النص المفهرس

صفحات 21-40

- ٢١ -
٣ ٠ ويطلق على الاثنتين صنوان - بكسر النون - ويطلق على الجمع صنوان
- بضم النون -
والصنو : بمعنى المثل ومنه قيل لعم الرجل : صنو أبيه، أى : مثله ،
رفأطلق على كل غمن صفو لمائلته للآخر فى متفرع من أصل واحد ((والأكل))
إهم لما يؤكل من الثمار والحب ،
والمعنى: أن من مظاهر قدرة الله - أيضا - ومن الأدلة على وحدانيته
- سبحانه - أنه جعل فى الأرض بقاعا كثيرة متجاوة ومع ذلك فهى مختلفة
فى أوصافها وفى طبيعتها ... وفيها أيضا بساتين كثيرة من أعناب ومن كل
نوع من أنواع الحبوب .
وفيها كذلك نخيل بجمعها أصل واحد فهى صفوان ، ونخيل أُخرى
لا يجمعها أصل واحد فهي غير صنوان .
والكل من الأعناب والزرع والنخيل وغيرها ((يسقى بماء واحد))
لا اختلاف فى ذاته سواء أ كان السقى من ماء الأمطار أم من ماء الأنهار
ومع وجود أسباب القشابه ، فإننا لعظيم قدرتنا وإحسانتا , ففضل بعضها على
بعض) آخر منها « فى الأكل)) أى: فى اختلاف الطعوم.
قان الإمام الرازى : قرأ ابن کثیر وأبو عمرو و حفص عن عاصم « وزرع
ونخيل صنوان وغير صنوان، كلها بالرفع عطقا على قوله ((وجنات)) وقرأ
الباقون بالجر عطفا على الأعتاب ... )،(١) .
وخص - سبحانه - النخيل بوصفه بصنوان ، لأن العبرة به أقوى،
إذ المعاهدة له أكثر من غيره .
ووجه زيادة ,وغير صنوان، تجديد العبرة باختلاف الأحوال. واقتصر
- سبحانه - فى التفاضل على الأكل . لأنه أعظم المنافع.
(١) تفسير الفخر الرازى ج ١٩ ـ ٧٠ طبعة عبد الرحمن محمد.

- ٢٢ -
وقوله - سبحانه - ((إن فى ذلك لآيات لقوم يعقلون)) تذييل قصد به
الحض على التعقل والتدبر .
أى: إن فى ذلك الذى فصل الله - تعالى - أحواله من اختلاف أجناس
الثمرات والزروع فى أشكالها وألوانها وطعومها وأوراقها ... مع أنها تسقى
بماء واحد؛ وتنبت فى أرض متجاورة ، إن فى ذلك كله لدلائل باهرة، على
قدرة الله - تعالى - واختصاصه بالعبادة، لقوم يستعملون عقولهم فى التفكير
السليم . والتأمل النافع.
أما الذين يستعملون عقولهم فيما لا ينفع، فإنهم يمرون بالعبر والعظارة
وهم عنها معرضون .
١
وبذلك نرى أن الله - تعالى - قد ساق فى هذه الآيات أدلة متعددة ومتنوعة.
من العالم العلوى والسفلى ، وكلها تدل على عظيم قدرته، وجليل حكمته .
وهذه الأدلة منها :
١ - خلقه السموات مرتفعة بغير عمد.
٢ - تسخيره الشمس والقمر لمنافع الناس .
٣ - خلقه الأرض بتلك الصورة الصالحة للاستقرار عليها
٤ - خلقه الجبال فيها لتثبيتها .
٥ - خلقه الأنهار فيها لمنفعة الإنسان والحيوان والنبات.
٦ - خلقه زوجين اثنين من كل نوع من أنواع الثمار.
٧ - معاقبته بين الليل والنهار .
٨ - خلقه بقاعا فى الأرض متجاورة مع اختلافها فى الطبيعة والخواص.
٩ - خلقه أنواعا من الزروع المختلفة فى ثمارها وأشكالها .
١٠ - خلقه النخيل صنوأنا وغير صنوان. وجميعها تسقى بماء واحد،
ومع كل ذلك فضل - سبحانه - بعضها على بعض فى الأكل .
وهذه الأدلة يشاهدها الناس يأبصارهم، ويحسونها بحواسهم (( تبصرة
وذ کری لكل عبد منیب :.

- ٢٣ -
وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر قدرة الله فى خلقه ، ساق -سبحانه-
بعض أقوال المشركين الفاسدة ((ورد عليها بما يدحضها فقال - تعالى -:
((وإنّ نَعَجب فعجَب قولهم ((أَئِذَا كُنا تراباً أثِذًا لفى خلْقٍ جديدٍ
أولئكَ الذينَ كفرُوا بربهم، وأولئكَ الأغلالُ فى أعناقهم وأولئكَ
أصحابُ النّارِ همْ فيها خالدونَ (٥) ويستعجلونَك بالسَّبئةِ قبلَ الحسنةِ
وقد خلتْ من قبلهم المثُلاتِ ، وإنّ ربك لذُ و مغفرةٍ للناسِ على ظلمهم
وإن ربَّك لشديدُ العقابِ (٦) ويقولُ الذينَ كفرُ والولاً أُنْزِلَ عليه
آيةٌ مِن ربه، إنما أنتَ منذِرٌ ولكلٌّ قومٍ هادٍ (٧) )) .
قال القرطى: قوله - تعالى - ((وإن تعجب فعجب قولهم، أى: إن تعجب
يا محمد من تكذيبهم لك بعد ما كنت عندهم الصادق الأمين . فأعجب منه
تكذيبهم بالبعث - لأن من شاهد ما عدد - سبحانه - من الآيات الدالة على
قدرته. أيقن بأن من قدر على إنشائها ، كانت الإعادة أهون شىء عليه
وأيسره , واقه - تعالى - لا يتعجب، ولا يجوز عليه التعجب، لأنه - أى
التعجب - تغير النفس بما تخفى أسبابه ((وذلك فى حقه - تعالى - محال ، رإنما
ذكر ذلك ليتعجب منه نبيه والمؤمنون(١))).
وجوز بعضهم أن يكون الخطاب لكل من يصلح له، أى: وإن تعجب
أيها العاقل لشىء بعد أن شاهدت من مظاهر قدرة الله فى هذا الكون ما شاهدت
فازدد تعجبا ممن ينكر بعد كل هذا قدرته - سبحانه - على إحياء الموتى .
(١) تفسير القرطبي - ٢٨٤٠٠٩ طبعة دار الكتب.

- ١٢٤ هـ
قال الجمل: وقوله (( فعجب قولهم )) فيه وجهان: أحدهما أنه خبر مقدم
وقولهم مبتدأ مؤخر، ولابد من حذف صفة لتتم الفائدة، أى : فيجب أى
عجب قولهم . أو فعجب غريب قولهم. والثانى أنه مبتدأ، وسوغ الابتداء
ما ذكرته من الوصف المقدر، ولا يضر حينئذ كون خبره معرفة))(١).
والتنكير فى قوله (( فعجب)) للتهويل والتعظيم .
وجملة ((أئذا كنا ترابا أثنا لفى خلق جديد)) فى محل نصب مقول
القول .
أى: وإن تعجب من شىء - أيها الرسول الكريم - فاعجب من قول
أولئك المشركين أذا صرنا تراباوعظاما نخرة بعد موتنا، أننا بعد ذلك لنعاد
إلى الحياة مرة أخرى من جديد.
والاستفهام للإنكار ، لاستبعادهم الشديد، إعادتهم إلى الحياة مرة أخرى
لمحاسبتهم على أعمالهم، كما حكى القرآن عنهم قولهم فى آية أخرى: «أتذامتنا
و کنا ترابا ذلك رجع بعید »(٢).
وكروت همزة الاستفهام فى ((أنذا، وأننا ... ، لتأكيد هذا الإنكار.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جزاءهم على هذا القول الباطل فقال
- تعالى - ((أولئك الذين كفروا بربهم ... ))
أى: أولئك المنكرون لقدرة الله - تعالى - على البحث، هم الذين
كفروا بربهم . (وأولئك الأغلال فى أعناقهم، والأغلال: جمع غل.وهو قيد
من حديد تشد به اليد إلى العنق ، وهو أشد أنواع القيود .
أى : وأولئك هم الذين توضع الأغلال والقيود فى أيديهم وأعناقهم يوم
(٢) حاشية الجمل على الجلالين ج ٢ ص ٤٩١ طبعة عيسى الحلى.
(١) سورة ق الآية ٣.

- ٢٥ -
القيامة، عند ما يساقون إلى النار بذلة وقهر، بسبب إنكارهم لقدرة الله على
إعادتهم إلى الحياة، وبسبب جحودهم لنعم خالقهم ورازقهم .
قال - تعالى -: ((إذ الأغلال فى أعناقهم والسلاسل يسحبون. فى الحميم
ثم فى النار يسجرون ,(٢).
وقيل إن الجملة الكريمة تمثيل لحالهم فى الدنيا ، حيث شبه - سبحانه -
امتناعهم عن الإيمان، وعدم التغانهم إلى الحق ، بحال قوم فى أعناقهم قيود
لا يستطيعون معها التفانا أو تحركا .
والأول أولى لأن حمل الكلام على الحقيقة واجب ، مادام لا يوجدمانع
يمنع منه ، وهنا لامانع، بل صريح القرآن يشهد له .
وقوله ((وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، أى: وأولئك الموصوفون
بما ذكر، هم أصحاب النار الذى لا ينفكون عنها ، ولا يخرجون منها .
وكرر - سبحانه - اسم الإشارة، للتنبيه على أنهم أحرياء بما سيرد بعده
من عقوبات .
وجاء به للبعيد ، للإشارة إلى بعد منزلتهم فى الجحود والضلال .
ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من طغيانهم واستهزائهم برسولهم - صلى
الله عليه وسلم - فقال: ((ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة ، وقد خلت من
قبلهم المثلاث ....
والمراد بالسيئة: الحالة السيئة كالعقوبات والمصائب التى تسوء من
تنزل به ،
والمراد بالحسنة : الحالة الحسنة كالعافية والسلامة .
والمثلاث : جمع مثلة - بفتح المجم وضم الثاء - كسمرة ، وهى العقوبة
(٢) سورة غافر الآيتان ٧٢،٧١.

- ٢٦ -.
الشديدة الفاضحة التى تنزل بالإنسان فتجعله مثالا لغيره فى الزجر والرفع
والاستعجال : طلب حصول الشىء قبل حلول وقته .
أى أن هؤلاء المشركين بلغ بهم الحال فى الطغيان، أنهم كانوا إذا هددهم
الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعقاب الله إذا ما استمروا فى كفرهم ، سخروا
منه، وتهكموا به، وقالوا له على سبيل الاستهزاء : اقتنا بما تعدقا به من عذاب.
إن كنت من الصادقين .
وشبيه بهذا قوله - تعالى -: ((ويستعجونك بالعذاب ولولا أجل مسمى
لجامهم العذاب وليأتيهم بغتة وهم لا يشعرون يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم.
المحيطة بالكافرين,(١).
وقوله - تعالى -: (( وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر
علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم))(٢).
والجملة الكريمة تحكى لونا عجيبا من ألوان توغلهم فى الجحود
والضلال، حيث طلبوا من الرسول - صلى الله عليه وسلم - تعجيل العقوبة
التى توعدهم بها، بدل أن يطلبوا منه الدعاء لهم بالسلامة والأمان والخير
والعافية .
وجملة ((وقد خلت من قبلهم المثلاث)) فى موضع الحال، لزيادة التعجيب.
من جهلهم وطغيانهم ، لأن آثار الأقوام المهلكين بسبب كمفرهم مازالت ماثلة
أمام أبصارهم ، وهم يمرون عليها فى أسفارهم، فكان من الواجب عليهم - أوكانوا
يعقلون - أن يعتبروابها .
وقوله - سبحانه - ((وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك.
لشديد العقاب» بيان لرحمة الله - تعالى - بعباده، ولشدة عقابه المصرين على
(١) سورة العنكبوت الآيتان ٥٢، ٠٥٤
(٢) سورة الأنفال الآية ٢٢،

- ٢٧ -
الكفر منهم أى: وإن ربك - أيها الوصول السكريم - لذو مغفرة عظيمة للناس
مع ظلهم لأنفسهم، حيث أطاعوها فى إرتكاب الذنوب والمعاصى .
ومن مظاهر هذه المغفرة أنه - سبحانه - لم يعاجلهم بالعقوبة، بل صبر
عليهم، وأمهلهم، لعلهم يتوبون إليه ويستغفرونه، ويقلعون عن ذاوبهم.
قال- تعالى -: ((ولو يؤ اخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة .. )(١)
وإن ربك - أيها الرسول الكريم - لشديد العقاب للمصرين على كفرهم
وصلاهم ومعاصيهم،
وقدم - سبحانه - مغفرته على عقوبنه. فى مقابل تعجل هؤلاء الكافرين
للعذاب ، ليظهر الفارق الضخم بين الخير الذى يريده - سبحانه - لهم، وبين
الشر الذى يريدونه لأنفسهم بسبب انطعاس بصائرم ...
قال ابن كثير ما ملخصه: قوله - سبحانه-«وإن ربك لذو مغفرة للناس
علی ظلهم ، .
أى: إنه ذو عفو وصفح وستر للناس مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل
والنهار .
ثم قرن هذا الحكم بأنه شديد العقاب، ليعتدل الرجاء والخوف . كما قال
- تعالى - ((فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم
المجرمين .
وقال - تعالى - فى عبادى أنى أنا الغفور الرحيم. وأن عذابى هو
العذاب الأليم .
وعن سعيد بن المسيب قال: لما نزلت هذه الآية ,وإن ربك لذو مغفرة
للناس على ظلمهم ... ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لولا عفو الله
(١) سورة فاطر الآية ٤٥.

- ٢٨ -
وتجاوزه ماهنا أحداً العيش. ولولا وعيده وعقابه لا تكل كل أحد)) (١).
ثم حكى - سبحانه - لوذا آخر من رذائلهم، وهو عدم اعتدادهم بالقرآن
الكريم، الذى هو أعظم الآيات والمعجزات فقال - تعالى -: ((ويقول الذين
كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ... »
و((لولا)» هنا حرف تحضيض بمعنى هلا.
ومن أدهم بالآية : معجزة كوفية كالتى جاء بها موسى من إلقائه العصى فإذا
هى حية تسعى ، أو كالتى جاء بها عيسى من إبرائه الأكمه والأبرص وإحيائه
الموتى بإذن الله، أو كما يقترحون هم من جعل جبل الصفا ذهبا ...
لأن القرآن - فی زعمهم - لیس کافیا لکر نه معجزة دالة على صدقه - صلى
الله عليه وسلم -
أى: ويقول هؤلاء الكافرون الذين عمو' وصموا عن الحق واستعجلوا
العذاب، هلا أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - آية أخرى غير القرآن
الكريم تدل على صدقه .
ولقد حكى القرآن مطالبهم المتعنتة فى آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى -:
((وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا، أو تكون لك جنة
من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا ..... (٢)
وقد رد الله - تعالى - عليهم ببيان وظيفة النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال
((إنما أنت منذر ...
أى: أن وظيفتك ـ أيها الرسول الكريم- هى إنذار هؤلاء الجاحدين
بسوء المصير ، إذا ما لجوا فى طغيانهم، وأصروا على كفرهم وعنادهم وليس
من وظيفتك الإتيان بالخوارق التى طلبوها منك .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٠٣٥٥
(٢) سورة الإسراء الآيات ٩٠ وما بعدها.

- ٢٩ -
وإنما قصر - سبحانه هنا وظيفة الغبى - صلى الله عليه وسلم - على الإنذار،
لأنه هو المناسب لأحوال المشركين الذين أفكروا كون القرآن معجزة.
وقوله ((ولكل قوم ماد، أى: ولكل قوم فى يهديهم إلى الحمق والرشاد
بالوسيلة التى يراها مناسبة لأحوالهم، وأنت - أيها الرسول الكريم قدجئتهم
بهذا القرآن الهادى التى هى أقوم، والذى هو خير وسيلة لإرشاد الناس إلى
ما يسعدم فى دينهم ودنياهم وآخر تهم.
قال الشيخ القاسمى: أو المعنى: ولكل قوم عاد عظيم الشأن ، قادر على
هدايتهم. هو الله - تعالى -، فما عليك إلا إنذارهم لا هدابتهم كما قال - تعالى -:
((ليس عليك هداهم ولكن الله يهدى من يشاء ... ))
أو المعنى: ((ولكل قوم هاد، أى: قائد يهديهم إلى الرشد، وهو الكتاب
المنزل عليهم، الداعى بعنوان الهداية إلى ما فيه صلاحهم.
يعنى: أن سر الإرسال وآيته الفريدة إنما هو الدعاء إلى الهدى ، وتبصير
سبله ، والإنذار من الاسترسال فى مساقط الردى . وقد أنزل عليك من الهدى
أحسنه. فكفى بهدايته آية كبرى وخارقة عظمى . وأما الآيات المقترحة
فأمرها إلى الله وحده ... ))(١).
ثم صور - سبحانه - سعة علمه تصويرا عميقا، تقشعر منه الجلود،
وترتجف له المشاعر ، وساق سنة من سننه التى لا تتغير ولا تتبدل ، فقال
- تعالى -:
((اللهُ يعلمُ ما تحمِلُ كلُّ أنْتَى وما تغيِضُ الأرحامُ وما تزدادُ، وكلّ
شىءٍ عِندَه بمقدارٍ (٨) مالمُ الغيبِ والشهادةِ الكبيرُ المتعالِ (٩) سواء
(١) تفسير القاسم، حـ ٩ ص ٠٣٦٤٨

- ٢٠ .
منكم مَن أسرّ القولَ ومَن جَهر به، ومَنْ هُوَ مستَخْفِ باليلِ
وساربٌ بالنهار (١٠) له مُعقِّباتٌ من بين يديه ومن خلفه يحفظونه
من أَمْرِ الله، إِنّ اللهَ لا يُغيِّرما بقومٍ حتى يَغَيِّروا ما بأَنْفُسِهِم ، وإذا
أرادَ اللهُ بقومٍ سوءاً فلا مَردًّ لهُ ومالهُم من دونِهِ من والٍ (١١))).
فقوله - سبحانه -ـ, الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وماتزداد))
كلام مستأنف مسوق لبیان کمال علمه وقدر ته - سبحانه -
( وتغيض)) من الغيض بمعنى النقص. يقال: غاض الماء إذا نقص.
و ((ما)) موصولة والعائد محذوف .
أى: الله وحده هو الذى يعلم ما تحمله كل أنثى فى بطنها من علقة أو مضغة
ومن ذكر أو أنثى ....
وهو وحده - سبحانه - الذى يعلم ما يكون فى داخل الأرحام من نقص فى
الخلقة أو زيادة فيها، ومن نقص فى مدة الحمل أو زيادة فيها، ومن نقص فى
"العدد أو زيادة فيه ...
قال ابن كثير: قوله (( وما تغيض الأرحام وما تزداد» قال البخارى:
حدثنا إبراهيم بن المنذر. حدثنا معن ، حدثنا مالك عن عبد الله بن دينار عن
ابن عمر: أن - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: مفاتيح الغيب خمس
لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما فى غد إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا
الله، ولا يعلم متى يأتى المطر إلا الله (، ولا تدرى نفس بأي أرض تموت، ولا
يعلم متى تقوم الساعة إلا الله)).
وقال العوفى عن ابن عباس ((وما تغيض الأرحام، يعنى السقط ,وما
تزداد » .

- ٣١ -
يقول: ما زادت الرحم فى الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماما . وذلك
أن من النساء من تحمل عشرة أشهر ، ومنهن من تجمل تسعة أشهر , ومنهن من
تزيد فى الحمل ومنهن من تنقص ، فذلك الغيض والزيادة التى ذكراقه - تعالى-
وكل ذلك بعلمه - سبحانه -،(١) .
وقوله . (( وكل شىء عنده بمقدار، أى: وكل شىء عنده - سبحانه-بقدر
وحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه، كما قال - تعالى-((نا كل شىء خلقناه بقدر))(٢)
وكما قال - تعالى - («وإن من شيء إلا عندنا خزائنهوما ننزله إلا بقدر معلوم،(٣)
فهو - سبحانه - يعلم كمية كل شىء وكيفيته وزمانه ومكانه وسائر أحواله.
وقوله («عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال)) تأكيد أهموم علمه
- سبحانه - ودقته .
والغيب : مصدر غاب يغيب ، وكثيراً ما يستعمل بمعنى الغائب، وهو :
مالا تدركه الحواس ولا يعلم ببداهة العقل .
والشهادة : مصدر شهد يشهد، وهى هنا بمعنى الأشياء المشهودة.
والمتعال: المستعلى على كل شىء فى ذاته وفى صفاته وفى أفعاله
- سبحانه - .
أى: أنه - سبحانه - هو وحده الذى يعام أحوال الأشياء الغائبة عن الحواء.
كما يعلم أحوال المشاهدة منها، وهو العظيم الشأن، المستعلى على كل شىء.
وقوله - سبحانه -« سواء منکم من أسر القول ومن جهر به ومن هو
(١) تفسير ابن كثير المجلد الرابع ص ٣٥٧ طبعة دار الشعب.
(٢) سورة القمر الآية ٤٩.
(٣) ( الحجر : ٠٢١

- ٢٢ -
مستخف بالليل وسارب بالنهار، تأكيد آخر لشمول - علمه - سبحانه -
لأحوال عباده.
وسواء: اسم مصدر بمعنى الاستواء، والمراد به هنا أسم الفاعل . أى :
مستو .
قال الجمل: وفيه وجهان. أحدهما أنه خبر مقدم (( ومن أسر ومن جهر
هو المبتدأ، وإنما لم يثن الخبر لأنه فى الأصل مصدر ((وهو هنا بمعنى مستو.
والثاني أنه مبتدأ، وجاز الابتداء به لوصفه بقوله ((منكم،(1).
((وسارب بالنهار)) أى: ظاهر بالنهار. يقال سرب فى الأرض يسرب
سربا وسروبا أی : ذهب فی سرہہ - بسکون الراء و کس السین وفتحها -
أى طريقه .
والمعنى: أنه - تعالى - مستو فى علمه من أسر منكم القول, بأن أخفاه فى
نفسه ولم يتلفظ به ، ومن جهر منكم بهذا القول بأن أعلنه لغيره.
ومستو فى علمه - أيضا - من هو مستتر فى الظلمة الكائنة فى الليل، ومن.
هو ذاهب فى سربه وطريقه بالنهار بحيث يبصره غيره .
وذكر - سبحانه - الاستخفاء مع الليل لكونه أشد خفاء، وذكر
السروب مع النهار لكونه أشد ظهورا .
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر رعايته لعباده فقال - تعالى - ,له معقبات.
من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ... )).
والضمیر فی ( له ، يعود إلى « من» فى قو له, من أسر القول ومن جهر به،
ومن هو مستخف بالليل)، باعتبار تأويل بالمذ كور .
(١) حاشية الجمل على الجلالين <ـ٢ ص ٤٩٤ .

- ٣٣"
و ((معقبات)، صفة الموصوف محذوف أى: ملا ئمكة معقبات.
قال الشوكانى: والمعقبات المتناوبات التى يخلف كل واحد منها صاحبه
ويكون بدلا منه. وهم الحفظة من الملائكة فى قول عامة المفسرين . قال الزجاج:
المعقبات ملائكة يأتى بعضهم بعقب بعض. وإنما قال , معقبات، مع كون
الملائكة ذكورا ؛ لأن الجماعة من الملائكة يقال لها معقبة، ثم جمع معقبة على
معقبات ...
قال الجوهرى: والتعقب العود بعد البدء. قال الله - تعالى - ((ولى مديرا
ولم يعقب))(١).
يقال: عقب الفرس فى عدوه ، أى : جرى بعد جربه. وعقبه تعقيبا.
أی : جاء عقبه .
و ((من)، فى قوله (( من أمر الله)) بمعنى باء المبية.
والمعنى : لكل واحد من هؤلاء المذكورين من يسرون القول أو يجهرون
به ، ملائكة يتعاقبون عليه بالليل والنهار ويحيطون به من جميع جوانبه لحفظه
ورعايته، ولكتابة أقواله وأعماله، وهذا التعقيب والحفظ، إنما هو بسبب
أمر الله - تعالى - لهم بذلك.
قال ابن كثير: وفى الحديث الصحيح: ((يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل
وملائكة بالنهار ، ويجتمعون فى صلاة الصبح وصلاة العصر ، فيصعد الذين
باتوا فيكم فيسألهم - سبحانه - وهو أعلم بهم. كيف تركتم عبادي؟
فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون)).
وفى الحديث الآخر: ((إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخملاء وعند
الجماع، فاستحيومٍ وأكر،وم)).
(١) تفسير فتح القدير للشوكانى = ٣ ص ٠٦٩
١١٠ ٠٠ ١
٣١

- ٢٤ ٠٫٠٠
أى: فاستحيوا منهم وأكرموم بالتستر وغيره».
وقال عكرمة عن ابن عباس: ((يحفظونه من أمر الله، قال ملائكة
يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه»(١).
ثم ساق - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف فقال: (( إن الله لا يغير
ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له، وما
لهم من دونه من وال ..
أى إن الله - تعالى - قد اقتضت سنته، أنه - سبحانه - لا يغير
ما بقوم من نعمة وعافية وخير بضده ، حتى يغيروا ما بأنفسهم من طاعة إلى
معصية ، ومن جميل إلى قبيح، ومن صلاح إلى فساد ...
وإذا أراد - سبحانه - بقوم -و١٠ من عذاب أو هلاك أو مايشبهما
بسبب إيشارهم الغى على الرشد. فلا راد لقضائه، ولا دافع لمذابه.
وما لهم من دونه - سبحانه - من وال أى من ناصر ينصرهم منه
- سبحانه - ويرفع عنهم عقابه، وعلى أمورهم ويلتجئون إليه عند الشدائد.
فالجملة الكريمة بيان لمظهر من مظاهر عدل الله فىشئون عباده، و تحذير شديد
لهم من الإصرار على الشرك والمعاصى وجحود النعمة، فإنه -- سبحانه -
لا يعصم الناس من عذابه عاصم ، ولا يدفعه دافع .
قال الإمام ابن كثير : قال ابن أبى حاتم : أوحى الله إلى فى من أنبياء
بنى إسرائيل أن قل لقومك إنه ليس من أهل قرية ، ولا أهل بيت يكونوز
على طاعة الله، ويتحولون منها إلى معصية أله ، إلا تحول الله لهم ما يحبوز
إلى ما يكرهون .
ثم قال: إن مصداق ذلك فى كتاب الله (( إن الله لا يغير ما بقوم حتى
يغيروا ما بأنفسهم)).
(١) تفسير ابن كثير المجلد الرابع ص ٠٣٥٩

- ٣٠ -
وعن عمير بن عبد الملك قال: خطبنا على بن أبى طالب على منبر الكوفة
فقال: كنت إذا سكت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابتدأنى، وإذا
سألته عن الخبر أنبأنى، وإنه حدثنى عن ربه عز وجل - قال: قال الرب:
وعزتى وجلالى وارتفاعى فوق عرشى، مامن أهل قرية ولا أهل بيت كانوا
على ماكرهت من معصيتى، ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتى، إلا تحولت
لهم عما يكرهون من عذابى إلى ما يحبون من رحمتی(١).
ثم لفت - سبحانه - أنظار عباده إلى أنواع متعددة من الظواهر الكونية
الدالة على قدرته ووحدانيته. وبين أن هذه الظواهر قد تكون نعما، وقد تكون
فقما, وأنها وغيرها تسبح بحمد الله، وتخضع لسلطانه فقال - تعالى -:
((هو الذى يُريُكُم البرقَ خوفاً وطمعاً، وينشِىء السَّحابَ الثَّقالَ (١٢)
ويُسبّح الرعدُ بِحَمْدِهِ والملائكةُ من خِيفَتِهِ ويرسِلُ الصَّواعِقَ فيصدبُ
بها مَن يشاء وهُمْ يحادِلُون فى اللهِ وَهُوَ شَدِيدَ المحَلِ (١٣) لهُ دعوةٌ
الحقُّ والذينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُون لهم بشىءٍ إلا كباسِط
كفّيهِ إلى الماء ليَبْلُغَ فَاهُ وما هُوَ بِيالِغِهٍ، وما دعاء الكافِرِينَ إلا فى
ضلالٍ (١٤) والله يَسْجُدُ من فى السمواتِ والأرضِ طوْءاً وكرها
وظلالهم بالغدُوِّ والآصالِ (١٥)».
والبرق : ما يراه الراقى من فور لامع يظهر من خلال السحاب-وخوفا
وطمعا حالان من الكاف فى يريكم ؛ أوهما فى محل المفعول لأجله .
والمعنى: هو الله - تعالى - وحده الذى يريكم بقدرته البرق ، فيترقب على
(١) تفسير ابن كثير المجلد ٤ - ٣٦١ طبعة دار الشعب

- ٣٦ -
ذلك أن يعضكم بخاف ما ينجم عنه من صواعق. أوسيل مدسر، وبعضكم يطمع
فى الخير من ورائه ، فقد يعقبه المطر النافع، والغيث المدرار ،
فمن مظاهر حكمة الله - تعالى - فى خلقه، أنه جعل البرق علامة إنذار
وتيشير معا، لأنه بالإنذار والتبشير يقود النفوس إلى الحق، وتفى· إلى الرشد
وجملة (( وبنشىء السحاب التقال)) بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته
- سهحانه - وإنشاء السحاب: تكوينه من العدم.
والسحاب : الغيم المنسحب فى الهواء، وهو اسم جنس واحده سحابة،
فلذلك وصف بالجمع وهو ((انتقال)) جمع ثقيلة .
أى: وهو - سبحانه - الذى ينشىء السحاب المثقل بالماء، فيرسله من مكان
إلى مكان على حسب حكمته ومشيئته .
قال - تعالى - ((وهو الذى يرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته. حتى إذا
أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ، فأنزلنا به الماء ، فأخرجنا به من كل
الثمرات، كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون)،(١)،
وقوله - سبحانه - ((ويسبح الرعد بحمده , بيان لمظهر ثالث من مظاهر
قدرته. والرعد اسم الصوت الهائل الذى يسمع إثر اصطكاك الأجرام السماوية
بعضها ببعض .
وعطف - سبحانه - الرعد على البرق والسحاب، لأنه مقارن لهما فى كثير من
الأحوال. والتسبيح : مشتق من السبح «وهو المر السريع فى الماء أو فى الهواء
وسمى الذاكرته - تعالى - مسبحا، لأنه مسرع فى تنزيهه سبحانه عن
كل نقص .
وتسبيح الرعد - وهو هذا الصوت الهائل - بحمد الله ، يجب أن نؤمن
به ، ونفوض کیفیته إلی الله - تعالى - لأنه من الغيب الذی لا يعلمه إلا هو
(١) سورة الأعراف الآية ٥٧

- ٢٧ -
- سبحانه - وقد بين لنا - سبحانه - فى كتابه ان كل شىء يسبح بحمده فقال:
((تسبح له السموات "سبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح
محمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حلما غفورا،(١).
وقد فصل القول فى معنى هذه الجملة الكريمة الإمام الآلوسى فقال - رحمه الله -
ما ملخصه :
وقوله: ((ويسبح الرعد) قيل هو اسم للصوت المتنوم، والمكلام على حذف
مضاى أى: ويسبح سامعوا الرعد بحمده - سبحانه - رجاء للمطر ...
ثم قال: والذى اختاره أكثر المحدثين كون الإسناد حقيقيا بناء على أن
الرعد اسم الملك الذى يسوق السحاب، فقد أخرج أحمد والترمذى وصححه
والنسائى وآخرون عن ابن عباس، أن اليهود سألوا رسول الله - صلى الله
وُعليه وسلم - فقالوا: أخبر ناما هذا الرعد؟ فقال: ملك من ملائكة الله - تعالى-
موكل بالسحاب، بيديه مخراق من فار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمره الله
- تعالى قالوا: فما هذا الصوت الذى نسمع ؟ قال صوته، قالوا: صدقت)) ...
ثم قال واستشكل بأنه لو كان عدا للملك لما ساغ تفكيره، وقد ذكر فى
سورة البقرة فى قوله - تعالى - ((أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعدوبرق)).
وأجيب بأن له إطلاقين: ثانيهما إطلاقه على نفس الصوت ، والتنكير
على هذا الإطلاق ... ))(١) .
والذى نراه أن تسبيح الرعد بحمد الله يجب الإيمان به، سواء أكان الرعد
اسما لذلك الصوت المخصوص، أم إسما لملك من الملائكة، أما كيفية هذا
التسبيح فردها إلى اته .
قال الإمام الشوكانى: قوله ((ويسبح الرعد بحمده)، أى: يسبح الرعد نفسه
(١) سورة الإسراء . الآية ٤٤
(٢) راجع تفسير الألوسى = ١٣ ٥ ١٠٦ - طبعة منير الدمشقى -

- ٢٨ -
بحمد الله . أى: متليسا بحمده وليس هذا بمستبعد، ولا مانع من أن ينطق
انه بذلك .
وأما على تفسير الرعد بملك من الملائكة فلا استبعاد فى ذلك ، ويكون
ذكره على الإفراد مع ذكر الملائكة بعده لمزيد خصوصية له، وعناية به، (٢).
وقال الإمام ابن كثير: قال الإمام أحمد : حدثنا عفان .... عن سالم عن
أبيه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع الرعد والصواعق
قال : اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابكب وعافنا قبل ذلك .
۵
وقال أبو جعفر بن جرير : حدثنا أحمد بن إسحاق .، عن أبى هريرة:
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سمع صوت الرعد قال: سبحان
من يسبح الرعد بحمده،(٣).
وقوله - سبحانه - ((والملائكة من خيفته)، فوع رابع من الأدلة الدالة
على وحدانية الله وقدرته.
أى وبسبح الرعد بحمد الله، ويسبح الملائكة - أيضا - بحمد انه، خوفاً
منه - تعالى - وإجلالا لمقامه وذاته.
و ((من)، فى قوله - تعالى - ,من خيفته، للتعليل أى: يسبحون لأجل
الخوف منه. وقوله ((ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء)، فوع خامس
[ من الظواهر الكوفيه الدالة على كمال قدرته - سبحانه-
٢
والصواعق جمع صاعقة ، وهى - كما يقول ابن جرير - كل أمر هائل
وآه الرائى أو أصابه، حتى يصير من هو له وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب.
وذهاب عقل ٠ .... (١) والمراد بها هنا: النار النازلة من السماء.
(١) تفسير فتح القدير للشوكافى = ٣ ٥ ٧٢
(٢) تفسير ابن كثير المجلد الرابع = ٢٦٣
(٣) تفسير ابن جرير ١٠ مـ ٢٩٠
٠٠

- ٣٩ -
أى: ويرسل - سبحانه - الصواعق المهلكة فيصيب بها من يشاء
إصابته من خلقه .
وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : أنها نزلت
فى رجل من طواغيت العرب، بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - نفرا
يدعونه إلى الاسلام ، فقال لهم أخبرونى عن رب محمد ماهو ، أمن فضة أم
من حديد ...
فبينا التنمر ينازعونه، إذا إرتفعت سحابة فكانت فوق ر.وسهم فرعدت
وأبرقت ورمت بصاعقة فاهلكت الكافر وهم جلوس .
فرجعوا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فاستقبلهم بعض الصحابة
فقالوا لهم: إحترق صاحبكم ، فقالوا: من أين علمتم ، قالوا: أوحى الله إلى
النبى - صلى الله عليه وسلم - ((ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء)) (٢)
وضمير الجماعة فى قوله «وهم يجادلون فى الله وهو شديد المحال، يعود إلى
أولئك الكافرين الذين سبق أن ساق القرآن بعض أقوالهم الباطلة ، وانتى
منها قولهم: (( أئذا كنا ترابا أثنا لفى خلق جديد،
والمجادلة : المخاصمة والمراجعة بالقول .
والمراد بمجادلتهم فى اللّه: تكذيبهم للنبى - صلى الله عليه وسلم - فيما أمرهم
به من وجوب إخلاص عبادتهم لله - تعالى - وإيمانهم بيوم القيامة وما فيه
ثواب وعقاب ....
والمحال: الكيد والمكر، والتدبير والقوة، والعقاب ... يقال: محل
فلان بفلان - بتثليث الحاء - محلا ومحالا ، إذا كاده وعرضه للهلاك.
(٢) تفسير القرطبي حـ ٩ صـ ٢٩٦

- ٤ -
قال القرطبى: قال ابن الأعرابي: المحال: المكر وهو من الله - تعالى ..
التدبير بالحق أو إيصال المكروه إلى من يستحقه من حيث لا يشعر.
وقال الأزهرى: المحال : أى القوة والشدة .. ،
وقال أبو عبيد: المحال: العقوبة والمكروه ... )) (١)
أى : أن هؤلاء الكافرين يجادلونك - أيها الرسول فى ذات الله ، وفى
صفاته، وفى وحدانيته , وفى شأن البعث، وينكرون ما جئتهم به من بينات
والحال أن الله - تعالى - شذيد الماحلة والمكابدة والمعاقبة لأعدائه.
قال - تعالى -: ومكروا مكرا ومكرفا مكرا وهم لا يشعرون . فانظر كيف
كان عاقة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين ، (٢).
ثم بين - سبحانه - أن دعوته هى الدعوة الحق ، وما عداها فهو باطل
ضائع فقال: «له دعوة الحق ، أى: له وحده - سبحانه - الدعوة الحق
المطابقة للواقع، لأنه هو الذى يجيب المضطر إذا دعاه، وهو الحقيق بالعبادة
والالتجاء .
فإضافة الدعوة إلى الحق من اضافة الموصوف الى صفته، وفى هذه
الاضافة ايذان بملابستها للحق , واختصاصها به، وأنها بمعزل عن الباطل.
ومعنى كونها له: أنه - سبحانه - شرعها وأمر بها.
قال الشوكانى قوله: ((له دعوة الحق)) إضافة الدعوة إلى الحق الملابسة.
أى: الدعوة الملابسة للحق، المختصة به التى لامدخل للباطل فيها بوجه من
الوجوه ، ..
(١) راجع تفسير القرطبى - ٩ ص ٢٩٩
(٢) سورة النمل الآيتان ٥١،٥٠