النص المفهرس
صفحات 81-100
- ٨١ - وقد أدخلهما الملك السجن غضبا عليهما، لأنهما اتهما بخيانته . والجملة الكريمة عطف على كلام محذوف يفهم من السياق. والتقدير بعد أن بدا العزيز وحاشيته سجن يوسف، نفذوا مابدالهم فسجنوه ، ودخل معه فى السجن فتبان من خدم الملك ، قال أحدهما ، وهو ماقى الملك ايوسف - عليه السلام - . « إنى أرانى أعصر خمرا، أى: إنى رأيت فيما يرى النائم، أنى أعصر عنبا أيصير خمرا، سماه بما يؤول إليه . ((وقال الآخر إنى أرابى أحمل فوق رأسى خبزا أكل الطير منه، أى: وقال الثانى وهو خباز الملك ، إنى رأيت فى المنام أنى أحمل فوق رأسى سلالا بها خبز، وهذا الخبزتأكل الطير منه وهو فوق رأسى. والضمير المجرور فى قوله (( نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين، يعود إلى المرقى فى المنام أى: أخبرنا بتفسير ما رأيناه فى منامنا ، إنا نراك ونعتقدك من القوم الذين يحسنون تأويل الرؤى، كما أننا نتوسم فيك الخير والصلاح، لإحسانك إلى غيرك : من السجناء الذين أنت واحد منهم . وقبل أن يبدأ يوسف - عليه السلام - فى تأويل رؤياهما. أخذ يمهد لذلك بأن يعرفهما بنفسه، وبعقيدته ، ويدعوهما إلى عبادة الله وحده، ويقيم لهما الأدلة على ذلك ... وهذا شأن المصلحين العقلاء المخلصين لعقيدتهم الغيورين على قشرها بين الناس، إنهم يسوقون لغيرهم من الكلام الحكيم ما يجعل هذا الغير يثق بهم ، ويقبل عليهم , ويستجيب لهم ... تيم وهذا ما كان من يوسف - عليه السلام - فقد بدأ فى رده عليهما بقوله: ((قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما .... ٠٠ ٨٢ ٠٠ أى: قال يوسف الرفيقيه فى السجن اللذين سألاه أن يفسر لهما رؤياهما: لا يأتيكما - أيها الرفيقان - طعام ترزقانه فى سجنكما، فى حال من الأحوال، إلا وأخبر تكما بماميته وكيفيته وسائر أحواله قبل أن يصل إليكما. وإنما قال لهما ذلك ليبرهن على صدقه فيما يقول ، فيستجيبا لدءو ته لهما إلى وحدانية الله بعد ذلك . وقوله (( ذلكما معا علمنى ربى)) ففى لما قد يتبادر إلى ذهنهما من أن عله مأخوذ عن الكهانة أو التنجيم أو غير ذلك ما لا يقره الدين . أى: ذلك التفسير الصحيح للرؤيا، والإخبار عن المغيبات ، كإخباركا عن أحوال طعامكما قبل أن يصل إليكما ... ذلك كله إنما هو العلم الذى علنى إياه ربى وخالقى ومالك أمرى، وليس عن طريق المكهانة أو التنجيم كما يفعل غيرى . وقوله («ما علمنى ربى، فيه إشعار بأن ما أخبرهما به من مغيبات، هو جزء من علوم كثيرة علها إياه ربه - عز وجل - فضلا منه - سبحانه - وكرما. ثم أضاف إلى ذلك قوله « إنى تركت ملة قوم، أى دين قوم ((لا يؤمنون بالله ، أى لا يدينون بالعبودية لله - تعالى - وحده، الذى خلقهم ورزقهم ، وإنما يدينون بالعبودية لآلهة أخرى لا تنفع ولا تضر . ((وهم بالآخرة، ومافيها من ثواب وعقاب ((هم كافرون)) جاحدون لما يجب الإيمان به . وفى هذه الجملة السكريمة تعريض بما كان عليه العزيز وقومه ، من إشراك وكفر ولم يواجه الفتيان بأنهما على دين قومهما، وإنما ساق كلامه على سبيل العموم، لكى يزيد فى استمالتهما إليه، وإقبالهما عليه .... وهذا شأن الدعاة العقلاء، يلتزمون فى دعوتهم إلى الله الحكمة والموعظة الحسنة ، بدون إحراج أو تنفير . - ٨٣ ٥ ولما كان تركه لملة هؤلاء القوم، يقتضى دخوله فى ملة قوم آخرين ، نراه . صرح بالملة التى اتبعها فيقول: ((واتبعت مسلمة آبائى)) الكرام المؤمنين وحدانية الله وبالآخرة وما فيها من حساب وجزاء «إبراهيم وإسحاق ويعقوب)). وسماء آباء جميعا، لأن الأجدادآباء. وقدم الجد الأعلى ثم الجد الأقرب ثم الأب، لكون إبراهيم هو أصل تلك الملة التى اتبعها، ثم تلقاها عنه إسحاق، ثم تلقاها عن إسحاق يعقوب - عليهم السلام - . وفى هذه الجملة الكريمة ، بيان منه - عليه السلام - لرفيقيه فى السجن ، بأنه من سلسلة كريمه، كلها أنبياء ، حصل له بذلك الشرف الذى ليس بعده شرف وقوله (( ما كان لنا أن نشرك بالله من شىء، تنزه عن الشرك بأبلغ وجه . أى: ماصح وما استقام لنا أن نشرك بالله - تعالى - أى شىء من الإشراك، فنحن أهل بيت النبوة الذين عصمهم الله - تعالى - عن ذلك . و((من)، فى قوله , من شىء، لتأكيد النفى وتعميمه. أى، ما كان لنا أهل هذا البيت الكريم أن نشرك بالله شيئامن الإشراك، قليلاذلك الشىء أو حقيرا. وقوله ، ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ... ، اعتراف منه - عليه السلام - برعاية الله - تعالى - له ولآ بائه. واسم الإشارة . يعود إلى الإيمان بالله - تعالى -المدلول عليه بنفى الشرك. أى: ذلك الإخلاص لله - تعالى -فى العبادة، كائن من فضله - سبحانه - علينا معاشر هذا البيت، وعلى غيرنا من الناس ، الذين هداهم إلى الإيمان الحق . وقوله ((ولكن أكثر الناس لايشكرون، إنصاف للقلة الشاكرة لہ - تعالى -. أى: ولكن أكثر الناس لايشكرون الله - على فعمه الجزيلة، وآلائه التى لا تحصى . - ٨٤ - وبعد أن عرف يوسف صاحبيه فى السجن بنفسه وبملته وبا بائه، شرع يقيم لهم الأدلة على صحة عقيدته، وعلى فساد عقيدته ما فقال - كما حكى القرآن عنه -: ياصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار). أى: ياصاحبى ورفيقى فى السجن. أخبرانى بربكما، أعبادة عدد من الأرباب المتفرقة فى ذواتها وصفاتها (خير لكما ((أم) عبادة ((الله)) - تعالى- ( الواحد، فى ذاته وصفاته « القهار، لكل من غالبه أو نازعه؟ وكرو ندا.هما بالصحبة ليتحبب إليهما بهذه الصفة التى فيها إيناس للقلوب، وليسترعى انتباهها إلى ماسيقوله لهما . قال صاحب المنار ما ملخصه: وقوله (( أ أرباب متفرقون خير ... )، هذا استفهام تقرير بعد تحبير، ومقدمة لأظهر برهان على التوحيد ، وكان المصريون المخاطبون به، يعبدون كغيرهم من الأمم أربابا متفرقين فى ذواتهم وفى صفاتهم وفى الأعمال التى يسندونها إليهم زعمهم، فهو يقول لصاحبيه, أأرباب متفرقون» أى: عديدون هذا شأنهم فى التفرق والإنقسام , خير، لكما ولغير كاء أم الله الواحد القهار ... .! ) ولاشك أن الجواب الذى لا يختلف فيه عاقلان ، أن عبادة الله - تعالى - الواحد القهار ، هى العبادة الصحيحة التى توافق الفطرة السليمة والعقول القويمة. ثم انتقل يوسف - عليه السلام - إلى تفنيد العقائد الباطلة، والأوهام السكاذبة فقال: «ما تعبدون من دونه، أى من دون الله - تعالى -المستحق للعبادة. (((إلا أسماء)) أى إلا ألفاظا فارغة لا قيمة لها. : ((سميتموها)) آلهة بزعمكم (( أنتم وآ باؤكم)) أما هى فليس لها من هذا الإسم المزعوم ظل من الحقيقة ، لأنها مخلوق، وليست خالقة، ومرزوقة وليست رازقة ، وزائلة وليست باقية ، وما كان كذلك لا يستحق أن يكون إلها . (١) تفسير المنار جـ ١٢ ص ٠٣٠٧ - ٨٥ - ومفعول ((سميتموها، الثانى محذوف، والتقدير سميتموها آلهة. ، وقوله وآباؤكم، لقطع عذرهم، حتى لا يقولوا: إنا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون، فكأنه - سبحانه - يقول لهم: إن آباء كم كانوا أشد منكم جهلاً وضلالا ، فلا يصح لكم أن تقتدوا بهم . والمراد بالسلطان فى قوله - تعالى - ((ما أنزل الله بها من سلطان، الحجة والبرهان . أى: ما أنزل الله - تعالى - بتسميتها أربابا - كماسميتموها بزعمكم - من برهان أو دليل يشعر بتسميتها بذلك، وإنما أنتم الذين خلفتم عليها هذه الأسماء. وقوله (( إن الحكم إلا لله، إبطال لجميع التصرفات المزعومة لآلهتهم .. أى: ما الحكم فى شأن العقائد والعبادات والمعاملات وفى صمتها أو عدم حتها إلا لله - تعالى - وحده، لأنه الخالق لكل شىء، والعليم بكل شىء .. وقوله « أمر أن لا تعبدوا إلا إياه)) إنتقال من الأدلة الدالة على وحدانيته - سبحانه -، إلى الأمر بإخلاص العبادة له وحده . أى: أمر - سبحانه - عباده أن لا يجعلوا عبادتهم إلا له وحده، لأنه هو بيالفهم ورازقهم، وهو يحييهم ويميتهم . ن ثم ختم سبحانه - الآية الكريمة بقوله: « ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون )»، ١. أى: ذلك الذى أمرفاكم به من وجوب إخلاص العبادة لله- تعالى- وحده، هو الدين القيم . أى: الحق المستقيم الثابت، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك حق العلم، لاستيلاء الشهوات والمطامع على نفوسهم . . وبعد أن عرف يوسف صاحبيه فى السجن بنفسه، وأقام لهما الأدلة على أن عبادة الله - تعالى - وحده هى الدين الحق ودعا هما إلى الدخول فيه ... - ٨٦ - بعد كل ذلك شرع فى تفسيررؤ ياهماليزيدهمائقة فى قو له، فقال : «ياصاحى السجن أما أحد كما، وهو سافى الملك، فيخرج من السجن بريتا ويسقى مربهم أى : سيده الملك « خرا». (( وأما الآخر، وهو خباز الملك وصاحب طعامه , فيصلب، أى :فيقتل. ثم يصلب (( فتأكل الطير من رأسه)) بعد موته. ولم يعين يوسف - عليه السلام - من هو الذى سيسقى ربه خمرا، ومن هو الذى سيصلب، وإنما اكتفى بقوله ((أما أحدكما ... وأما الآخر، تلطفاتى معهما، وتحرجا من مواجهة صاحب المصير السىء مصيره، وإن كان فى تعبيره ما يشير إلى مصير كل منهما بطريق غير مباشر . ثم أكد لهما الأمر واثقا من صدق العلم الذى علمه الله إياه، فقال:« قضى الأمر الذى فيه تستفتيان ». والاستفتاء: مصدر استفتى إذا طلب الفتوى من غيره فى أمر خفي عليه قيمه أى: قم التفسير الصحيح لرؤيا كما اللتين سألتمانى عن تأويلهما. ثم ختم يوسف - عليه السلام - حديثه مع صاحبيه فى السجن ، بأن أوصى الذى سينجو منهما بوصية حكاها القرآن فى قوله: ((وقال للذى ظن أنه فاج منهما، أذكرنى عند ربك، فأنساه الشيطان ذكرربه ، فلبث فى السجن بضع سنين ». :* أى: ((وقال، يوسف - عليه السلام - للفتى الذى اعتقد أنه سيتجو منهما وهو ساقى الملك ، أيها الساقى بعد أن تخرج من السجن وتعود إلى عملك عند سيدك الملك، اذكر حقيقة حالى عنده، وأنى سجين مظلوم . ولكن الساقى بعد أن عاد إلى عمله عند الملك، لم ينفذ الوصية، لأن الشيطان أنساه ما قاله له يوسف، فكانت النتيجة أن لبث يوسف- عليه السلام. فى السجن مظلوما بضع سنين . - ٨٧ - والبضع - بالكسر - من ثلاث إلى تسع، وهو ماحود من البضع - بالفتح - بمعنى القطع والشق . يقال: بضعت الشىء أى قطعته. وقد اختلفوا فى المدة التى قضاها يوسف فى السجن على أقوال من أشهرها أنه لبث فيه سبع سنين . وعلى هذا التفسير يكون الضمير فى «فأنساه، يعود إلى ساقى الملك، ويكون المراد بربه أى : سيده ملك مصر . وهناك من يرى أن الضمير فى قوله ((فأنساه، يعود إلى يوسف - عليه السلام - وأن المراد بالرب هنا: الخالق - عز وجل - ، وعليه يكون المعنى . وقال يوسف - عليه السلام - للعتى الذى اعتقد نجاته وهو ساقى الملك، أذكر مظلمتى عند سيدك الملك عند ماتعود إليه، واذكر له إحسانى لتفسير الرؤى .... وقوله(( فأنساه الشيطان ذكرربه، أى: فأنسى الشيطان يوسف أن يذكر حاجته لله وحده، ولا يذكرها الساقى ليبلغها إلى الملك . فكانت النتيجة أن لبث يوسف فى السجن بضع سنين بسبب هذا الاعتماد على المخلوق . والذى يبدو لنا أن التفسير الأول أقرب إلى الصواب، لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة ، ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك , وقال الذى نجامهما وأذكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون ... » يدل دلالة واضحة على أن الضمير فى قوله (( فأنساه ، يعود إلى ساقى الملك ، وأن المراد بر٠» أى سيده. وقد علق الإمام الرازى على هذه الآية تعليقا يشعر بترجيحه الرأى الثانى فقال ما ملخصه: واعلم أن الاستعانة بالناس فى دفع الظلم جائزة فى الشريعة، إلا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين، فهذا وإن كان جائزا العامة الخاق ، إلا أن الأولى بالصديقين أن يقطعوا نظرهم عن الأسباب بالكلية، وألا يشتغلوا إلا بمسبب الاسباب .... - ٨٨ - ثم قال : والذى جربته من أول عمرى إلى آخره أن الإنسان كما عول فى أمر من الأمور على غير الله، صار ذلك سببا إلى البلاء وإلى المحنة .... وإذا عول العبد على اللّه ولم يرجع إلى أحد من الخلق حصل ذلك المطلوب على أحسن الوجوه ، فهذه التجربة قد استمرت لى من أول عمرى إلى هذا الوقت الذى بلغت فيه السابعة والخمسين من عمرى . ثم قال : واعلم أن الحق هو قول من قال أن الضمير فى قوله ((فأنساه الشيطان ذكر ربه ((راجع إلى يوسف .. والمعنى: أن الشيطان أنسى يوسف أن يذكر ربه وخالقه ... ،(١) ونحن مع احترامنا لرأى الفخر الرازى. إلا أننا مازلنا نرى أن عودة الضمير فى قوله (( فأنساه، إلى الساقى الذى ظن يوسف أنه هو الناجى من العقوبة ، أولى لماسبق أن ذكر ناه . قال ابن كثير قوله (( اذ كرنى عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه ... )، أى : قال يوسف اذكر قصتى عند ربك وهو الملك ، فنسى ذلك الموصى أن يذكر مولاه بذلك، وكان نسيانه من جملة مكايد الشيطان ... هذا هو الصواب أن الضمير فى قوله، فأناه .. ، عائد على الناجى كما قال مجاهد ومحمد ابن إسحاق وغير واحد .... ))(٢). = وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد قصت علينا بأسلوبها المشوق الحكيم جانبا من حياة يوسف - عليه السلام - فى السجن فماذا كان بعد ذلك ؟ لقد كان بعد ذلك أن أراد الله - تعالى - فتح باب الفرج ليوسف - عليه السلام -، وكان من أسباب ذلك أن رأى الملك فى منامه رؤيا أفزعته، ولم يستطع أحد تأويلها تأويلا صحيحا سوى يوسف - عليه السلام -. استمع إلى القرآن وهو يقص ذلك فيقول : (١) تقدير الفخر الرازى ج ١٨ - ١٤٤. (٢) راجع تفسير ابن كثير جـ٤ ١٦ ٣طبعة دار العصب وراجع تقدير المنار ج١٢ -١٣ ٨٩ - : ((وقالَ الملِكُ إنى أَرَى سَعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُنَّ سَبْعٌ غِجَافٌ، وسَبْعَ سُفْبِلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخرَ يا بساتٍ ، يأيها الملا أَفْتُونِى فِى رُؤْيِىَ إِنَ كَنَّم للرُّؤْيَاَ تعبرونَ (٤٣) قالُوا أضغاثُ أَحلامٍ، وما نحنُ بَأْوِيلٍ الأحلام بمالمينَ (٤٤) وقالَ الّذِى نجاَ منهُما وادَّكَرَ بعد أمةٍ، أَنَا أنبئكمٌ بتأويله فأرسِلُونِ (٤٥) يوسفُ أيها الصديقُ أفْتِنَاً فى سَبْعِ بِقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهن سَبْعُ مِجَفٌ، وسبعٍ سُقبلاتٍ خُضرٍ وأُخرَ يا بساتٍ ، لَلَىَّ أَرجِع إلى الناسِ لعلّهُم يعلَمُونَ (٤٦) قالَ تَزرعونَ سَبْعَ سنيْنَ دأَّياً ، فاحصدْتمُ فذرُوهُ فِى سُنَبْلِهِ إلّ قليلاً مِمّ تأكلون (٤٧) ثمَّ يَأْفِى مِنْ يُعد ذلكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْن ماقدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلّ قليلاً مَّا تُحصِنُون (٤٨) ثم يأتِى ◌ِن بعد ذَلكَ عامٌ فِيهِ يُغَثُ الناسُ وفيه يعصرونَ (٤٩))). فقوله - سبحانه - ((وقال الملك إنى أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف .. )) شروع فى حكاية الرؤيا التى رآها ملك مصر فى ذلك الوقت .. قال ابن كثير: هذه الرؤيامن ملك مصر ٠ ٠ما قدر الله - تعالى - أنها كانت سببالخروج يوسف - عليه السلام - من السجن معززاً مكرما ، وذلك أن الملك رأى هذه الرؤيا، فمالته وتعجب من أمرها، وما يكون تفسيرها، لجمع الكهنة وكبراء دولته وأمراءها، وقص عليهم ما رأى « وسألهم عن تأويلها، فلم يعرفوا ذلك ... »(١). وقوله - عجاف، جمع عجفاء والعجف - بفتح العين والجيم - ذهاب السمن، يقال هذا رجل أعجف وامرأة عجفاء. إذا ظهر ضعفهما وهزاهما ... (:) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢١٧ - ٩٠ - أى: وقال ملك مصر فى ذلك الوقت لكبار رجال مملكته، إنى رأيت فيما يرى النائم («سبع بقرات، قد امتلأن شجما ولما، يأكلهن سبع عجاف)» أى: بأكل هذه البقرات السبع السمان ، سبع بقرات أخرى عجاف أى : ممازيل ضعاف . ورأيت - أيضا - فيما يرى النائم ((سبع سفبلات خضر، قد امتلأت حبا ، ورأيت إلى جانبها سبع سنبلات (( أخر يابسات)) قد ذهبت نضارتها وخضرتها . ومع هذا، فقد لتوت اليابسات على الخضر حتى غلبتها . ( يا أيها الملأ، أى: الأشراف والعلماء من قومى ((أفتونى فى رؤياى، أى: فسروا لى رؤياى هذه وبينوا لى ما تدل عليه . (( إن كنتم الرؤيا تعبرون)) أى إن كنتم تعرفون تفسيرها وتأويلها معرفة سليمة ، وتعلمون تعبيرها علماً مستمرا . و((تعبرون)) من العبر، وهو اجتياز الطريق أو النهر من جهة إلى أخرى، وسمى المفسر للرؤيا عابرا، لأنه يتأمل فيها وينتقل من كل طرف فيها إلى الطرف الآخر؛ كما ينتقل عابر النهر أو الطريق من جهة إلى أخرى. قال بعض العلماء والتعريف فى ((الملك، للعهد، أى ملك مصر، وسماه القرآن هنا ملكا ولم يسمه فرعون ، لأن هذا الملك لم يكن من الفراعنة ملوك مصر القبط، وإنما كان ملكا لمصر أيام أن حكمها (( الهكسوس)) وهم العمالقة .... الذين ملكوا مصر من ١٩٠٠ قبل الميلاد إلى سنه ١٥٢٥ ق. م ... فالتعبير عنه بالملك هنا، دون التعبيرعنه بفرعون، مع أنه عبرعن ملك مصر فى زمن موسى بفرعون ، يعتبر من دقائق إعجاز القرآن العلمى .... (١) وقال . إنى أرى .. ، بصيغة المضارع، مع أنه قد رأى بالفعل، إستحضاراً لصورة الرؤيا حتى لكأنها مائلة أمامه . (١) تفسير التحرير والتنوير <ـ١٢ ص ٢٨٠ للشيخ محمد الطاهر بن عاشور - ٩١ - وقال ((وأخريابسات)) بدون إعادة لفظ سبع كما فى البقرات، الاكتفاء بدلالة المقابل فى البقرات عليه . قال صاحب الكشاف : فإن قلت: مل فى الآية دليل على أن السفبلات. اليابسة كانت سبعا كالخضر؟ قلت : المكلام مبنى على أقصبابه إلى هذا العدد فى البقرات السمان والعجاف والسنابل الخضر، فوجب أن يتناول معنى الآخر السبع، ويكون قوله ((وأخر يابسات)) بمعنى: وسبعا أخر يابسات، (9)). وفى نداء الملك لقومه بقوله ((يا أيها الملأ أفتونى ... )، تشريف هم، وحض على استعمال عقولهم وعلومهم فى تفسير هذه الرؤيا التى أزعجته . واللام فى قوله ((الرؤيا، لتقوية الفعل ((تعبرون، حيث تأخر عن معمر له. ويبدو أن القوم فى ذلك الزمان ، كان بعضهم يشتغل بتفسير الرؤى ، وكان لهذا التفسير مكانته الهامة فيهم ... فقدمرت بنا رؤيا يوسف ، ورؤيا رفيقيه فى السجن ، ثم جاءت رؤيا الملك منا ، وهذا يشعر بأن انفراد يوسف - عليه السلام - بتأويل رؤبا الملك , فى زمن كثر فيه البارعون فى تأويل الرؤى ، كان بمثابة معجزة أو ما يشبه المعجزة من الله - تعالى - ليوسف - عليه السلام - حتى نزداد مكانته عند الملك وحاشيته . وقوله - سبحانه - ( قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ) حكاية لما رد به الكهان والأشراف على ماطلبه الملك منهم . والأضغاث: جمع ضغت - بكسر الضاد - وهو ماجمع فى حزمة واحدة من مختلف النبات وأعواد الشجر ، فصار خليطا غير متجانس . والأحلام: " جمع حلم وحلم - بإسكان اللام وضمها تبعا للحاء - وهو مايراه (١) تفسير الكشاف حـ ٢ ص٣٢٣. - ٩٢ - الثائم فى منامه ، وتطلق كثيرا على ماليس بحسن ، ففى الحديث الصحيح : ( الرؤيا من الله والحلم من الشيطان)(١). أى: قال الملأ للملك: ما رأيته أيها الملك فى قومك ما هو إلا تخاليط أحلام ومنامات باطلة. فلا تهتم بها . 7: فهم قد شبهوا مارآه بالأضغاث فى اختلاطها، وعدم التجانس بين أطرافها. ثم أضافرا إلى ذلك قولهم: ( وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ). أى: إننا لسنا من أهل العلم بتغير تخاليط الأحلام، وإنما نحن من أهل العلم بتفسير المنامات المعقولة المفهومة . . وقولهم هذا إنما هو اعتذار عن جهلهم، بمعرفة تفسير رؤيا الملك، ويبدو أن الملك كان يتوقع منهم هذا الجهل، كما يشعر به قوله - تعالى - ( إن كنتم الرؤيا تعبرون) فقد أنى بان المفيدة للشك. قال صاحب الكشاف : فإن قلت: ماهو إلا حل واحد فلماذا قالوا أضغاث أحلام جمعوا؟ قلت : عوكما تقول فلان يركب الخيل، ويلبس عمائم الخز ، لمن لا يركب إلا فرسا واحدا وماله إلا عمامة فردة، تزيدا فى الوصف. فهؤلاء أيضا تزيدوا فى وصف الحلم بالبطلان جعلوه أضغاث أحلام . ويجوز أن يكون قد قص عليهم مع هذه الرؤيا سواها)،(٢). ثم بين - سبحانه - ما حدث بعد أن عجز الملا من قوم الملك عن تأويل رؤياه فقال: (وقال الذى نجا منهما) أى: وقال أحد الرجلين اللذين كانا مع يوسف فى السجن ثم خرج منه برينا وهو ساقى الملك . (١) صحيح البخاری - کتاب التعبير « ٩ ص ١٧ (٢) تفسير الكشاف جـ ٢ ـ ٢٢٤ - ٩٣ - - (واذكر بعد أمة) أى: وتذكر بعد حين طويل من الزمان كيف فس يوسف رؤياه تفسيرا صادقا أيام أن كان معه فى السجن . وأصل (ادكر ) إدتكر بوزن افتعل، مأخوذ من الذكر - بتشديد الذ وضمها - قلبت تاء الافتعال دالا لثقلها ولتقارب مخرجيهما، ثم قمبت الذ دالا ليتأتى إدغامها فى الدال ، لأنها أخف من الدال. والأمة: الجماعة التى تؤم ونقصد لأمر ما، والمراد بها هنا: المدة المتطار من الزمان وكان هذا الساقى قدنسى ما أرضاه به يوسف من قوله ( اذكر عندربك) فلما قال الملك ما قاله بشأن رؤياه ، تذكر هذا الساقى حال يوسف قالوا ! وكان ذلك بعد سنتين من خروجه من السجن . وقوله ( أنا أنبشكم بتأويله فأرسلون} أى : قال الساقى الملك وحاشيته أنا أخبركم بتأويله بتفسير رؤيا الملك التى خفى تفسيرها على الملأ من قوم فأرسلون أى : فابعثونى إلى من عنده العلم الصحيح الصادق بتفسيرها . ولم يذكر لهم اسم المرسل إليه، وهو يوسف - عليه السلام - لأنه أو أن يفاجئهم بخبره بعد حصول تأويله للرؤيا، فيكون ذلك أوقع فى قلوبهم وأسمى اشأن يوسف - عليه السلام - . وقال (فأرسلون) ليشعرهم أن هذا التأويل ليس من عند نفسه، وإنما. من عند من سيرسلونه إليه وهو يوسف - عليه السلام - وقوله (يوسف أيها الصديق أفتنا ... ) من بديع الايجاز بالحذف القرآن الكريم، لأن المحذوف لا يتعلق بذكره غرض . أ والتقدير: قال لهم أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون إلى من عنده العلم بذلك فأرسلوه فجاء إلى يوسف فى السجن فقال له: يا يوسف يا أيها الصديق. والصديق: هو الإنسان الذى صار الصدق دأبه وشيمته فى كل أحو ووصفه بلذلك لأنة جرب منه الصدق التام أيام أن كان معه فى السجن. وقوله (( أفتنا، أنى فيسرعانما تلك الرؤيا التى رآها الملك، والتى عجز النا - ٩٤ - عن تفسيرها، وهى أن الملك رأى فى منامه «سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف ، وسبع سنبلات خضر وآخر يابسات)، وقوله (( لعلى أرجع إلى الناس لعلهم يعدمون ) تعليل لطلب الفتوى، وبيان لأهميتها بالنسبة له وليوسف - عليه السلام - أى: فسر لنا هذه الرؤيا, لعلى أرجع إلى الناس، وهم الملك وأهل الحل والعقد فى مملكته، («لعلهم يعدون)) تأويلها، فينتفعون به، وترتفع منزلتك عندهم . وهنا بحد يوسف - عليه السلام - لا يكتفى بتأويل الرؤيا تأويلا مجردا بل يؤولها تأويلا صادقا صحيحا, ومعه النصح والإرشاد إلى ما يجب عمله فى مثل هذه الأحوال، فقال: ((كما حكى القرآن عنه -: «قال تزرعون سبع سنين دأبا ..... ، وتزرعون هنا خبر فى معنى الأمر ، بدليل قوله بعد ذلك، ((فذروه )) وعبر عن الأمر بالمضارع مبالغة فى التعبير عن إستجابتهم لنصيحته ، فكأنهم قد امتثلوا أمره، وهو يخبر عن هذا الإمتثال . و «دأبا، مصدر دأب على الشىء إذا استمر عليه ولازمه. يقال داب فلان على فعل هذا الشىء يدأب دأبا ودأبا إذا داوم عليه، وهو حال من ضمير (((تزرعون)) أى قال يوسف للساقى. فماجع إلى قومك فقل لهم إن يوسف يأمركم أن تزرعوا أرضكم سبع سنين زراعة مستمرة على حسب عادتكم. «فما حصدتم» من زرعكم فی کل سنه « فذروه فى سنبله ، أى : فأتر کوا الحب فى سنبله ولا تخرجوه منها حتى لا يتعرض للتلف بسبب السوس أو ما يشبهه ((إلا قليلا مما تأكلون)، أى: اتركوا الحب فى سنبله فلا تخرجوه منها ، إلا شيئا قليلا منه فأخرجوه من السنابل لحاجتكم إليه فى مأكلكم. وفى هذه الجملة إرشاد لهم إلى أن من الواجب عليهم أن يقتصدوا فى مأكولاتهم إلى أقصى حد ممكن لأن المصلحة تقتضى ذلك . - ٩٥ - قال القرطى: هذه الآية أصل فى القول بالمصالح الشرعية التى هى حفظ الأديان والنفوس والعقول والأنساب والأموال ؛ فكل ما تضمن تحصيل شى من هذه الأمور فهو مصلحة ، وكل ما يفوت شيئا منها فهو مفسدة ودفع مصلحة ، ولاخلاف أن مقصود الشرائع إرشاد الناس إلى مصالحهم الدنيو. ليحصل لهم التمكن من معرفة الله - تعالى - وعبادته الموصلتين إلى السعاد الأخروية، ومراعاة ذلك فضل من الله - عز وجل - ورحمته رحم: عباده .... . (١). وقوله (( ثم يأتى من بعد ذلك، أى: من بعد تلك السنين السبع المذكور اه التى تزرعونها على عادتكم المستمرة فى الزراعة . , سبع شداد، أى: سبع سنين صعاب على الناس، لما فيهن من الجدد والقحط, يأكلن ما قدمتم لهن، أى: يا كل أهل تلك السنين الشداد، كـ ما أدخروه فى السنوات السبع المتقدمة من حبوب فى سنابلها . وأسند الأكل إلى السنين على سبيل المجاز العقلى ، من إسناد الشي إلی زمانه . وقوله (( إلا قليلا مما تحصنون)) أى: أن تلك السنين المجدية ستأكلو فيها كل ما ادخر تموه فى السنوات السابقة ، إلا شيئا قليلا منه يبقى محرزا لتنتفعوا به فى زراعتكم لأرضكم . فقوله ((تحصنون)) من الإحصان بمعنى الإحراز والإدخار، يقال أحص فلان الشىء، إدا جعله فى الحصن، وهو الموضع الحصين الذى لا يوصل ! إلا بصعوبة . وحاصل تفسير يوسف - عليه السلام - لتلك الرؤيا: أنه فسر البقرا السمان والسفبلات الخضر، بالسنين السبع المخصبة ، وفر البقرات العجا (١) تفسير القرطبى ج ٩ ص ٢٠٣ - ١٦ - والسنبلات اليابسات بالسنين السبع المجدية التى ستأتى فى أعقاب السنين المخصبة وفسر ابتلاع البقرات العجاف للبقرات السمان، بأكلهم ما جمع فى السنين. المخصبة ؛ فى السنين المجدية . ولقد كان هذا التأويل أرؤيا الملك تأويلا صحيحا صادقا من يوسف. - عليه السلام - ، بسببه أنقذ الله - تعالى - مصر من مجاعة سبع سنين. وقوله: ثم يأتى من بعد ذلك عام فيه يغات الناس وفيه يعصرون)، تبشير لهم بأن الخير سيأنيهم بعدتلك السنوات الشداد، فقد جرت سنة الله - تعالى- أن يعقب العر باليسر . ولفظ «بغات، من الغوث بمعنى إزالة الهم والكرب عن طريق الأمطار التى يسوقها الله - تعالى - لهم بعد تلك السنوات الشداد التى قلى فيها المطر يقال: غاث الله - تعالى - البلاد غيها، إذا ساق لها المطربعد أن يتسوا من نزوله. ويعصرون من العصر وهو الضغط على ما من شأنه أن يعصر ، لإخراج ما فيه من مائع سواء كأن هذا المائع زيتا أم ما. أم غيره). أى : ثم يأتى من بعد تلك السنين السبع الشداد، عام فيه تزول الجموم والكروب ونقص الأموال عن الناس، بسبب إرسال الله - تعالى - المطر عليهم ، فتخضر الأرض وتنبت من كل زوج بهيج ، وفيه يعصرون من ثمار مزروعاتهم ما من شأنه أن يعصر الزيتون وما يشبهه . وهذا كنايه عن بدء حلول الرخاء به ، بعد تلك السنوات الشداد وما قاله يوسف - عليه السلام - عن هذا العام الذى يأتى فى أعقاب السنوات السبع الشداد، لا مقابل له فى رؤيا الملك ، بل هو خارج عنها ، وذلك لزيادة التبشير الملك وللقاسر، ولا فهامهم أن هذا العلم إنما يوحى من الله - تعالى - الذى يجب أن يخلص له الجميع العبادة والطاعة . وإلى هنا نرى أن يوسف - عليه السلام - قد فر رؤيا الملك تفسيرا سليما حكماء من نتائجه الخير للملك رقومه ..... م - ١٧ - فإذا فعل الملك مع يوسف - عليه السلام - بعد ذلك ؟ لقد قص علينا القرآن الكريم ماطلبه الملك من حاشيته ومارد به يوسف - عليه اسلام - على رسول الملك، وما قالته النسوة وأمرأة العزيز فى شأن يوسف وما طلبه . عليه السلام - من الملك، إستمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى كل ذلك بأسلوبه الخاص فيقول : ((وقالَ الملِكُ اثْتُونى به، فلمَّا جاءَهُ الرسولُ قال ارجع إلى ربَّكَ فاسْأَلْهُ ما بالُ النِّسوةِ اللَّتِى قَطَّعن أيديَهُن إن ربِّ بَكيد هنَّ عليمٌ (٥٠) قالَ مَا خَطِبُكُنَّ إِذْرَاودتُنَّ بِ سفَ عن نفسِهِ، قلنَ حاشَ بِه ما علمنا عليه من سوء، قالتِ امرأةُ العزيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحقُّ، أنا راودتُه عن نفسهٍ وإنَّه لمن "صِّادقينَ (٥١) ذلِكَ ليعلم أَبِّى لم أَخُتْه بالغيب وأَنَّ اللّهَ لا يهدِى كيدَ الخائنينَ (٥٢) وما أبرىء نفسِى إن النفسَ لأمارةٌ بالسوء إلا ما رَحِمَ ربى إنْ رَبِى غفورٌ رحيمٌ (٥٣) وقالَ الملكُ انْتُوْنِى به أَستخْلِصْه لنفسِى، فلمَّا كُلَّه قالَ إنك اليومَ لدَيْنَا مَكِينٌ أَمينٌ (٥٤) قالَ اجمْنِى على خزائنِ الأرضِ إنى حفيظٌ عليمٌ (٥٥) وكذلِكَ مَكَّنًا ليوسفَ فى الأرضِ يتبوأ منها حيث يشاء نصيبُ برحمتنا من نشاء ولا نضيعُ أجر المحسنين (٥٦) ولْأجْرُ الآخرةِ خيرٌ للذين آمنوا وكانوا يتقونَ (٥٧))). فقوله - سبحانه - ((وقال الملك التونى به .... حكاية لما طلبه الملك فى ذلك الوقت من معاونيه فى شأن يوسف - عليه السلام -، وفى الكلام حذف يفهم من المقام، والتقدير : ٧ - - ٩٨ وقال الملكبعد أن سمع من ساقيه ما قاله يوسف فى تفسير الرؤيا، أحضروا لى يوسف هذا لأراه وأسمع منه ، وأستفيد من علمه. وهذا يدل - كما يقول الامام الرازى - على فضيله العلم، فإنه - سبحانه. جعل ما عليه ليوسف سببا لخلاصه من المحنة الدنيوية ، فكيف لا يكون العلم سببا للخلاص من المحن الأخروية؟ (١). و قوله - سبحانه - « فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللافى قطعن أيديهن، إن ربى بكيدهن عليم، بيان لما قاله يوسف .... - عليه السلام - لرسول الملك . أى : فلما جاء رسول الملك إلى يوسف ليخبره بأن الملك يريد لقاءه، وقال له يوسف بأناة وإباء: ارجع إلى ((ربك)، أى إلى سيدك الملك , فاسأله)، قبل خروجى من السجن وذهابى إليه «مابال النسوة اللاتى قطعن أيدين، أى: ماحالطن، وما حقيقة أمرهن معى، لأن الكشف عن حقيقة أمرهن معنى يهمنى أن يكون واضحا فى الأذهان والعقول، حتى يعرف الجميع أننى برى. ، وأننى فقى العرض طاهر الذيل . والمراد بالسؤال فى قوله «إرجع إلى ربك فاسأله ... ، الحث والتحريض على معرفة حقيقة أمر النسوة اللائى قطعن أيديهن ... ولم يكشف له يوسف عن حقيقة أمرمن معه لزيادة تهييجه على البحث والتقصى إذ من شأن الإنسان - خصوصا إذا كان حاكما - أن يأنف من أن يسأل عن شىء مهم. ثم لا يهتم بالإجابة عنه . وقد آثر يوسف - عليه السلام - أن يكون هذا السؤال وهو فى السجن، لتظاهر الحقيقة خالصة ناصمة ، دون تدخل منه فى شأنها . - وجعل السؤال عن النسوة اللاتى قطعن أيديهن دون امرأة العزيز، وفاء (١) تفسير الفخر الرازى = ١٨ ص ١٥١ - ٩٩ - بحق زوجها ، واحترازا من مكرها، ولأنهن كن شواهد على إقرارها بأنها" قد راودته عن نفسه، فقد قالت أمامهن بكل تبجح وتكثف ((فذلكن الذى رئلتننى فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن أوليكونا من الصاغرين). واكتفى بالسؤال عن تقطيع أيديهن ، دون التعرض لكيدهن له ، سترا لهن، وتنزها منه - عليه السلام - عن ذكر هن بما يسوؤهن. ولذا فقد اكتفى بالإشارة الإجمالية إلى كيدهن، وفوض أمرهن إلى الله - تعالى - فقال: ((إن ربى بكيدمن عليم)). أی إن ربی وحده هو العلم مکرهن بی، وکیدهن لى، وهو - سبحانه - هو الذى يتولى حسابهن على ذلك . ولا شك فى أن امتناع يوسف - عليه السلام - عن الذهاب إلى الملك إلا بعد التحقيق فى قضيته، يدل دلالة واضحة على صبره، وسمو نفسه، وعلو همته ولقد أجاد صاحب الكشاف فى تعليله لامتناع يوسف عن الخروج من السجن للقاء الملك إلا بعد أن تثبت براءته فقال : « إنما تأنى وتثبت يوسف فى إجابة الملك، وقدم سؤال النسوة، ليظهر براءة ساحته عما قرف به وسجن فيه، لئلا يتسلق به الحاسدون إلى تقبيح أمره عنده، ويجعلوه سلما إلى حط منزلته لديه، ولئلا يقولوا: ماخلد فى السجن إلا لأمر عظيم، وجرم كبير، حق به أن يسجن ويعذب، ويستكف شره. وفيه دليل على أن الإجتهاد فى فنى التهم ، واجب وجوب التقاء الوقرف فى مواقفها)، (١) . وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية بعض الأحاديث فى فضل يوسف - عليه السلام - فقال ما ملخصه : : (١) تفسير الكشاف = ٢ ٣٢٥ - ١٠٠ - وقد وردت السنة بمدحه على ذلك - أى على امتناعه من الخروج من السجن حتى يتحقق الملك ورعيته من براءة ساحته ونزاهه عرضه - ففى الصحيحين عن أبى هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: نحن أحق بالشك من أبراهيم، إذ قال: رب أرنى كيف تحمي الموتى؟ قال : أو لم تؤمن؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبى، ويرحم أنه لوطا، لقد كان يأوى إلى ركن شديد. ولو لبثت فى السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعى)). وروى الإمام أحمد عن أبى هريرة فى قوله - تعالى - ((فاسأله مابال النسوة اللافى قطعن أيديهن ... ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: «لوكنت أنا لأسرعت الإجابة ، وما أبتغيت العذر ، . وروى عبد الرزاق عن عكرمة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه، واقمه يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ، ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى أشترط أن يخرجونى. ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له، حين أتاه الرسول، ولو كنت مكانه لبادرتهم إلى الباب، ولكنه أراد أن يكون له العذر )(١), هذا، وقوله - سبحانه ــ , قال ماخطبكن إذا رأودن يوسف عن نفسه)) حكاية لما فعله الملك بعد أن بلغه الرسول بما طلبه بوسف منه . وفى الكلام حذف يفهم من السياق، والتقدير : وبعد أن رجع رسول الملك إليه وأخبره بما قاله يوسف ، استجاب الملك لما طلبه يوسف منه، فأحضر النسوة وقال هن: ماخطبكن إذراودتن يوسف عن نفسه .. والخطب: مصدر خطب يخطب ، ويطلق - غالبا - عنى الأمر المهم الذى يجعل الناس. يتحدثون فيه كثيرا , وجمه خطوب. (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ٥ ٣١٧. وما ورد فى هذه الأحاديث إنما هو من باب التواضع من سيدنا رسول الله - صل الله عليه وسلم - وإلا فإنه- صلى الله عليه وسلم - أقوى الرسل عزما، وأرفعهم مقاما، وأشدهم صبرا.