكيف كان عقاب)) فانظر كيف كان عقابى إياهم ، لقد كان عقابا رادعا درهم تدميرا. فالاستفهام للتعجيب مما حل بهم ، والتهويل من شدته وفظاعته. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - ((وكأين من قربة أمليت لها وهى ظالمة ثم أخذتها وإلى المصير(١))). قال ابن كثير : وفى الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((وإن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)) ثم قرأ - صلى الله عليه وسلم . (( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ظالمة، إن أخذه أليم شديد (١))). (١) سورة الشعراء الآية ١٨٧ (٢) سورة الأعراف الآية ٠٦٦ (٣) سورة الزخرف الآيه ٥٢ (٤) سورة الحج الآية ٤٨ (٥) تفسير ابن كثير جـ ٤ - ٠٣٨٣ - ٧٦ - ثم أقام - سبحانه - الأدلة الساطعة على وحدانيته وعلى وجوب إخلاص العبادة له - تعالى - فقال: « أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ... ؟ والمراد بالقيام هنا: الحفظ والهيمنة على جميع شئون الخلق . والاستفهام للإنكار ، والخبر محذوف والتقدير : (أفمن هو قائم، أى: رقيب ومهمن ((على كل نفس، كائنة ما كانت، عالم بما تعمله من خير أو شر فمجازيها به كمن ليس كذلك ؟ وحذف الخبر هنا وهو قولها - كمن ليس كذلك - لدلالة السياق عليه ، كما فى قوله تعالى: « أفمن شرح الله صدره الإسلام، أى: كمن قا قلبه. و-من حذف الخبر هنا لأنه مقابل للمبتدأ الذى هو ( من)) ولأن قوله - تعالى - ((وجعلوا لله شركاء)) يدل عليه . والمقصود من الآية الكريمة إفكار المائلة بين الخالق العظيم، العليم بأحوال النفوس ... وبين تلك الأصغام التى أشركوها مع الله - تعالى - فى العبادة. والتى هى لا تسمع ولا قبصر، ولا تملك لنفسها - فضلا عن غيرها - نفعا ولا ضرا . وجملة ((وجعلوا الله شركا، حالية, والتقدير: أفن هذه صفاته - وهو الله - تعالى - كمن ليس كذلك، والحال أنهؤلاء الأغبياء قد جعلوا له شركاء فى العبادة وغيرها . فالمقصود من هذه الجملة المكريمة ، زيادة توبيخهم ، وتسفيه أفكارهم وعقولهم . رقوله - سبحانه (( قل سموهم)) تبكيت لهم إثر تبكيت، أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - سموهم شركاء إن شئتم، فإن هذه التسمية لا وجود لها فى الحقيقة والواقع، ولا تخرجهم عن كونهم لا يملكون - ٧٧ ٠ لأنفسهم - فضلا عن غيرهم - نفعا ولا ضرا، لأن الله - تعالى - واحد لا شريك له . وهذه التسمية إنما هى «ن عند أنفسكم ما أنزل الله بها من سلطان. كما قال تعالى: ((إن هى إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان(١). فالأمر فى قوله «سموهم، مستعمل فى الإباحة المصحوبة بالتهديد، للاشارة إلى عدم الاكتراث بهم وبآلهتهم التى سموها شركاء . وهذا كما يقول العاقل للأحمق الذى لا يحسن الكلام : قل ما شئت فإن كلامك لا وزن له . ولا خير فيه . قال الإمام الرازى عند تفسيره لهذه الآية: واعلم أنه تعالى لما قرر هذه الحجة - وهى أن القائم على كل نفس ليس كمن لا يملك شيئا - زاد فى الحجاج فقال: ((قل سموهم)) وإنما يقال ذلك فى الأمر المستحقر الذى بلغ فى الحقارة إلى أن لا يذكر ولا يوضع له أسم ، فعند ذلك يقال. سمه إن شئت . يعنى: إنه أخس من أن يسمى ويذكر، ولكنك إن شئت أن تضع له أسما فافعل . فكأنه - تعالى - قال: سموهم بالآلهة، والمعنى: سواء أسميتموهم بهذا الاسم أم لم تسموهم به، فإنها فى الحضارة بحيث لا تستحق أن يلتفت العاقل إليها ،(٢). والاستفهام فى قوله - تعالى - «أم تنبئونه بما لايعلم فى الأرض، أم بظاهر من القول , للإنكار والتوبيخ. أى : قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء الذين جعلوا لله شركاء وسموهم بهذا (١) سورة النجم الاية ٠٢٢ (٢) تفسير الفخر الرازى جـ ١٩ ص ٥٦ - ٧٨ - الاسم : قل لهم على سبيل الافكار والتوبيخ: أتخبزون الله بشركاء لاوجود لهم فى الأرض ، لأنهم لو کان لهم وجود لعلمهم ، لأنه - سبحانه - لايخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء . أم أنكم سميتموهم شركاء بظاهر من القول أى: بطن من القول لاحقيقة له فى الواقع ونفس الأمر. قال الألوسى ما ملخصه: وقوله (أم تنبئوبه، أى: بل أتخبرون الله - تعالى- ((بما لا يعلم فى الأرض)) أى بشركاء مستحقين للعبادة لا يعلمهم - سبحانه - والمراد: نفيها بنفى لازمها على طريق الكناية، لأنه - سبحانه - إذا كان لا يعلمها - وهو الذى لا يعزب عن علمه شيء - فهى لا حقيقة لها أصلا. وتخصيص الأرض بالذكر، لأن المشركين زعموا أنه - سبحانه - له شركاء فيها ... وقوله (( أم بظاهر من القول، أى: بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير منى متحقق فى نفس الأمر ، كتسمية الزنجى كافورا. وروى عن الضحاك وقتادة ، أن الظاهر من القول: الباطل منه ، كما فى قول القائل : أعيّر تنَا ألبانها ولحومها وذلك عار يا بن رَفَظة ظاهر أى: (( باطل زائد ... )) (١). وقوله - سبحانه -: بل زين الذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل، ومن يضلل الله فما له من هاد)، إضراب عن حجاجهم، وإهمال لشأتهم، و ((زين)) من التزيين وهو تصيير الشىء زينا أى : حسنا . والمكر : صرف الغير عما يريده بحميلة. والمراد به منا: كفرهم ومسالكهم الخبيثة ضد الإسلام والمسلمين . (١) تفسير الآلوسي ج ١٣ ص ١.٤ ٧٩٠ ٢ والمعنى: دع عنك - أيها الرسول الكريم - مجادلتهم ، لأنه لافائدة من ورائها، فإن هؤلاء الكافرين قد زين لهم الشيطان ورؤساؤهم فى الكفر مكرهم وكيدهم للإسلام وأتباعه، وصدوهم عن السبيل الحق ، وعن الصراط المستقيم، ومن يضلله الله - تعالى - بأن يخلق فيه الضلال لسوء استعداده، فما له من هاد يهديه ويرشده إلى مافيه نجاته . هذا، وقد اشتملت هذه الآية على الوان من الحجج الساطعة التى تثبت وجوب إخلاص العبادة لله ، وتبطل الشرك والشركاء ، أشار إليها بعض المفسرين فقال : قال الطبى : فى هذه الآية الكريمة احتجاج بليغ مبنى على فنون من علم ثبيان : أولها: ( أفى هو قائم على كل نفس بما كسبت، كمن ليس كذلك، إحتجاج عليهم وتوبيح لهم على القياس الفاسد، لفقد الجهة الجامعة لهما . ثانيها: (( وجعلوا لله شركاء)) من وضع المظهر موضع المضمر، للتنبيه على أنهم جعلوا شركاء لمن هو فرد واحد لا يشاركه أحد فى أسمائه . ثالثها: (( قل سموهم)، أى عينوا أسماءهم فقولوا فلان وفلان، فهو إنكار لوجودها على وجه برمانى .. رابعها: ((أم تنبئونه بما لا يعلم، إحتجاج من باب نفى الشىء أعنى العلم بنفى لازمه وهو المعلوم وهو كناية . خامسها: (( أم بظاهر من القول)) إحتجاج من باب الاستدراج لبعثهم على التفكر . أى: أتقولون بأفواهكم من غير روية، وأقتم ألباء، فتفكروا فيه لتقفوا على بطلانه . سادسها : التدرج فى كل من الإضرابات على ألطف وجه ، وحيث كانت ٨٠٠٠ - الآية مشتملة على هذه الأساليب البديعة مع إختصارها، كان الإحتجاج المذكور مناديا على نفسه بالإعجاز وأنه ليس من كلام البشر,(١). ثم بين - سبحانه - سوء مصير هؤلاء الكافرين فقال: ((لهم عذاب فى الحياة الدنيا، أى : لهم عذاب شديد فى الحياة الدنيا، ينزله الله - تعالى - بهم قارة عن طريق القوارع والمصائب التى يرسلها عليهم , وقارة عن طريق الهزائم التى يوقعها بهم المؤمنون هذا فى الدنيا (( ولعذاب الآخرة أشق)) من عذاب الدنيا لشدته ودوامه ((وما لهم من الله)) - تعالى- ومن عذاب الآخر, من واق )، أى : من حائل يحول بينهم وبين عذابه - سبحانه- ثم أعقب ذلك ببيان حسن عاقبة المؤمنين فقال: ((مثل الجنة التى وعد المتقون تجرى من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها .... . والمراد بالمثل هنا : الصفة العجيبه . أى: صفة الجنة التى وعدالله إياها من أتقاه وصان نفسه عن كل مالا يرضيه، أنها تجرى من تحت أشجارها ومساكنها الأنهار ، وأنها أكلها دائم ، أى : ما يؤ كل فيها لا إنقطاع لأنواعه (, وظلها، كذلك دائم. قال بعضهم: وجملة ((تجرى من تحتها الأنهار، خبر عن ((مثل)) باعتبار أنها من أحوال المضاف إليه، فهى من أحوال المضاف لشدة الملابسة بين المتضايفين ، كما يقال : صفة زيد أسبر . وجملة (« أكلها دائم (( خبر ثان،١١). واسم الإشارة فى قوله ((تلك عقى الذين اتقوا)) يعود على الجنة التى. أعدها الله - تعالى للمتقين. (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٥١٠٧ (٢) تمدير التحرير والتنوير حـ ١٣ ص ١٥، للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور