النص المفهرس

صفحات 101-120

- ١٠١-
والمعنى: بعد أن جمع الملك النسوة قال لهن: ما الأمر الهام الذى حملكن
فى الماضى على أن تراودن يوسف عن نفسه ؟ وهل وجدتن فيه ميلا إلى
الإستجابة لكن .. ؟
قال صاحب الظلال ما ملخصه: والخطب الأمر الجلل ... فكان الملك
كان قد استقصى فعلم أمر هن قبل أن يواجههن ، وهو المعتاد فى مثل هذه
الأحوال، ليكون الملك على بينة من الأمر وظروفه قبل الخوض فيه ، فهو
يواجهن مقرراً الإتهام ، ومشيرا إلى أمر لهن جلل ...
:٠
ومن هذا نعلم شيئاً ما دار فى حفل الاستقال فى بيت الوزير ، ما قالته
النسوة، ليوسف ، وما لمحن به وأشرن إليه ، من الإغراء الذى بلغ
حد المراودة .
ومن هذا فتخبل صورة لهذه الأوساط وفعائها حتى فى ذلك العهد الموغل
فى التاريخ، فالجاهلية هى الجاهلية دائما. وأنه حيثما كان الترف، وكانت
القصور والحاشية ، كان التحلل والتميع والفجور الناعم الذى يرتدى ثياب
الأرستقراطية،(١).
وأمام هذه المواجهة التى واجههن بها الملك، لم يملكن الإفكار، بل
قلن بلسان واحد: ((حاشا لله، أى: معاذ الله.
((ماعلمن عليه من سوء. قط، وإنما الذى علمناه منه هو الاستعصام عن
كل سوء .
٠ ١
وهنا ((قالت امرأة العزيز)) ويبدو أنها كانت حاضرة معهن عند الملك ،
((الآن حصحص الحق، أى: الآن ظهر الحق وافكشف انكشافا تاما
بعد أن كان خافيا والفعل حصحص أصله حص ؛ كماقيل ، كبكب فى كب ،
وهو مأخوذ من الحص بمعنى الاستئصال والإزالة ، تقول : فلان حض شعره
إذا استأصله وأزاله فظهر ما كان خافيا من تحته ....
(١) فى ظلال القرآن جـ ١٢ ص ٠١٩٥٥ ..

- ١٠٢-
ثم أضافت إلى ذلك قولها « أنا راودته عن نفسه، هى: أنا التى طلبت
منه ماطلبت (( وإنه لمن الصادقین ، فی قو له , هی راودتنى عن نفسى)).
وهكذا يشاء الله - تعالى - أن تثبت براءة يوسف على رءوس الأشهاد،
بتلك الطريقة التى يراها الملك ، وتنطق بها امرأة العزيز ، والنسوة اللائى
قطعن أيديهن .
قال صاحب الكشاف ، ولا مزيد على شهادتهن له بالبراءة والنزاهة ،
واعترافهن على أنفسهن بأنه لم يتعلق بشىء ماقر فته به لأنهن خصومه ، وإذا
اعترف الخصم بأن صاحبه على الحق وهو على الباطل لم يبق لأحد مقال(١)
- إذ الفضل ما شهدت به الأعداء - .
ثم واصلت امرأة العزيز حديثها فقالت: « ذلك ليعلم أنى لم أخته بالغيب
وأن الله لا يهدى كيد الخائنين».
أى: ذلك الذى قلته واعترفت به على نفسى من أنى راودته عن نفسه،
إنما قلته ليعلم يوسف أنى لم أخته فى غيبته ، ولم أقل فيه شيئا يسوؤه وعد أن
فارقنى، ولبث بعيدا عنى فى السجن بضع سنين، وإنما أنا أقرر أمام الملك
وحاشيته بأنه من الصادقين ....
وإنما قررت ذلك لأن الله - تعالى - لايهدى كيد الخائنين، أى:
لا ينفذ كيدهم ولا يسدده، بل يفضحه ويزدقه ولو بعد حين من الزمان .
لذا فأنا التزمت الأمانة فى الحديث عنه، وابتعدت عن الخيانة ، لأن الله.
- تعالى - لا يرضاها ولا يقبلها.
: فأنت ترى أن هذه المرأة التى شهدت على نفسها شهادة لا تبالى بما يترقب
عليها بشأنها ، قد عللت شهادتها هذه بعلتين :
× إحداهما: كرامتها أن تخونه فى غيبته بعد أن فقد الدفاع عن نفسه وهو:
فى السجن ...
(١) تفسير الكشاف ج ٢ صـ ٣٢٦

- ١٠٣ -
وثانيهما: علمها بأن الله - تعالى - لا يهدى كيد الخائنين ولا يسدده،
وإنما يبطله ويزهقه ...
ثم أضافت إلى كل ذلك قولها ،وما أبرىء نفسى إن النفس الأمارة بالسوء،
إلا مارحم ربى ، إن ربى غفور رحيم )
أى : ومع أتى أعترف بأنه من الصادقين، وأعترف بأنى لم أخته بالغيب،
إلا أنى مع كل ذلك لا أبرىء نفسى ولا أنزهها عن الميل إلى الهوى ، وعن
محاولة وصفه بماهو بريء منه ، فأنا التى قلت لزوجى فى حالة دهشتى واففعالى
الشديد: ما جزاء من أراد يأهلك سوءا إن أن يسجن أو عذاب أليم ، وماحمان
على هذا القول إلا هو اى وشهواتى ، ونفسى ، إن النفس البشرية الكثيرة
الأمر لصاحبها بالسوء إلا نفسارحمها الله وعصمها من الزلل والإنحراف،
کنفس يوسف - عليه السلام -
وجملة ((إن ربى غفور رحيم) تعليل لما قبلها، أى: إن ربى كثير الغفران
وكثير الرحمة ، لمن يشاء أن يغفر له ويرحمه من عباده .
والذى يتأمل هذا الكلام الذى حكاه القرآن عن امرأة العزيز، يراه زاخرا
بالصراحة التى ليس بعدها صراحة، وبالمشاعر والانفعالات الدالة على إحترامها
ليوسف للذى خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ، رغم الإغراءات.
المصحوبة بالترغيب والترهيب ، ويبدو لنا - والله أعلم - أن هذا الكلام
ما قالته امرأة العزيز، إلا بعد أن استقرت عقيدة الإيمان التى آمن بها يوسف
فى قلبها، وبعد أن رأت فيه إنسانا يختلف فى استعصامها بالله، وفى سمونفسه.
عن غيره من الناس الذين رأتهم.
:6
هذا ، وبرى كثير من المفسرين أن كلام امرأة العزيز قد انتهى عند أوله.
- تعالى - ((وإنه لمن الصادقين، وأن قوله - تعالى - بعد ذلك ,ذلك ليعلم أنى
لم أخته بالغيب ... إلى قوله، تعالى -، إن ربى لغفور رحيم)، هو من
كلام يوسف - عليه السلام -: فيكون المعنى.

- ١٠٤ -
(ذلك ليعلم، أى العزيز ((أفى لم أخذه، فى أهله (الغيب)، أى فى غيبته,وأن
الله لا يهدى كيد الخائنين، من النساء والرجال ، بل يطل هذا الكيد ويفضحه.
((وما أبرىء نفسى (( أى: ولا أزهها عن السوء، وهذا من باب التواضع
منه - عليه "سلام - ((إن النفس الأمارة بالسوء، أى: إن هذا الجنس من
الأنفر البشرية، شأنه الأمر بالسوء والميل إلى الشهوات.
((إلا مارحم ربى)، «ن النفوس فعصمها عن أن تكون أمارة بالسوء
، إن ربى غفور رحيم، لمن شاء أن يغفر له ويرحمه من خلقه .
والذى نراه أن الرأى الأول الذى مرنا عليه هو الجدير بالقبول، لأنه
هو المناسب لسياق الآيات من غير تكلف، ولأنه لا يؤدى إلى تفكك لسكلام
وانقطاع بعضه عن بعض، بخلاف الرأى الثانى الذى يرى أصحابه أن كلام
امرأة العزيز قد انتهى عند قوله - تعالى - ((وإنه لمن الصادقين، فإنه يؤدى إلى
تفكك الكلام ، وعدم ارتباط بعضه ببعض ، فضلا عن أن وقائع التاريخ
لا تؤيده، لأن يوسف - عليه السلام - كان فى السجن عندما أحضر الملك
النسوة وقال هن: (( ماخطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه ...
وعندما قالت امرأة العزيز أمام الملك وأمامهن: الآن حصحص الحق ...
إلى قوله - تعالى - ((إن ربى غفور رحيم)).
ومن المفسرين الذين أيدوا الرأى الأول الإمام ابن كثير فقد قال ماملخصه:
«ذلك ليعلم أنى لم أخته بالغيب ... )) تقول: إنما اعترفت بهذا على نفسي ..
بأنى راودت هذا الشاب فامتنع، «وما أبرىء نفسى ... )، تقول المرأة: ولست
أبرئ نفسي، فإن النفس تتحدث وقتمنى، ولهذا راودته لأنها أمارة بالسوء
(إلا مارحم ربى)، أى: إلا من عصمه الله - تعالى -...
ثم قال: وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصبة ومعافى
الكلام. لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك ، ولم يكن

-١٠٥ -
يوسف - عليه السلام - عندهم، بل بعد ذلك أحضره الملك ، (١).
وإلى هنا تمكون السورة الكريمة قد حدثتنا عن القسم الأول من حياة يوسف
- عليه السلام - القسم الذى تعرض خلاله لألوان من المحن والآلام، بعضها
من إخوته ، وبعضها من امرأة العزيز، وبعضها من السجن ومرارته ...
- ثم بدأت بعد ذلك فى الحديث عن الجانب الث فى من حياته عليه السلام.
وهو جانب الرخاء والعز والتمكين فى حياته، فقال - تعالى -,وقال الملك
اقتوفى به أستخلصه لنفسى ....
وفى الكلام إيجاز بالحذف ، والتقدير وبعد أن انكشفت الملك براءة
يوسف - عليه السلام - انكشافا تاما، بسبب ما سمعه عنه من النسوة
ومن امرأة العزيز، وبعد أن سمع تفسيره للرؤيا وأعجب به ، كما أعجب !سمو
نفسه وإباته ....
، بعد كل ذلك قال الملك لخاصته: إنتوفى بيوسف هذا، ليكون خالصا
لنفسى، وخاصا بى فى تصريف أمورى، وكتمان أسرارى ، وتسيير دفة
الحكم فى مملكتى.
والسين والتاء فى قوله ( أستخلصة ) للمبالغة فى الخلوص له ، فهما للطلب
كما فى استجاب، والاستخلاص الب خلوص الشىء من شوائب الشركة .
فكأن الملك قد شبه يوسف - عليه السلام - بالشىء النفيس النادر،
الذى يجب أن يستأثر به الملك دون أن يشاركه فيه أحد سواه .
والفاء فى قوله ( فذا كله قال إنك اليوم لدينا مكين أمين ) معطوفة على
محذوف يفهم من السياق .
والضمير المنصوب فى (كليه) يعود على الملك - على الراجح-
والمراد اليوم : الزمان الذى حدث فيه التخاطب بين الملك ويوسف .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ٠ ٣٢٠

- ١٠٦ -
و (مكين) صفة « شبهة من الفعل مكن - بضم الكاف -، بمعنى صاحب
مكافة ومرتبة عظيمة ، يقال : مكن فلان مكانة إذا ارتفعت منزلته ، ويقال:
مكنت فلانا من هذا الشىء إذا جعلت له عليه سلطانا وقدرة .
وأمين) بزفة فعيل بمعنى مفعول، أى: مأمون على ما نكلذلك به ، ومحل ثقتنا.
والمعنى: وقال الملك لجنده ائتوفى بيوسف هذا أستخلصه لنفسى فأتوه
به إلى مجلسه .
إزداد حب الملك له وتقديره إياه وقال له: إنك منذ اليوم عندنا صاحب
الكلمة النافذة، والمزلة الرفيعة ، التى تجعلنا نأتمنك على كل شىء فى هذه
المملكة . وتلك المقالة من الملك ليوسف، هى أولى بشائر عاقبة الصبر؛ وعزة.
النفس ، ومهارة القلب ، والاستغصام بحبل الله المتين .....
وهنا طلب يوسف - عليه السلام من الملك بعزة وإباء أن يجعله فى
الوظيفة التى يحسن القيام بأعبائها فقال: ((قال. اجعانى على خزائن الأرض إنى
حفيظ عليم ، والخزائن جمع خزانة - بكسر الخاء وهم إسم للمكان الذى يخزن
فيه الشىء. والمراد بالأرض: أرض مصر:
أى: قال يوسف - عليه السلام - الملك: اجعلنى - أيها الملك المتصرف
الأول فى خزائن أرض مملكتك، المشتملة على ما يحتاج اليه الناس من
أموال وأطعمة - لأنى شديد الحفظ لما فيها، عليم بوجوه تصريفها فيما يفيد
وينفع ...
فأنت ترى أن يوسف - عليه السلام - لم يسأل الملك شيئا لنفسه من.
أعراض الدنيا؛ وإنما طلب منه أن يعينه فى منصب يتمكن بواسطته من القيام
برعاية مصالح الأمة، وتدبير شئونها .... لأنها مقبلة على سنوات عجاف، تحتاج
إلى خبرة يوسف وأمانته وكفاءته ، وعلمه ...
قال صاحب الكشاف: (( وصف يوسف نفسه بالأمانة والكفاية اللتين

- ١٠٧ -
هما طلبة الملوك من يولونه، وإنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء وأحكام الله.
تعالى - وإقامة الحق، وبسط العدل، والتمكن مما لأجله تبعث الأنبياء إلى
العباد، ولعلمه أن أحدا غيره لا يقوم مقامه فى ذلك ، فطلب القولية ابتغاء
وجه الله - تعالى - لا لحب الملك والدنيا)) (١)
وقال القرطى ما ملخصه: ودلت الآية - أيضا - على جواز أن يخطب
الإنسان عملا يكون له أهلا .
فان قيل : فان ذلك يعارضه ما جاء عر رسول الله صلى الله عليه وسلم فى
الأحاديث الصحيحة من نهيه عن طلب الإمارة ...
. فالجواب: أولا : أن يوسف - عليه السلام - إنما طلب الولاية لأنه علم
أنه لا أحد يقوم مقامه فى العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم،
فرأى أن ذلك فرض متعين عليه ، فإنه لم يكن هناك غيره ....
الثانى أنه لم قل اجعانى على خزائن الأرض لأفى حسيب كريم، وإن
كان كذلك، ولم يقل إفى جميل مليح .. وإنما قال « إفى حفيظ عليم، فسألها
بالحفظ والعلم لا بالنسب والجمال .
الثالث : إنما قال ذلك عند من لا يعرفه فأراد تعريف نفسه ، وصار ذلك.
مستثنى من قوله - تعالى -: ((فلا تزكوا أنفسكم .... (٢)
والخلاصة أن يوسف - عليه السلام - إنما قال ما قال الملك ، وطلب
ما طلب منه، لأنه علم أن هذا المنصب لا يصلح له أحد سواه فى ذلك الوقت
وفى تلك الظروف ، فهو يريد من ورائه خدمة الأمة لاجر منفعة شخصية
لنفسه ...
وما قاله إنما هو من باب التحدث بنعمة الله - تعالى - الذى أعطاه هذه
الصفات الكريمة ، والمناقب العالية، وليس من باب تزكية النفس المحظورة .
(١) تفسير الكثاف ــ ٢ ص ٣٢٨
(٢) راجع تفسير القرطبى = ٢١٦٠٠٩

- ١٠٫١ : .
هذا، وقوله - سبحانه ـ((وكذلك مكنا ليوسف فى الأرض ..... )) بيان
لسنة الله - تعالى - فى خلقه، من كونه - سبحاه .. لا يضيع أجر الصابرين
المحسنين أى: ومثل هذا التمكين العظيم ، مكنا ليوسف فى أرض مصر، بعد
أن مكث فى سجنها بضع سنين، لا لذقباقترفه، وإنما لاستعصامه بأمر الله.
وقوله)، يتبوأ منها حيث يشاء, تفصيل للتمكين الذى منحه الله - تعالى -
ليوسف فى أرض مصر. والتبوأ إتخاذ المكان للنزول به. يقال : بوأ فلان
فلانا منزلا ، أى مكنه منه وأنزله به أى: ومثل هذا التمكين العظيم ، مكنا
ليوسف فى أرض مصر؛ حيث هيأنا له أن يتنقل فى أماكنها ومنازلها حيث
يشاء له التنقل ، دون أن يمنعه مانع من الحلول فى أى مكان فيها . فالجملة
الكريمة كفاية عن قدرته على التصرف والتنقل فى جميع أرض مصر، كما
يتصرف وبتنقل الرجل فى منزله الخاص .
وقوله : نصيب برحمتنا من نشاء .... ، بيان لكمال قدرته ، ونفاذ إرادته
- سبحانه - أى: نصيب برحمتنا وفضلنا وعطائنا من نشاء عطاءه من عبادنا
بمقتضى حكمتنا ومشيئتنا.
(ولا نضيع أجر المحسنين)، الذين يتقنون أداء ما كلفهم الله بأدائه، بل
نوفيهم أجورهم على إحسانهم فى الدنيا قبل الآخرة إذا شئنا ذلك .
((ولأجر الآخرة خير، وأبقى ((للذين آمنوا، بالله - تعالى - إيمانا
حقا ، و کانوا یتقون ، خالقهم - عز وجل - فى كل ما يأتون وما يذرون ، بأن
يصونوا أنفسهم عن كل ما يغضبه .
وهكذا كاناً الله - تعالى - يوسف على صبره وتقواه وإحسانه، بما يستحقه
من خير وسعادة فى الدنيا والآخرة .
.ثم تطوى السورة بعد ذلك أحداثا تكل معرفتها إلى فهم القارىء وفطنته،
فهى لم تحدثنا - مثلا - عن الطريقة التى اتبعها يوسف فى إدارة لخزائن أرض
مصر، إكتفاء بقوله ((إفى حفيظ عليهم، للدلالة على كفاءته وأمانته.

- ١٠٩ -
. كذلك لم تحدثنا عن أحوال الناس فى السنوات السبع العجاف، وفى السنوات
الخضر ، لأن هذا مقرر ومعروف فى دنيا الماس .
كذلك لم تحدثنا عن صلة الملك وحاشيته بيوسف ، بعد أن صار أمينا على
خزائن الأرض ، بل أفسحت المجال كله للحديث عن يوسف ، إنزالا للناس
منازلهم، إذ هو صاحب التفسير الصحيح لرؤيا الملك، وصاحب الأفكار
الحكيمة التى أفقدت الأمة من فقر سبع سنوات شداد، وصاحب الدعوة إلى
وحدانية الله - تعالى - وإخلاص العبادة له، بين قوم يشر كون مع الله فى
العبادة آلهة أخرى :.
لم تحدثنا السورة الكريمة عن كل ذلك ، فى أعقاب حديثها عن تمكين الله
- تعالى - ليوسف فى الأرض، وإنما انتقلت بنا بعد ذلك مباشرة إلى الحديث
عن لقاء يوسف بإخرته ، وعما دار بينه وبينهم من محاورات ، عن
إكرامه لهم ...
قال تعالى: ((وجاء إخوةُ يوسفَ فدخلُوا عليه فعَرَفَهم وهُمْ لَهُ
مُنكِرُونَ (٥٨) ولمَّا جَّزَ مْ يَجَازِمِ قالَ انْتُونِى بِأَخٍ لِكُمْ مِنْ أَيْكُم
ألا تُرَوْنَ أَبِّى أُوفِ الكيلَ وأنا خيرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فإنْ لَمَّ تَأْتُونى به
فلا كَيْلَ لكُم عِنِدِى ولا تقرّبُون (٦٠) قَالُوا سَنَاوِدُ عنه أباهُ وإنا
الفاعِلُون (٦١) وقالَ لفتيانِهِ اجمُلُوا بضاعتهُم فى رمالِهِم لعلَّهم يعرفُونَها
إذَا انقلبُوا إلى أهلِهِم لعلهم يرجعونَ (٦٢))).
قال الفخر الرازى - رحمه الله - اعلم أنه لما عم القحط فى البلاد، ووصل
أيضا إلى البلدة التى كان يسكنها يعقوب - عليه السلام - وصعب الزمان عليهم
فقال لبنيه: إن بمصر رجلا صالحا يمير الناس - أى يعطيهم الطعام وما هم فى
حاجة اليه فى «عاشهم -؛ فاذهبوا اليه بدر اهمكم، وخذوا منه الطعام. فخرجوا

- ١١٠ -
اليه وهم عشرة وبقى بنيامين مع أبيه - ، ودخلوا على يوسف - عليه السلام.
وصارت هذه الواقعة کالسبب فى اجتماع يوسف مع إخوته، وظهور صدق
ما أخبر الله - تعالى - عنه فى قوله ليوسف حال ما ألقوه فى الجب
لتنبئهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون)) (١)
وقد جاءوا إليه جميعا - ما عدا((بنيامين)) وهو الشقيق الأصغر ليوسف
ليحصلوا منه على أكبر كمية من الطعام على حسب عددهم ، وليكون عندم
القدرة على صد العدوان إذا ما تعرض لهم قطاع الطرق الذين يكثرون فى
أوقات الجدب والجوع .
وعبر عن معرفة يوسف لهم بالجملة الفعلية ، وعن جهلهم له بالجملة الإسمية
للاشعار بأن معرفته لهم حصلت بمجرد رؤيته لهم ، أما هم فعدم معرفتهم له
كان أمرا ثابتا متمكنا منهم .
قال صاحب الكشاف: لم يعرفوه لطول العهد، ومفارقته إياهم فى سن
الحداثة ولاعقادهم أنه قد ملك ، ولذهابه عن أوهامهم لقلة فكرهم فيه،
واهتمامهم بشائه، ولبعد حاله التى بلغها من الملك والسلطان عن حاله
التى فارقوه عليها طريحا فى البئر، حتى لو تخيلوا أنه هو اكذبوا أنفسهم.
وظنونهم، ولأن الملك ما يبدل الزى، ويلبس صاحبه من التهيب
والاستعظام ما يفكر له المعروف ... ، (٢)
ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن المجاعة حدثت فى السبع السنين الشداد
شملت مصر وما جاورها من البلاد - كما سبق أن أشرنا -.
كما يؤخذ منها أن مصر كانت محط أنظار المعسرين من مختلف البلاد. بفضل
حسن تدبير يوسف - عليه السلام-، وأخذه الأمور بالعدالة والرحمة. وسهره
على مصالح الناس ، ومراقبته لشئون بيع الطعام، وعدم الاعتماد على غيره
(١) تفسير الفخر الرازى حـ ١٨ ص ١٦٥
(٢) تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٠٢٢٩

- ١١١ -
ذلك، حتى إن إخوته قد دخلوا عليه_ حده، دون غيره من المسئولين فى مصر.
.وقوله - سبحانه - « ولما جهزهم بجهاز هم قال انتوى بأخ لكم من
أبيكم ٠٠٠.، بيان لما فعله يوسف معهم بعد أن عرفهم دون أن يعرفوه.
وأصل الجهاز - بفتح الجيم وكسرها قليل -: مايحتاج إليه المسافر
من زاد ومتاع، بقال جهزت المسافر ، أى هيأت له جهازه الذى يحتاج إليه
فى سفره . ومنه جهاز العروس وهو ما تزف به إلى زوجها ، وجهاز الميت
وهو ما يحتاج إليه فى دفنه ...
والمراد : أن يوسف بعدأن دخل عليه إخوته وعرفهم، أكرم وفادتهم.
وعاملهم معاملة طيبة جملتهم يأنسون إليه، وهيالهم ماهم فى حاجة إليه من
الطمام وغيره ، ثم استدرجهم بعد ذلك فى الكلام حتى عرف منهم على وجه
التفصيل أحوالهم ....
وذلك لأن قوله لهم « انتونى بأخ لكم من أبيكم، يستلزم أن حديثا
متنوعا نشأ بينه وبينهم ، عرف منه يوسف ، أن لهم أخا من أبيهم لم يحضر معهم
وإلا فلو كان هذا الطلب منه لهم بعد معرفته لهم مباشرة، لشعروا بأنه يعرفهم
وهو لا يريد ذلك .
ومن هنا قال المفسرون إن قوله (( لفتوى بأخ لكم من أبيكم، يقتضى
كلاما دار بينه وبينهم نشأ عنه هذا الطلب، ومما قالوه فى توضيح هذا الكلام:
ماروى من أنهم بعد أن دخلوا عليه قال لهم: من أقم وشأنكم ؟فقالوا :
نحن قومٍ من أهل الشام، جئنا نمتار، ولنا أب شيخ صديق فى من الأنبياء
إسمه يعقوب، فقال لهم: كم عددكم قالوا عشرة، وقد كنا أثنى عشر ، فذهب
أخ لنا إلى البرية فهلك، وكان أحبنا إلى أبينا، وقد سكن بعده إلى أخ له
أصغر منه، هو باق لديه يتسلى به، فقال لهم حينئذ: ((انتونى باخ الكم ، من
لكم ، (4).
(١) تفسير فتح القدير للشوكانى ج ٣ ٠٠ ٣٧

- ٠٠١١٢
ويروى أنه قال لهم ذلك بعد أن طلبوا منه شيئا زائدا عن عددهم، لأنّ
لهم أخا لم يحضر معهم ، فأعطاهم ماطلبوه، واشترط عليهم إحضار أخيهم هذا
معهم، ليتأ کد من صدقهم )، (١).
والمعنى: وبعد أن أعطى يوسف إخوته ماهم فى حاجة إليه، وعرف منهم
أن لهم أخا من أبيهم قد تركوه فى منازلهم ولم يحضر معهم ، قال لهم : أنا أريدكم
فى الزيارة القادمة لى ، أن تحضروه معكم لأراه ...
وقوله: من أبيكم، حال من قوله ((أخ لكم، أى: أخ لكم حالة كونه
من أبيكم ، وليس شقيقا لكم، فإن هذا هو الذى أريده ولا أريد غيره.
وهذا من باب المبالغة فى عدم الكشف لهم عن نفسه، حتى لكأنه لا معرفة
له بهم ولا به إلا من ذ کرهم إياه له
وقوله: ( ألا ترون أنى أوى الكيل وأنا خير المنزلين» تحريض لهم
على الإتيان به ، وترغيب لهم فى ذلك حتى ينشطوا فى إحضاره معهم.
أى: ألا ترون أنى أكرمت وفادتكم، وأعطيتكم فوق ماتريدون من
الطعام ، وأنزلتكم يلدى منزلاكريما ....
ومادام أمرى معكم كذلك، فلابد من أن تأأو فى معكم بأخيكم من
أبيكم فى المرة القادمة ، لكى أزيد فى إكرامكم وعطائكم .
والمراد بإيفاء الكيل: إتمامه بدون قطفيف أو تنقيص.
وعبر بصيعة الاستقبال , ألا ترون .... ، مع كونه قد قال هذا القول
بعد تجهيزه لهم . للدلالة على أن إيفاءه هذا عادة مستمرة له معهم كلما أتوه .
وجمله (« وأنا خير المنزلين، حالية، والمنزل: المضيف لغيره. أى:
والحال أنى خير المضيفين لمن نزل فى ضيافى، وقد شاهدتم ذلك بأنفسكم .
(٢) راجع تفسير القرطبي جـ ٩ صـ ٠٢٢١

- ١١٣ -
ثم أتبع هذا الترغيب بالترهيب فقال: (فإن لم تأتوفى به فلا كيل لكم
عندى ولا تقربون ) .
أى: لقد رأيتم من كل خير فى ثقائكم معى هذا، وقد طلبت منكم أن
تصحيوا معكم أخاكم من أبيكم فى لفائكم الفادم معى، فإن لم تأتونى به معكم
عند عودتكم إلى، فإنى لن أبيعكم شيئا مما تريدونه من الأطعمة وغيرها،
وفضلا عن ذلك فإنى أحذركم من أن تقربوا بلادى فضلا عن دخولها .
هذا التحذير منه - عليه السلام - لهم، يشعر بأن إخوته قد ذكرواله
بأنهم سيعودون إليه مرة أخرى ، لأن مامعهم من طعام لا يكفيهم إلا لوقت
محدود من الزمان .
وقوله - سبحانه -: ( قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون) حكاية
لما رد به إخوة يوسف عليه .
أى قال إخوة يوسف له بعد أن أكد لهم وجوب إحضار أخيهم لأببهم
معهم: (( سنراود عنه أباه، أى: سنطلب حضوره معنا من أبيه برفق ولين
ومخادعة ومحايلة ((وإنا لفاعلون)، هذه المراودة باجتهاد لا كال ولا ملل معه
وفاء لحقك علينا .
وقولهم هذا يدل دلالة واضحة على أنهم كانوا يشعرون بأن إحضار
أخيهم لأبيهم معهم - وهو بنيامين الشقيق الأصغر ليوسف - ، ليس
أمرا سهلا أو ميسوراً، وإنما يحتاج إلى جهد كبير مع أبيهم حتى يقنعوه
يارساله معهم .
ثم بين .. سبحانه - ما فعله يوسف مع إخوته وهم على وشك الرحيل
فقال: ((وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم فى رحالهم، لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا
إلى أهلهم لعلهم يرجعون)).
٣ والفتيان: جمع فتى والمراد بهم هنا من يقومون بخدمته ومساعدته فى عمله.
(٨ -- سورة يوسف )

- ٢٠١١٤
والبضاعة فى الأصل : القطعة الوفيرة من الأموال التى تقتنى للتجارة،
مأخوذة من البضع بمعنى القطع .
والمراد بها هنا : أثمان الطعام الذى أعطاه لهم يوسف ... عليه السلام-
والرحال: جمع رحل، وهو ما يوضع على البعير من متاع الراكب .
والمعنى: وقال يوسف - عليه السلام - اغتيانه الذين يقومون بتلبية
مطالبه: أعيدوا إلى رحال هؤلاء القوم - وهم إخوته - الأثمان التى رفعوها
لنا فى مقابل ما أخذوه منا من طعام، وافعلوا ذلك دون أن يشعروا بكم، لعل
هؤلاء القوم عندما يعودون إلى بلادهم ، ويفتحون أمتعتهم، فيجدون فيها
الأثمان التى دفعوها لنا فى مقابل ما أخذوه من طعام وغيره .
لعلهم حينئذيرجعون إلينامرة أخرى ، ليدفعوها لنا فى مقابل ما أخذوه.
وكأن يوسف - عليه السلام - أراد بفعله هذا حملهم على الرجوع إليه
ومعهم «بنيامين، لأن من شأن النفوس الكبيرة أن تقابل الإحسان بالإحسان
وأن أفف من أخذ المبيع دون أن تدفع لصاحبه ثمنه .
وقوله (« لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم، تعليل لأمره فتيانه يجعل
البضاعة فى رحال إخوته . إذ أن معرفتهم بأن بضاعتهم قد ردت إليهم لا يتم
إلا بعد انقلابهم - أى رجوعهم - إلى أهلهم، وبعد تفريغها عندهم.
وقوله «لعلهم يرجعون)، جواب للأمر. أى: اجعلوها كذلك، لعلهم بعد
اكتشافهم أفهم مادفعوا لنا ثمن ما أخذوه ، يرجعون الينا ليدفعوا لنا حقنا.
وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد حدثقنا عمادار بين يوسف وإخوته
بعد أن دخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون ، وبعد أن طلب منهم بقوة أن
يعودوا إليه ومعهم أخوهم لأبيهم ... فاذا كان بعد ذلك ؟
لقد حكت لنا السورة الكريمة ما دار بين إخوة يوسف وبين أبيهم من
محاورات طلبوا خلالها منه أن يأذن لهم فى اصطحاب ((بنيامين» معهم فى رحلتهم
القادمة إلى مصر، كما حكت ماردبه أبوهم عليهم . قال - تعالى -:

- ١١٥ -
((فلمَّا رجِعُوا إِلَى أبيهم قالوا يا أباناً مُنِع منا الكيلُ فَأَرْسِلْ مّعنا
أَخَاَنَا فَكتَلْ وإنّا لهُ لحافظون (٦٣) قالَ هالْ آمنُكُم عليه إلا كما أمِتُكُم
عَلَى أخيه من قبلُ ، فالله خيرٌ حافِظًاً وهو أرحم الراحمينَ (٦٤) ولما
فتحُوا متاعَهم وجَدُوا بضاعتَهم رُدَّتْ إليهم قالُوا يا أباناً ما نبغِى هذه
بَضَعْثَ رَدَّتْ إلينا، ونُِيرُ أهلَنَا ونُحفَظُ أغانا ونزدَادُ كيلَ بعير ذلكَ
كيلٌ يسيرٌ (٦٥) قالَ لن أُرسِلَه معكم حتى تُؤْتونٍ مَوْثِقاً من اللهِ
تأْتَذَّفِ به إلا أنْ يُحَاطَ بُكُم فلمَّا آتَوْه موثقَهم قال الهُ على ما نقولُ
وكيلٌ (٦٦) وقالَ يا بَنِى لا تدخلُوا من بابٍ واحدٍ وادْخُلُوا من أبوابٍ
مُغرقَةٍ ، وما أغنى عنكم من اللهِ من شىء، إنِ الحكمُ إلاَّ قُوٍ عليه
توكلتُ، وعليه فليتوكلِ المتوكّلُون (٦٧) ولمّا دخُلُوا من حيثُ أَمَرَهُم
أَبُوهُ ما كانَ يْنِ عنْهُمْ مِنَ اللهِ من شىءٍ، إلاَّ حاجةً فى نفسِ يعقوبَ
هذَها، وإنَّهُ لذو عِلْمِ لما علَّنَهُ، ولكنَّ أكثَرَ الناسِ
لا يعلمونَ (٦٨))) .
... وقوله - سبحانه -: ((فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا السكيل
فأرسل معنا أخانا فكتل ... )) حكاية لما قاله إخوة يوسف لأبيهم فور
التقائهم به .
والمراد بالكيل : الطعام المكيل الذى هم فى حاجة إليه .
والمراد بمنعه: الحيلولة بينهم وبينه فى المستقبل ، لأن رجوعهم بالطعام
فريضة على ذلك .
والآية الكريمة معطوفة على كلام محذوف ، يدرك من السياق والتقدير:
ترك إخوة يوسف مصر، وعادوا إلى بلادهم ، بعد أن وعدوه بتنفيذ

- ١١٦ -٠
ماطلبه منهم ، فلما وصلوا إلى بلادهم ، ودخلوا على أبيهم قالوا له بدون تمل .
(( يا أبانا)، لقد حكم عزيز مصر بعدم بيع أى طعام لنا بعد هذه المرة، إذا
لم نأخذ معنا أخانا («بنيامين)، ليراه عند عودتنا إليه ؛ فقد قال لنا مهدداً عند
مُغادرتنا له . ((فإن لم تأتونى به فلا كيل لكم عندى ولا تقربون)).
وأنت تعلم أننا لابد من عودتنا إليه ، لجلب احتياجاتنا من الطعام وغيره،
فنرجوك أن توافقنا على اصطحاب («بنيامين) معنا ((وإنا له لحافظون)) حفظا
قاماً من أن يصيبه مكروه.
والآية الكريمة واضحة الدلالة على أن قولهم هذا لأبيهم ، كان بمجرد
رجوعهم إليه، وكان قبل أن يفتحوا متاعهم ليعرفوا ما بداخله ...
وكأنهم فعلواذلك ليشعروه بأن إرسال بنيامين معهم عند سفرهم إلى مصره
أمر على أكبر جانب من الأهمية، وأن عدم إرساله سيترتب عليه منع الطعام عنهم.
وقرأحمزة والكسائى(، فأرسل معنا أخاذا يكتل) - بالياء - أى: فأرسله
معنا ليأخذ نصيبه من الطعام المكال، لأن عزيز مصر لا يعطى طعاما لمن كان غائبا.
وعلى كلا القراء تين فالفعل مجزوم فى جواب الطلب .
وقالوا له ((وإنا له لحافظون، بالجملة الإسمية، لتأكيد حفظهم له: وأن
ذلك أمر ثابت عندهم ثبوتا لا مناص منه .
ولكن يبدو أن قولهم هذا قد حرك كوأمن الأحزان والآلام فى نفس
يعقوب ، فهم الذين سبق أن قالوا له فى شأن يوسف - أيضا - ((أرسله معنا
غدا يرقع ويلعب وإنا له لحافظون ).
لذا نجده يرد عليهم فى استنكار وألم بقوله: ((قال هل آمنكم عليه إلا كما
أمنتكم علی أخيه من قبل٠٠٠٠ ))
أى: قال يعقوب لأولاده بعد أن طلبوا منه بإلحاح إرسال أخيهم معهم،
وبعد أن تعهدوا بحفظه: أتريدون أن أنتمنكم على ابنى (بنيامين))، كما ائتمنتكم
على شقيقه يوسف من قبل هذا الوقت، فكانت النتيجة التى تعرفونها جميعا ،
وهى فراق يوسف لى فراقا لا يعلم مداه إلا الله - تعالى - ؟ !!

- ١١٧ ٠
لا ، إننى لا أُثق بوعودکم بعد الذى حدث منكم معى فى شأن يوسفب.
فالاستفهام فى قوله (( هل آمنكم ... ، الإنكار والنفى .
وقوله ( فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين ) تفريع على استنكاره
لطلبهم إرسال (بنيامين) معهم، وتصريح منه لهم بأن حفظ الله - تعالى -
خير من حفظهم .
أى: إننى لا أثق بوعودكم لى بعد الذى حدث منكم بالنسبة ليوسف،
وإنما أثق بحفظ الله ورعايته ( فائته ) - تعالى - ( خير حافظا ) لمن يشاء
حفظه، فمن حفظه سلم، ومن لم يحفظه لم يسلم ، كما لم يسلم أخوه يوسف
من قبل حين انتمنتكم عليه ( وهو ) - سبحانه - (أرحم الراحمين ) لخلقه ،
فأرجو أن يشملنى برحمته، ولا يفجعنى فى ( بنياءين )، كما فجعت فى شقيقه
يوسف من قبل .
ويبدو أن الأبناء قد اقتنعوا برد أبيهم عليهم، واشتموا من هذا الرد
إمكان إرساله معهم ، لذا لم يراجعوه مرة أخرى .
قال الآلوسي ما ملخصه: وهذا - أى رد يعقوب عليهم - ميل منه
- عليه السلام - إلا الإذن والإرسال لما رأى فيه من المصلحة، وفيه
أيضا من التوكل على الله - تعالى - ما لا يخفى، ولذا روى أن الله - تعالى-
قال وعزتي وجلالى لأردهما عليك إذ توكلت على ... وقرأ أكثر السبعة
(فاه خير حفظا ... ) وقرأحمزة والكسائى وحفص (حافظا ... ) وعلى
القراءتين فهو منصوب على أنه تمييز ... )(١).
ثم اتجه الأبناء بعدهذه المحاورة مع أبيهم إلى أمتعتهم ليفتحوها، ويخرجوا
مابها من زاد حضروا به من مصر؛ فكانت المفاجأة التى حكاها القرآن فى قوله:
( ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم ... )
أى: وحين فتحوا أوعيتهم التى بداخلها الطعام الذى اشتروه من عزيز
(١) تفسير الألوسى ج ١٣ ص ١١

٠٤٠
- ١١٨ -
مصر. فوجئوا بوجود أثمان هذا الطعام قد ردت إليهم معه، ولم يأخذ ها عزيز
مصر، بل دسها داخل أوعيتهم دون أن يشعروا. فدهشوا وقالوا لأبيهم متعجبين:
(( يا أبانا ما تبغى هذه بضاعتنا ردت إلينا، أى: يا أبانا ماذا نطلب من
الإحسان والكرم أكثر من هذا الذى فعله معنا عزيز مصر ؟ لقد أعطانا الطعام
الذى نريده ، ثم رد إلينا ثمنه الذى دفعناه له دون أن يخبرنا بذلك.
فما فى قوله (( ما نبغى)، استفهامية، والاستفهام للتعجب من كرم عزيز
مصر ، وهى مفعول فبغى ، وقبغى من البناء - بضم الباء - وهو الطلب.
والمراد ببضاعتهم: الثمن الذىدفعوه للعزيز فىمقابل ما آخذوه منهمن زاد.
وجملة (( هذه بضاعتنا ردت إلينا، مستأنفة لتوضيح ما دل عليه الاستفهام
من التعجب ، بسبب ما فعله معهم عزيز مصر من مروءة وسخاء.
فكأنهم قالوا لأبيهم: كيف لا نعجب وندهش، وهذه بضاعتنا ردت إلينا
من حيث لاندرى ومعها الأحمال التى اشتريناها من عزيز مصر لم ينقص منها شىء؟
وقوله (( ونمير أهلنا)) معطوف على مقدر يفهم من الكلام، أى:
(هذه بضاعتنا ردت إلينا) فننتفع بها فى معاشنا، ومير أهلنا، أى: تجلب لهم الميرة
- بكسر الميم وسكون الياء - وهى الزاد الذى يؤتى به من مكان إلى آخر.
، ونحفظ أخانا)، عند سفره معنا من أى مكروه.
((ونزداد)) بوجوده معنا عند الدخول على عزيز مصر.
((كيل بعير، أى: ويعطينا العزيز حمل بعير من الزاد، زيادة على هذه المرة
نظرا لوجود أخينا معنا .
ولعل قولهم هذا كان سببه أن يوسف - عليه السلام - كان يعطى من
الطعام على عدد الرءوس ، حتى يستطيع أن يوفر القوت للجميع فى تلك
السنوات الشداد.
واسم الإشارة فى قوله - سبحانه - ذلك كيل يسير «يعود إلى الزاد
الذى أحضروه من مصر أى : ذلك الطعام الذى أعطانا إياه عزيز مصر طعام

- ١١٩ -
يسير، لا يكفينا إلا لمدة قليلة من الزمان ، ويجب أن نعود إلى مصر لأنى
بطعام آخر .
وفى هذه الجمل المتعددة التى حكاها القرآن عنهم، تحريض واضح منهم
لأبيهم على أن يسمح لهم باصطحاب «بنيامين، معهم فى رحلتهم القادمة إلى مصر
ومن مظاهر هذا التحريض : مدحهم أعزيز مصر الذى رد لهم أثمان
مشترياتهم، وحاجتهم الملحة إلى استجلاب طعام جديد، وتعهدهم بحفظ أخيهم
وازدياد الا طعمة بسبب وجوده معهم ...
ولكن يعقوب - عليه السلام - مع كل هذا التحريض والإلحاح، لم
يستجب لهم إلا على كره منه، واشترط لهذه الاستجابة ما حكاه القرآن فى قوله :
,قال أن أرسله معكم حتى تأتون موثقا من اللّه لتأقنى به إلا أن يحاط بكم)
والموثق : العهد الوثق باليمين ، وجمعه مواثيق .
أى: قال يعقوب - عليه السلام - لهم: والله لن أرسل معكم («بنيامين))
إلى مصر: حتى تحلفوا لى بالله، بأن تقولوا: والله لنأتينك به عند عودتنا،
ولى نتخلى عن ذك ، (( إلا أن يحاط بنا، أى: إلا أن نهلك جميعاً، أو أن
تغلب عليه بما هو فوق طاقتنا .
يقولون: أحيط بفلاز إذا هلك أو قارب الهلاك، وأصله من إحاطة
العدو بالشخص ، واستعمل فى الهلاك، لأن من أحاط به العدو بهلك غالبا.
وسمى الحلف بالله - تعالى - موثقا، لأنه ما تؤكد به العهود وتقوى
وقد أذن الله - تعالى - بذلك عدد وجود ما يقتضى الحلف به - سبحانه -.
وقوله: (( لتأقنى به)) جواب القسم محذوف والاستثناء فى قوله , إلا أن
يحاط بكم، مفرغ من أعم الأحوال، والتقدير: لن أرسله معكم حتى تحلفوا
باتمه وتقولوا، والله لنأتينك به معنا عندعودتنا، فى جميع الأحوال والظروف
إلا فى حال هلا ككم أو فى حال جزكم التام عن مدافعة أمر حال بينكم وبين
الإتيان به معكم .

١٢٠ -
وقوله ((فلما آتوه موثقهم)، أى: فلما أعطى الأبناء أباهم العهد الموثق باليمين
بأن أقسموا له بأن يأتوا بأخيهم معهم عند عودتهم من مصر.
((قال) لهم على سبيل التأكيد والحث على وجوب الوفاء: ((الله)) - تعالى-
((على ما نقول، أنا وأنتم (( وكيل)) أى: مطلع ورقيب، وسيجازى الأوفياء
خيرا ، وسيجازى الناقضين لعهودهم بما يستحقون من عقاب.
قال ابن كثير: وإنما فعل ذلك ، لأنه لم يجد بداً من بعثهم لأجل الحيرة
التى لا غنى لهم عنها فبعثه معهم)، .
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما وصى به يعقوب أبناءه عند سفرهم فقال
(( وقال يا بنى لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة ... »
أى: وقال يعقوب - الأب العطوف - لأبنائه وهو يودعهم: يا بنى إذا
وصلتم إلى مصر ، فلا تدخلوا كلكم من باب واحد، وأتم أحد عشر رجلا
بل ادخلوا من أبوابها المتفرقة ، بحيث يدخل كل اثنين أو ثلاثة من باب .
قالوا : وكانت أبواب مصر فى ذلك الوقت أربعة أبواب.
وقد ذكر المفسرون أسباباً متعددة لوصية يعقوب هذه لأبنائه، وأحسن
هذه الأسباب ما ذكره الآلومى فى قوله: نهاهم عن الدخول من باب واحد ؛
حذراً من إصابة العين - أى من الحسد، فإنهم كانوا ذوى جمال وشارة حسنة ...
فكانوا مظنة لأن يعانوا - أى لأن يحسدوا - إذا مادخلوا كوكبة واحدة ...
ثم قال: والعين حق، كماصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصح
أيضا بزيادة ((ولو كان شىء يسبق القدر سبقته العين)) ٠٠٠
وقد ورد أيضا: (( إن العين لتدخل الرجل القبر، والجمل القدر)) .. (1.
وقيل : إن السبب فى وصية يعقوب لأبنائه بهذه الوصية ، خوفه عليهم
من أن يسترعى عددهم حراس مدينة مصر إذا ما دخلوا من باب واحد،
(١) تفسير الآلوسي - بتصرف وتلخيص - ج١٣ ص ١١.