النص المفهرس

صفحات 121-140

- ١٢١ --
فيترامى فى أذهانهم أنهم جواسيس أو ما شابه ذلك ، فربما سجنوهم، أو حالوا
بينهم وبين الوصول إلى يوسف - عليه السلام - ...
وقوله (( وما أغنى عنكم من الله شيئا، اعتراف منه - عليه السلام - بأن
دخولهم من الأبواب المتفرقة، أن يحول بينهم وين ما قدره الله - تعالى -
وأراده لهم، وإنما هو أمرهم بذلك من باب الأخذ بالأسباب المشروعة.
أى: وإنى بقولى هذا لكم ، لا أدفع عنكم شيئا قدره الله عليكم، ولو
كان هذا الشىء قليلا .
إن الحكم إلا لله، أى: ما الحكم فى كل شىء إلا لله - تعالى - وحده
لا ينازعه فى ذلك منازع، ولا يدافعه مدافع .
((علیه، وحده« توكلت، فى كل أموری.
((وعليه، وحده ((فليتوكل المتوكلون (( أى المريدون للتوكل الحق،
والاعتماد الصدق الذى لا يتعارض مع الأخذ بالأسباب التى شرعها الله وأمربها
إذ أن كلا من التوكل والأخذ بالأسباب مطلوب من العبد، إلا أن العاقل
عندما يأخذ فى الأسباب يجزم بأن الحكم لله وحده فى كل الأمور ، وأن
الأسباب ما هى إلا أمور عادية (( يوجد الله - تعالى - معها ما يريد إيجاده، ويمنع
ما يريد منعه، فهو الفعال لما يريد. ويعقوب - عليه السلام - عندما أوصى
أبناءه بهذه الوصية، أراد بها تعليمهم الإعتماد على توفيق الله ولطفه، مع
الأخذ بالأسباب المعتادة الظاهرة، تأدباً مع الله - تعالى - واضع الأسباب
ومشرعها ...
ثم بين - سبحانه - أن الأبناء قد امتثلوا أمر أبيهم لهم فقال: (( ولما
دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ، ما كان يغنى عنهم من اللّه من شىء إلا حاجة فى
نفس يعقوب قضاها ».
والمراد بالحاجة هنا : نصيحته لأبنائه بأن يدخلوا من أبواب متفرقة ،
خوفا عليهم من الحسد .

١٢٢~
ومعنى (( قضاها، أظهرها ولم يستطع كتمانها يقال: قضى فلان حاجة لنفسه
إذا أظهر ما أضمره فيها .
أى: وحين دخل أبناء يعقوب من الأبواب المتفرقة التى أمرهم أبوهم
بالدخول منها ، (( ما كان، هذا الدخول ((يغنى عنهم)) أى يدفع عنهم من قدر
((ألله من شىء)) قدره عليهم ، ولكن الذى حمل يعقوب على أمرهم بذلك، حاجته
أى رغبة خطرت فى نفسه , قضاها، أى: أظهرها ووصاهم بها ولم يستطع.
إخفاءها لشدة حبه لهم مع علتقاده بأن كل شىء بقضاء الله وقدره .
وقوله -- سبحانه - ((وإنه لذو علم لما علمناه، ثناء من الله - تعالى -
على يعقوب بالعلم وحسن التدبير .
آى: وإن يعقوب - عليه السلام -- لذو علم عظيم، للشىء الذى علمناه
إياه عن طريق وحينا ، فهو لا ينسى منه شيئا إلا ما شاء الله.
وقوله (( ولكن أكثر الناس لا يعلمون)، أى: لا يعلمون مالا يعلمه يعقوب
- عليه السلام - من أن الأخذ بالأسباب لا يتنافى مع النوكل على الله - تعالى-
أو: ولكن أكثر الناس لا يعلمون ما أعطاه الله - تعالى - لأنبياته وأصفياته
من العلم والمعرفة وحسن التأتى للأمور .
وإلى هنا تمكون الآيات الكريمة قد فصلت الحديث عما دار بين إخوة
يوسف وبين أبيهم فى شأن سفر أخيهم معهم .... فاذا كان بعد ذلك ؟
لقد كان بعد ذلك أن سافر إخوة يوسف إلى مصر، ومعهم ((بنيامين»
الشقيق الأصغر ليوسف ، والتقوا هناك بيوسف، وتكشف هذا اللقاء عن
أحداث مثيرة، زاخرة بالإنفعالات والمفاجآت والمحاورات ٠٠٠٠ التى
حكاها القرآن فى قوله - تعالى - :
((ولمأ دخلوا على يوسفَ آوَى إليه أخاهُ، قال إني أنا أخوك
فلا تَبْتَئِسْ بما كانوا يعمَلُونَ (٦٩) فلمَّا جهّزَهُ بِحَازِمْ جَعَل السِّقايةَ فى

-١٢٣ ٠
رحْلٍ أخيهٍ ، ثم أَذِّنَ مؤذِّنٌ أيتُها الميرُ إِنكُم لسارتون (٧٠) قالُوا
وأقبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تفقِدُون (٧١) قالُوا نفقِدُ واعَ الَِّكِ ولمن جاء به
حُلُ بعيرٍ وأنا به زعيمٌ (٧٢) قالُوا قا اللهِ لقد علمتُمّ ما جِئْنَاَ لنَفْسِدَ فى
الأرْضِ وما كنا سارقينَ (٧٣) قالُوا فما جزاؤه إن كنتُ كاذبينَ (٧٤)
قالُوا جَزَاؤُهُ من وُجِدَ فى رَحْلِه فهوَ جزاؤُه، كَذلِكَ نجزِى
الظالمينَ (٧٥) فبدأ بأوعيتهم قبلَ وعاء أخيهِ ثم استخرجَها من وعاء
أخيه، كذلك كِدْنَاَ ليوسفَ ما كانَ ليأْخُذَ أخاهُ فى دِينِ الملكِ إلا أن
يشاء اللهُ، تُرفعُ درجاتٍ من نشاء وفوقَ كلِّ ذي علم عليمٌ (٧٦) قالُوا
إن يسرِقْ فقد سرقَ أخٌ له من قبلُ فأسرَّها يوسفُ فى نفسه ولم
يبدِها لهم، قالَ أَنُ شرٌ مكاناً واللهُ أعلمُ بما تَصِفُونَ (٧٧) قالُوا
يأيُّها العزيزُ إنَّ له أبا شيخاً كبيراً فخُذْ أحدنا مكانه إنا نَرَاكَ من
المحسنينَ (٧٨) قالَ معاذ الله أن نأخذَ إلاّ من وَجَدْنا متاعنا عنده،
إنَّا إذاً لظالمونَ (٧٩) فلما اسْتَيْأْسُوا منه خلصُوا نجيًّا قال كبيرُم ألم
تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من اللهِ ومِنْ قَبلُ مافرطُم فى
يوسفَ فَلَنْ أبْرَحَ الأرضَ حتَّى يأذَنَ لى أَبِ أو يحُكُمَّ اللهُ لى وهو خيرُ
الحاكمينَ (٨٠) ارجعُوا إلى أبيكم فقولُوا يا أَبَنَاَ إنَّ ابنك سرق وماشهدْنا
إلا بما علمنا وما كنّا للغيب حافظينَ (٨١) واسأل القريةَ التى كنّا فيها
والعيرَ التى أقبلْنَاَ فيها وإنَّ لصادقون (٨٢))).
وقوله- سبحانه- ((ولما دخلوا على يوسف آوى البيه أخاه ... ، شروع فى بيان
مادار بين يوسف - عليه السلام - وبين شقيقه بنيامين بعد أن . حضر مع إخوته.

١٢٤٠ -
وقوله ((آوى)) من الإيواء بمعنى الضم. يقال آوى فلان فلافا إذا ضمه
إلى نفسه ، ويقال: تأوت الطير وقآوت، إذا تضامت وتجمعت.
وقوله (( فلا تبتئس)): افتعال من البؤس وهو الشدة والضر. يقال بمس
- كمع - فلان بؤساً وبشوسا، اذا يشتد حزنه وهمه.
والمعنى: وحين دخل إخوة يوسف عليه، ما كان منه الا أن ضم اليه
شقيقه وقال له مطمئنا ومواسياً: إنى أنا أخوك الشقيق، فلا تحزن بسبب
ما فعله إخوتنا معنا من الحسد والأذى، فإن الله - تعالى - قد عوض صبرنا
خيراً ، وأعطانا الكثير من خيره وإحسانه .
قال الإمام ابن كثير: يخبر الله تعالى - عن إخوة يوسف لما قدموا
على يوسف ومعهم أخوه بنيامين، وأدخلهم دار كرامته ومنزل ضيافته وأفاض
عليهم الصلة والإحسان ، واختلى بأخيه فأطلعه على شانه وما جرى له :
لا تبتئس أى : لا تاسف على ما صنعوا بى ، وأمره بكنان هذا عنهم ، وأن
لا يطلعهم على ما أطلعه عليه من أنه أخوه وتواطأ معه أنه سيحتال على أن
يبقيه عنده معززا مكر ما معظما (١)
ثم بين - سبحانه - ما فعله يوسف - عليه السلام - مع إخوته، لكى
يبقى أخاه معه فلا يسافر معهم عند رحيلهم فقال: « فلما جهزهم بجهازهم جعل
السقاية فى رحل أخيه ... ، والجهاز كما سبق أن بينا: ما يحتاج اليه المسافر
من زاد ومتاع ...
والسقاية : أنا. كان الملك يشرب فيه ، وعادة ما يكون من معدن نفبس
وقد كان يوسف - عليه السلام - يكتال به فى ذلك الوقت نظرا لقلة
الطعام وقدرته .
وهذه السقاية هى التى أطلق عليها القرآن بعد ذلك لفظ الصواع أى:
(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٤٨٥

- ١٢٥ -
وحين أعطى يوسف إخوته ما هم فى حاجة اليه من زاد وطعام، أوعز إلى
بعضر فتياتة أن يدسوا فى متاع أخيه بنيامين دون أن يشعر بهم أحد ..
وقوله (« ثم أذن مؤذن أيتها العير إفكم لسارقون ) بيان لما قاله بعض أعوان
١ يوسف لإخوته عندما تهيئوا للسفر، وأوشكوا على الرحيل .
والمراد بالمؤذن هنا: المنادى بصوت مرتفع ليعلم الناس ما يريدإ لامهم
به. والمراد بالعير هنا: أصحابها. والأصل فيها أنها إسم للإبل التى تحمل الطمام
وقيل أمير تطلق فى الأصل على قافلة الحمير، ثم تجوز فيها فأطلقت على كل
قافظة تحمل الزاد وألوان التجارة.
- أى: ثم نادى مناد على إخوة يوسف - عليه السلام - وهم يتجهزون
للسفر، أو وهم منطلقون إلى بلادهم بقوله: يا أصحاب هذه القافلة قوةفواحتى
يفصل فى شأنكم فأنتم متهمون بالسرقة .
قال الآلوسي ما ملخصه: والذى يظهر أن ما فعله يوسف ، من جعله
السقاية فى رحل أخيه،إومن إتهامه لإخوته بالسرقة .... إنما كان بوحى
من الله - تعالى - لما علم - سبحانه - فى ذلك من الصلاح، ولما أراد من
امتحانهم بذلك، ويؤيده قوله - تعالى - كذلك كدنا ايوسف)) (١)
ثم بين - سبحانه - ما قاله إخوة يوسف بعد أن سمعوا المؤذن يستوقفهم
ويتهمهم بالسرقة فقال - تعالى - قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون ،
وتفقدون: من الفقد ، وهو غيبة الشىء عن الحس بحيث لا يعرف مكانه
أى: قال إخوة يوسف بدهشة وفزع من ناداهم وأخبرهم بأنهم سارقون :
قالوا لهم: ماذا تفقدون-أيها الناس- من أشياء حتى اتهمتونا بأننا سارةون؟ !!
وهنا رد عليهم المؤذن ومن معه من حراس: ((قالوا نفقد صواع الملك)
أى : صاعة التى يشرب فيه، ويمكتال به للمتارين.
(١) تفسير أدلوسى ج ١٣ ص ٢

١٢٦٠-
(( ولمن جاء به، أى بهذا الصاع، أو دل على سارقه.
((حمل بعير، من الطعام زيادة على حقه كمكافأة له .
( وأنا به زعيم، أى : وأنا بهذا الجعل كفيل بأن أدفعه لمن جاءنا
بصواع الملك.
ويبدو أن القائل لهذا القول هو المؤذن السابق، ولعله قد قال ذلك بتوجيه
من يوسف - عليه السلام -
وهذا نجد إخوة يوسف يردون عليهم ردا يدل على استنكارهم هذه التهمة
وعلى تأكدهم من براءتهم فيقولون: ((قالواتا الله لقد علمتم ما جئنا لنفسد فى
الأرض وما كنا سارقين ،
أى : قال إخوة يوسف المنادى ومن معه الذين اتهموهم بالسرقة، قالته
يا قوم، لقد علمت من حالنا وسلوكنا وأخلاقنا، أننا ما جئنا إلى بلادكم، لكى
تفسد فيها أو نر تكب مالا يليق، وما كنا فى يوم من الأيام ونحن فى أرضكم
لمرتكب هذه الجريمة، لأنها تضرنا ولا تنفعنا، حيث إننا فى حاجة إلى
التردد على بلادكم لجلب الطعام، والسرقة تحول بيننا وبين ذلك، لأنكـ
بسبها ستمنعوننا من دخول أرضكم. وهذه خسارة عظيمة بالنسبة لنا.
وهنا يرد عليهم المنادى وأعوانه بقولهم: ((قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين)).
أى : قال المنادى وأعوانه لإخوة يوسف الذين نفوا عن أنفسهم تهمة
السرقة نفياً تاماً :
إذاً فما جزاء وعقاب هذا السارق لصواع الملك فى شريعتكم، إن وجدنا
هذا الصواع فى حوزتكم ، وكنتم كاذبين فى دعواكم أنكم ماكنتم سارقين.
فرد عليهم إخوة يوسف بيان حكم هذا السارق فى شريعتهم بقولهم؟
((قالوا جزاؤه من وجد فى رحله فهو جزاؤه، كذلك نجزى الظالمين)).
والمراد بالجزاء: العقاب الذى يعاقب به السارق فى شريعتهم، والضمير.
فى قوله، جزاؤه، يعود إلى السارق.

- ١٢٧ ٠
أى قال إخوة يوسف: جزاء هذا السارق الذى يوحد صواع الملك فى
رحله ومتاعه أن يسترق لمدة سنة، هذا هو جزاؤه فى شريعتنا .
قال الشوكانى ما ملخصه: وقوله (,جزاؤه)) مبتدأ، وقوله , من وجد فى
رحله )) خبر المبتدأ .
والتقدير : جزاء السرقة للصواع أخذ من وجد فى رحله ــ أى استرقاقه
لمدة سنة -، وتكون جملة «فهو جزاؤه ((لتأكيد الجمله الأولى وتقريرها .
قال الزجاج وقوله (( فهو جزاؤه)) زيادة فى البيان. أى: جزاؤه أخذ السارق
فهو جزاؤه لا غير )،(١) .
وقالوا( جزاؤه من وجد فى رحله، ولم يقولوا جزاء السارق أو جزاء
سرقته، للاشارة إلى كمال نزاهتهم , وبراءة ساحتهم من السرقه , حتى لكأن
ألتهم لا تطاوعهم بأن ينطقوا بها فى هذا المقام .
وقوله «كذلك بجزى الظالمين، مؤكد لما قبله. أى مثل هذا الجزاء "عادل
وهو الاسترقاق لمدة سنة، نجازى الظالمين الذين يعتدون على أموال غيرهم
وقوله - سبحانه - ((فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من
وعاء أخيه ) معطوف على كلام محذوف يفهم من المقام .
والتقدير: وبعد هذه المحاورة التى دارت بين إخوة يوسف وبين الذين
أنهموهم بالسرقة وحتى الإخوة بتفتيش أمتعتهم للبحث عن الصواع داخلها
((فبدأ، المؤذن بتفتيش أوعيتهم ، قبل أن يفتش وعاء بنيامين ، فلم يجد
شيئاً بداخل أوعيتهم .
فلما وصل إلى وعاء بنيامين وقام بتفتيشه وجد السقاية بداخله، فاستخرجها
منه على مشهد منهم جميعا.
ويبدو أن هذا الحوار من أوله كان بمشهد ومر أى من يوسف - عليه
(١) تفسير فتح القدير الامام الشوكانى جـ ٣ ص ٠٤٣

- ١٢٨ -
السلام - ، وكان أيضا بتدبير وقوجيه منه للمؤذن ومن معه، فهو الذى
أمر المؤذن بأن ينادى , أيتها العير إنكم لسارقون))، وهو الذى أشار عليه.
بأن يسألهم عن حكم السارق فى شريعتهم ، وهو الذى أمرة بأن يبدأ بتفتيش
أوعيتهم قبل أن يفتش وعاء شقيقه بنيامين ، دفعا للتهمة ، ونفيا للشبهة ...
روى أنه لما بلغت النوبة إلى وعا بنيامين التفتيشه قال يوسف - عليه
السلام -: ما أظن هذا أخذ شيئا؟ فقالوا: والله لا نتركه حتى تنظر فى رحله،
فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا نفعل، (٢).
ويطوى القرآن ما اعترى إخوة يوسف مندهشة وخزى، بعد أن وجدت
السقاية فى رحل بنيامين، وبعد أن أقسموا بالله على براءتهم من تهمة
السرقة .. يطوى القرآن كل ذلك ، ليترك للعقول أن تتصوره ...
ثم يعقب على ما حدث ببيان الحكمة التى من أجلها ألهم الله - تعالى -
يوسف أن يفعل ما فعل من دس السقاية فى رحل أخيه ، ومن سؤال إخوته
عن جزاء السارق فى شريعتهم فيقول « كذلك كدنا ليوسف ، ما كان ليأخذ
أخاه فى دين الملك إلا أن يشاء الله ... ،
و(( كدنا، من الكيد وأصله الاحتيال والمكر. وهو صرف غيرك عما
يريده بحيلة. وهو مذموم إن تحرى به الفاعل الشر والقبيح، ومحمود إن تحرى
به الفاعل الخير والجميل .
والمراد به هنا النوع المحمود. واللام فى ((ليوسف، للتعليل.
والمراد بدين الملك: شريعته التى يسير عليها فى الحكم بين الناس.
والمعنى: مثل هذا التدبير الحكيم دبرنا من أجل يوسف ما يوصله إلى
غرضه ومقصده، وهو احتجاز أخيه بنيامين معه ، بأن الهمناه بان بضع
السقاية فى رحل أخيه، وبأن يسال إخوته عن حكم السارق فى شريعتهم ..
(٢) تفسير الآلوسى جـ ١٣ ص ٢٨,

- ١٢٩ -
وما كان يوسف ليستطيع أن يحتجز أخاء معه، لو نفذ شريعة ملك مصر،
لأن شريعته لا تجيز استرقاق السارق سنه كما هو الحال فى شريعة يعقوب،
وإنما تعاقب السارق بضربه وتغريمه قيمة ما سرقه.
وما كان يوسف ليفعل كل ذلك التدبير الحكيم فى حال من الأحوال ،
إلا فى حال مشيئة الله ومعونته وإذنه بذلك ، فهو - سبحانه - الذى أظمه
أن يدس السقاية فى رحل أخيه: وهو - سبحانه - الذى ألهمه أن يسأل
إخوته عن عقوبة السارق فى شريعتهم حتى يطبقها على من يوجد مواع الملك
فى رحله منهم .
فالجملة الكريمة بيان لمظهر من مظاهر فضل الله - تعالى - على يوسف
حيث ألهمه ما يوصله إلى مقصوده بأحكم أسلوب .
قال الألوسى ما ملخصه: قوله (( كذلك كدنا اليوسف)، أى: مثل ذلك
مكيد العجيب وهو إرشاد الإخوة إلى الإفتاء المذكور ... دبرنا وصنفنا
من أجل يوسف ما يحصل به غرضه ...
وقوله (( ما كان ليأخذ أخاه فى دين الملك، أى فى حكمه وقضائه، والكلام
استئناف وتعليل لذالك الكيد . كانه قيل: لماذا فعل ذلك ؟ فقيل: لأنه لم
يكن ليأخذ أخاه جزاء وجود الصواع عنده فى دين الملك فى أمر السارق إلا
بذلك الكيد، لأن جزاء السارق فى دينه أن يضاعف عليه الغرم ... دون
أن يسترق كما هو الحال فى شريعة يعقوب ،
وقوله (( إلا أن يشاء الله)) أى: لم يكن يوسف ليتمكن من أذخ أخيه فى
حال من الأحوال، إلا فى حال مدينته - تعالى - التى هى عبارة عن ذلك
المكيد المذكور .. ،!١)
(١) تفسير الآلوسى ج ١٣ ص ٢٩،
( ٢ - سورة يوسف )

- ٫٣٠ ٠
قالوا: وفى الآية دليل على جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما
صورته صورة الحيلة والمكيدة إذا لم يخالف ذلك شرعا ثابتا (١)
وقوله - سبحانه ـ(( نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذىء لم عليم،
استئناف لبيان قدرة الله - تعالى - وسعة رحمته وعطائه.
أى : ترفع من نشاء رفعه من عبادنا إلى درجات عالية من العلوم والمعارف
والعطايا والمواهب ... كما رفعنا درجات يوسف - عليه السلام-
(( وفوق كل ذى علم، من أولئك المرفوعين ((عليم «يزيد عنهم فى علمهم
وفى مكانتهم عند الله - تعالى -، فهو - سبحانه - العليم بأحوال عباده، وبمنازلهم
عنده ، وبأعلاهم درجة ومكانة .
وقال - سبحانه - ((ترفع)) بصيغة الاستقبال, الاشعار بأن ذلك سنة
من سنته الإلهية التى لا تتخلف ولا تتبدل، وأن عطاءه - سبحانه - لايغاله
إلا الذين تشملهم إرادته ومدينته كما تقتضيه حكمته.
وجاءت كلمة (( درجات)) بالتنكير، الإشارة إلى عظمها وكثرتها.
ثم حكى - سبحانه - ما قاله إخوة يوسف فى أعقاب ثبوت تهمة السرقة
على أخيه بنيامين فقال - تعالى - ((قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له
من قبل ..
٠٠٠،
أى: قال أخوة يوسف - عليه السلام - بعد هذا الموقف المحرج لهم:
إن يسرق بنيامين هذا الصواع الخاص بالملك، فقد سرق أخ له من قبل - وهو
يوسف - ما يشبه ذلك .
وقوله هذا يدل عنى أن صفيعهم بيوسف وأخيه ما زال متمكنا من نفوسهم
وقد ذكر المفسرون هنا روايات متعددة فى مرادهم بقولهم هذا، ومن
بين هذه الروايات ما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس عن النى - صلى الله
عليه وسلم - أنه قال فى الآية: سرق يوسف - عليه السلام - صنما لجده وكان
(١) تفسير فتح القدير ج ٣ ص ٤٣.

- ١٣١ -
هذا الصنم من ذهب وفضة، فكره وألقاه على الطريق ، فعير إخوته
ذلك ، (١)
وقوله «بأسرها يوسف فى نفسه ولم يبدها لهم، قال أنتم شر مكانا وأقه
أعلم بما تصفون)) بيان لموقفه من مقالتهم، والضمير فى ((فأسرها، يعود إلى
تلك المقالة التى قالوها .
أى : سمع يوسف - عليه السلام - ما قاله إخوته فى حقه وفى حق شقيقه
فساءه ذلك، ولكنه كظم غيظه، ولم يظهر لهم تأثره ما قالوه وإنما رد عليهم
بقوله (( بل أنتم)، أيها الأخوة .شر مكانا، أى: موضعا ومنزلا ممن نسبتموه
إلى السرقة وهو برىء، لأفكم أنتم الذين كذبتم على أبيكم وخدعتموه، وقلتم
له بعد أن ألقيتم بى فى الجب ، لقد أكله الذئب .
(( والله)) - تعالى-، أعلم ))منى ومنكم ((بما تصفون)) به غيركم من الأوصاف
التى يخالفها الحق ، ولا يؤيدها الواقع .
ثم حكى - سبحانه - ما قالوا ليوسف على سبيل الرجاء والاستمطاف لكى
يطلق هم أخاهم حتى يعود معهم إلى أبيهم فقال: « قالوا يا أيها العزيز إن له
أبا شيخاً كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين ..
أى : قال إخوة يوسف له على سبيل الاستعطاف ( يا أيها العزيز، الذى
أكرمنا وأحسن إلينا (( إن)) أخانا هذا الذى أخذته على سبيل الاسترقاق لمدة
سنة، قد ترلا من خلفه فى بلادنا، أما شيخا كبيراً، متقدما فى السن ، وهذا
الأب يحب هذا الابن حباجما فإذا كان ولابد من أن تأخذ واحداً على
الإسترقاق بسبب هذه السرقة ((فخذ أحدنا مكانه ، حتى لا تفجع أبانا فيه.
وإننا ما طلبنا منك هذا الطلب، إلا لأنناه تراك من المحسنين، إلينا،
المكرمين لنا، فسر على طريق هذا الإحسان والإكرام، وأطلق سراح
أخينا بنيامين ليسافر معنا .
ب (١) تفسير الآلومى جـ ١٣ ٠ ٣٢

- ١٣٢ -
: ولكن هذا الرجاء والتلطف والاستعطاف منهم ليوسف ، لم يجد شيئاً،
فقد رد عليهم فى حزم وحسم بقوله: « قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا
متاعنا عنده ... ))(( ومعاذ)) منصوب بفعل محذوف.
أى : قال يوسف لهم: نعوذ بالله - تعالى - معاذا ، من أن نأخذ فى جريمة
السرقة الا الشخص الذى وجدنا صواع الملك عنده وهو بنيامين .
وأنتم الذين أفتيتم بأن السارق فى شريمتكم عقوبته استرقاقه لمدة سنة،
فنحن نسير فى هذا الحكم تبعاً لشريعتكم .
. و«وإنا إذا لظالمون، ادا أخذنا شخصاً آخر سوى الذى وجدنا متاعنا
عنده والظلم تأباه شريعتنا كما تأباه شريعتكم، فأتر كوا الجدال فى هذا الأمر
الذى لا ينفع معه الجدال ، لأننا لا نريد أن نكون ظالمين .
وبهذا الرد الحاسم قطع يوسف حبال آمال اخوته فى العفو عن بنيامين
أو فى أخذ أحدهم مكانه، فانسحبوا من أمامه تعلوهم الكآبة ، وطفقوايفكرون
فى مصيرهم وفى موقفهم من أبيهم عند العودة اليه ...
وقد حكى القرآن ذلك بأسلوبه البليغ فقال: « فلما استيأسوا منه خلصوا
نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم مو ثقا من الله ومن قبل
ما فرطتم فى يوسف ...
..!. وقوله, استيأسوا، ينسوا يأسا تاما فالسين والتاء للمبالغة:
:،و(( خلصوا)) من الخلوص بمعنى الانفراد.
و « نجيا)) حال من فاعل خلصوا، وهو مصدر أطلق على المتناجين فى
السر على سبيل المبالغة.
: فى الفاء فى قوله:( فلما استيا سوا منه .... ، معطوفة على محذوف يفهم
من الكلام . .
والتقدير لقد بذل إخوة يوسف أقصى جهودهم معه ليطلق لهم سراح
أخيهم بنيامين ، فلما ينسوا ياسا تاما من الوصول إلى مطلوبهم ، أنفر دواعن

- ١٢٣ ٠ -.
الناس ليتشاوروا فيما يفعلونه، وفيما سيقولونه لأبيهم عندما يعودون اليه
ولا يجد معهم « بنيامين)) ...
وهذه الجملة الكريمة وهى قوله - تعالى - فلما استياءسوا منه خلصوانجيا ...
من أبلغ الجمل التى اشتمل عليها القرآن الكريم ، ومن العلماء الذين أشاروا إلى
ذلك الامام الثعالبى فى كتاب ((الإيجاز والإعجاز)، فقد قال: من أراد أن
يعرف جوامع الكلم ، ويتنبه لفضل الاختصار وبحيط ببلاغة الايجاز ،
ويقطن لكفاية الإيجاز، فليتدبر القرآن وليتأمل علوه على سائر الكلام .
ثم قال: فمن ذلك قوله - تعالى -- فى إخوة يوسف: فلما استيأسوامنه
خلصوا نجيا ، وهذه صفة اعتزالهم جميع الناس، وتقليبهم الآراء ظهرا لبطن،
وأخذهم فى تزوير ما يلقون به أباهم عند عودتهم اليه ، وما بوردون عليه من
ذكر الحادث . فتضمنت تلك الكلمات القصيرة، معافى القصة الطويلة، (١)
وقوله - قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم ..... ألخ)، بيان لما قاله لهم
أحدهم خلال تناجيهم مع بعضهم فى عزلة عن الناس .
ولم يذكر القرآن اسم كبيرهم، لأنه لا يتعلق بذكره غرض مهم، وقد ذكر
بعض المفسرين أن المراد به ((روبيل) لأنه أسنهم، وذكر بعضهم أنهيهوذا)،
لأنه كبيرهم فى العقل ....
أى: وحين إختلى إخوة يوسف بعضهم مع بعض لينظروا فى أمرهم بعد
أن احتجز عزيز مصر أخاه بنيامين، قال لهم كبيرهم:
((ألم تعلموا)، وأنتم تريدون الرجوع إلى أبيكم وليس معكم (« بنيامين)
, أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله، عند ما أرسله معكم ، بأر تحافظوا
عليه ، وأن لاتعودوا إليه بدونه إلا أن يحاط بكم.
وألم تعلموا كذلك أنكم فى الماضى قد فرطتم وقصر تم فى شأن يوسف،
حيث عاهدتم أباكم على حفظه ، ثم ألقيتم به فى الجب.
(١) تفسير القاسمى ج ٩ صـ ٣٥٧٨

- ١٣٤ -
والاستفهام فى قوله: (( ألم تعلموا ... ، للتقرير أى: لقد علمتم
علما يقيناً بعهد أبيكم عليكم بشأن بنيامين، وعلمتم علما يقينا بخيانتكم أحمد
أبيكم فى شان يوسف، فبأى وجه ستعودون إلى أبيكم وليس معكم أخوك
بنيامين؟
قال الشوكانى: قوله ((ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله)
أی عهدا من الله - تعالى - حفظ ابنه ورده الیه. و معنی کو نه من الله:أنه بإذنه.
وقوله ((ومن قبل مافرطتم فى يوسف ، معطوف على ماقبله. والتقدير:
ألم تعدوا أن أباكم .... وتعلموا تفريطكم فى يوسف، فقوله ((ومن قبل))
متعلق بتعدوا .
أى: تملوا تفريطكم فى يوسف من قبل. على أن ماصدرية(١).
وقوله ((فلن أبرح الأرض حتى يأذن لى أبى أو يحكم الله لى ......
حكاية للقرار الذى اتخذه كبيرهم بالنسبة لنفسه .
أى: قال كبير إخوة يوسف لهم: لقد علمتم ما سبق أن قلته لكم، فانظروا
فى أمركم، أما أنا «فلن أبرح الأرض، أى. فلن أفارق أرض مصر (( حتى
يأذن لى أبى ، بمفارقنها، لأنه قد أخذ علينا العهد الذى تعلمونه بشأن
أخى بنيامين .
((أو يحكم الله لى، بالخروج منها وبمفارقتها على وجه لا يؤدى إلى نقض
الميثاق مع أبى ((وهو ((- سبحانه - ((خير الحاكمين)) لأنه لا يحكم إلا
بالحق والعدل .
ثم واصل كبيرهم حديثه معهم فقال: ((أرجعوا)) يا إخوتى ((إلى أبيكم»
يعقوب ((فقولوا)) له برفق وتلطف .
((يا أبانا إن ابتك)) بنيامين ((سرق، صواع الملك، ووجد الصواع فى
(١) تفسير فتح القدير للشوكانى ج ٣ ص ٤٦

- ١٢٥ -
رحله وقولوا له أيضا، إننا« ماشهدنا إلا بما علمنا، أى: وماشهدنا على أخينا
بهذه الشهادة إلا على حسب علمنا ويقيننا بأنه سرق .
( وماكنا للغيب حافظين ) أى : وما كنا نعلم الغيب بأنه سيسرق صواع
الملك ، عندما أعطيناك عهودنا ومواثيقنا بأن نأتيك به معنا إلا أن يحاط بنا.
وقولوا كذلك على سبيل زيادة التأكيد، إن كنت فى شك من قولنا هذا
فاسأل ( القرية التى كنا فيها ) والمراد بالقرية أهلها .
أى: فأرسل من تريد إرساله إلى أهل القرية التى حصلت فيها حادثه السرقة
فإنهم سيذكرون لك تفاصيلها .
قالوا ومرادهم بالقرية مدينة مصر التى حدث فيها ماحدث ، وعبروا عنها
بالقرية لأنهم يقصدون مكانا معينا منها ، وهو الذى حصل فيه التفتيش لر حالهم،
والمراجعة بينهم وبين عزيز مصر ومعاونيه .
وقوله : ( والعير التى أقبلنا فيها ) معطوف على ماقبله.
أى: اسأل أهل القرية التى كنا فيها، واسأل (الغير) أى: قوافل التجارة
(التى كنا فيها) عند ذهابا وإيابنا فإن أصحاب هذه القوافل يعلمون ماحدث
من ابنك بنيامين .
وقوله ( وإنا لصادقون) أى: وإنا لصادقون فى كل ما أخبرناك به،
فكن واثقا من صدقنا .
وقد ختم كبيرهم كلامه بهذه الجملة ، زيادة فى تأكيد صدقهم، لأن ما ضيهم
معه يبعث على الريبة والشك، فهم الذين قالوا له قبل ذلك فى شأن يوسف :
( أرسله معنا غدا يرقع ويلعب وإنا له لحافظون) ثم ألقوابه فى الجب ،
( وجاؤا أباهم عشاء يبكون ... ) وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد صورت
بأسلوب حافل بالإثارة والمحاورة، والأخذ والرد ، والترغيب والترهيب ...
مادار بين يوسف وإخوته عندما قدموا إليه للمرة الثانية ومعهم شقيقه (بنيامين).
٠

- ٠٠١٣٦
فاذا "كان بعد ذلك؟ لقد كان بعد ذلك أن عاد الإخوة إلى أبيهم وتركوا
بمصر كبيرهم وأخاهم بنيامين، ويطوى القرآن الحكيم - على عادته فى هذه !
السورة الكريمة - أثر ذلك على قلب أبيهم المفجوع، إلا أنه يسوق لنا رده
عليهم، الذى يدل على كمال إيمانه ، وسعة آماله فى رحمة الله - تعالى - فيقول:
قالَ بل سوَّتْ لكم أنفُسُكُم أمراً فصبرٌ جميلٌ، عسى الله أَنْ يأتينى
بهم جميعاً إنهُ هو العائمُ الحَكِيمُ (٨٣) وتولَّى عنهمُ وقالَ يا أَسَفَى على
يُوسُفَ، وابيضَّتْ عيناهُ من الْحُزْنِ فهو كظيمٌ (٨٤) قالوا تا اللّهِ تفتأ
تذكرُ يوسفَ حتى تكونَ حرماً، أو تكونَ من الهالكِينَ (٨٥)
قالَ إِنَّا أشكُو ◌َتَّى وحُزْنِى إلى اللهِ وأعلمَ مِنَ اللهِ مالا تعلمونَ (٨٦)
يا بَنِىَّ اذهُبُوا فتحسَّسُوا من يوسفَ وأخيهِ ولا تيأْسُوا من رَوْحٍ
اللهِ، إنه لا يْسُ من رَوْحِ اللهِ إلا القومُ الكافرونَ (٧٨).
أى: ((قال)، يعقوب لبنيه، الذين حضروا إليه من رحلتهم، فأخبروه
بما هيح أحزانه ....
قال لهم: ( بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل) أى: ليس الأمر
كما تدعون، ولكن أنفسكم هى التى زينت لكم أمراً أنتم أردتموه، فصبرى
على ماقلتم صبر جميل، أى لا جزع معه، ولا شكوى إلا لله - تعالى -
قال ابن كثير : قال لهم كما قال لهم حين جاءوا على قميص يوسف بدم
كذب ( بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل ).
قال محمد بن إسحاق: لما جاءوا يعقوب وأخبروه بما جرى ، اتهمهم،
وظن أن ما فعلوه ببنيامين يشبه مافعلوه بيوسف فقال: بل سولت لكم
أنفسكم أمرا .... )
وقال بعض الناس: لما كان صنيعهم هذا مرتبا على فعلهم الأول ، سحب
حكم الأول عليه، وصح قوله ( بل سولت لكم أنفسكم أمرا .... )

- ١٣٧ --
والخلاصة أن الذى حمل يعقوب - عليه السلام - على هذا القول لهم،
المفيد لتشككه فى صدق ما أثبتوه لأنفسهم من البراءة، هو ماضيهم معه، فإنهم
قد سبق لهم أن جعوه فى يوسف بعد أن عادوه على المحافظة عليه .
ولكن يعقوب هنا أضاف إلى هذه الجملة جملة أخرى تدل على قوة أمله
فى رحمة الله، وفى رجائه الذى لا يخيب فى أن يجمع شمله بأبنائه جميعا فقال
- عليه السلام - ( عسى الله أن يأتينى بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم).
أى: عسى الله - تعالى - أن يجمعنى بأ ولادى جميعا - يوسف وبنيامين
وروبيل الذى تخلف عنهم فى مصر -، إنه - سبحانه - هو العليم بحالى،
الحكيم فى كل ما يفعله ويقضى به .
وهذا القول من يعقوب - عليه السلام - يدل دلالة وضحة على كمال إيمانه ،
وحسن صلته بالله - تعالى -، وقوة رجائه فى كرره وعطفه ولطفه - سبحانه-
وكانه بهذا القول يرى بنور الله الذى غرسه فى قلبه ، مالا يراه غيره
حو اسه وجوارحه.
ثم يصور - سبحانه - ما اعترى يعقوب من أحزان على يوسف، جددها
فراق بنيامين له فقال - تعالى - ((وتولى عنهم وقال يا أسفا على يوسف؛
وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم)).
وقوله يا أسفا)) من الأسف وهو أشد الحزن والتحسر على مافات من
أحداث . يقال: أسف فلان على كذا يا سف أسفا، إذا حزن حزناشديدا ..
وألفه بدل من باء المتكام للتخفيف والأصل يا أسفى .
وكظيم بمعنى مكظوم، وهو الممتلى. بالحزن ولكنه يخفيه من الناس ولا
یېدبه لهم .
ومنه قوله - تعالى - (والكاظمين الغيظ ) أى : المخفين له . مأخوذ
من كظم فلان السقاء : إذا سده على ما بداخله .

٠ ١٣٨ -
والمعنى: وبعد أن استمع يعقوب إلى ما قاله له أبناؤه، ورد عليهم ...
إنتابته الأحزان والهموم، وتجددت فى قلبه الشجون ... فتر كهم واعتزل
مجلسهم وقال :
((يا أسفا على يوسف، أى: يا حزنى الشديد على يوسف، أقبل فهذا
أوان إقبالك .
( وابيضت) عينا يعقوب من شدة الحزن) على يوسف وأخيه حتى
ضعف بصره، حيث انقلب سواد عينيه بياضا من كثرة البكاء.
((فهو كظيم، أى: ممتلىء حزنا على فراق يوسف له، إلا أنه كانم
لهذا الحزن لا يبوح به لغيره من الناس .
قالوا: وإنما تأسف على وسف دون أخويه - بنيامين ورويل -
مع أن الرزه الأحدث أشد على النفس ...
لأن الرز فى يوسف كان قاعدة «صيباته التى ترتبت عليها الرزايا والخطوب
ولأن حبه ليوسف كان حبا خاصا لا يؤثر فيه مرور الأعوام ...
ولأن من شأن المصيبة الجديدة أن تذكر بالمصيبة السابقة عليها، ونهيج
أحزانها ، وقد عبر عن هذا المعنى متهم بن فويرة فى رثائه لأخيه مالك فقال :
رفيقي لتذرف الدموع السوافك
لقد لامنى عند القبور على البكا
لقبر ثوى بين اللوى والدكادك
فقال أتبكى كل قبر رأيته
قدعنى ، فهذا كله قبر مالك
فقلت له: إن الشجى يبعث الشجى
وقال صاحب الكشاف. فإن قلت: كيف جاز لنى الله يعقوب أن يبلغ به
الجزع ذلك المبلغ ؟
قلت : الإنسان مجبول على أن لا يملك نفسه عند الشدائد من الحزن ...
ولقد بكى النبى - صلى الله عليه وسلم - على ولده إبراهيم وقال: إن العين
تدمع، والقلب يحزن، ولانقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم
لمحزونون .

- ١٣٩ -
وإنما الجزع المذصوم ما يقع من الجهلة من الصباح والنياحة ، واطم "صدور
والوجوه وتمزيق الثياب .
وعن الحسن أنه بكى على ولدله ، فقيل له فى ذلك ؟ فقال: مارأيت الله
جعل الحزن عاراً على يعقوب)) (١).
ثم يحكى القرآن ماقاله أبناء يعقوب له ، وقد رأوه على هذه الصورة من الهم
والحزن فيقول: «قالواتا الله تفتأ تذكريوسف حتى تكون حرضا أوتكون
من الهالكين » .
قال الشوكانى: قوله «تفتأ، أى: لا تفتأ، خذف حرف النفى لأمن اللبس.
قال الكسائى: فتأت وفتئت أفعل كذا: أى مازلت أفعل كذا .
وقال الفراء: إن لا مضمرة. أى لاقفتاً .... ومنه قول الشاعر:
ولو قطعوا رأسى لديك وأوصالى
قا عدا
فقلت يمين الله أبرح
أى: (( لا أبرح قاعدا ... )) (٢)
و«حرضاً: مصدر حرض. كتعبوالحرض: الإشراف على الهلاك
من شدة الحزن أو المرض أو غير هما .
والمعنى: قال أبناء يعقوب له بعد أن سمعوه وهو يتحسر على فراق
يوسف له: تا الله - يا أبانا - مايزال تذكر يوسف بهذا الحنين الجارف.
والحزن المضنى، «حتى تكون حرضاء: أى: مشر فا على الموت لطول ضك.
, أو تكون من الهالكين، المفارقين لهذه الدنيا.
وهنا يرد عليهم الأب الذى يشعر بغير ما يشعرون به من ألم وأمل ...
بقوله: ((إنما أشكو بنى وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ..
و((البث، ما ينزل بالإنسان من مصائب يعظم حزن صاحبها بسببها. حتى
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص
(٢) تفسير فتح القدير للشوكاني ج ٣ ص ٠٤٨

- ١٤٠ -
أنه لا يستطيع إخفاء هذا الحزن، وأصله التفريق وإثارة الشى. ومنه قولهم:
بنت الريح التراب إذا فرقته.
قالوا: والإنسان إذا قدر على كتم مانزل به من المصائب كان حزنا ، وإذا
لم يقدر على كتمه كان بها ...
والمعنى: قال يعقوب لأولاده الذين لاموه على شدة حزنه على يوسف :
إنما أشكو ((بنى)) أى: همى الذى انطوى عليه صدرى (( إلى الله)) - تعالى -
وحده، لا إلى غيره، فهو العليم بحالى،وهو القادر على تفريج كربى، فاتر كونى
وشأنى مع ربى وخالقى. فإنى (أعلم من الله، أى: من لطفه وإحسانه وثوابه
على الصبر على المصيبة ((ما لا تعلمون)) أتم، وإنى لأرجو أن يرحمنى وأن يلطف
بى، وأن يجمع شملى بمن فارقنى من أولادى، فإن حسن ظنى به - سبحانه-عظيم.
قال صاحب الظلال: وفى هذه الكلمات - التى حكاها القرآن عن يعقوب
- عليه السلام -، يتجلى الشعور بحقيقة الألوهية فى هذا القلب الموصول ، كما
تتجلى هذه الحقيقة ذاتها بحلالها الغامر، ولآلاتها الباهر .
إن هذا الواقع الظاهر المينس من يوسف ، وهذا المدى الطويل الذى
يقطع الرجاء من حياته فضلا على عودته إلى أبيه ... إن هذا كله لا يؤثر شيئا
فى شعور الرجل الصالح بربه ، فهو يعلم من حقيقة ربه ومن شأنه مالا يعلمه
هؤلاء المحجوبون عن تلك الحقيقة ....
وهذه قيمة الإيمان بالله ...
إن هذه المكلمات «وأعلم من الله ما لا تعلمون، تجلو هذه الحقيقة بما لا تملك
كلماتنا نحن أن تجلوها . وتعرض مذاقا يعرفه من ذاق مثله ، فيدرك ماذا تعنى
هذه الكلمات فى نفس العبد الصالح يعقوب ...
والقلب الذى ذاق هذا المذاق ، لا تبلغ الشدائد منه - مهما بلغت - إلا أن
يتعمق اللمس والمشاهدة والمذاق ... ((١) .
(١) فى ظلال القرآن ج ١٣ ص ٢٠٢٦.